Полный текст (857 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وحكى الحافظ أبو يعلى الخليلي (١) نحو هذا عن الشافعي وجماعة من أهل الحجاز (٢) ، ثم قال: الذي عليه حفاظ الحديث: أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به شيخ ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن (أ) غير ثقة فمتروك وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به (٣) .
وقال الحاكم: الشاذ ما انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع (٤) .
قال الشيخ ﵀: أما ما حكم الشافعي بشذوذه فلا إشكال في (ب) أنه شاذ غير مقبول (٥) . الحواشي
(١) هو القاضي الإِمام أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي (نسبة لجده الأعلى) القزويني، مصنف كتاب الإِرشاد في معرفة المحدثين، من نظر فيه عرف جلالته. مات في آخر سنة ست وأربعين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٢٣؛ شذرات الذهب ٣/ ٢٧٤.(٢) الإِرشاد في معرفة المحدثين (٧/ ب).(٣) انظر: الإِرشاد للخليلي (٧/ ب).
قال الصنعاني: العجب من قول الخليل: إن أهل الحديث يقولون: إنه يتوقف فيما تفرد به الثقة ولا يحتج به. وقد اتفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي وأحمد، أن حديث "إنما الأعمال" ثلث الإِسلام، ومنهم من قال: ربعه.
قلت: قد أسند عنهم الحافظ هذه الحكاية في الفتح وأبان وجه كونه ثلثًا أو ربعًا للإِسلام. انظر: توضيح الأفكار ١/ ٣٨١؛ وفتح الباري ١/ ١١.(٤) معرفة علوم الحديث، ص ١١٩. قال الحافظ: أسقط من قول الحاكم قيد لا بد منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك. انظر: النكت الوفية (١٤٥/ ألف).(٥) مقدمة ابن الصلاح، ص ٦٩؛ اختصار علوم الحديث، ص ٥٨؛ النكت ٢/ ٤٥٦؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٧٩.стр. 212
وأما قول غيره (١) فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط، كحديث: إنما الأعمال بالنيات (٢) .
تفرد به عمر (٣) ﵁ عن رسول الله ﷺ ، ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص، ثم تفرد (٤) به عن علقمة محمد (٥) بن إبراهيم ثم عنه يحيى (٦) بن سعيد. الحواشي
(١) أي قول الخليلي والحاكم.(٢) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، حديث رقم(١) ، ١/ ٩ مع الفتح. وفي باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة الخ الحديث رقم(٥٤) ، ١/ ١٣٥ مع الفتح. وفي باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق حديث رقم(٢٥٢٩) ، ٥/ ١٦٠ مع الفتح وفي باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة حديث رقم(٣٨٩٨) ، ٧/ ٢٢٦ مع الفتح. وفي باب من هاجر أو عمل خيرًا لتزويج امرأة فله ما نوى، حديث رقم(٥٠٧٠) ، ٩/ ١١٥ مع الفتح. وفي باب النية، حديث رقم(٦٦٨٩) ، ١١/ ٥٧٢ مع الفتح. جميعًا من الطريق المذكور في الكتاب.(٣) هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أبو حفص العدوي الفاروق وزير رسول الله ﷺ وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ : لو كان بعدي نبي لكان عمر، واستشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين. الإِصابة ٢/ ٥١٨؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٥.(٤) اختصار علوم الحديث، ص ٥٧؛ التدريب ١/ ٢٣٤؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٨.(٥) هو محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي أبو عبد الله المدني ثقة له أفراد، مات سنة عشرين ومائة على الصحيح، روى له الجماعة. التقريب ٢/ ١٤٠؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٤.(٦) هو يحيى بن سعيد الأنصاري.стр. 213
وحديث: النهي عن بيع الولاء وهبته (١) تفرد به عبد الله (٢) بن دينار عن ابن عمر، وغير ذلك. فكل هذه الأحاديث مخرجة في الصحيحين، الحواشي
(١) أخرجه البخاري في كتاب العتق، باب بيع الولاء وهبته، حديث رقم(٢٥٣٥) ، ٥/ ١٦٧)؛ وفي كتاب الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه، حديث رقم(٦٧٥٦) ، ١٢/ ٤٢. ومسلم في العتق، باب النهي عن بيع الولاء وهبته، حديث رقم(١٥٠٦) ، ٣/ ١١٤٥؛ وأبو داود في كتاب الفرائض، باب بيع الولاء وهبته، حديث رقم(٢٩١٩) ، ٣/ ٣٣٤؛ والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الولاء وهبته، حديث رقم(١٢٣٦) ، ٣/ ٥٢٨؛ وابن ماجه في الفرائض، باب النهي عن بيع الولاء وهبته، حديث رقم(٢٧٤٧) ، ٢/ ٩١٨. والموطأ في كتاب العتق والولاء، باب مصير الولاء من أعتق، ٣/ ٩، مع تنوير الحوالك. كل هؤلاء من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا.
قال الحافظ: قد اشتهر هذا الحديث عن عبد الله بن دينار حتى قال مسلم لما أخرجه في صحيحه: الناس في هذا الحديث عيال عليه، وقال الترمذي بعد تخريجه: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار رواه عنه سعيد وسفيان ومالك.
قال: الترمذي وروى يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع.
قلت: وصل رواية يحيى بن سليم ابن ماجه، ولم ينفرد به يحيى بن سليم فقد تابعه أبو ضمرة أنس بن عياض ويحيى بن سعيد الأموي كلاهما عن عبيد الله بن عمر، أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريقهما لكن قرن كل منهما: نافعًا بعبد الله بن دينار. فتح الباري ١٢/ ٤٣؛ الترمذي ٣/ ٥٢٩، تحت حديث رقم(١٢٣٦) ، تعليقًا وابن ماجه (ح رقم ٢٧٤٨)، ٢/ ٩١٨.
قلت: يحيى بن سليم الطائفي صدوق سيئ الحفظ؛ كما في التقريب ٢/ ٣٤٩.(٢) هو عبد الله بن دينار العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة. التقريب ١/ ٤١٣؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٥.стр. 214
وليس لها إلا إسناد واحد (١) تفرد به ثقة. فهذا وشبهه يبين أن الأمر ليس على إطلاق الخليلي، والحاكم (٢) ، بل على تفصيل نبينه فنقول: إن كان ما انفرد به الراوي مخالفًا لما رواه من هو أحفظ منه وأضبط (٣) كان مفرده شاذًا مردودًا، وإن لم يكن مخالفًا لغيره، فإن كان المنفرد عدلًا حافظًا موثوقًا (أ) بضبطه قبل مفرده، وكان صحيحًا، وإن لم يكن موثوقًا بضبطه لكنه (ب) غير بعيد من درجة الحافظ الضابط، كان حديثه حسنًا. الحواشي
(١) قال ابن حجر: هذا القول صحيح في حديث النية لكن بقيدين: أحدهما: الصحة، لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطني، وأبو القاسم بن منده وغيرهما. ثانيهما: السياق، لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحت في مطلق النية كحديث عائشة وأم سلمة عند مسلم: يبعثون على نياتهم. وحديث ابن عباس: لكن جهاد ونية. وإلى غير ذلك مما يتعسر حصره. فتح الباري ١/ ١١؛ النكت ٢/ ٤٥٤؛ توضيح الأفكار ١/ ٣٨٢.(٢) قال الصنعاني: الرد على قول الخليلي: [إنه يتوقف فيما تفرد به الثقة ولا يحتج به]. بأحاديث الصحيحين معقول. وأما الحاكم، فإنه ليس في كلامه أنه يقبل أو لا يقبل، بل ذكر معناه ولم يذكر حكمه فما أدرى ما وجه إيراد ابن الصلاح لذلك عليه. فليتأمل.
وقال البقاعي: لا يرد على الحاكم اعتراض ابن الصلاح، لأن ما في الصحيح من ذلك مما مثل به الشيخ وما شاكله، لم يقع في قلب أحد من النقاد ضعفه. والظاهر أن كلام الخليلي مقيد بما قيد به الحاكم أو نحو ذلك، وإلا كان كلامه ساقطًا لأنه لم يذكر فيمن اشترط العدد في الصحيح. انتهى.
قلت: وبه قال السخاوي. توضيح الأفكار ١/ ٣٨٠؛ النكت الوفية (١٤٥/ ب)؛ فتح المغيث ١/ ١٨٨.(٣) قال الصنعاني: قوله: أحفظ وأضبط. "على صيغة التفضيل"، يدل على أن المخالف إن كان مثله، لا يكون مردودًا. توضيح الأفكار ١/ ٣٨٣.стр. 215
وإن كان بعيدًا من ذلك، كان مفرده شاذًا منكرًا (أ) مردودًا (١) . فحصل من هذا أن الشاذ المردود، هو الفرد (ب) المخالف، والفرد الذي ليس في رواية الثقة والضبط ما يجبر تفرده (٢) . والله أعلم. الحواشي
(١) قال السيوطي: وهو بهذا التفسير يجامع المنكر وسيأتي في بحث المنكر ما فيه.
