Полный текст (857 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وبسطنا الكلام في هذا النوع لكونه وقع في الكتاب مختصرًا، مع أنه من أجل الأبواب، فإنه أحكام محضة ويكثر استعماله بخلاف غيره، والله أعلم.
الحواشي
(١) = التحصيل، ص ٤٤ - ٤٧ و ٩٦؛ مناقب الشافعي ٢/ ٣١؛ ومعرفة السنن والآثار (ج ١/ ٣٠)؛ والمدخل إلى دلائل النبوة (٥/ ب)؛ مختصر المزني في آخر كتاب الأم ٨/ ١٧٦؛ الكفاية، ص ٤٠٤ - ٤٠٥؛ كتاب المجموع ١/ ١٠٤؛ النكت ٢/ ٣٤٢.
فائدة: قال السخاوي: المرسل مراتب - أعلاها، ما أرسله صحابي ثبت سماعه، ثم صحابي له رؤية فقط ولم يثبت سماعه، ثم المخضرم، ثم المتقن كسعيد بن المسيب، ويليها من كان يتحرى في شيوخه كالشعبي ومجاهد ودونها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد كالحسن. فتح المغيث ١/ ١٤٨؛ قواعد التحديث، ص ١٤٤.стр. 177
النوع العاشر: المنقطع
الصحيح الذي ذهب إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم والخطيب (١) وابن عبد البر (٢) وغيرهما من المحدثين: أن المنقطع، ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان الانقطاع (٣) ، إلا أن أكثر ما يوصف، بالانقطاع (أ) في الاستعمال، رواية (ب) من دون التابعي عن الصحابي كمالك عن ابن عمر (٤) .
وقد تقدم (٥) عن الحاكم، أن المنقطع ما اختل فيه قبل الوصول إلى الحواشي
(١) الكفاية، ص ٢١.(٢) التمهيد ١/ ٢١، وقال: المنقطع عندي كل ما لا يتصل سواء كان يعزى إلى النبي ﷺ أو إلى غيره. انتهى.(٣) أي سواء كان الساقط منه واحد أو اثنين فصاعدًا، وسواء كان هذا الساقط من موضع واحد أو أكثر، وسواء كان على جهة التوالي أولًا، وسواء يعزى إلى النبي ﷺ ، أو إلى غيره، أي فيدخل فيه المرسل والمعضل والمعلق والموقوف على الصحابي، فتح المغيث ١/ ١٤٩ - ١٥٠.(٤) الكفاية، ص ٢١، ونص كلامه: المنقطع مثل المرسل إلا أن هذه العبارة تستعمل غالبًا في رواية من دون التابعي عن الصحابة مثل أن يروي مالك بن أنس عن عبد الله بن عمر ﵄. انتهى.(٥) أي في بحث المرسل، ص ١٦٨.стр. 178
التابعي (١) رجل، سواء كان محذوفًا أو مذكورًا مبهمًا، كرجل (٢) وشيخ ونحوه (٣) وحكى الخطيب عن بعض (٤) العلماء أنه ما روى عن التابعي أو من دونه موقوفًا عليه من قوله أو فعله (٥) . وهذا غريب (٦) الحواشي
(١) قال العراقي: قول الحاكم: قبل الوصول إلى التابعي. ليس بجيد، فإنه لو سقط التابعي كان منقطعًا أيضًا، فالأولى أن يعبر: بقبل الصحابي. ووافقه عليه محمد بن إبراهيم الوزير. التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٩؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٢٤. وقال السخاوي: بين الحاكم، أن المنقطع على ثلاثة أنواع، فأولها رواية أبي العلاء بن الشخير عن رجلين من بني حنظلة عن شداد بن أوس الصحابي. وثانيهما، ما أتى فيه الإِبهام في بعض الروايات مع كونه مسمى في رواية أخرى. والثالث، ما في سنده قبل الوصول إلى التابعي الذي هو محل الإِرسال راو لم يسمع من الذي فوقه، وذكر له مثالًا فيه قبل التابعي الذي هو محل الإرسال راو لم يسمع من الذي فوقه، وذكر له مثالًا فيه قبل التابعي سقط من موضعين، فظهر أنه لم يحصر المنقطع في الساقط قبل الوصول إلى التابعي، بل جعله نوعًا منه وهو كذلك بلا شك. فتح المغيث ١/ ١٥٠.(٢) قلت: كلام الحاكم ليس على إطلاقه كما قال المصنف، بل فيه تفصيل، وهو أنه كان لا يروى إلا من طريق واحدة مبهمة فهو يسمى منقطعًا، وإن روى من طريق مبهمة وطريق مفسرة، فلا يسمى منقطعًا لمكان الطريق المفسرة. ولكن لم يسلم هذا القول للحاكم، بل رد عليه العلائي والعراقي وابن حجر ومحمد بن إبراهيم بن الوزير، وقالوا: بل هو متصل في إسناده مجهول.
وقال السخاوي: لكن ليس ذلك على إطلاقه، بل هو مقيد بأن يكون المبهم صرح بالتحديث ونحوه، لاحتمال أن يكون مدلسًا، وهو ظاهر. جامع التحصيل، ص ١٠٨؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٥؛ النكت ١/ ٣٤٩؛ توضيح الأفكار ١/ ٣١٦؛ فتح المغيث ١/ ١٤٤.(٣) انظر: قول الحاكم في معرفة علوم الحديث، ص ٢٧، ٢٨.(٤) المراد هنا ببعض العلماء هو الحافظ أبي بكر أحمد بن هارون بن روح البرد يحيى البردعي. التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٤؛ النكت ٢/ ٣٦١؛ فتح المغيث ١/ ١٠٦.(٥) الكفاية، ص ٢١.(٦) لأن المعروف، أن ذلك مقطوع لا منقطع، كما تقدم. التدريب ١/ ٢٠٨.стр. 179
الحواشي
(١) قلت: هذه الأقوال الثلاثة ليس فيها تفريق جيد بين المرسل والمنقطع، وأكثر المحدثين على التغاير بينهما عند إطلاق اسمهما ولذلك، ينبغي أن يعرف المنقطع بحيث يفترق عن المرسل كما فرق بينهما العراقي وابن حجر ومحمد بن إبراهيم الوزير، وخلاصة قولهم: المنقطع هو ما سقط من رواته راو واحد غير الصحابي أو أكثر بشرط عدم التوالي. فبشرط غير الصحابي افترق عن المرسل، وبشرط عدم التوالي امتاز عن المعضل. التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٨؛ نزهة النظر، ص ٤٢؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٢٤.стр. 180
النوع الحادي عشر: المعضل
أصحاب الحديث يقولون: أعضله، فهو معضل (١) بفتح الضاد، وهو عبارة عن ما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا (٢) ، كقول مالك وغيره من تابعي التابعين: قال رسول الله ﷺ ، وكقول الشافعي وغيره من أتباع الأتباع: قال أبو بكر أو عمر ﵄. ويسمى منقطعًا كما سبق (٣) ويسمى مرسلًا عند جماعة كما تقدم (٤) .
ومن المعضل قول الفقهاء وغيرهم: قال (٥) رسول الله صلى الله الحواشي
(١) المعضل، هو بفتح المعجمة من الرباعي والمتعدي، يقال: أعضل الداء الأطباء، أي أعياهم وغلبهم، وداء عضال هو معي غالب.
انظر: القاموس، مادة (ع ض ل).
وسمي الحديث معضلًا، لأن المحدث الذي حدث الحديث بهذا الطريق فقد أعضله حيث ضيق المجال على من يرويه، وحال بينه وبين معرفة رواته بالجرح والتعديل، وشدد عليه الحال. النكت ٢/ ٣٦٧؛ فتح المغيث ١/ ١٥١؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٢٧.(٢) لكن بشرط التوالي، أما إذا لم يتوالى فهو منقطع من موضعين.
قال العراقي: لم أجد في كلامهم إطلاق المعضل عليه. التذكرة والتبصرة ١/ ١٦٠؛ التقييد والإِيضاح، ص ٨١؛ فتح المغيث ١/ ١٥٢؛ التدريب ١/ ٢١١.(٣) أي في بحث المنقطع من قول الخطيب وابن عبد البر وغيرهما، ص ١٨٠.(٤) أي في بحث المرسل من قول الخطيب وغيره من أهل الفقه والأصول، ص ١٦٨، ١٦٩.(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ٥٥؛ اختصار علوم الحديث، ص ٥١.стр. 181
عليه وسلم. وذكر أبو نصر السجزي (١) الحافظ: قول (أ) الراوي: بلغني (٢) ، نحو قول مالك: بلغني عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: للملوك طعامه وكسوته (٣) . وقال: أصحاب الحديث يسمونه المعضل.
