Полный текст (857 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
النوع التاسع عشر: المضطرب
هو الذي يروي على أوجه مختلفة متفاوتة (١) . فإن ترجحت إحدى الروايتين بحيث لا تقاومها الأخرى لكون راويها (أ) أحفظ أو أكثر صحبة للمروى عنه أو غيره من وجوه الترجيح المعتمدة (٢) . فالحكم للراجح، ولا يطلق عليه حينئذ (ب) وصف المضطرب، ولا له حكمه (٣) .
ثم الاضطراب قد يقع في متن (٤) الحديث وقد يقع في الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح، ص ٨٤؛ الاقتراح، ص ٢١٩؛ اختصار علوم الحديث، ص ٧٢؛ التذكرة والتبصرة ١/ ٢٤٠؛ فتح الباقي ١/ ٢٤٠؛ نزهة النظر، ص ٤٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٢١؛ التدريب ١/ ٢٦٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٥.(٢) قال الحافظ: وجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص، ولا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق. النكت ٢/ ٥٥٦؛ توضيح الأفكار ٢/ ٣٨.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٨٤؛ الاقتراح، ص ٢٢٠؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٠؛ فتح الباقي ٢/ ٢٤١؛ فتح المغيث ١/ ٢٢١؛ التدريب ١/ ٢٦٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ٤٧.(٤) قال ابن حجر: لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإِسناد. نزهة النظر، ص ٤٧. وقال في النكت ٢/ ٥٦٧، نقلًا عن العلائي في مقدمة كتابه الأحكام. وأنا أذكره هنا بغاية الاختصار. =стр. 247
الإسناد (١) ، وقد يقع من راو، الحواشي
(١) قال ابن حجر نقلًا عن العلائي كما تقدم: الاختلاف الذي يقع في السند يتنوع أنواعًا:
١ - أحدها: تعارض الوصل والإِرسال.
٢ - ثانيها: تعارض الوقف والرفع.
٣ - ثالثها: تعارض الاتصال والانقطاع.
٤ - رابعها: أن يروي الحديث قوم - مثلًا - عن رجل عن تابعي عن صحابي، ويرويه غيرهم عن ذلك الرجل عن تابعي آخر عن الصحابي بعينه.
خامسها: زيادة رجل في أحد الإِسنادين. =стр. 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٦ - سادسها: الاختلاف في اسم الراوي ونسبه إذا كان مترددًا بين ثقة وضعيف.
فأما الثلاثة الأول فقد تقدم القول فيها. وأن المختلفين إما أن يكونوا متماثلين في الحفظ والاتقان أم لا، فالمتماثلون إما أن يكون عددهم من الجانبين سواء أم لا، فإن استوى عددهم مع استواء أوصافهم، وجب التوقف حتى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكم لها، ووجوه الترجيح لا تنحصر. ولأجل هذا كان مجال النظر في هذا كثيرًا من غيره، وإن كان أحد المتماثلين أكثر عددًا، فالحكم لهم على قول الأكثر، وهو الصحيح.
وأما غير المتماثلين، فإما أن يتساووا في الثقة أولا، فإن تساووا في الثقة فإن كان من وصل أو رفع أحفظ فالحكم له، ولا يلتفت إلى تعليل من علله بذلك. وإن كان العكس فالحكم للمرسل والواقف.
وإن لم يتساووا في الثقة فالحكم للثقة، ولا يلتفت إلى تعليل من علله برواية غير الثقة إذا خالف.
هذه جملة تقسيم الاختلاف. وبقي إذا كان رجال أحد الإِسنادين أحفظ ورجال الآخر أكثر. فقد اختلف المتقدمون فيه.
فمنهم: من يرى قول الأحفظ أولى لاتقانه وضبطه ومنهم: من يرى قول الأكثر أولى، لبعدهم عن الوهم.
وأما النوع الرابع: وهو الاختلاف في السند فلا يخلو أما أن يكون الرجلان ثقتين أم لا؟ فإن كانا ثقتين، فلا يضر الاختلاف عند الأكثر، لقيام الحجة بكل منهما فكيفما دار الإِسناد كان عن ثقة. وربما احتمل أن يكون الراوي سمعه منهما جميعًا، وقد وجد ذلك في كثير من الحديث، لكن ذلك حيث يكون الراوي ممن له اعتناء بالطلب وتكثير الطرق. وهذا هو الصحيح.
وأما إذا كان أحد الراويين المختلف فيهما ضعيفًا لا يحتج به فههنا مجال للنظر، وتكون تلك الطريق التي سمى ذلك الضعيف فيها (وجعل الحديث عنه كالوقف أو الإِرسال بالنسبة إلى الطريق الأخرى) فكل ما ذكر هناك من الترجيحان يجيئ هنا. ويمكن أن يقال في مثل هذا: يحتمل أن يكون الراوي إذا كان مكثرًا قد سمعه منهما أيضًا كما تقدم. =стр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وأما النوع الخامس) وهو زيادة الرجل بين الرجلين في السند فسيأتي تفصيله في النوع السابع والثلاثين - إن شاء الله تعالى -.