وقال ابن حجر: هذا يعطي أن الشاذ والمنكر عند ابن الصلاح مترادفان والتحقيق خلاف ذلك على ما سنبينه في المنكر، وقد غفل عن هذا التحقيق من سوى بينهما. التدريب ١/ ٢٣٦؛ النكت ٢/ ٤٥٨؛ النزهة، ص ٣٦؛ فتح المغيث ١/ ١٩٠.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٧٠ - ٧١.стр. 216
النوع الرابع عشر: معرفة المنكر (١) من الحديث
قال الحافظ أبو بكر البرديجي: هو الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه (أ) من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من غيره (٢) .
فأطلق البرديجي، ولم يفصل، وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو (ب) الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث (٣) .
والصواب فيه التفصيل الذي ذكرناه في الشاذ، فإنه بمعناه (٤) . والله أعلم. الحواشي
(١) المنكر في اللغة اسم مفعول، فعله: إنكره بمعنى جحدة، أو لم يعرفه، وأنه يقابل المعروف اسم مفعول، فعله: عرفه.(٢) روى ابن الصلاح هذا القول عن الحافظ أبي بكر البرديجي بلاغًا، فقال: بلغنا عن أبي بكر البرديجي ... الخ. مقدمة ابن الصلاح ص ٧١.(٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٧٢؛ وحاشية نور الدين عتر على المقدمة ص ٧٢. ومنهج النقد في علم الحديث ص ٤٠٧، فإن فيهما كلامًا جيدًا.(٤) قاله المصنف تبعًا لابن الصلاح، حيث قال معترضًا على قول البرديجي: فأطلق البرديجي ذلك، ولم يفصل، والصحيح أنه ينقسم ما ينقسم إليه الشاذ. مقدمة ابن الصلاح ص ٧٢.
قلت: كان ينبغي لابن الصلاح أن لا يجعل الشاذ والمنكر نوعًا واحدًا بل هما =стр. 217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = نوعان، ولذا رد ابن حجر على قول ابن الصلاح هذا بقوله: نعم هما مشتركان في كون كل واحد منهما على قسمين، ولكنهما مختلفان في مراتب الرواة، فالضعيف إذا انفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن، فهذا أحد قسمي الشاذ. فإن خولف فيما هذه صفته مع ذلك، كان أشد شذوذًا، وربما سماه بعضهم منكرًا، وإن بلغ تلك الرتبة في الضبط، لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط، فهذا القسم الثاني من الشاذ، وهو المعتمد في تسميته. وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ في بعض دون بعض أو الضعف في مشايخه بشيء لا متابع له ولا شاهد عليه فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث. فإن خولف في ذلك فهو القسم الثاني، وهو المعتمد على رأي الأكثرين. فبان بهذا فصل المنكر من الشاذ، وأن كلا منهما قسمان يجمعهما مطلق التفرد، أو مع قيد المخالفة، انتهى ما في النكت.
وقال في النزهة بعد نقل ما ذكر هنا: وعرف بهذا أي بما ذكرناه من التقرير الدال على الفرق بين الشاذ والمنكر أن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، لأن بينهما اجتماعًا في اشتراط المخالفة وافتراقًا في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق والمنكر راويه ضعيف، وقد غفل من سوى بينهما. وذكر مسلم في مقدمة صحيحه ما نصه: وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقهما فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث، غير مقبوله ولا مستعمله. انتهى.
قال الحافظ: فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون. فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة، وهذا هو المختار. والله أعلم.
النكت ٢/ ٤٥٩؛ النزهة ص ٣٦؛ فتح المغيث ١/ ١٩٠؛ النكت الوفية (١٤٩/ أ)؛ التدريب ١/ ٢٤٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ٥؛ مقدمة صحيح مسلم ١/ ٥٦.стр. 218
النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار (١) والمتابعات والشواهد
هذه أمور يتعرفون بها حال الحديث.
ذكر الحافظ أبو حاتم بن حبان: أن مثال طريق الاعتبار، أن يروي حماد (٢) بن سلمة حديثًا لم يتابع عليه عن أيوب (٣) عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . فينظر (٤) ، هل روى ذلك الحواشي
(١) قال ابن حجر: قلت: هذه العبارة توهم أن الاعتبار قسيم للمتابعة والشاهد. وليس كذلك، بل الاعتبار هو: الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعة والشاهد. وعلى هذا فكان حق العبارة، أن يقول: معرفة الاعتبار للمتابعة والشاهد.
وما أحسن قول شيخنا في منظومته:
الاعتبار سرك الحديث، هل؟ ... تابع راو غيره فيما حمل
فهذا سالم من الاعتراض. انتهى.
قلت نقل عنه هذا الكلام السخاوي والصنعاني، وأشار إليه البقاعي والسيوطي. واعتذر السخاوي والبقاعي عن ابن الصلاح، بأنه أراد شرح هذه الألفاظ الثلاثة لوقوعها في كلام الأئمة.
النكت ٢/ ٤٦٥؛ فتح المغيث ١/ ١٩٥؛ النكت الوفية (١٥٢/ أ)؛ التدريب ١/ ٢٤٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ١١.(٢) هو حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، مات سنة سبع وستين ومائة. التقريب ١/ ١٩٧؛ الميزان ١/ ٥٩٠.(٣) هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، ثقة حجة ثبت من كبار الفقهاء العباد، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة. التقريب ١/ ٨٩؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٣٠.(٤) هذا النظر، يقال له: الاعتبار.стр. 219
ثقة (١) غير أيوب عن ابن سيرين، فان وجد، علم أن للخبر أصلًا. وإن (أ) لم يوجد فثقة غير ابن سيرين، رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي هريرة عن النبي ﷺ ، فأي ذلك وجد علم أن للحديث أصلًا. يرجع إليه، وإلا فلا (٢) .
وأما المتابعة، فمثل أن يروي ذلك الحديث عن أيوب غير حماد، وهي المتابعة التامة (٣) ، أو يرويه عن ابن سيرين (ب) غير أيوب، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبي ﷺ ، صحابي (٤) غير أبي هريرة، فكل هذا يسمى (٤) متابعة، لكن تقصر عن الحواشي
(١) لا يشترط في هذا أن يكون الراوي "ثقة" بل يكفيه أن لا يكون متهمًا بكذب أو ضعف إما لسوء حفظه أو غلطه، وبه قال المصنف نفسه في آخر هذا البحث، وابن الصلاح وأشار إليه العراقي في الفيته والسخاوي والبقاعي حتى قال: أما الذي يظهر من تصرفاتهم فعدم التفرقة بين الواهي وغيره في تسمية كل منهما متابعة، وإن كانت متابعة الواهي لا تفيد المقصود من الحديث وهي الحجية، إذا كانت الطريق الأخرى غير قوية. مقدمة ابن الصلاح، ص ٧٦؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٣؛ فتح المغيث ١/ ١٩٥؛ النكت الوفية (١٥٣/ ب).(٢) قول ابن حبان ذكره ابن الصلاح في المقدمة، ص ٧٤؛ والنووي في التقريب ١/ ٢٤٢؛ وابن جماعة في المنهل الروي، ص ٧٤؛ والسخاوي في فتح المغيث ١/ ١٩٦.(٣) قال البقاعي: وقد يسمى أي الحديث الذي شورك فيه الشيخ شاهدًا، أي وهي المتابعة القاصرة.
وأما المتابعة التامة وهي متابعة الراوي نفسه عن شيخه، فلا يسمى شاهدًا لأنها هي المتابعة الحقيقية. انتهى.
النكت الوفية (١٥٣/ أ)؛ النكت ٢/ ٤٦٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٣.(٤) الراجح - كما قال ابن حجر: إن افتراق الشاهد والمتابع بالصحابي فقط، فكلما =стр. 220
الأول بحسب بعدها منها وتسمى المتابعة شاهدًا (١) .
وأما الشاهد، فمثل أن يروي حديث آخر بمعناه (٢) ، فهذا يسمى شاهدًا ولا يسمى متابعة.
وإذا قالوا في مثل هذا: تفرد به أبو هريرة، وتفرد به عنه ابن سيرين وبه عنه أيوب، وبه عنه حماد، كان فيه إشعار بانتفاء وجوه (أ) المتابعات (٣) .
وإذا انتفت المتابعات والشواهد فحكمه ما سبق في الشاذ (٤) .
ثم أعلم أنه يدخل في المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج الحواشي
(١) قاله الحاكم في المدخل، ص ٤٧.