وإذا روى تابع التابعي عن (ب) التابعي حديثًا، وقفه عليه، الحواشي
(١) هو الإمام الحافظ علم السنة أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي البكري السجزي نزيل الحرم ومصر، صاحب الإبانة الكبرى في مسألة القرآن. توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة. المنتظم ٨/ ٣١٠؛ تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٨؛ اللباب ٣/ ٣٥٢.(٢) قد سبق لي أن ذكرت في بحث المنقطع أن قول المحدث: حدثني فلان عن رجل. منقطع عند الحاكم لكون الرجل مبهمًا بشرط ألا يروى من طريق واحدة، فإن روى من طريقين، مبهمة ومفسرة، لا يسمى منقطعًا لمكان الطريق المفسرة، وقلت: هناك: إنّ هذا القول ليس بمسلم للحاكم، بل رد عليه الناس وقالوا: بل هو متصل في إسناده مجهول، ولو لم يكن له طريق آخر، وقال ابن حجر والسخاوي: قول مالك: بلغني عن أبي هريرة ﵁. يقتضي مبلغًا، قلت: فهو على هذا من قبيل إسناد فيه مجهول. فقول أبي نصر السجزي مردود على مذهب الإمام الحاكم وعلى مذهب غيره. أما على مذهب الحاكم فلورود الحديث المذكور من عدة طرق، كما هو ظاهر من التخريج فيما بعد، وأما على مذهب الجمهور، فلاقتضاء هذا السند مبلغًا، وهو من قبيل إسناد فيه مجهول فخرج الحديث الممثل به بهذا التقرير من ورطة الاعضال، فتأمل.(٣) وتمام الحديث: بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق.
انظر: الموطأ، باب الأمر بالرفق بالمملوك ٣/ ١٤٥، مع تنوير الحوالك ومسلم، باب إطعام المملوك مما يأكل ٣/ ١٢٨٤، (ح رقم ١٦٦٢، ومسند أحمد ٢/ ٣٤٢، ٢٤٧ كلاهما موصولًا، ومعرفة علوم الحديث، ص ٣٧، متصلًا ومعضلًا.стр. 182
وهو مرفوع متصل عند ذلك التابعي، فقد جعله الحاكم نوعًا من المعضل (١) ، وهذا حسن (أ)، لأن التابعي أعضله فأسقط اثنين، الصحابي ورسول الله ﷺ (٢) .
فروع
أحدها: الإسناد المعنعن (٣) ، وهو الذي فيه فلان عن فلان. ذهب بعض العلماء إلى أنه مرسل (٤) ، والصحيح الذي عليه العمل وقاله جمهور العلماء المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول وغيرهم، أنه متصل (٥) . وقد الحواشي
(١) معرفة علوم الحديث، ص ٣٧.(٢) قال الجوزجاني بسنده إلى عبد الرحمان بن مهدي قال: إن المنقطع عندنا أسوأ حالًا من المرسل والمعضل عندنا أسوأ حالًا من المنقطع. الأباطيل ١/ ١٢؛ النكت ٢/ ٣٦٨؛ فتح المغيث ١/ ١٥٤؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٢٩.(٣) هو لغة من عنعن الحديث عنعنة، وهو مصدر جعلي مأخوذ من لفظ "عن فلان" كأخذهم حولق وحوقل، من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
واصطلاحًا: إذا رواه بلفظ "عن" من غير بيان للتحديث أو الاخبار أو السماع. فتح المغيث ١/ ١٥٥؛ التدريب ١/ ٢١٤؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٣٠.(٤) التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٤؛ فتح المغيث ١/ ١٥٨، وقال: نقله الرامهرمزي في المحدث الفاصل عن بعض المتأخرين من الفقهاء. انتهى.
مقدمة شرح مسلم، ص ٣٢؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٣٥، وقال: نقل عن النووي أنه قال: هذا المذهب مردود بإجماع السلف. انتهى.(٥) مقدمة صحيح مسلم، ص ١٣٠؛ مقدمة شرح مسلم، ص ٣٢؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٣؛ فتح المغيث ١/ ١٥٥؛ التدريب ١/ ٢١٤؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٣٠.стр. 183
أودعه المشترطون (١) للصحيح الذين (أ) لا يقولون بالمرسل (ب) تصانيفهم، وادعى أبو عمرو الداني (٢) إجماع أهل النقل عليه (٣) . وكاد (ج) ابن عبد البر يدعي إجماع أهل الحديث عليه (٤) . وهذا إذا أمكن لقاء الذين أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضًا مع براءتهم من التدليس. الحواشي
(١) في إطلاق هذا القول نظر لأن البخاري (مصنف أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى) لم يودع كتابه شيئًا من هذا لأنه من المعلوم لا يكتفي بإمكان اللقاء بل يشترط ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة، وقد ذكر المصنف نفسه في آخر هذا الفرع مذهب البخاري، فقال: إن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة الحديث علي بن المديني والبخاري وغيرهما.
وأما مسلم ﵀ فلا شك أن هذا مذهبه ولكنه أيضًا لم يودع شيئًا منه في كتابه، كما قال بدر بن جماعة: واكتفى مسلم بثبوت المعاصرة، وهذا مذهبه مع عدم تحقق عمله به في كتابه. وقال المصنف في مقدمة شرح مسلم: وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب لكونه يجمع طرقًا كثيرة يتعذر معها وجود هذا الحكم الذي جوزه. فما أدرى كيف خالف قوله هنا؟ المنهل الروي (١/ أ)؛ مقدمة شرح مسلم، ص ١٤.(٢) هو الإِمام الحافظ شيخ الإِسلام أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمرو الداني القرطبي المقري صاحب التصانيف، عرف بالداني لسكناه بدانية. مات سنة أربع وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٢٠؛ شذرات الذهب ٣/ ٢٧٢.(٣) معرفة علوم الحديث، ص ٣٤؛ الكفاية، ص ٢٩١؛ اختصار علوم الحديث، ص ٥٢.(٤) لا حاجة إلى قول المصنف: وكاد. فقد ادعى الإِجماع. فقال في مقدمة التمهيد: أعلم وفقك الله أني تأملت أقاويل أئمة الحديث ونظرت في كتب من اشترط =стр. 184
واختلف (١) في اشتراط ثبوت اللقاء (١) بينهما، وفي اشتراط طول الصحبة. فمنهم من اشترط ثبوت اللقاء فحسب قاله أبو بكر الصيرفي (٢) وغيره.
وقال أبو المظفر السمعاني (٣) : يشترط طول الصحبة بينهما (٤) . الحواشي
(١) قاله الصيرفي في شرح الرسالة - قلت: وهو مقتضى كلام الشافعي في الرسالة حيث قال: وكان قول الرجل: سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا وقوله: حدثني فلان عن فلان سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عن من لقي، إلا ما سمع منه، ممن عناه بهذا الطريق قبلنا منه حدثني فلان عن فلان. الرسالة، ص ٣٧٨، ٣٧٩.
فذكر أنه إنما قبل العنعنة لما ثبت عنده أن المعنعن غير مدلس، وإنما يقول: عن فيما سمع فأشبه ما ذهب إليه البخاري من أنه إذا ثبت اللقي ولو مرة حملنا عنعنة غير المدلس على السماع مع احتمال أن لا يكون سمع بعض ذلك وعزاه المصنف إلى المحققين. مقدمة شرح مسلم، ص ٣٢؛ فتح المغيث ١/ ١٥٧.(٢) هو الإِمام الأصولي الفقيه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي المعروف بالشافعي المعروف بالصيرفي وهي نسبة إلى الصيارفة الذين يبيعون الذهب، له تصانيف في أصول الفقه، وشرح رسالة الشافعي، كان فهمًا عالمًا، مات سنة ثلاثين وثلاثمائة. اللباب ٢/ ٢٥٤؛ شذرات الذهب ٢/ ٣٢٥.(٣) هو الإِمام فقيه خراسان أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار أحمد التميمي السمعاني الحنفي ثم الشافعي، مات سنة تسع وثمانين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٢٧؛ اللباب ٢/ ١٣٩.(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٠؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٤؛ التدريب ١/ ٢١٥.стр. 185
وقال أبو عمرو (أ) المقري (١) : يكون معروفًا بالرواية عنه (٢) . وقال (ب) أبو الحسن القابسي (٣) : إذا أدركوا إدراكًا بينًا (٤) .
وأنكر (ج) مسلم في خطبة صحيحة على بعض أهل عصره حيث اشترط في العنعنة ثبوت اللقاء وادعى مسلم بن الحجاج أن هذا الشرط مخترع لم يسبق قائله إليه وإن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا: أنه يكفي لكونهما في عصر واحد وإن لم (د) يأت في خبرٍ قط أنهما اجتمعا (٥) . وقد رد هذا القول على مسلم (٦) ، وقيل: أن الحواشي
(١) هو أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني.(٢) انظر: الهامش رقم ٤، ص ١٨٧.(٣) هو الحافظ المحدث الفقيه الإِمام علامة المغرب أبو الحسن علي بن محمد بن خلف العافري الفروى القابسي، كان زاهدًا ورعًا معترفًا بفضله حافظًا للحديث والعلل، مات سنة ثلاث وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٧٩؛ شذرات الذهب ٣/ ١٦٨.(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٠؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٤؛ مقدمة شرح مسلم، ص ٣٢؛ التدريب ١/ ٢١٥.(٥) مقدمة صحيح مسلم، ص ١٣٠؛ الموقظة (٣٣/ ألف من مجموع رقم ١٠٠٥)؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٣؛ فتح المغيث ١/ ١٥٧؛ التدريب ١/ ١١٥؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٣١.(٦) قال السخاوي: ووجهه فيما يظهر، ما علم من تجويز أهل ذلك العصر للإرسال، فلو لم يكن مدلسًا، وحدث بالعنعنة عن بعض من عاصره، لم يدل ذلك على أنه سمع منه، لأنه وإن كان غير مدلس، فقد يحتمل أن يكون أرسل عنه لشيوع =стр. 186
القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة الحديث على ابن المديني، والبخاري (١) وغيرهما، والله أعلم.