قلت: لم يقدر للحافظ أن يصل إلى هذا النوع في نكته.
وأما النوع السادس: وهو الاختلاف في اسم الراوي ونسبه فهو على أقسام أربعة.
١ - الأول: أن يبهم في طريق ويسمى في أخرى، فالظاهر أن هذا لا تعارض فيه، لأنه يكون المبهم في إحدى الروايتين هو المعين في الأخرى، وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا تضر رواية من سماه وعرفه إذا كان ثقة رواية من أبهمه.
٢ - القسم الثاني: أن يكون الاختلاف في العبارة فقط والمعنى بها في الكل واحد، فإن مثل هذا لا يعد اختلافًا - ولا يضر إذا كان الراوي ثقة.
٣ - القسم الثالث: أن يقع التصريح باسم الراوي ونسبه، لكن مع الاختلاف في سياق ذلك.
٤ - القسم الرابع: أن يقع التصريح به من غير اختلاف، لكن يكون ذلك من متفقين:
أحدهما: ثقة والآخر: ضعيف. أو أحدهما مستلزم الاتصال؛ والآخر، الإِرسال. فهذه الأنواع الستة التي يقع بها التعليل، وقد تبين كيفية التصرف فيها، وما عداها إن وجد لم يخف إلحاقه بها.
قال في ص ٥٨٦: ثم إن الاختلاف في الإِسناد إذا كان بين ثقات متساوين وتعذر الترجيح فهو في الحقيقة لا يضر في قبول الحديث والحكم بصحته، لأنه عن ثقة في الجملة. ولكن يضر ذلك في الأصحية عند التعارض. مثلًا فحديث لم يختلف فيه على راويه - أصلًا - أصح من حديث اختلف فيه الجملة، وإن كان الاختلاف في نفسه يرجع إلى أمر لا يستلزم القدح. والله أعلم.
وقد تكفل ابن حجر، والصنعاني نقلًا عنه ببيان الأمثلة لكل ما تقدم وبيان وجوه الترجيح وكيفية الجمع وبيان المواطن التي يتعذر فيها الجمع.
انظر: النكت ٢/ ٥٥٦ - ٥٦٧؛ توضيع الأفكار ٢/ ٣٧ - ٤٠.
قلت: وإن طال الكلام لكنه نافع جدًا (قال الحافظ: هو شامل لكل ما يتعلق بتعليل الحديث من اضطراب وغيره). سيما مع اختصار المصنف للمقال، وهو مفتقر إلى الإِطالة.стр. 250
وقد يقع من جماعة (١) .
والاضطراب موجب ضعف الحديث، لإِشعاره بأنه لم يضبط (٢) . والله أعلم. الحواشي
(١) التعليق المتقدم شامل لهذا الرقم أيضًا.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٨٥؛ الاقتراح، ص ٢١٩؛ التقييد والإِيضاح، ص ١٢٤؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٥؛ فتح الباقي ٢/ ٢٤٥؛ فتح المغيث ١/ ٢٢٥؛ التدريب ١/ ٢٦٢؛ وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٧.стр. 251
النوع العشرون: معرفة المدرج (١) في الحديث
وهو على أقسام:
أحدها (٢) : ما أدرج في حديث رسول الله ﷺ من كلام بعض رواته بأن يذكر الصحابي أو غيره (أ) عقيب (٢) روايته الحديث الحواشي
(١) الحديث المدرج: ما كانت فيه زيادة ليست منه. الباعث الحثيث، ص ٧٤؛ وهامش توضيح الأفكار ٢/ ٥١.(٢) هذا القسم يسمى مدرج المتن، ويقابله مدرج الإِسناد وسيأتي ذكره ومدرج المتن يكون على ثلاثة أقسام اقتصر المصنف على واحد منها تبعًا لابن الصلاح، وأهمل نوعين. فأقول: الثاني: أن تكون الزيادة في وسط الحديث.
والثالث: أن تكون الزيادة في أول الحديث. فيتوهم من يسمع الحديث أن هذا الكلام منه. والقسم الأول أكثر وقوعًا؛ والثاني قليل؛ والثالث نادر جدًا.
والحكم للإِدراج بهذه الأقسام الثلاثة مختلف، فبالقسم الأول قطعي وبالثاني، والثالث يكون بحسب غلبة الظن.
وقال ابن دقيق العيد: يضعف الحكم للإِدراج إذا كان المدرج في أثناء حديث رسول الله ﷺ ، لا سيما ان كان مقدمًا على اللفظ المروي أو معطوفًا عليه بواو العطف. كذا قال في الاقتراح. وقال في الإِمام: إنما يكون الإِدراج بلفظ تابع يمكن استقلاله عن اللفظ السابق. انتهى. نقله السخاوي.