قلت: لا تسمى كل متابعة شاهدًا بل التي تسمى شاهدًا هي المتابعة القاصرة لا غير. كما تقدم قبل قليل.(٢) رجح ابن حجر أنه لا اقتصار في التابع على اللفظ ولا في الشاهد على المعنى وإن افتراقهما بالصحابي فقط. كما تقدم. نزهة النظر، ص ٣٦؛ النكت ٢/ ٤٦٦؛ النكت الوفية (١٥٣/ أ)؛ فتح المغيث ١/ ١٩٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٤.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٧٥؛ المنهل الروي، ص ٧٤؛ فتح المغيث ١/ ١٩٦؛ التدريب ١/ ٧٤٤؛ وتوضيح الأفكار ٢/ ١٥.(٤) وفي المنكر أيضًا. قلت: هذا هو الصحيح. وهذا نقض صريح لما تقدم من قول المصنف نقلًا عن ابن حبان: فأي ذلك وجد علم أن للحديث أصلًا يرجع إليه، وإلا فلا. انتهى لأنه يفيد أن الحديث إذا لم يوجد له متابع أصلًا لا يقبل.стр. 221
بحديثه وحده (أ) بل يكون معدودًا في الضعفاء. و (ب) في الصحيحين جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد. ولا يصلح لذلك كل ضعيف (١) ، ولهذا يقول الدارقطني وغيره، في الضعفاء (٢) : فلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به، والله أعلم. الحواشي
(١) وبقية كلام المصنف: وإنما يفعلون هذا، أي إدخال الضعفاء في المتابعات والشواهد، لكون التابع لا اعتماد عليه، وإنما الاعتماد على من قبله انتهى.
وقال السخاوي: ولا انحصار له في هذا بل قد يكون كل من المتابع والمتابع لا اعتماد عليه، فباجتماعهما تحصل القوة. انتهى.
مقدمة شرح مسلم، ص ٣٤؛ فتح المغيث ١/ ١٩٧.(٢) انظر: كتاب الضعفاء والمتروكين، قال في (١٦/ ب): سيف بن هارون البرجمي بعتبر به. وقال في (١٧/ أ): صلة بن سليم واسطي يترك حديثه عن ابن جريج وشعبة، ويعتبر بحديثه عن أشعث بن عبد الملك الحمراني. (برقم ١٤٨٨ مصورة من الظاهرية).стр. 222
النوع السادس عشر: معرفة (أ) زيادات الثقات وحكمها
وذلك فن لطيف يستحسن العناية به، وكان جماعة (١) من الأئمة مذكورين بمعرفته.
قال الخطيب: مذهب الجمهور من الفقهاء (وأصحاب (ب) الحديث، أن الزيادة من الثقة) مقبولة، إذا انفرد بها، سواء كانت من شخص واحد، بأن رواه مرة ناقصًا، ومرة بالزيادة، أو كانت من غير من رواه ناقصًا (٢) . خلافًا من رد من أهل الحديث ذلك مطلقًا، وخلافًا لمن رد الحواشي
(١) وهم العلامة أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري الفقيه الشافعي (ت ٣٢٤).
والفقيه المحدث أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني (ت ٣٢٣). وأبو الوليد حسان بن محمد القرشي النيسابوري (ت ٣٤٩).
وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١)، حتى قال ابن حبان ما رأيت على أديم الأرض مثله في هذا الشأن.
كتاب المجروحين ١/ ٩٣؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٧٧؛ النكت ٢/ ٤٦٩؛ فتح المغيث ١/ ١٩٩؛ التدريب ١/ ٣٤٥؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٦.(٢) قال الخطيب: ولم يفرقوا بين زيادة يتعلق بها حكم شرعي أو لا يتعلق بها حكم، وبين زيادة توجب نقصانًا من أحكام تثبت بخبر ليست فيه تلك الزيادة، وبين زيادة توجب تغيير الحكم الثابت، أو زيادة لا توجب ذلك. انتهى.
قال السخاوي: فهذا كما حكاه الخطيب هو الذي مشى عليه المعظم من الفقهاء =стр. 223
الزيادة منه وقبلها من غيره (١) .
قال (٢) الشيخ ﵀: وقد رأيت مفرد الثقة ثلاثة أقسام: الحواشي
(١) الكفاية، ص ٤٢٤.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٧٧.стр. 224
أحدها: أن يقع مخالفًا منافيًا لما رواه سائر الثقات، فحكمه الرد (١) . كما سبق (٢) .
الثاني: أن لا يكون فيه مخالفة أصلًا لما رواه غيره. كحديث تفرد به ثقة لا يخالف غيره بشيء أصلًا، فهو مقبول (٣) ، ونقل الخطيب فيه اتفاق العلماء (٤) .
الثالث: ما هو بين المرتبتين، مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها (أ) ساير من روى ذلك الحديث. مثاله حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر الحواشي
(١) لأنه يصير شاذًا. النكت ٢/ ٤٧٠؛ فتح المغيث ١/ ٢٠٢؛ التدريب ١/ ٢٤٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢١.(٢) أي في نوع الشاذ، ص ٢١٧.(٣) لأنه جازم بما رواه، وهو ثقة ولا معارض لروايته إذ الساكت عنها لم ينفها لفظًا ولا معنى ولا في سكوته دلالة على وهمها، بل هي كالحديث المستقل الذي تفرد بجملته ثقة ولا مخالفة فيه أصلًا. النكت ٢/ ٤٧٠؛ فتح المغيث ١/ ٢٠٢؛ التدريب ١/ ٢٤٧؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢١.(٤) ليست حكاية الاتفاق صريحة في كلام الخطيب. فعبارته: والدليل على صحة ذلك - أي القول بقبول الزيادة، أمور:
أحدها: اتفاق جميع أهل العلم على أنه لو انفرد الثقة بنقل حديث لم ينقله غيره لوجب قبوله، ولم يكن ترك الرواة لنقله إن كانوا عرفوه وذهابهم عن العلم به لوجب قبوله، ولم يكن ترك الرواة لنقله إن كانوا عرفوه وذهابهم عن العلم به معارضًا ولا قادحًا في عدالة راويه، ولا مبطلًا له، وكذلك سبيل الانفراد بالزيادة. انتهى فتأمل. الكفاية، ص ٤٢٥؛ وفتح المغيث ١/ ٢٠٢.стр. 225
أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين (١) .
ذكر أبو عيسى الترمذي أن مالكًا تفرد (أ) من بين الثقات بزيادة قوله من المسلمين (١) .
وروى عبيد الله (٢) بن (ب) عمرو أيوب وغيرهما، هذا الحديث عن نافع دون هذه الزيادة. فأخذ بهذه الزيادة غير واحد من الأئمة، واحتجوا بها، منهم الشافعي وأحمد (٣) .
وكحديث: جعلت لنا الأرض مسجدًا وجعلت تربتها لنا (ج) الحواشي
(١) أخرجه البخاري في الزكاة باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين (ح رقم ١٥٠٤) ٣/ ٣٦٩.
ومسلم في الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين (ح رقم ٩٨٤)، ٢/ ٦٧٧.
وفي الموطأ في باب مكيلة زكاة الفطر ١/ ٢٦٨، مع تنوير الحوالك.
وأبو داود في الزكاة، باب كم يؤدي في صدقة الفطر (ح رقم ١٦١١)، ٢/ ٢٦٣.
والترمذي في الزكاة، باب ما جاء في صدقة الفطر (ح رقم ٦٧٦)، ٣/ ٥٢.
والنسائي في الزكاة، باب فرض زكاة رمضان على المسلمين ٥/ ٤٨.
وابن ماجه في الزكاة، باب صدقة الفطر (ح رقم ١٦٢٦)، ١/ ٥٨٤.
كل هؤلاء من طريق مالك بالسند المذكور، بزيادة "من المسلمين".(٢) عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني أبو عثمان ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، مات سنة بضع وأربعين ومائة. التقريب ١/ ٥٣٧؛ تذكرة الحفاظ ١/ ١٦٠.(٣) انظر: كتاب العلل في آخر الجامع ٥/ ٧٥٩؛ شرح علل الترمذي ١/ ٤١٨.стр. 226
طهورًا (١) . تفرد به أبو (أ) مالك (٢) الأشجعي هكذا (٣) . وسائر الروايات لفظها (ب): وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا (٤) . فهذا القسم يشبه الحواشي
(١) أخرجه مسلم في المساجد عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة ﵁ مرفوعًا (ح رقم ٥٢٢)، ١/ ٣٧١.
وقد رمز له المزي بـ (س) وقال المحقق: إنه في الكبرى. تحفة الأشراف ٣/ ٢٧.
وأخرجه ابن خزيمة في الصحيح ١/ ١٣٣، ولفظه: وجعل ترابها لنا طهورًا.(٢) هو سعد بن طارق أبو مالك الأشجعي الكوفي، ثقة، مات في حدود سنة أربعين ومائة, روى له البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة. التقريب ١/ ٢٨٧؛ الميزان ٢/ ١٢٢.(٣) قال ابن رجب: هذا ليس من زيادة الثقة في المتون وألفاظ الحديث لأن حديث حذيفة لم يرو بإسقاط هذه اللفظة وإثباتها، وإنما وردت هذه اللفظة فيه، وأكثر الأحاديث فيها: "وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا". وليس هذا من باب المطلق والمقيد كما ظنه بعضهم، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، ولا يقتضي ذلك التخصيص إلا عند من يرى التخصيص بالمفهوم ويرى أن للقب مفهومًا معتبرًا. انتهى.
وقد وضح الحافظ ذلك فقال: هذا التمثيل ليس بمستقيم، لأن أبا مالك قد تفرد بجملة الحديث عن ربعي بن حراش ﵁، كما تفرد برواية جملته ربعي عن حذيفة ﵁. انتهى.