قال الشيخ ﵀ وكثر في عصرنا وما قاربه استعمال عن في الإِجازة، فإذا قال أحدهم: قرأت على فلان عن فلان، أو نحوه، فاعلم أنه رواه عنه بالإِجازة ولا يخرجه ذلك عن الاتصال (٢) . الحواشي
(١) ادعى ابن كثير في اختصار علوم الحديث، إن البخاري إنما التزم ذلك في جامعه، لا في أصل الصحة. انتهى. قال ابن حجر أخطأ ابن كثير في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصول الصحة عند البخاري، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك. اختصار علوم الحديث، ص ٥٢؛ النكت ٢/ ٣٨٠؛ مقدمة الفتح، ص ١٢؛ فتح المغيث ١/ ١٥٧.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٥٦.
قال السخاوي: وإنما لم يثبت ابن الصلاح الحكم في أنه رواه بالإِجازة، لكونه كان قريبًا من وقت استعمالهم لها كذلك وقبل فشوه، وأما الآن فقد تقرر واشتهر فليجزم به. فتح المغيث ١/ ١٦٣؛ قلت سوف يأتي تحقيقه في بحث الإجازة، ص ٣٦٨، ٣٦٩.стр. 187
الفرع الثاني: اختلفوا في قول الراوي: أن فلانًا قال كذا، مثاله مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب قال: كذا، هل هو بمنزلة عن في حمله على الاتصال إذا وجد الشرط (١) الذي تقدم (٢) ، أم يكون مطلقه (أ) محمولًا على (ب) الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر من جهة أخرى، فقال أحمد (٣) بن حنبل الحواشي
(١) أي إذا أمكن لقاء الذين أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضًا، مع براءتهم من التدليس.(٢) أي في الفرع الذي قبل هذا في ص ١٨٦.(٣) ذكر الخطيب قولي الإِمام مالك وأحمد، فقال: قال الإِمام أحمد: كان مالك زعموا يرى "عن فلان"، وأن فلانًا سواء.
وقال: قيل لأحمد: أن رجلًا قال: عن عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله. وعن عروة عن عائشة: هل هما سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليسا بسواء.
قال ابن حجر: قلت: ليس كلام كل منهما على إطلاقه، وذلك يتبين من نص سؤال كل منهما. قال: أما قول مالك، فهو واضح. ثم ساق النص المذكور عن الإِمام أحمد، وقال: فقد ظهر الفرق بين مراد مالك وأحمد. وحاصله أن الراوي إذا قال: عن فلان. فلا فرق أن يضيف إليه القول أو الفعل في اتصال ذلك عند الجمهور بشرطه السابق (يعني اللقاء بين المعنعن وشيخه وبراءته من التدليس). وإذا قال: إن فلانًا. ففيه فرق، وذلك أن ينظر، فإن كان خبرها قولًا لم يتعد لمن لم يدركه، التحقت بحكم "عن" بلا خلاف. كأن يقول التابعي: إن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت. فهو نظير ما لو قال: عن أبي هريرة أنه قال: سمعت كذا.
وإن كان خبرها فعلًا، نظر، إن كان الراوي أدرك ذلك التحقت بحكم "عن" وإن كان لم يدركه لم تلتحق بحكمها. الكفاية، ص ٤٠٧؛ النكت ٢/ ٣٧٩؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٨؛ فتح المغيث ١/ ١٦٢؛ التدريب ١/ ٢١٧.стр. 188
ويعقوب (١) بن شيبة وأبو بكر البرديجي (٢) : مطلقه محمول على الانقطاع (٣) . الحواشي
(١) هو الحافظ العلامة أبو يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت بن عصفور السدوسي البصري، نزيل بغداد صاحب المسند الكبير المعلل، ما صنف مسند أحسن منه لكنه ما أتمه، مات سنة إثنتين وستين ومائتين. تاريخ بغداد ١٤/ ٢٨١؛ تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٧٧.
قال ابن الصلاح: قال ابن شيبة: هذا القول في مسنده، فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير. عن ابن الحنفية عن عمار ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه فرد على السلام، وجعله مسندًا موصولًا. وذكر رواية قيس بن سعد لذلك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحنفية: أن عمار أمر بالنبي ﷺ وهو يصلي. فجعله مرسلًا من حيث كونه قال: إن عمارًا فعل، ولم يقل: عن عمار.
قال العراقي: إن ابن الصلاح لم يفهم قصد ابن شيبة. وبيان ذلك، أن يعقوب، لم يجعله مرسلًا من حيث لفظ "أن" وإنما جعله مرسلًا من حيث أنه لم يسند حكاية القصة إلى عمار، وإلا فلو قال: إن عمارًا قال: مررت بالنبي ﷺ ، لما جعله مرسلًا، فلما أتى به بلفظ "أن عمار مر"، كان محمد بن الحنفية هو الحاكي لقصة لم يدركها، لأنه لم يدرك مرور عمار بالنبي ﷺ ، فكان نقله لذلك مرسلًا. انتهى. وقال ابن حجر والسخاوي بمعناه. مقدمة ابن الصلاح، ص ٥٨؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٠؛ النكت ٢/ ٣٧٧؛ فتح المغيث ١/ ١٦٠؛ التدريب ١/ ٢١٧.(٢) هو الإِمام الحافظ الثبت أبو بكر أحمد بن هارون بن روح البرديجي البردعي نزيل بغداد، مات سنة إحدى وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٥/ ١٩٤؛ تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٤٦.(٣) انظر قول البرديجي في التمهيد ١/ ٢٩، وبقية كلامه: حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من طريق آخر، أو يأتي ما يدل على أنه قد شهده وسمعه. انتهى.
قال السخاوي: لم ينفرد البرديجي بذلك. فقد قال أبو الحسن الحصار: إن فيها اختلافًا، والأولى أن تلحق بالمقطوع، إذ لم يتفقوا على عددها في المسند. انتهى.
قال الذهبي عقب قول البرديجي: أنه قوي. وقال ابن عبد البر بعد ذكر قول البرديجي. هذا عندي لا معنى له. التمهيد ١/ ٢٦؛ فتح المغيث ١/ ١٦.стр. 189
وقال مالك (١) :
ان وعن سواء، وحكى ابن عبد البر عن جمهور أهل العلم: إن أن وعن سواء، وأنه لا اعتبار بالحروف و (أ) الألفاظ وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة (٢) يعني مع السلامة من التدليس، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا، كان حديث بعضهم عن بعض بأي لفظ (٣) ورد محمولًا على الاتصال، حتى يتبين الانقطاع (٤) ، وهكذا أطلق أبو بكر الصيرفي الشافعي فقال: كل من علم له سماع من إنسان أو لقاء (ب) إنسان فحدث عنه فهو على السماع حتى يعلم أنه لم يسمع منه (٥) .
ومن أمثلة غير عن وأن من الحروف قال، كمالك عن نافع قال ابن (ج) عمر، وكذلك فعل أو ذكر أو حدث أو كان يقول: كذا، وما جانس (د) ذلك، فكله محمول على الاتصال وانه تلقاه منه بلا واسطة بينهما، إذ أثبت الحواشي
(١) انظر: الهامش رقم ١، ص ١٩٠.(٢) قال الصنعاني: هذا القيد في غير الأعمى. انتهى. توضيح الأفكار ١/ ٣٣٧.(٣) لكن ينبغي تقييده بمن لم يعلم له استعمال خلافه، كالبخاري، فإنه قد يورد عن شيوخه "بقال" ما يرويه في موضع آخر بواسطة عنهم. النكت ٢/ ٣٨٤؛ فتح المغيث ١/ ١٦١.(٤) التمهيد ١/ ٢٦؛ وبيان الوهم والإِيهام ١/ ٩٦.(٥) انظر معنى هذا القول في رسالة الشافعي ﵀، ص ٣٧٩، فقرة ١٣٢؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ٥٩.стр. 190
اللقاء وانتفى التدليس (١) . قال الشيخ ﵀: وهذا الحكم لا أراه يستمر (٢) بعد المتقدمين مما (أ) وجد من المصنفين في تصانيفهم مما ذكروه عن مشايخهم قائلين: قال فلان، ذكر فلان (٣) . والله أعلم (ب).
الثالث: التعليق الذي يذكره الحميدي (٤) في الجمع بين الصحيحين وغيره من المغاربة في أحاديث من صحيح البخاري، قطع إسنادها. وقد استعمله الدارقطني (٤) . صورته صورة المنقطع، وليس حكمه (٥) على الحواشي
(١) التمهيد ١/ ٢٦؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٥٩؛ التقييد والإيضاح، ص ٨٨؛ فتح المغيث ١/ ١٩١؛ التدريب ١/ ٢١٧.(٢) أي فليس له حكم الاتصال إلا أن كان له من شيخه إجازة، يعني فإنه لا يلزم من كونه سمع عليه أو أخذ عنه أن تكون له منه إجازة. فتح المغيث ١/ ١٦٢.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦١؛ التقييد والإِيضاح، ص ٨٩؛ فتح المغيث ١/ ١٦٢.(٤) انظر: الجمع بين الصحيحين للحميدي (ج ١/ ٣ / أو ٤/ أ) والإِلزامات والتتبع، ص ١٥١، ٢٨٣.(٥) وتتمة قول ابن الصلاح: ولا خارجًا ما وجد ذلك فيه منه من قبيل الصحيح إلى قبيل الضعيف، وذلك لما عرف من شرطه وحكمه. انتهى.