قلت: أي هذه زيادة من الصحابي وهي مقبولة اتفاقًا إذا صح السند إليه وقولنا في زيادة لفظة في حديث واحد بإسناد واحد ومتن واحد ما يذكرها ساير من روى ذلك الحديث.
شرح علل الترمذي ١/ ٤٣٢؛ النكت ٢/ ٤٨٣؛ فتح المغيث ١/ ٢٠٤؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٣؛ العلل في الحديث، ص ٢٠٦.(٤) أخرجه البخاري في التيمم (ح ٣٣٥)، ١/ ٤٣٥.
ومسلم في المساجد (ح رقم ٥٢١)، ١/ ٣٧٠ كلاهما من طريق هشيم عن سيار =стр. 227
الأول (١) ويشبه الثاني (١) .
قلت: لا يصح التمثيل بحديث مالك، لأنه ليس (أ) منفردًا، بل الحواشي
(١) أي القسم المردود من حيث أن ما رواه الجماعة عام يعني لشموله جميع أجزاء الأرض، وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص بالتراب وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع مخالفة يختلف بها الحكم.
ويشبه القسم الثاني من حيث أنه لا منافاة بينهما.
النكت ٢/ ٤٧٠؛ فتح المغيث ١/ ٢٠٣؛ التدريب ١/ ٢٤٧؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٤، قال النووي في التقريب: الصحيح قبول هذا الأخير. قال ابن حجر: لم يحكم ابن الصلاح على هذا الثالث بشيء، والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول، والرد بل يرجحون بالقرائن كما في مسألة تعارض الوصل والإِرسال. قال السخاوي: فهما على حد سواء. وقال الصنعاني: وهو موضع ترجيح واجتهاد في القبول وعدمه، وحيث لا يحصل موجب الرد فالأصل وجوب قبول زيادة الثقات.
النكت ٢/ ٤٧٠؛ فتح المغيث ١/ ٢٠٣؛ توضيح الأفكار ٢/ ٢٤.
وقال الحافظ في ٢/ ٤٧٣: حاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظًا متقنًا حيث تستوى مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عددًا منه أو كان فيهم من هو أحفظ منه، أو كان غير حافظ ولو كان في الأصل صدوقًا، فإن زيادته لا تقبل.
وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة، وأطلق. والله أعلم.
واشترط ابن رجب لقبول زيادة الثقة سواء كانت في المتن أو في السند أن يكون الراوي للزيادة مبرزًا في الحفظ والإِتقان على من لا يروي هذه الزيادة، =стр. 228
وافقه في هذه الزيادة عن نافع، عمر (١) بن نافع، والضحاك (٢) بن عثمان، الأول في صحيح البخاري (٣) ، والثاني في صحيح مسلم (٤) . والله أعلم. الحواشي
(١) هو عمر بن نافع العدوي مولى ابن عمر، ثقة، مات في خلافة المنصور روى له الجماعة إلا الترمذي. التقريب ٦٣٢؛ الميزان ٣/ ٢٢٦.(٢) الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي - أبو عثمان المدني، صدوق يهم من السابعة. روى له مسلم والأربعة. التقريب ١/ ٣٧٣؛ الميزان ٢/ ٣٢٤.(٣) صحيح البخاري كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر، من طريق عمر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا بزيادة: من المسلمين" (ح رقم ١٥٠٣)، ٣/ ٣٦٧.(٤) صحيح مسلم كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين، من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا بزيادة "من المسلمين" (ح رقم ٩٨٤)(١٦) ، ٢/ ٦٧٨.стр. 229
النوع السابع عشر: معرفة الأفراد
هذا النوع تقدم مقصوده في الأنواع (١) قبله، وحاصله (أ) أن الفرد على ضربين: فرد عن جميع الرواة (٢) ، وسبق تقسيمه (٣) .
وفرد بالنسبة إلى جهة (٤) (ب)، كقولهم: هذا الحديث تفرد به أهل مكة، أو الشام أو الكوفة أو خراسان.
أو لم يروه عن فلان غير فلان وإن كان مرويًا من وجوه عن غير فلان (٥) . أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو الخراسانيون عن المكيين الحواشي
(١) أي في الشاذ والمنكر ومعرفة زيادات الثقات وحكمها.(٢) ويقال له: الفرد المطلق، أي الذي لم يقيد بقيد ما.(٣) أي في آخر بحث الشاذ، ص ٢١٧.(٤) ويقال له: الفرد النسبي، ومعناه أنه فرد بالنسبة والإِضافة إلى شيء معين. وإطلاق اسم الفرد على هذا النوع قليل، لأن الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحًا إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي. وهذا من حيث إطلاق الاسمية عليهما. وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق، فلا يفرقون فيقولون في المطلق والنسبي: تفرد به فلان أو أغرب به فلان. نزهة النظر، ص ٢٨.(٥) ويدخل في أمثلة هذا النوع: لم يروه من الثقات غير فلان. فإن معناه: أنه قد رواه غيره لكن من غير الثقات. فتح المغيث ١/ ٢٠٧؛ توضيح الأفكار ٢/ ٩.стр. 230
وما أشبه ذلك (١) وليس في شيء من (أ) هذا ما يقتضي ضعف (٢) الحديث، إلا أن يطلق قائل تفرد به البصريون عن المدنيين ونحوه على (ب) ما لم يروه إلا واحد (٣) ، كما استعمله الحاكم أبو عبد الله (٤) فعند ذلك يكون حكمه حكم الضرب الأول (٥) . والله أعلم. الحواشي
(١) انظر أمثلة هذه الأنواع كلها في معرفة علوم الحديث، ص ٩٦؛ النكت ٢/ ٤٨٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٠٥؛ التدريب ١/ ٢٤٩.(٢) أي من حيث كونه فردًا، إلا إن انضم إليه ما يقتضيه. فتح المغيث ١/ ٢٠٧؛ التدريب ١/ ٢٤٩.(٣) قال الصنعاني: كأن يقال: تفرد به الكوفيون مثلًا، والمنفرد به واحد من أهل الكوفة، فنسب المفرد إليهم مجازًا، من باب عقروا الناقة. انتهى. وقال ابن حجر: وهذا الإِطلاق هو الأكثر، فجميع الأمثلة التي مثل بها الحاكم كذلك. انتهى.
وقال ابن كثير: هذا النوع يشترك فيه الفرد المطلق مع الفرد النسبي لاجتماع الوصفين فيه.
وقال السخاوي: وكذلك تفرد الثقة، بما يشترك معه في روايته ضعيف فإن بلغ رتبة من يعتبر بحديثه يقرب من الفرد المطلق، وإن كان ممن لا يعتبر بحديثه، فكالمطلق، لأن روايته كلا رواية. توضيح الأفكار ٢/ ٩؛ النكت ٢/ ٤٩٠؛ اختصار علوم الحديث، ص ٦١؛ فتح المغيث ١/ ٢٠٧.(٤) انظر: معرفة علوم الحديث، ص ٩٦، ٩٧، ٩٨.(٥) أي ان استوفى شروط الصحة فصحيح، وإن استوفى شروط الحسن فحسن وإن نزل إلى درجة الضعف فهو ضعيف.стр. 231
النوع الثامن عشر: معرفة (أ) المعلّل
وتسميه أهل الحديث المعلول (ب) (١) ، وذلك منهم ومن الفقهاء في (ج) قولهم: العلة والمعلول، مرذول عند أهل النحو واللغة (٢) . الحواشي
(١) كذا وقع في عبارة البخاري والترمذي والحاكم والدارقطني وخلق من أئمة الحديث قديمًا وحديثًا. فتح المغيث ١/ ٢١٠؛ التدريب ١/ ٢٥١.(٢) لأن المعلول من عله بالشراب إذا سقاه مرة بعد أخرى.
وتعقب هذا القول بأن ليس له معنى واحد فقط، بل قد ذكر ابن القوطية وابن فارس والجوهري: عل الشيء إذا أصابته علة، فيكون لفظ معلول هنا مأخوذًا منه. بل قال بعض العلماء: استعمال هذا اللفظ أولى لوقوعه في عبارات أهل الفن، مع ثبوته لغة ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وكذلك إن كان مأخوذًا من عله بمعنى سقاه الشربة الثانية فهو أيضًا موافق للغة ومنسجم مع قواعدها، وتكون العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: إن العلة ناشئة عن إعادة النظر في الحديث مرة بعد مرة.
وكما يقال: معلول بهذا المعنى، فإنه يقال: معل. لما دخل على الحديث من العلة بمعنى المرض.
وأما استعمال: "معلل" فلا تمنعه القواعد أيضًا، إذا كان مشتقًا من "علله" بمعنى ألهاه به وشغله. كما في القاموس والصحاح. وحينئذ يكون معنى "الحديث المعلل" هو الحديث الذي عاقته العلة وشغلته فلم يعد صالحًا للعمل به. العلل =стр. 232
وأعلم، أن معرفة علل الحديث من أجل علومه وأشرفها، وإنما يتمكن في ذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب (١) ، وهي عبارة عن أسباب خفية (٢) غامضة قادحة فيه (٣) .
فالحديث المعلل، هو الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها (٤) .
ويتطرق ذلك إلى الإِسناد الذي رجاله ثقات (٥) ، الجامع شروط الصحة ظاهرًا.
وتدرك بتفرد الراوي (٦) ، ومخالفة غيره له (٧) ، مع قرائن تنبه العارف الحواشي
(١) قال السخاوي: ولذا لم يتكلم فيه إلا الجهابذة مثل ابن المديني وأحمد والبخاري ويعقوب بن شيبة وأبي زرعة وأبي حاتم والدارقطني ولخفائه كان بعض الحفاظ يقول: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل. فتح المغيث ١/ ٢١٩؛ التدريب ١/ ٢٥١.(٢) معيار خفائه، سؤال الحفاظ عنه أو وروده في كتب العلل.(٣) قلت: هذا تعريف أغلبي للعلة، وإلا فإنه سيأتي أنهم قد يعلون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة. ويأتي هناك تخريجه ومطابقته لهذا التعريف.
انظر: ص ٢٤٦.(٤) مقدمة ابن الصلاح، ص ٨١؛ النكت ٢/ ٤٩٣؛ النكت الوفية (١٦٧/ أ)؛ فتح المغيث ١/ ٢١١.(٥) سبق وأن قلت: أن هذا تعريف أغلبي، ولا يشترط دائمًا أن يكون رجاله ثقات، بل فيه من هو ضعيف، أو متروك وهكذا.(٦) أي برواية الحديث من طريقه فقط، مع عدم المتابعة عليه. فتح المغيث ١/ ٢١٠.(٧) أي ممن هو أحفظ وأضبط أو أكثر عددًا. فتح المغيث ١/ ٢١٠.
قد تكلم الدكتور همام عن أسباب العلة، بتفصيل جيد. وقال: لم يقع الكلام =стр. 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = عن هذه الأسباب منظمًا مجتمعًا لي في كتاب من الكتب التي تعرضت للعلل، ولعل دراستنا هذه هي بداية المحاولة في هذا الترتيب النظري لعلم العلل. وفيما يلي عرض لهذه الأسباب والكلام عليها باختصار.
أولًا: السبب العام: وهو الذي يقف وراء الكثير من هذه العلل إلا أنه الضعف البشري الذي لا يسلم منه مخلوق، ولا عصمة إلا لكتاب الله ولرسوله ﷺ . وما وراء ذلك ناس يصيبون ويخطئون ويتذكرون وينسون وينشطون ويغفلون على ما بينهم من تفاوت في ذلك بين مكثر ومقل.
السبب الثاني: هو ما اتصف به بعض رواة الآثار من خفة الضبط وكثرة الوهم مع بقاء عدالتهم. وهؤلاء هم الذين ذكرهم الترمذي في علله (آخر الجامع، ص ٥٤٤) بقوله: أهل صدق وحفظ ولكن يقع الوهن في حديثهم كثيرًا. اهـ. ولكن ليس هو الغالب، وليعلم أن حديث هؤلاء مقبول عند جماهير علماء الحديث بعد التمييز بين الخطأ والصواب وكان نصيب كتب العلل من هذه الأوهام كبيرًا، ولذا نجد كثيرًا في هذه الكتب بعد ذكر الحديث: أخطأ فيه شريك، وهم فيه عطاء الخراساني. وهكذا.
السبب الثالث: الاختلاط أو الآفة العقلية التي تورث فسادًا في الإِدراك، وتصيب الإِنسان في آخر عمره، أو تعرض له بسبب حادث ما كفقد عزيز أو ضياع مال، ولهذا الاختلاط أثر كبير على رواية المختلط لا سيما وأنه الثقة المحتج به. وليست لبدء هذا الاختلاط ساعات محدودة إذ الاختلاط حالة عقلية تبدأ خفية ثم يتعاظم أمرها بالتدريج، وبين الخفاء والظهور يكون المختلط قد روى أحاديث تناقلها الثقات عن الثقات وما دروا أنهم أخذوها عن الثقة لكن في اختلاطه، ولكن رجال هذا العلم بما لديهم من وسائل الدراية يقفون بالمرصاد لتمييز الصحيح من السقيم.
السبب الرابع: خفة الضبط بالأسباب العارضة.
ونقصد بالأسباب العارضة أمورًا تعرض للمحدث وتؤثر في ضبطه، دون أن تؤثر في إدراكه، وبهذا نميز هذه الأمور العارضة عن الاختلاط ولا أرى ضمها إليه كما فعل البعض، وهذه العوارض تعتري المحدث الذي يعتمد على كتابه في الرواية، فإذا ضاع الكتاب أو احترق أو أضر الراوي، أو لم يصطحب كتابه معه =стр. 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = إذا رحل، في كل هذه الحالات يختل ضبط الراوي، ويكون سبب خفة الضبط هذا العارض الذي اعترض المحدث.
السبب الخامس: قصر الصحبة للشيخ وقلة الممارسة لحديثه.
أعطى المحدثون طول ملازمة الشيخ وممارسة حديثه أهمية كبيرة، فرجحوا من أجل ذلك أسانيد كثيرة على أخرى، وأعانتهم معرفتهم بالصحبة والممارسة على تمييز كثير من الأوهام والعلل. واهتمام النقاد بهذا الأمر جعلهم يتابعون الرواة عن شيخ ما فيقسمونهم فئات بين الأطول والأقصر صحبة، والأقل والأكثر ممارسة.
السبب السادس: اختصار الحديث أو روايته بالمعنى.
رأى الجمهور أن الرواية بالمعنى جائزة، وقيدوا هذا الجواز بأن يكون الراوي بالمعنى عارفًا بمواقع الألفاظ بصيرًا بدلالتها حتى لا يحيل الحلال حرامًا، أو يضع الدليل في غير مكانه، فإن لم يلتزم الراوي بشرطها، فإن هذه الرواية تكون سببًا في دخول العلة على الحديث.
السبب السابع: تدليس الثقات: وقد يكون سبب العلة تدليسًا أدركه النقاد فكشفوا فيه عن انقطاع في الإِسناد أو رواية عن ضعيف غير اسمه أو كنيته. وغالبًا ما تكون العلة في حديث الأعمش أو هشيم أو إسحاق بن أبي فروة أو ابن جريج ناشئة عن التدليس.
السبب الثامن: الرواية عن المجروحين والضعفاء.
وقد تضمنت كتب العلل أحاديث ذكر أن علتها جرح الراوي، فكان هذا الجرح سببًا في العلة.
ويشترط لدخول هذا الفرع في العلل، أن يكون من الخفاء بحيث يغيب عن بعض الثقات الأعلام. كأن يروي مالك عن عبد الكريم بن أبي أمية، والشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى. وينبغي التنبيه إلى أن الأغلب في العلل أوهام الثقات، حتى الرواية عن المجروحين كثيرًا ما ترتبط بالثقة الذي روى الحديث.
قلت: قد مثل الدكتور لجميع الأسباب وفصلها تفصيلًا مثاليًا فمن يريد الاطلاع على أكثر من ذلك فليرجع إليه. العلل في الحديث، ص ٨٩ - ١١٢.стр. 235
على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم (١) بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه، فيحكم (٢) به، أو يتردد فيتوقف (٣) فيه، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة (أ) (٤) ما وجد ذلك فيه. الحواشي
(١) هذا النوع من العلة هو ميدان العلل الأوسع والأكبر الذي لا تكاد تخلو منه صفحة من كتب هذا الفن، وقد نص ابن رجب على الاختلاف في الوصل والإِرسال والوقف والرفع فقال: من وجوه معرفة صحة الحديث وسقمه معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف إما في الإِسناد وإما في الوصل والإِرسال، وإما في الوقف، والرفع ونحو ذلك.
أي فقد يروي الحديث مرفوعًا لكن النقاد يكشفون عن وهم في رفعه ويثبتون أن وقفه أصح. وقد يروي متصلًا وإرساله أثبت وآكد، أو قد يروي متصلًا وهو في الحقيقة معضل أو منقطع. شرح علل الترمذي ٢/ ٤٦٧؛ العلل في الحديث، ص ١٤٤.(٢) لما رأى عالم العلل من قوة ما وقف عليه من ذلك، فأمضى الحكم بما ظنه لكون مبنى هذا على غلبة الظن. فتح المغيث ١/ ٢١١.(٣) قال السخاوي: أي كف عن الحكم بقبول الحديث وعدمه احتياطًا لتردده بين إعلاله بذلك أو لا. ولو كان ظن إعلاله أنقص. ثم قال: لا يقال: القاعدة، أن اليقين لا يترك بالشك. إذ لا يقين هنا. فتح المغيث ١/ ٢١١.(٤) قال ابن حجر: هذا حيث لا يوجد مخالف منهم لذلك المعلل، وحيث يصرح بإثبات العلة، فأما إن وجد غيره صححه فينبغي حينئذ توجه النظر إلى الترجيح بين كلاميهما.