وقال العراقي: إن ابن الصلاح يحكم بصحتها إلى من علقها عنه إذا ذكره بصيغة الجزم، ولا يظن بالبخاري أن يجزم القول فيما ليس بصحيح عمن جزم به عنه، فأما إذا ذكر فيما أبرز من السند ضعيفًا فإنه ليس صحيحًا عند البخاري. انتهى. وقد تكلم ابن حجر على هذه المسألة بنوع من التفصيل، فقال: المعلق من المرفوعات على قسمين:
أحدهما: ما يوجد في موضع آخر من كتاب البخاري موصولًا.
ثانيهما: ما لا يوجد فيه إلا معلقًا. وهذا الذي لا يوجد فيه إلا معلقًا فإنه على صورتين: =стр. 191
ما تقدم بيانه في الفائدة السادسة من النوع الأول، ولا التفات إلى الحافظ أبي محمد ابن حزم الظاهري (١) (أ) في رده ما أخرجه البخاري عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري (٢) عن رسول الله ﷺ ليكونن (ب) في أمتي أقوام يستحلون الحرير (ج) والخمر الحواشي
(١) هو الإِمام الحافظ المجتهد أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الظاهري، صاحب التصانيف النافعة، كان عاملًا بعلمه، زاهدًا في الدنيا من تصانيفه المحلى. توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٤٦؛ شذرات الذهب ٣/ ٢٩٩.(٢) أبو مالك الأشعري، قيل: اسمه عبيد، أو عبد الله أو عمرو أو كعب بن كعب أو عامر بن الحارث، صحابي، مات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. الإِصابة ٤/ ١٧١؛ تحفة الأشراف ٩/ ٢٨٠.стр. 192
والمعازف (١) حيث قال البخاري: قال هشام (٢) بن عمار وساق الإِسناد.
فزعم (٣) ابن حزم أنه منقطع بين البخاري وهشام (٤) ، وأخطأ في ذلك من وجوه (٥) . الحواشي
(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب رقم ٦/ حديث رقم ٥٥٩٠، ١٠/ ٥١؛ مع الفتح ولفظه: قال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمان بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس الكلابي، حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري "والله ما كذبني" سمع النبي ﷺ يقول: ليكونن من أمتي أقوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة.(٢) هو هشام بن عمار بن نصير أبو الوليد السلمي الدمشقي خطيب المسجد الجامع بها، صدوق مقري، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومائتين على الصحيح، روى له البخاري والأربعة. التقريب ٢/ ٣٢٠؛ الميزان ٤/ ٣٠٢.(٣) انظر: قوله هذا في كتابه المحلي رقم المسألة ١٥٦٥، ٩/ ٥٩.(٤) قال ابن حزم بعد ذكر حديث البخاري: وهذا منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد، ولا يصح في هذا الباب شيءٌ أبدًا، وكل ما فيه فموضوع. المحلى ٩/ ٥٩؛ وقال في كتاب الأحكام: أعلم أن العدل، إذا روي عمن أدركه من العدول، فهو على اللقاء والسماع، سواء قال: أخبرنا أو حدثنا أو عن فلان، أو قال فلان، فكل ذلك محمول على السماع منه. انتهى، فيتعجب من مثله هذا التناقض ورده حديث المعازف ودعواه عدم الاتصال فيه. وقد أطال ابن حجر في شرح هذا الحديث، وفي الكلام على تعليق البخاري إياه وفي الرد على ابن حزم دعواه. ورد عليه ابن القيم أيضًا. الأحكام ١/ ١٥٨؛ فتح الباري ١٠/ ٥٢ - ٥٣؛ إغاثة اللهفان ١/ ٢٦٠.(٥) ذكر المصنف هذه الوجوه فقال: أحدها: أنه لا انقطاع في هذا أصلًا من جهة أن البخاري لقي هشامًا وسمع منه، وأنه إذا تحقق اللقاء والسماع مع السلامة من =стр. 193
والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح (١) ، والبخاري قد يفعل ذلك لكون الحديث معروفًا من جهة الثقات عن من علقه عنه أو لكونه ذكره في موضع آخر من كتابه مسندًا متصلًا أو لغير (٢) ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع، وهذا الذي ذكرناه في المعلق الحواشي
(١) قد أخرج أبو داود هذا الحديث موصولًا برقم ٣٨٨١ كتاب اللباس باب ما جاء في الخز.
انظر: مختصر سنن أبي داود للمنذري ٧/ ٢٨، وقال المنذري: أخرجه البخاري تعليقًا وقد استقصى ابن حجر طرق هذا الحديث في الفتح ١٠/ ٥٢؛ ومقدمة الفتح، ص ٥٩ كتاب الأشربة.(٢) وهو: أو أن البخاري أسند معناه في الباب، ولو من طريق آخر، فنبه عليه بالتعليق اختصارًا. أو أنه لم يسمعه ممن يثق به بقيد العلو، أو سمعه لكن في حالة المذاكرة، فقصد بذلك الفرق بين ما يأخذه عن مشايخه في حالة المذاكرة أو التحديث احتياطًا.
وأما الأسباب في تعليق ما هو متقاعد عن شرطه، فهو إما كونه في معرض المتابعة، أو الاستشهاد، ولا شك أن المتابعات يتسامح فيها بالنسبة إلى الأصول، وإنما يعلقها، وإن كانت عنده مسموعة لئلا يسوقها مساق الأصول أو أنه نبه به =стр. 194
الذي أورده أصلًا ومقصودًا لا فيما (أ) أورده في معرض الاستشهاد، فإن الشواهد يحتمل فيها ما ليس من شرط الصحيح، معلقًا كان أو موصولًا.
ثم إن التعليق مستعمل فيما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، واستعمله بعضهم في حذف (١) كل الإِسناد، مثاله قال (٢) رسول الله ﷺ : كذا، قال ابن عباس: كذا، روى أبو هريرة كذا، قال سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: كذا، قال الزهري عن أبي سلمة (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ كذا (ب) وهكذا إلى (ج) شيخ الحواشي
(١) حكاه ابن الصلاح وأقره؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٢.(٢) قال السخاوي: لم يذكره المزي في أطرافه، بل ولا ما اقتصر فيه على الصحابي مع كونه مرفوعًا وكان يلزمه. ثم قال: وهل يلتحق بذلك ما يحذف فيه جميع الإِسناد مع عدم الإِضافة لقائل، كقول البخاري في صحيحه: وكانت أم الدرداء تجلس في الصلاة جلسة الرجل، وكانت فقيهة، وهو عنده في تاريخه الصغير وعند غيره عن مكحول، الظاهر نعم.
وقال السيوطي: لم يذكره أصحاب الأطراف، لأن موضوع كتبهم بيان ما في الأسانيد من اختلاف، أو غيره. فتح المغيث ١/ ٥٥؛ التدريب ١/ ٢١٩؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٧٥؛ توضيح الأفكار ١/ ١٣٥؛ والتاريخ الصغير ١/ ١٩٣.(٣) هو أبو سلمة بن عبد الرحمان بن عوف الزهري.стр. 195
شيخه. وأما ما أورده كذلك عن شيوخه فقد قدمنا في الفرع (١) قبل هذا، أنه محمول على السماع (٢) ، وجعله بعض المتأخرين من أهل المغرب قسمًا ثانيًا من التعليق، وأضاف إليه قول البخاري في مواضع من كتابه: وقال لي فلان، وزادنا فلان، فجعل ذلك من التعليق المتصل من حيث الظاهر، المنفصل من حيث المعنى، وقال: متى قال البخاري: وقال لي أو لنا (٣) فاعلم أنه لم يذكره للاحتجاج بل للاستشهاد، والمحدثون يعبرون بهذا اللفظ عما جرى في المناظرات والمذاكرات، وأحاديث المذاكرة قل ما يحتجون (٤) الحواشي
(١) أي في الفرع الثاني حيث قال: فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا كان حديث بعضهم عن بعض بأي لفظ ورد، محمولًا على الاتصال، حتى يتبين الانقطاع، ص ١٩٢.(٢) وبه قال ابن الصلاح في المقدمة، ص ٦٣، وصوبه العراقي في التبصرة والتذكرة ١/ ٧٦. وقال ابن حجر: اختلف في مثل هذا، هل يسمى تعليقًا أو لا؟ والصحيح في هذا التفصيل، فإن عرف بالنص أو الاستقراء أن فاعل ذلك مدلس، قضى به، وإلا فتعليق. وقال في الفتح: وقد تقرر عند الحفاظ، أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة المجزم، يكون صحيحًا إلى من علق عنه، ولو لم يكن من شيوخه. انتهى. واختاره السخاوي، وإليه ذهب المزي وابن دقيق العيد.
قلت: فإذا كان هشام بن عمار من مشايخه، فبالأولى يكون السند صحيحًا إليه. تغليق التعليق (٣/ أ)؛ نزهة النظر، ص ٤٠؛ فتح الباري ١٠/ ٥٣؛ تحفة الأشراف ٩/ ٢٨٢؛ فتح المغيث ١/ ٥٧.(٣) قال الحافظ: لم يصب هذا المغربي في التسوية بين قوله: قال فلان وبين قوله: قال لي فلان. فإن الفرق بينهما ظاهر لا يحتاج إلى دليل، فإن "قال لي" مثل التصريح في السماع، و"قال" المجردة ليست صريحة أصلًا. النكت ٢/ ٣٨٦.(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٣؛ المنهل الروي، ص ٦٦.стр. 196
بها (أ) قال (ب) الشيخ (١) ﵀: ما ادعاه على البخاري مخالف لما قاله من هو أقدم منه وأعرف (ج) بالبخاري، وهو أبو جعفر (٢) بن حمدان النيسابوري، قال: كل ما قال البخاري: قال لي، فهو عرض، ومناولة (٣) . والله أعلم.
وهذا التعليق مأخوذ من تعليق الجدار والطلاق لاشتراكهما في قطع الاتصال (٤) قال الشيخ ﵀: ولم أجده مستعملًا فيما سقط وسط اسناده أو آخره، ولا في مثل يروى عن فلان، ويذكر عنه وشبهه مما ليس فيه الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٣.(٢) هو الحافظ الزاهد القدوة المجاب الدعوة أبو جعفر أحمد بن حمدان بن علي بن سنان الحيري النيسابوري، توفي قبل ابن خزيمة بأيام سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، كان قد صنف الصحيح على شرط مسلم وكان يحيي الليل.
انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٦١؛ وشذرات الذهب ٢/ ٢٦١.(٣) قال ابن حجر: فيه نظر، فقد رأيت في الصحيح عدة أحاديث، قال فيها البخاري: قال لنا فلان، وأوردها في تصانيفه خارج الجامع بلفظ: "حدثنا ووجدت في الصحيح عكس ذلك. وفيه دليل على أنهما مترادفان.
وقال: والذي تبين لي بالاستقراء من صنيعه أنه لا يعبر في الصحيح بذلك إلا في الأحاديث الموقوفة، أو المستشهد بها فيخرج ذلك حيث يحتاج إليه عن أصل مساق الحديث، ومن تأمل ذلك في كتابه وجده كذلك. النكت ٢/ ٣٨٦.(٤) واستبعد ابن حجر أخذه من تعليق الجدار، وأنه من الطلاق وغيره أقرب. وفي توضيح الأفكار: ولعل وجهه أن الطرفين أو أحدهما في تعليق الجدار، باقي على حاله غير ساقط بخلاف الحديث. =стр. 197
جزم (١) بأنه قاله (٢) . والله أعلم.
الرابع: اختلفوا في الحديث الذي رواه بعض الثقات مرسلًا وبعضهم متصلًا: كحديث لا نكاح إلا بولي (٣) . رواه إسرائيل (٤) بن يونس الحواشي
(١) قال المصنف هذا القول تبعًا لابن الصلاح، وإلا فقد استعمله هو نفسه في كتابه رياض الصالحين، عند حديث عائشة ﵂: أمرنا أن ننزل الناس منازلهم. اهـ.
وقال ذكره مسلم في صحيحه تعليقًا، فقال: وذكر عن عائشة ﵂. وذكر المزي - قول البخاري: باب مس الحرير من غير لبس، ويروي فيه عن الزبيدي عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ . في كتابه تحفة الأشراف، وعلم عليه علامة تعليق البخاري.
وكذلك استعمله الحافظ ابن حجر فقسم في مقدمة الفتح تعليقات البخاري إلى قسمين.
الأول: المعلق بصيغة الجزم.
والثاني: ما علقه بصيغة التمريض.
انظر: مقدمة مسلم، ص ٦؛ محمد فؤاد عبد الباقي رياض الصالحين، ص ١٧٠؛ تحفة الأشراف ١/ ٣٩٠؛ مقدمة الفتح، ص ١٧.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٣.(٣) أخرجه أبو داود ٢/ ٥٦٨؛ باب في الولي (ح رقم ٢٠٨٥).
وابن ماجه ١/ ٦٠٥؛ باب الأنكاح إلا بولي (ح رقم ١٨٨١).
والدارمي ٢/ ١٣٧، باب النهي عن النكاح بغير ولي. جميعًا من الطريق المذكور موصولًا وقد استقصى ابن حجر في تعداد طرقه وذكر مخرجيه مرسلًا وموصولًا وموقوفًا في التلخيص الحبير ٣/ ١٦٢.(٤) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، الهمداني، أبو يوسف الكوفي، ثقة تكلم فيه بلا حجة، مات سنة ستين ومائة، روى له الجماعة. التقريب ١/ ٦٤؛ الميزان ١/ ٢٠٨.стр. 198
في آخرين عن أبي (١) إسحاق عن أبي (٢) بردة عن أبي (٣) موسى عن رسول الله ﷺ هكذا متصلًا.
ورواه سفيان (٤) الثوري وشعبة (٥) عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ مرسلًا: فحكي الخطيب: أن أكثر أهل الحديث يرون الحكم للمرسل (٦) وعن بعضهم أن الحكم للأكثر (٧) ، وعن الحواشي
(١) هو عمرو بن عبد الله الهمداني، أبو إسحاق السبيعي، مكثر، عابد، ثقة اختلط بآخره، مات سنة تسع وعشرين ومائة. روى له الجماعة. التقريب ٢/ ٧٢؛ الميزان ٣/ ٢٧٠.(٢) أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل: اسمه عامر، وقيل الحارث ثقة، مات سنة أربع ومائة وقيل غير ذلك وقد جاوز الثمانين، روى له الجماعة. التقريب ٢/ ٣٩٤؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٩٥.(٣) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار، أبو موسى الأشعري، صحابي مشهور، أمره عمر ثم عثمان، وأحد الحكمين بصفين، مات سنة خمسين وقيل بعدها. روى له الجماعة. الإِصابة ٢/ ٣٥٩؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٢٣.(٤) هو الإِمام المحدث الفقيه سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، كان ثقة حجة، روى له الجماعة. التقريب ١/ ٣١١؛ كتاب الطبقات، ص ١٦٨.(٥) هو الإِمام الأوحد شعبة بن الحجاج، مولى الأشاقر من الأزديكني أبا بسطام، مات في رجب سنة ستين ومائة، ثقة حافظ متقن، روى له الجماعة. التقريب ١/ ٣٥١؛ كتاب الطبقات، ص ٢٢٢.(٦) لأن سلوك غير الجادة دال على مزيد التحفظ. وقيل: إن الإِرسال نوع قدح في الحديث، فتقديمه وترجيحه من قبيل تقديم الجرح على التعديل. فتح المغيث ١/ ١٦٤.(٧) لأن تطرق السهو والخطأ إلى الأكثر أبعد، مرسلًا كان أو موصولًا، نقله الحاكم عن أئمة الحديث في المدخل، ص ٢٢.стр. 199
بعضهم الحكم (أ) للأحفظ (١) ، فإن كان من أرسله أحفظ ممن وصله، فالحكم لمن أرسله.
ثم لا يقدح ذلك في عدالة الواصل (٢) وأهليته (ومنهم (ب) من قال: من أسند حديثًا قد أرسله الحفاظ فإرسالهم يقدح في عدالته (ج) وأهليته) ومنهم من قال: الحكم من أسنده إذا كان عدلًا ضابطًا، فيقبل خبره، سواء (د) كان المخالف له مثله أو أكثر. قال الخطيب: هذا القول هو الصحيح (٣) ، وما صححه الخطيب هو الصحيح في الفقه وأصوله (٤) : الحواشي
(١) أي مرسلًا كان، أو موصولًا. فتح المغيث ١/ ١٦٥.(٢) أي من ناحية الضبط والعدالة، حيث لم تكثر المخالفة، وأيضًا لا يقدح في جميع حديثه الذي رواه بسنده، لأن المفروض أنه ثقة، فروايته مقبولة وإن لم يروها غيره، نعم يقدح في الحديث المختلف فيه بلا شك لأنه لو لم يكن كذلك لما رجح إرسال المرسل عليه. الكفاية، ص ٤١١؛ التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٧؛ فتح المغيث ١/ ١٦٦؛ التدريب ١/ ٢٢٣؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٤٣.(٣) انظر: الكفاية، ص ٤١١.(٤) قال ابن حجر: الذي صححه الخطيب، شرطه أن يكون الراوي عدلًا ضابطًا، وأما الفقهاء والأصوليون فيقبلون ذلك مطلقًا، وبين الأمرين فرق كبير.
وقال السخاوي: الظاهر أن محل هذه الأقوال فيما لم يظهر فيه ترجيح كما أشار إليه شيخنا، إلا فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدمي الفن كابن مهدي والقطان وأحمد والبخاري، عدم اطراد حكم كلي، بل ذلك دائر مع الترجيح، فتارة يترجح الوصل، وتارة الإِرسال، وتارة يترجح عدد الذوات على الصفات، =стр. 200
وسئل البخاري عن حديث: لا نكاح إلا بولي (١) . فحكم لمن وصله، وقال: الزيادة من الثقة مقبولة: فقال البخاري: هذا مع أن من أرسله سفيان وشعبة ولهما الدرجة العليا من الحفظ والإِتقان.