وكذلك إذا أشار المعلل إلى العلة إشارة ولم يتبين منه ترجيح لإِحدى الروايتين، فإن ذلك يحتاج إلى الترجيح. والله أعلم. النكت ٢/ ٤٩٤.стр. 236
والطريق في معرفة علة الحديث أن يجمع طرقه فينظر في اختلاف رواته وحفظهم، وإتقانهم (١) . الحواشي
(١) وقد تكلم الدكتور همام عن وسائل الكشف عن العلة، ولا بد لعالم العلل أن يكون على علم بها، وأنا أذكرها باختصار لمزيد الفائدة.
الوسيلة الأولى: معرفة المدارس الحديثية، نشأتها ورجالها. وبهذه المعرفة يعالج الباحث أسانيد كثيرة فيكشف عن علتها، فإذا كان الحديث كوفيًا احتمل التدليس أو الرفض. وإن كان بصريًا احتمل النصب وتأثير الأرجاء والاعتزال في إسناده. فإذا روى المدينون عن الكوفيين فإنها تختلف الاحتمالات عما إذا روى المدينون عن البصريين، قال الحاكم: المدينون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا. وأما حديث الشام عن المدارس الأخرى فأكثره ضعيف. معرفة علوم الحديث، ص ١١٥.
الثانية: معرفة من دار عليهم الإِسناد، وأوثق الناس فيهم، وتمييز أصح الأسانيد وأضعفها، قال علي بن المديني: نظرت فإذا الإِسناد يدور على ستة، فلأهل المدينة ابن شهاب ولأهل مكة عمرو بن دينار ولأهل البصرة قتادة بن دعامة السدوسي ويحيى بن أبي كثير ولأهل الكوفة أبو إسحاق السبيعي وسليمان بن مهران إلى آخر ما قال. العلل لعلي بن المديني ٣٦ - ٤٠.
الثالثة: معرفة الأبواب ورجل العلل الحافظ الفهم العارف لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بعد أن جمع الأحاديث في الأبواب. وفي معرفة الأبواب وحصرها اشتهر الإِمام أحمد والبخاري وأبو زرعة وهو الذي يقول لعبد الله بن أحمد الإِمام: ذاكرت أباك فوجدته يحفظ ألف ألف حديث. فقال عبد الله: كيف ذاكرته.
قال أبو زرعة: ذاكرته على الأبواب. شرح علل الترمذي ١/ ٢٠٩؛ وتذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣١.
الرابعة: معرفة المتشابه من الأسماء والكنى والألقاب: وأن الباحث ليدهش وهو يجد أن أربعة عشر رجلًا من الثقات يحملون اسم إبراهيم بن يزيد. وكما تتشابه الأسماء تتشابه الكنى ولا بد من معرفتها من قبل صاحب هذا الشأن. وإلى جانب التشابه في الكنى نجد الكثير من الكنى التي لم يشتهر أصحابها بها فاستغلها المدلسون ستارًا لتدليسهم. ولكن المعرفة الواسعة التي يتمتع بها الناقد تقف لكل ذلك بالمرصاد. =стр. 237
وكثيرًا ما يعللون الموصول بالمرسل بأن يجيئ الحديث بإسناد موصولًا وبإسناد أقوى (١) منه مرسلًا. الحواشي
(١) بأن يكون راويه أضبط أو أكثر عددًا لأن القول بتقديم الوصل إنما هو فيما لم يظهر فيه ترجيح. انتهى ما قال السخاوي ونقل ابن حجر عن العلائي: فأما إذا كان رجال الإِسناد متكافئين في الحفظ أو العدد، أو كان من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شيء من ذلك مع أن كلهم ثقات محتج بهم فههنا مجال النظر واختلاف الأئمة والفقهاء. فتأمل. فتح المغيث ١/ ٢١٨؛ النكت ٢/ ٤٩٤.стр. 238
واعلم أنه قد (أ) تقع العلة في إسناد (١) الحديث وهو الحواشي
(١) وعلة الإِسناد تأتي على خمسة أنواع:
أولًا: إبطال السماع الصريح أو نفي السماع المتوهم بالعنعنة.
الأصل أن التصريح بالسماع من الراوي الثقة معتبر، وكذلك إذا روى السند معنعنًا "أو" مؤننًا" فإنه معتبر كذلك بشرط كون الراوي بريئًا من التدليس، ولكن رغم التصريح بالسماع ورغم المعاصرة الأكيدة بين الراوي والمروي عنه وسلامة الراوي من التدليس، قد يكشف النقاد من أهل صنعة العلل أن الإِسناد منقطع، ولا حقيقة لهذا السماع.
ثانيًا: إبدال الإِسناد كله أو بعضه، كما في حديث البسملة الآتي.
ورغم هذا الخطأ بقي الإِسناد المعل بحمل السلامة الظاهرة حتى كشف النقاد عن علته، وعرفوا وجه التغيير الذي طرأ على الأصل. وقد يكون هذا الوهم ناشئًا عن ملابسات خاصة بالإِسناد، وقد يكون ناشئًا عن الوهم المجرد. ومثال الملابسات الخاصة أن يشتهر إسناد معين على لسان راو معين، كمالك عن نافع عن ابن عمر، أو كسعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، أو كأبي بردة عن أبيه. فكل حديث يروى عن مالك قد يسبق اللسان إلى نافع عن ابن عمر. وفي واقع الأمر يكون مالك قد رواه عن غير نافع.
ثالثًا: الوهم في رفع الموقوف أو وصل المرسل أو ما فيه انقطاع.
وهذا النوع من علة الإِسناد هو ميدان العلل الأوسع والأكبر. فقد يروى الحديث مرفوعًا ولكن النقاد يكشفون عن وهم في رفعه ويثبتون أن وقفه أصح، وقد يروى الحديث متصلًا وإرساله أثبت وآكد، أو قد يروى متصلًا وهو في الحقيقة معضل أو منقطع.
رابعًا: جمع الشيوخ وبقاء اللفظ واحدًا.
الأصل أن يوجد بعض الاختلاف في روايات الحديث الواحد، لتصرف الرواة في لفظ الحديث، دون المعنى، فإذا روى أحد الرواة حديثًا واحدًا عن عدد من الشيوخ، ثم ساق اللفظ سياقًا واحدًا، فإن هذا دليل على الوهم والخطأ إلا أن يكون الراوي مبرزًا في الحفظ جدًا. =стр. 239
الأكثر (١) . وقد تقع في المتن (٢) . فما وقع في الإِسناد، قد يقدح في الإِسناد والمتن جميعًا، كالتعليل بالإِرسال والوقف. وقد يقدح في الإِسناد خاصة. كحديث الحواشي
(١) أي أكثر وقوعًا لا أكثر أنواعًا.(٢) وعلة المتن أيضًا تأتي على خمسة أنواع.
أولًا: ما كانت علته إحالة المعنى كليًا أو جزئيًا.
وقد سبق لي أن ذكرت جواز الرواية بالمعنى عند الجمهور إذا كان الراوي ملمًا باللغة عارفًا. عالمًا بصيرًا بمواقع الألفاظ، فإذا لم يكن الراوي على هذه الصفة ويروي الحديث بمعناه فيحيله على غير معناه المراد فالعلة تدخل في هذا الحديث من هذه الناحية.
ثانيًا: ما كانت علته تحريفًا في لفظ من ألفاظه. ويمثل له بمن حرف كلمة نؤديه، فجعلها، "نورثه" وبدل أن يجعل الحديث في صدقة الفطر وهو: كنا نؤديه على عهد رسول الله ﷺ قال: الجد. أي نورثه.
ثالثًا: ما كانت علته مخالفة راويه لمقتضاه. قد ضعف الإِمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا. وراجع هذه المسألة في شرح علل الترمذي تحت قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه ٢/ ٧٩٦.
رابعًا: ما كانت علته إدراج كلام آخر فيه.
وصورة هذا النوع من العلة أن يدخل في سياق الحديث ما ليس منه، سواء كان هذا الداخل حديثًا آخر، أو بعض حديث، أم كان كلامًا للراوي يوضح به المراد من الحديث. وفي كلتا الحالتين يظهر الحديث مع ما أدرج فيه حديثًا واحدًا دونما تمييز بينهما، أو فاصل يحدد كلًا منهما. =стр. 240
يعلى (١) بن عبيد عن الثوري عن عمرو (٢) بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ : البيعان بالخيار (٣) .
فهذا إسناد متصل بنقل العدل عن العدل. وهو معلل غير صحيح الحواشي
(١) يعلى بن عبيد بن أبي أمية الكوفي، أبو يوسف الطنافسي، ثقة إلا في حديثه عن الثوري ففيه لين، مات سنة بضع ومائتين وله تسعون سنة روى له الجماعة. التقريب ٢/ ٣٧٨، تاريخ يحيى بن معين برواية عثمان الدارمي رقم النص ١٠٤، ٣٧٥، ٥٤٣.(٢) عمرو بن دينار المكي أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم، ثقة ثبت، مات قبل أخيه بسنة سنة ست وعشرين ومائة، روى له الجماعة. التقريب ١/ ٦٩؛ كتاب الطبقات، ص ٢٨١.(٣) أخرجه البخاري من طريق سفيان، كتاب البيوع، باب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع (ح رقم ٢١١٣)، ٤/ ٣٣٣؛ ومسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، كتاب البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين (ح رقم ١٥٣١)(٤٦) ، ٣/ ١١٦٤؛ والبيهقي من طريق إسماعيل بن جعفر، كتاب البيوع، باب المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار ٥/ ٢٦٩، جميعًا عن عبد الله بن دينار به.