ولو وصله واحد في وقت وأرسله (٢) هو في وقت آخر، أو رفع الحواشي
(١) انظر: تفصيل الكلام على هذا الحديث وصلًا وإرسالًا في النكاح من سنن الترمذي ٣/ ٣٩٨ - ٤٠٢ (ح رقم ١١٠١، ١١٠٢).(٢) قال العراقي: الحكم في هذه الحالة على الأصح لوصله ورفعه، لا لإِرساله ووقفه، وأما الأصوليون (كالفخر الرازي وأتباعه) فعندهم أن الاعتبار بما وقع منه أكثر، فإن وقع وصله أو رفعه أكثر من إرساله أو وقفه، فالحكم للوصل والرفع =стр. 201
الحديث بعضهم إلى النبي ﷺ ووقفه بعضهم على (أ) الصحابي، أو رفعه واحد في وقت ووقفه في وقت (١) ، فالحكم في الكل على الأصح لما (٢) زاده (ب) الثقة من الرفع والوصل والله أعلم. الحواشي
(١) قال السخاوي إن محل الخلاف إذا اتحد السند، أما إذا اختلف، فلا يقدح أحدهما في الآخر، إذا كان ثقة جزمًا. فتح المغيث ١/ ١٦٨.(٢) قال محمد بن إبراهيم الوزير، بعد ذكر أقوال أهل العلم: قلت: وعندي أن الحكم في هذا لا يستمر، بل يختلف باختلاف قرائن الأحوال وهو موضع اجتهاد. انتهى. وإليه ذهب ابن دقيق العيد. وراجع، ص ٢٠٢، التعليق الرابع. توضيح الأفكار ١/ ٣٤٣؛ الاقتراح، ص ٢٢٢؛ مقدمة الإِلزامات والتتبع، ص ١٧.стр. 202
النوع الثاني عشر: معرفة التدليس (١) وحكم (أ) المدلس
التدليس قسمان:
أحدهما: تدليس الإِسناد، وهو أن يرويه عمن لقيه أو عاصره (٢) ما لم يسمعه (ب) منه موهمًا أنه سمعه منه، ولا يقول في ذلك: حدثنا الحواشي
(١) مشتق من الدلس (بفتحتين) وهو اختلاط الظلام. كأنه لتغطيته على الواقف عليه أظلم أمره. القاموس ١/ ٢١٦؛ مادة: (د ل س)؛ النكت ٢/ ٤٠؛ فتح المغيث ١/ ١٦٩؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٤٧.(٢) قيد ابن حجر التدليس بقسم اللقاء وجعل قسم المعاصرة إرسالًا خفيًا قال: والذي يظهر من تصرفات الحذاق منهم أن التدليس مختص باللقيء فقد أطبقوا على أن رواية المخضرمين مثل قيس بن أبي خازم وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي ﷺ من قبيل المرسل لا من قبيل التدليس. انتهى. أي فلو كان مجرد المعاصرة يكتفي به في التدليس لكان هؤلاء من المدلسين، لأنهم عاصروا النبي ﷺ قطعًا. وعليه مشى الخطيب والعلائي وقال: وعليه جمهور العلماء.
ثم قال ابن حجر: والتحقيق فيه التفصيل وهو: أن من ذكر بالتدليس أو الإِرسال، إذا ذكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه، فهو تدليس. أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي. أو عمن لم يدركه فهو مطلق الإِرسال. النكت ٢/ ٤٠٠ و ٤٠٨ و ٤٠٩؛ طبقات المدلسين، ص ١١؛ الكفاية ٣٨٤؛ بحث المرسل؛ جامع التحصيل، ص ١١٠؛ التمهيد ١/ ١٥؛ فتح المغيث ١/ ١٦٩؛ التدريب ١/ ٢٢٤.стр. 203
ولا أخبرنا وما أشبههما (أ) (١) ، بل يقول: قال فلان، أو عن فلان ونحو (٢) ذلك.
ثم قد يكون بينهما واحد، وقد يكون أكثر.
قلت: (٣) (ب) قال الخطيب: وربما لم يسقط المدلس شيخه لكن يسقط ممن بعده رجلًا ضعيفًا أو صغير السن ليحسن الحديث بذلك، وكان الأعمش والثوري وبقية (٤) يفعلون هذا النوع (٥) . الحواشي
(١) أي: سمعت فلانًا، أو قال لي فلان، أو ذكر لي، أو حدثني، أو أخبرني من لفظه، أو حدث وأنا أسمع، أو قرى عليه وأنا حاضر، وما يجري مجرى هذه الألفاظ مما لا يحتمل غير السماع وما كان بسبيله. الكفاية، ص ٣٦٢ - ٣٦٣.(٢) أي أن، وذكر كذلك: أخبرنا، في الإِجازة. وحدثنا، في الوجادة. جامع التحصيل، ص ١١٠؛ النكت ٢/ ٤١٨؛ طبقات المدلسين، ص ١١؛ فتح المغيث ١/ ١٧٢؛ التدريب ١/ ٢٢٤.
وقال الخطيب: المدلس إذا قال: أخبرني فلان وهو يرى استعمال ذلك جائزًا في أحاديث الإِجازة والمكاتبة، والمناولة، وجب أن يقبل خبره لأن أقصى حاله أن يكون قوله: أخبرني فلان، إنما هو إجازة مشافهة أو مكاتبة، وكل ذلك مقبول. الكفاية، ص ٣٦٣.(٣) الكفاية، ص ٣٦٤.(٤) بقية بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي، قال ابن حجر: صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، توفي سنة سبع وتسعين ومائة. ونقل ابن أبي حاتم عن أبي مسهر: أحاديث بقية ليست نقية فكن منها على تقية. التقريب ١/ ١٠٥؛ الجرح والتعديل ٢/ ٤٣٤، ص ٤٣٥.(٥) هذا قسم آخر من التدليس، يسمى تدليس التسوية وهو شر أقسامه. والتسوية هي أعم من أن تكون بتدليس أو لم تكن به، بل بإرسال. =стр. 204
القسم الثاني: تدليس الشيوخ، وهو أن يروي عن شيخ حديثًا سمعه فيسميه (أ) أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف
الحواشي
(١) (أ) في (ص) و (هـ): فيكنيه أو يسميه.
= مثال التسوية التي تدخل في التدليس ما ذكره العراقي عن بقية بن الوليد قال: حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه.
روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ . وعبيد الله بن عمرو كنيته أبو وهب وهو أسدي، فكناه بقية ونسبه إلى قبيلته لكيلا يفطن له، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدي له.
والتي لا تدخل في التدليس، ما ذكره ابن عبد البر وغيره أن مالكًا سمع من ثور بن زيد أحاديث عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، ثم حدث بها عن ثور عن ابن عباس، وحذف عكرمة، لأنه كان لا يرى الاحتجاج بحديثه. فهذا قد سوى الإِسناد بإبقاء من هو عنده ثقة، وحذف من ليس بثقة، فلو كانت التسوية تدليسًا لعد مالك في المدلسين، وقد أنكروا على من عده منهم.
ثم إن من التسوية في اصطلاح المحدثين أن يسقط من السند راو وإن كان ثقة فيكون السند عاليًا مثلًا، فلا تختص التسوية بإسقاط الضعيف. انتهى، ما في النكت ملخصًا.
قلت: ويؤيده قول الخطيب: أو صغير السن.
ونقل البقاعي عن ابن حجر. والتحقيق أن يقال: متى قيل: تدليس التسوية، فلا بد أن يكون كل من الثقات الذين حذفت بينهم الوسائط في ذلك الإِسناد، قد اجتمع الشخص منهم بشيخ شيخه في ذلك الحديث وإن قيل: تسوية بدون لفظ التدليس لم يحتج إلى اجتماع أحد منهم بمن فوقه كما فعل مالك. النكت ٢/ ٤٠٣ - ٤٠٧؛ التقييد والإِيضاح، ص ٩٦؛ التمهيد ٢/ ٢٦؛ النكت الوفية (١٤٤/ ب)؛ فتح المغيث ١/ ١٨٣؛ التدريب ١/ ٢٢٤ - ٢٢٦؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٧٣.стр. 205
به (أ) كيلا يعرف (١) .
أما القسم الأول: فمكروه جدًا، ذمه أكثر العلماء (٢) ، وكان شعبة الحواشي
(١) قال ابن حجر كما ذكر عنه البقاعي: يدخل في هذا القسم تدليس التسوية أيضًا بأن يصف شيوخ السند بما لا يعرفون به من غير إسقاط فيكون تسوية الشيوخ. النكت الوفية (١٤٣/ ب)؛ التدريب ١/ ٢٢٨؛ وبقيت أقسام من التدليس:
منه تدليس القطع، وهو أن يحذف الصيغة ويقتصر على قوله: مثلًا الزهري عن أنس.
ومنه: تدليس السكوت، وهو أن يقول: حدثنا أو سمعت، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة أو الأعمش، موهمًا أنه سمع منهما، وليس كذلك.
ومنه: تدليس العطف: وهو أن يصرح بالتحديث في شيخ له ويعطف عليه شيخًا آخر له، ولا يكون سمع ذلك من الثاني. طبقات المدلسين، ص ١١؛ النكت ٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤؛ فتح المغيث ١/ ١٧٣؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٧٥؛ الباعث الحثيث، ص ٥٦.
قال ابن حجر: ويلتحق بقسم تدليس الشيوخ تدليس البلاد، كما إذا قال المصري: حدثني فلان بالأندلس وأراد موضعًا بالقرافة، أو قال: بزقاق حلب، وأراد موضعًا بالقاهرة.
أو قال البغدادي: حدثني فلان بما وراء النهر. وأراد نهر دجلة.
أو قال: بالرقة. وأراد بستانًا على شاطئ دجلة. أو قال الدمشقي: حدثني بالكرك، وأراد كرك نوح وهو بالقرب من دمشق.
وحكمه الكراهة لأنه يدخل في باب التشبع وإيهام الرحلة في طلب الحديث إلا إن كان هناك قرينة تدل على عدم إرادة التكثير فلا كراهة. النكت ٢/ ٤٣٥؛ فتح المغيث ١/ ١٨٤؛ وزاد تدليس المتن، قال: وهو المدرج وتعمده حرام؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٧٢؛ التدريب ١/ ٢٣١.(٢) جامع التحصيل، ص ١١٩؛ فتح المغيث ١/ ١٧٧؛ التدريب ١/ ٢٢٨؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٧٣.стр. 206
من أشدهم ذماله (١) (أ).
ثم اختلفوا في قبول رواية من عرف بهذا التدليس، فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحًا (٢) ، وقالوا: لا تقبل (٣) روايته يبين السماع أو لم يبين.
والصحيح التفصيل (٤) فيما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع الحواشي
(١) أي أصل التدليس، لا خصوص هذا القسم، حتى قال: التدليس أخو الكذب وقال: إنه أشد من الزنا. وإلى غير ذلك. جامع التحصيل، ص ١١١؛ فتح المغيث ١/ ١٧٧؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٧؛ الكفاية، ص ٣٥٦؛ التدريب ١/ ٢٢٨.(٢) قال العلائي: ينبغي أن ينزل قول من جعل التدليس مقتضيًا لجرح فاعله على من أكثر التدليس عن الضعفاء وأسقط ذكرهم تغطية لحالهم وكذلك من دلس اسم الضعيف حتى لا يعرف. جامع التحصيل، ص ١١٤.(٣) ورد في حكم قبول رواية صاحب هذا التدليس خمسة أقوال هذا أحدها وقيد بما إذا استكشف فلم يخبر باسم من يروي عنه. الكفاية، ص ٣٦١؛ جامع التحصيل، ص ١١١؛ النكت ٢/ ٤١٨؛ فتح المغيث ١/ ١٧٣.
والثاني: القبول مطلقًا، صرحوا أم لا. الكفاية، ص ٣٦١؛ قال: وزعموا أن نهاية أمره أن يكون بمعنى الإِرسال؛ فتح المغيث ١/ ١٧٤.
والثالث: وعزاه ابن عبد البر لأكثر أئمة الحديث، وهو من كان لا يدلس إلا عن الثقات كان تدليسه عند أهل العلم مقبولًا، وإلا فلا. التمهيد ١/ ١٧؛ فتح المغيث ١/ ١٧٤.
والرابع: إن كان وقوع التدليس منه نادرًا قبلت عنعنته ونحوها وإلا فلا. فتح المغيث ١/ ١٧٥.(٤) هذا خامس الأقوال وهو الصحيح كما صححه المصنف، لأن التدليس ليس كذبًا، وإنما هو تحسين لظاهر الإِسناد وضرب من الإِيهام بلفظ محتمل فإذا صرح =стр. 207
فحكمه حكم (١) المرسل وأنواعه.
وما رواه بلفظ مبين للاتصال، كسمعت وأخبرنا وحدثنا وأشباهها، فهو مقبول محتج به. وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جدًا، كقتادة (٢) والأعمش والسفيانين (٣) الحواشي
(١) قال ابن حجر: اعترض عليه بأن البزار الحافظ، قال: إن من كان لا يدلس إلا عن الثقات كان تدليسه عند أهل العلم مقبولًا. انتهى.
وبذلك صرح أبو الفتح الأزدي وأشار إليه الصيرفي في شرح الرسالة.
وجزم بذلك ابن حبان وابن عبد البر في حق سفيان بن عيينة. وبه قال الدارقطني والعلائي. النكت ١/ ٤١٠؛ صحيح ابن حبان ١/ ١٢٢؛ التمهيد ١/ ٣١؛ جامع التحصيل، ص ١١٥؛ طبقات المدلسين، ص ٧.(٢) هو قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري، حافظ ثقة ثبت لكنه مدلس، ورمى بالقدر، ولد أكمه، مات سنة بضع عشرة ومائة. روى له الجماعة. الميزان ٣/ ٣٨٥؛ تقريب التهذيب ٢/ ١٢٣.(٣) المراد به سفيان بن سعيد الثوري وسفيان بن عيينة.
أما الثوري فقد تقدمت ترجمته في ص ٩٣.
وأما الثاني فهو سفيان بن عيينة الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة فقيه إمام حجة حافظ إلا أنه تغير بآخرة، وكان ربما دلس لكن عن الثقات مات سنة ثمان وتسعين ومائة. التقريب ١/ ٣١٢؛ الميزان ٢/ ١٧٠.стр. 208
وهشيم (أ) (١) وغيرهم. وهذا لأن التدليس ليس كذبًا (٢) . ثم الحكم بأنه لا يقبل من المدلس حتى يبين أجراه الشافعي فيمن عرفناه دلس مرة (٣) . والله أعلم.
قلت: ما كان في الصحيحين (ب) وغيرهما من الكتب الصحيحة عن المدلسين بعن محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى (٤) . والله أعلم. الحواشي
(١) هشيم مصغرًا ابن بشير مكبرًا ابن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية بن أبي حازم الواسطي ثقة ثبت كثير التدليس والإِرسال الخفي، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة. التقريب ٢/ ٣٢٠؛ الميزان ٤/ ٣٠٦.(٢) الكفاية، ص ٣٦١؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٧؛ جامع التحصيل، ص ١١٢؛ فتح المغيث ١/ ١٧٥؛ التدريب ١/ ٢٣٠.(٣) انظر الرسالة، ص ٣٧٩، فقرة ١٠٣٣ ونصه فيها: ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته. انتهى.(٤) قال السخاوي: أما لمجيئها من وجه آخر، بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة، أو عن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين سماع المعنعن لها. انتهى.
وقال السيوطي: وإنما اختار صاحب الصحيح طريق العنعنة على طريق التصريح بالسماع لكونها على شرطه دون تلك. انتهى.
وقال محمد إبراهيم ابن الوزير: يحتمل أن الشيخين لم يعرفا سماع ذلك المدلس الذي رويا عنه، لكن عرفا لحديثه من التوابع ما يدل على صحته مما لو ذكراه لطال، فاختار إسناد الحديث إلى المدلس لجلالته وأمانته وانتفاء تهمة الضعف عن حديثه، ولم يكن في المتابعين الثقات الذين تابعوا المدلس من يماثله ولا يقاربه فضلًا وشهرة مثل أن يكون مدلس الحديث سفيان الثوري والحسن البصري أو نحوهما، ويتابعه على روايته عن شيخه أو عن شيخ شيخه من هو دونه من أهل الصدق ممن هو ليس بمدلس. =стр. 209
وأما (أ) القسم الثاني: فأمره أخف، وفيه تضييع للمروي عنه وتوعير لطريق معرفة حاله، وتختلف الحال في كراهته بحسب الغرض الحامل عليه فقد يحمله كون شيخه الذي غير سمته (ب) (١) غير ثقة، أو أصغر من الراوي عنه أو متأخر الوفاة قد شاركه في السماع منه جماعة دونه. أو كونه كثير الرواية عنه فلا يحب تكرار شخص على صورة واحدة، وتسمح بهذا القسم الخطيب أبو بكر (٢) وغيره من المصنفين. والله أعلم. الحواشي
(١) أي فيدلسه حتى لا يظهر روايته عن الضعفاء، فهو شر هذا القسم وذلك حرام، إلا أن يكون ثقة عند فاعله فهو أسهل. والأصح أنه ليس بجرح. فتح المغيث ١/ ١٧٩؛ التدريب ١/ ٢٣٠.(٢) قال ابن الصلاح في النوع الثامن والأربعين: والخطيب الحافظ يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي. والجميع شخص واحد من مشايخه.
وكذلك يروي عن الحسن بن محمد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب وعن أبي محمد الخلال، والجميع عبارة عن واحد.
ويروي أيضًا عن أبي القاسم التنوخي، وعن علي بن المحسن، وعن القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي، وعن علي بن أبي علي المعدل والجميع شخص واحد، وله من ذلك الكثير. مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٩١ - ٢٩٢؛ فتح المغيث ١/ ١٨٠.
قلت: وهو عمل غير مستحسن لما فيه من صعوبة معرفة الشيخ على من لم يعرفه، وقد لا يفطن له الناظر فيحكم بجهالته.
فائدة = المدلسون مطلقًا على خمس مراتب بينها العلائي وابن حجر ونقل عنهما السخاوي. =стр. 210
النوع الثالث عشر: معرفة الشّاذ (١)
قال الشافعي ﵀: ليس الشاذ أن يروي الثقة ما لا يروي غيره إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس (٢) . الحواشي
(١) الشاذ هو لغة المنفرد، قال الجوهري: شذ يشذ ويشذ بضم الشين وكسرها، أي انفرد عن الجمهور. مختار الصحاح، ص ٣٣٢؛ والصحاح ٢/ ٥٦٥، مادة: شذ.(٢) أخرجه الحاكم عن الشافعي ﵀ من طريق ابن خزيمة عن يونس بن عبد الأعلى، يقول: قال لي الشافعي: ليس الشاذ من الحديث، أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، إنما الشاذ إلى آخر ما ذكر المصنف. معرفة علوم الحديث، ص ١١٩.