أما الطريق المقلوب (أي عن عمرو بن دينار) فلم أجد الحديث منها؟ .стр. 241
والمتن صحيح. والعلة في قوله: عمرو بن دينار، إنما هو أخوه عبد الله بن دينار. هكذا رواه الأئمة من أصحاب الثوري عنه. فوهم يعلى. وابنا دينار ثقتان (١) .
ومثال العلة في المتن (٢) ، ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس من اللفظ المصرح بنفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (٣) .
فعلل قوم (٤) هذه (أ) الرواية حيث رأوا الأكثرين، قالوا: يستفتحون الحواشي
(١) قد يقول قائل: ما داما ثقتين فما الضرر من هذا الخلط؟
والجواب على ذلك أن لكل من الرجلين إسناده، ولكل منهما رجاله والخلط بينهما لا يقتصر عليهما بل يتعداهما إلى بقية رجال الإِسناد. العلل في الحديث، ص ١٣٠.(٢) قال البقاعي: الكلام الضابط أن يقال: الحديث لا يخلو، إما أن يكون فردًا أو له أكثر من إسناد. فالأول يلزم من القدح في سنده القدح في متنه وبالعكس.
والثاني لا يلزم من القدح في أحدهما، القدح في الآخر. انتهى.
وقال ابن حجر: قلت: إذا وقعت العلة في الإِسناد فقد تقدح وقد لا تقدح وإذا قدحت فقد تخصه وقد تستلزم القدح في المتن، وكذا القول في المتن سواء، فالأقسام على هذا ستة. النكت الوفية (١٦٠/ ب)؛ النكت ٢/ ٥٢٧.(٣) صحيح مسلم في كتاب الصلوة باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة (ح رقم ٣٩٩)، ١/ ٢٩٩.(٤) المراد بذلك الدارقطني، فإنه السابق إلى ذلك، فقال: إن المحفوظ عن قتادة من رواية عامة أصحابه عنه: كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. قال: وهو المحفوظ عن قتادة وغيره من أصحاب أنس عنه ﵁. وتبعه البيهقي، وقال بقوله:
وقد أورد الحافظ على كلام الدارقطني فقال: وفي قول الدارقطني نظر لأنه يستلزم ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى مع إمكان الجمع بينهما وكيف يحكم على رواية عدم الجهر بالشذوذ وفي رواتها عن قتادة مثل شعبة انتهى. سنن الدارقطني =стр. 242
بالحمد لله رب العالمين (١) .
من غير تعرض البسملة. وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه (٢) . فرأوا أن من رواه باللفظ المصرح، رواه بالمعنى الذي وقع له. ففهم من قوله: كانوا يفتتحون بالحمد لله. أنهم كانوا لا يبسملون. فرواه على ما فهم وأخطأ. لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها الفاتحة (٣) . الحواشي
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير (ح رقم ٧٤٣)، ٢/ ٢٢٦؛ ومسلم، كتاب الصلوة، باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة (ح رقم ٣٩٩)،(٥٢) ، ١/ ٢٩٩؛ وأبو داود، كتاب الصلوة، باب من لم ير الجهر بسم الله الرحمن الرحيم ١/ ٤٩٤.
والترمذي، أبواب الصلوة، باب ما جاء في افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين (ح رقم ٢٤٦)، ٢/ ١٥.
والنسائي في الافتتاح، باب البدء بفاتحة الكتاب قبل السورة ٢/ ١٣٣.
وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوة، باب افتتاح القراءة (ح رقم ٨١٣)، ١/ ٦٦٧. جميعًا من طريق قتادة عن أنس بن مالك ﵁ بلفظ: يفتتحون القراءة. إلا مسلمًا والنسائي، ففيهما بلفظ: يستفتحون القراءة. كما هو في الكتاب.(٢) تقدم ذكرهما ضمن التخريج قبل الآن.(٣) قد تكلم الشافعي على معنى هذا الحديث في الأم، باب القراءة بعد التعوذ ١/ ١٢٩ - ١٣٠.
والنووي في شرح مسلم ٤/ ١١١؛ وابن حجر في الفتح ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
وشمس الحق في التعليق المغني ١/ ٣١٥، وعزاه إلى المحدث السيد نذير حسين الدهلوي ﵀.
وأحمد شاكر بهامش الترمذي ٢/ ١٦ - ٢٥، وأطال البحث بما لا مزيد عليه.стр. 243
وانضم إلى هذا أمور. منها أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية فذكر أنه لا يحفظ (١) فيه شيئًا عن رسول الله ﷺ . والله أعلم (أ). واعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير مقتضاها في الأصل، وهو ما قدمناه (٢) .
فيطلق على أنواع من أسباب ضعف الحديث. كالكذب والغفلة، وسوء الحفظ ونحوها (٣) . الحواشي
(١) أخرجه الدارقطني من طريق أبي سلمة سعيد بن يزيد الأزدي، بلفظ، قال: سألت أنس بن مالك، أكان رسول الله ﷺ يستفتح بالحمد لله رب العالمين، أو بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: إنك تسألني عن شيء ما أحفظه، وما سألني أحد قبلك، قلت: أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم. هذا إسناد صحيح. السنن ١/ ٣١٦؛ وأخرج البيهقي من طريق أبي سلمة عن أنس ﵁ نفس المتن المذكور. وذكر قول الدارقطني: هذا إسناد صحيح. مقرًا له معرفة السنن والآثار، ص ٣٣٠، مصورًا من الهند رقم ٨١٩.
وأخرجه الإِمام أحمد بنفس السند المذكور، لكن ليس فيه لفظ: ما أحفظه. إلمسند ٣/ ١٩٠، وقد تكلم العراقي على هذا الحديث ردًا وإثباتًا في التقييد والإِيضاح، ص ١٢٢ - ١٢٤، فارجع إليه إن شئت.(٢) مراده بذلك ما حققه من تعريف المعلول، قد يقع في كلامهم ما يخالفه. النكت ٢/ ٥٥٠؛ التدريب ١/ ٢٥٧.(٣) قال ابن حجر: وطريق التوفيق بين ما حققه المصنف وبين ما يقع في كلامهم، إن اسم العلة إذا أطلق على حديث، لا يلزم منه أن يسمى الحديث معلولًا، اصطلاحًا، إذ المعلول ما علته قادحة خفية، والعلة أعم من أن تكون قادحة أو غير قادحة خفية أو واضحة. ولهذا قال الحكم: وإنما يعل الحديث من أوجه ليس فيها للجرح مدخل. انتهى.
وقال البقاعي: وذلك من قائله إما تجوز عن الاصطلاح، ونظرًا إلى معناها =стр. 244
وسمى الترمذي النسخ علة (١) . الحواشي
(١) قال الحافظ: مراد الترمذي أن الحديث المنسوخ مع صحته إسنادًا ومتنًا طرأ عليه، ما أوجب عدم العمل به، وهو الناسخ، ولا يلزم من ذلك أن يسمى المنسوخ معلولًا اصطلاحًا.
وقال السخاوي: بل وصحح الترمذي نفسه من ذلك جملة فتعين لذلك إرادته.
وقال أحمد شاكر: إني لم أقف على هذا القول في كتاب الترمذي ولعلي أجده فيه بعد. وقال في سننه ١/ ٢٣ - ٢٤: إنما كان (الماء من الماء) في أول الإِسلام. ثم نسخ بعد ذلك، فلو كان النسخ عنده علة في صحة الحديث لصرح به. انتهى. النكت ٢/ ٥٥٠؛ فتح المغيث ١/ ٢١٩؛ سنن الترمذي ١/ ١٨٥؛ الباعث الحثيث، ص ٧٢.стр. 245
وأطلق بعضهم (١) اسم العلة على مخالفة لا تقدح، كإرسال ما وصله الثقة الضابط، حتى قال: من الصحيح ما هو صحيح معلل، كما قال آخر: من الصحيح، صحيح شاذ. والله أعلم. الحواشي
(١) المراد بهذا البعض أبو يعلى الخليلي، قال في كتاب الإِرشاد: صحيح متفق عليه، وصحيح معلول وصحيح مختلف فيه. الإِرشاد (٣/ ب ٤/ أ ٧/ ب) ج ١.
تنبيه - قال الدكتور همام: لقد شاع على ألسنة كبار النقاد أثناء وصفهم لعلم العلل بأنه أقرب إلى الكهانة والعرافة لغموض أسبابه وخفاء طرائقه، وكأنه معرفة نفسية أو وجدانية أكثر منه معرفة عقلية علمية - وفي هذا يقول إمام من أئمة هذا الفن وهو عبد الرحمن بن مهدي: معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين لك هذا؟ لم يكن له حجة. ونقل عن أبي حاتم ما يشبه هذا.
وأرى أن جعل معرفة العلة هيئة نفسانية وخواطر وجدانية، لا يستفاد من مجموع كلام النقاد، ولا يشهد له هذا العلم، بل يشهد عليه، وهو مرفوض بمنطق مئات الأمثلة والشواهد التي احتواها كتاب ابن رجب.
ومعنى كلام النقاد: أن كل علم هو كالعرافة والسحر بالنسبة لمن يجهله لأن كل علم له مبادئه وطرائقه وقوانينه لا بد من معرفتها لكل من يريد الإِحاطة به.
قال: وإلى جانب ما سبق أقول: إن كتب العلل في أكثرها أسئلة وأجوبة وهذه الأجوبة في معظمها يحمل الحجة والدليل. ويضاف إلى كل ما سبق: أن منهج علماء الحديث هو جزء من المنهج الإِسلامي العام القائم ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. والمنهج الإِسلامي هو أول منهج أخرج الإِنسان من سلطان الطلاسم والفيوض الوجدانية، وحرره من تحكم الأهواء والأوهام والخواطر.
يقول: وإن كنت أطلت في مناقشة هذه القضية فلخطورتها وأهميتها حتى أنها تقف أمام كل باحث في العلل لتشعره باستحالة البحث والوصول إلى نتائج جديدة. انتهى ملخصًا.
انظر: العلل في الحديث، ص ١١٧، ١٢٣.стр. 246
النوع التاسع عشر: المضطرب
هو الذي يروي على أوجه مختلفة متفاوتة (١) . فإن ترجحت إحدى الروايتين بحيث لا تقاومها الأخرى لكون راويها (أ) أحفظ أو أكثر صحبة للمروى عنه أو غيره من وجوه الترجيح المعتمدة (٢) . فالحكم للراجح، ولا يطلق عليه حينئذ (ب) وصف المضطرب، ولا له حكمه (٣) .
ثم الاضطراب قد يقع في متن (٤) الحديث وقد يقع في الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح، ص ٨٤؛ الاقتراح، ص ٢١٩؛ اختصار علوم الحديث، ص ٧٢؛ التذكرة والتبصرة ١/ ٢٤٠؛ فتح الباقي ١/ ٢٤٠؛ نزهة النظر، ص ٤٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٢١؛ التدريب ١/ ٢٦٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٥.(٢) قال الحافظ: وجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص، ولا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق. النكت ٢/ ٥٥٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٨.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٨٤؛ الاقتراح، ص ٢٢٠؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٠؛ فتح الباقي ٢/ ٢٤١؛ فتح المغيث ١/ ٢٢١؛ التدريب ١/ ٢٦٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ٤٧.(٤) قال ابن حجر: لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإِسناد. نزهة النظر، ص ٤٧. وقال في النكت ٢/ ٥٦٧، نقلًا عن العلائي في مقدمة كتابه الأحكام. وأنا أذكره هنا بغاية الاختصار. =стр. 247
الإسناد (١) ، وقد يقع من راو، الحواشي
(١) قال ابن حجر نقلًا عن العلائي كما تقدم: الاختلاف الذي يقع في السند يتنوع أنواعًا:
١ - أحدها: تعارض الوصل والإِرسال.
٢ - ثانيها: تعارض الوقف والرفع.
٣ - ثالثها: تعارض الاتصال والانقطاع.
٤ - رابعها: أن يروي الحديث قوم - مثلًا - عن رجل عن تابعي عن صحابي، ويرويه غيرهم عن ذلك الرجل عن تابعي آخر عن الصحابي بعينه.
خامسها: زيادة رجل في أحد الإِسنادين. =стр. 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٦ - سادسها: الاختلاف في اسم الراوي ونسبه إذا كان مترددًا بين ثقة وضعيف.
فأما الثلاثة الأول فقد تقدم القول فيها. وأن المختلفين إما أن يكونوا متماثلين في الحفظ والاتقان أم لا، فالمتماثلون إما أن يكون عددهم من الجانبين سواء أم لا، فإن استوى عددهم مع استواء أوصافهم، وجب التوقف حتى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكم لها، ووجوه الترجيح لا تنحصر. ولأجل هذا كان مجال النظر في هذا كثيرًا من غيره، وإن كان أحد المتماثلين أكثر عددًا، فالحكم لهم على قول الأكثر، وهو الصحيح.
وأما غير المتماثلين، فإما أن يتساووا في الثقة أولا، فإن تساووا في الثقة فإن كان من وصل أو رفع أحفظ فالحكم له، ولا يلتفت إلى تعليل من علله بذلك. وإن كان العكس فالحكم للمرسل والواقف.
وإن لم يتساووا في الثقة فالحكم للثقة، ولا يلتفت إلى تعليل من علله برواية غير الثقة إذا خالف.
هذه جملة تقسيم الاختلاف. وبقي إذا كان رجال أحد الإِسنادين أحفظ ورجال الآخر أكثر. فقد اختلف المتقدمون فيه.
فمنهم: من يرى قول الأحفظ أولى لاتقانه وضبطه ومنهم: من يرى قول الأكثر أولى، لبعدهم عن الوهم.
وأما النوع الرابع: وهو الاختلاف في السند فلا يخلو أما أن يكون الرجلان ثقتين أم لا؟ فإن كانا ثقتين، فلا يضر الاختلاف عند الأكثر، لقيام الحجة بكل منهما فكيفما دار الإِسناد كان عن ثقة. وربما احتمل أن يكون الراوي سمعه منهما جميعًا، وقد وجد ذلك في كثير من الحديث، لكن ذلك حيث يكون الراوي ممن له اعتناء بالطلب وتكثير الطرق. وهذا هو الصحيح.
وأما إذا كان أحد الراويين المختلف فيهما ضعيفًا لا يحتج به فههنا مجال للنظر، وتكون تلك الطريق التي سمى ذلك الضعيف فيها (وجعل الحديث عنه كالوقف أو الإِرسال بالنسبة إلى الطريق الأخرى) فكل ما ذكر هناك من الترجيحان يجيئ هنا. ويمكن أن يقال في مثل هذا: يحتمل أن يكون الراوي إذا كان مكثرًا قد سمعه منهما أيضًا كما تقدم. =стр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وأما النوع الخامس) وهو زيادة الرجل بين الرجلين في السند فسيأتي تفصيله في النوع السابع والثلاثين - إن شاء الله تعالى -.
قلت: لم يقدر للحافظ أن يصل إلى هذا النوع في نكته.
وأما النوع السادس: وهو الاختلاف في اسم الراوي ونسبه فهو على أقسام أربعة.
١ - الأول: أن يبهم في طريق ويسمى في أخرى، فالظاهر أن هذا لا تعارض فيه، لأنه يكون المبهم في إحدى الروايتين هو المعين في الأخرى، وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا تضر رواية من سماه وعرفه إذا كان ثقة رواية من أبهمه.
٢ - القسم الثاني: أن يكون الاختلاف في العبارة فقط والمعنى بها في الكل واحد، فإن مثل هذا لا يعد اختلافًا - ولا يضر إذا كان الراوي ثقة.
٣ - القسم الثالث: أن يقع التصريح باسم الراوي ونسبه، لكن مع الاختلاف في سياق ذلك.
٤ - القسم الرابع: أن يقع التصريح به من غير اختلاف، لكن يكون ذلك من متفقين:
أحدهما: ثقة والآخر: ضعيف. أو أحدهما مستلزم الاتصال؛ والآخر، الإِرسال. فهذه الأنواع الستة التي يقع بها التعليل، وقد تبين كيفية التصرف فيها، وما عداها إن وجد لم يخف إلحاقه بها.
قال في ص ٥٨٦: ثم إن الاختلاف في الإِسناد إذا كان بين ثقات متساوين وتعذر الترجيح فهو في الحقيقة لا يضر في قبول الحديث والحكم بصحته، لأنه عن ثقة في الجملة. ولكن يضر ذلك في الأصحية عند التعارض. مثلًا فحديث لم يختلف فيه على راويه - أصلًا - أصح من حديث اختلف فيه الجملة، وإن كان الاختلاف في نفسه يرجع إلى أمر لا يستلزم القدح. والله أعلم.
وقد تكفل ابن حجر، والصنعاني نقلًا عنه ببيان الأمثلة لكل ما تقدم وبيان وجوه الترجيح وكيفية الجمع وبيان المواطن التي يتعذر فيها الجمع.
انظر: النكت ٢/ ٥٥٦ - ٥٦٧؛ توضيع الأفكار ٢/ ٣٧ - ٤٠.
قلت: وإن طال الكلام لكنه نافع جدًا (قال الحافظ: هو شامل لكل ما يتعلق بتعليل الحديث من اضطراب وغيره). سيما مع اختصار المصنف للمقال، وهو مفتقر إلى الإِطالة.стр. 250
وقد يقع من جماعة (١) .
والاضطراب موجب ضعف الحديث، لإِشعاره بأنه لم يضبط (٢) . والله أعلم. الحواشي
(١) التعليق المتقدم شامل لهذا الرقم أيضًا.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٨٥؛ الاقتراح، ص ٢١٩؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٢٤؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٥؛ فتح الباقي ٢/ ٢٤٥؛ فتح المغيث ١/ ٢٢٥؛ التدريب ١/ ٢٦٢؛ وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٧.следующие страницы →