وقال ابن حجر: لكن الشافعي صرح بأنه مرجوح، وأن الرواية الراجحة أولى. النكت ٢/ ٢٣٨.стр. 211
وحكى الحافظ أبو يعلى الخليلي (١) نحو هذا عن الشافعي وجماعة من أهل الحجاز (٢) ، ثم قال: الذي عليه حفاظ الحديث: أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به شيخ ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن (أ) غير ثقة فمتروك وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به (٣) .
وقال الحاكم: الشاذ ما انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع (٤) .
قال الشيخ ﵀: أما ما حكم الشافعي بشذوذه فلا إشكال في (ب) أنه شاذ غير مقبول (٥) . الحواشي
(١) هو القاضي الإِمام أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي (نسبة لجده الأعلى) القزويني، مصنف كتاب الإِرشاد في معرفة المحدثين، من نظر فيه عرف جلالته. مات في آخر سنة ست وأربعين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٢٣؛ شذرات الذهب ٣/ ٢٧٤.(٢) الإِرشاد في معرفة المحدثين (٧/ ب).(٣) انظر: الإِرشاد للخليلي (٧/ ب).
قال الصنعاني: العجب من قول الخليل: إن أهل الحديث يقولون: إنه يتوقف فيما تفرد به الثقة ولا يحتج به. وقد اتفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي وأحمد، أن حديث "إنما الأعمال" ثلث الإِسلام، ومنهم من قال: ربعه.
قلت: قد أسند عنهم الحافظ هذه الحكاية في الفتح وأبان وجه كونه ثلثًا أو ربعًا للإِسلام. انظر: توضيح الأفكار ١/ ٣٨١؛ وفتح الباري ١/ ١١.(٤) معرفة علوم الحديث، ص ١١٩. قال الحافظ: أسقط من قول الحاكم قيد لا بد منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك. انظر: النكت الوفية (١٤٥/ ألف).(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٩؛ اختصار علوم الحديث، ص ٥٨؛ النكت ٢/ ٤٥٦؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٧٩.стр. 212
وأما قول غيره (١) فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط، كحديث: إنما الأعمال بالنيات (٢) .
تفرد به عمر (٣) ﵁ عن رسول الله ﷺ ، ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص، ثم تفرد (٤) به عن علقمة محمد (٥) بن إبراهيم ثم عنه يحيى (٦) بن سعيد. الحواشي
(١) أي قول الخليلي والحاكم.(٢) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، حديث رقم(١) ، ١/ ٩ مع الفتح. وفي باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة الخ الحديث رقم(٥٤) ، ١/ ١٣٥ مع الفتح. وفي باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق حديث رقم(٢٥٢٩) ، ٥/ ١٦٠ مع الفتح وفي باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة حديث رقم(٣٨٩٨) ، ٧/ ٢٢٦ مع الفتح. وفي باب من هاجر أو عمل خيرًا لتزويج امرأة فله ما نوى، حديث رقم(٥٠٧٠) ، ٩/ ١١٥ مع الفتح. وفي باب النية، حديث رقم(٦٦٨٩) ، ١١/ ٥٧٢ مع الفتح. جميعًا من الطريق المذكور في الكتاب.(٣) هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أبو حفص العدوي الفاروق وزير رسول الله ﷺ وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ : لو كان بعدي نبي لكان عمر، واستشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين. الإِصابة ٢/ ٥١٨؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٥.(٤) اختصار علوم الحديث، ص ٥٧؛ التدريب ١/ ٢٣٤؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٨.(٥) هو محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي أبو عبد الله المدني ثقة له أفراد، مات سنة عشرين ومائة على الصحيح، روى له الجماعة. التقريب ٢/ ١٤٠؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٤.(٦) هو يحيى بن سعيد الأنصاري.стр. 213
وحديث: النهي عن بيع الولاء وهبته (١) تفرد به عبد الله (٢) بن دينار عن ابن عمر، وغير ذلك. فكل هذه الأحاديث مخرجة في الصحيحين، الحواشي
(١) أخرجه البخاري في كتاب العتق، باب بيع الولاء وهبته، حديث رقم(٢٥٣٥) ، ٥/ ١٦٧)؛ وفي كتاب الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه، حديث رقم(٦٧٥٦) ، ١٢/ ٤٢. ومسلم في العتق، باب النهي عن بيع الولاء وهبته، حديث رقم(١٥٠٦) ، ٣/ ١١٤٥؛ وأبو داود في كتاب الفرائض، باب بيع الولاء وهبته، حديث رقم(٢٩١٩) ، ٣/ ٣٣٤؛ والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الولاء وهبته، حديث رقم(١٢٣٦) ، ٣/ ٥٢٨؛ وابن ماجه في الفرائض، باب النهي عن بيع الولاء وهبته، حديث رقم(٢٧٤٧) ، ٢/ ٩١٨. والموطأ في كتاب العتق والولاء، باب مصير الولاء من أعتق، ٣/ ٩، مع تنوير الحوالك. كل هؤلاء من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا.
قال الحافظ: قد اشتهر هذا الحديث عن عبد الله بن دينار حتى قال مسلم لما أخرجه في صحيحه: الناس في هذا الحديث عيال عليه، وقال الترمذي بعد تخريجه: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار رواه عنه سعيد وسفيان ومالك.
قال: الترمذي وروى يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع.
قلت: وصل رواية يحيى بن سليم ابن ماجه، ولم ينفرد به يحيى بن سليم فقد تابعه أبو ضمرة أنس بن عياض ويحيى بن سعيد الأموي كلاهما عن عبيد الله بن عمر، أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريقهما لكن قرن كل منهما: نافعًا بعبد الله بن دينار. فتح الباري ١٢/ ٤٣؛ الترمذي ٣/ ٥٢٩، تحت حديث رقم(١٢٣٦) ، تعليقًا وابن ماجه (ح رقم ٢٧٤٨)، ٢/ ٩١٨.
قلت: يحيى بن سليم الطائفي صدوق سيئ الحفظ؛ كما في التقريب ٢/ ٣٤٩.(٢) هو عبد الله بن دينار العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة. التقريب ١/ ٤١٣؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٥.стр. 214
وليس لها إلا إسناد واحد (١) تفرد به ثقة. فهذا وشبهه يبين أن الأمر ليس على إطلاق الخليلي، والحاكم (٢) ، بل على تفصيل نبينه فنقول: إن كان ما انفرد به الراوي مخالفًا لما رواه من هو أحفظ منه وأضبط (٣) كان مفرده شاذًا مردودًا، وإن لم يكن مخالفًا لغيره، فإن كان المنفرد عدلًا حافظًا موثوقًا (أ) بضبطه قبل مفرده، وكان صحيحًا، وإن لم يكن موثوقًا بضبطه لكنه (ب) غير بعيد من درجة الحافظ الضابط، كان حديثه حسنًا. الحواشي
(١) قال ابن حجر: هذا القول صحيح في حديث النية لكن بقيدين: أحدهما: الصحة، لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطني، وأبو القاسم بن منده وغيرهما. ثانيهما: السياق، لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحت في مطلق النية كحديث عائشة وأم سلمة عند مسلم: يبعثون على نياتهم. وحديث ابن عباس: لكن جهاد ونية. وإلى غير ذلك مما يتعسر حصره. فتح الباري ١/ ١١؛ النكت ٢/ ٤٥٤؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٨٢.(٢) قال الصنعاني: الرد على قول الخليلي: [إنه يتوقف فيما تفرد به الثقة ولا يحتج به]. بأحاديث الصحيحين معقول. وأما الحاكم، فإنه ليس في كلامه أنه يقبل أو لا يقبل، بل ذكر معناه ولم يذكر حكمه فما أدرى ما وجه إيراد ابن الصلاح لذلك عليه. فليتأمل.
وقال البقاعي: لا يرد على الحاكم اعتراض ابن الصلاح، لأن ما في الصحيح من ذلك مما مثل به الشيخ وما شاكله، لم يقع في قلب أحد من النقاد ضعفه. والظاهر أن كلام الخليلي مقيد بما قيد به الحاكم أو نحو ذلك، وإلا كان كلامه ساقطًا لأنه لم يذكر فيمن اشترط العدد في الصحيح. انتهى.
قلت: وبه قال السخاوي. توضيح الأفكار ١/ ٣٨٠؛ النكت الوفية (١٤٥/ ب)؛ فتح المغيث ١/ ١٨٨.(٣) قال الصنعاني: قوله: أحفظ وأضبط. "على صيغة التفضيل"، يدل على أن المخالف إن كان مثله، لا يكون مردودًا. توضيح الأفكار ١/ ٣٨٣.стр. 215
وإن كان بعيدًا من ذلك، كان مفرده شاذًا منكرًا (أ) مردودًا (١) . فحصل من هذا أن الشاذ المردود، هو الفرد (ب) المخالف، والفرد الذي ليس في رواية الثقة والضبط ما يجبر تفرده (٢) . والله أعلم. الحواشي
(١) قال السيوطي: وهو بهذا التفسير يجامع المنكر وسيأتي في بحث المنكر ما فيه.
وقال ابن حجر: هذا يعطي أن الشاذ والمنكر عند ابن الصلاح مترادفان والتحقيق خلاف ذلك على ما سنبينه في المنكر، وقد غفل عن هذا التحقيق من سوى بينهما. التدريب ١/ ٢٣٦؛ النكت ٢/ ٤٥٨؛ النزهة، ص ٣٦؛ فتح المغيث ١/ ١٩٠.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٧٠ - ٧١.следующие страницы →