وقد رد ابن حجر على قول ابن دقيق العيد، فقال: فيما قاله ابن دقيق العيد نظر، وفي الجملة إذا قام الدليل على إدراج جملة معينة بحيث يغلب على الظن ذلك، فسواء، كان في الأول أو الوسط أو الآخر لا مانع من الحكم عليه بالإِدراج. انتهى. =стр. 252
كلامًا لنفسه، فيرويه من بعده موصولًا بالحديث، غير فاصل، بذكر قائله. فيلتبس الأمر على من لا يعرف حقيقة الحال، فيتوهم أن الجميع عن رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) = ثم قد يكون المدرج من قول الصحابي أو التابعي أو من بعده، وقد يكون حديثًا آخر مرفوعًا بسند آخر.
ودواعي الإِدراج كثيرة: منها أن يقصد الراوي بيان حكم ويريد أن يستدل عليه بقول النبي ﷺ ، ويكون هذا في الإِدراج قبل المتن. ومنها: أن يريد الراوي بيان حكم يستنبط من كلام النبي ﷺ ، وهذا قد يكون في الإِدراج في وسط المتن بعد ذكر ما يستنتج منه ذلك الحكم، وقد يكون في الإِدراج عقيب المتن كله.
ومنها: أن يريد الراوي تفسير بعض الألفاظ الغربية في الحديث النبوي ﷺ .
وسبب ذلك، الاختصار من بعض الرواة بحذف أداة التفسير أو التفصيل فيجيء من بعده فيرويه بالتقديم والتأخير لظنه الرفع في الجميع واعتماده الرواية بالمعنى فبقي الإِدراج حينئذ في أول الخبر وأثنائه.
ويعرف الإِدراج من وجوه:
١ - الأول: أن يستحيل إضافة ذلك إلى النبي ﷺ .
٢ - الثاني: أن يصرح الصحابي، بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبي ﷺ .
٣ - الثالث: أن يصرح بعض الرواة بتفصيل المدرج فيه عن المتن المرفوع فيه، بأن يضيف الكلام إلى قائله. وهذا الوجه أكثره ويتقوى هذا الفصل إذا اقتصر بعض الرواة الثقات على الأصل، ولم يذكروا الزيادة.
وقد تكفل أصحاب الكتب التالية ببيان أمثلة هذه الأشياء بيانًا كافيًا لا سيما ابن حجر ﵀ فإنه لم يترك واردًا ولا شاردًا.
انظر: النكت ٢/ ٥٨٨ - ٦٠٧؛ نزهة النظر، ص ٤٦؛ فتح المغيث ١/ ٢٢٦ - ٢٣٠؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٦ - ٢٥٢؛ فتح الباقي ١/ ٢٤٦ - ٢٥٢؛ التدريب ١/ ٢٦٨ - ٢٧١؛ توضيح الأفكار مع هامشه ٢/ ٥٠ - ٦٤؛ الباعث الحثيث، ص ٧٤، ٧٥؛ الاقتراح، ص ٢٢٤؛ النكت الوفية (١٧١/ ب/ ١٧٢/ أ).стр. 253
القسم الثاني (١) : أن يكون جملة الحديث عند الراوي بإسناد، إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر فيدرجه، من رواه عنه على الإِسناد الأول، فيروي الحديثين بالإِسناد الأول. الحواشي
(١) هذا هو مدرج الإِسناد وهو على خمسة أقسام، ذكر المصنف منها قسمين صورة، وهما ثلاثة أقسام حقيقة، لأن المصنف قد ضم الثاني والثالث بعضه مع بعض، بلفظ: (إسناده ومتنه) في القسم الثاني من مدرج الإِسناد. ولم ينتبه إليه السيوطي.
فقال في التدريب: أهمل المصنف من مدرج الإِسناد نوعًا، وهو عند ابن الصلاح.
وقد حرر ابن حجر هذه الأقسام الخمسة، فأذكرها فيما يلي:
١ - أحدهما: أن يكون المتن مختلف الإِسناد بالنسبة إلى أفراد رواته فيرويه راوٍ واحد، عنهم، فيحمل بعض رواياتهم على بعض، ولا يميز بينها.
٢ - ثانيهما: أن يكون المتن عند الراوي له بالإِسناد إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تامًا بالإِسناد الأول.
٣ - ثالثها: أن يكون متنان مختلفي الإِسناد، فيدرج بعض الرواة شيئًا من أحدهما في الآخر، ولا يكون ذلك الشيء من رواية ذلك الراوي. ومن هذه الحيثية فارق القسم الذي قبله.
قال: وهذه الأقسام الثلاثة قد ذكرها ابن الصلاح.
٤ - رابعها: أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفًا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل. قال: وهذا ما يشترك فيه الإِدراج والتدليس.
٥ - خامسها: أن لا يذكر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يقطعه قاطع، فيذكر كلامًا، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإِسناد.
قال: ومثاله في قصة ثابت بن موسى الزاهد مع شريك القاضي، كما مثل به ابن الصلاح لشبه الموضوع، وجزم ابن حبان، بأنه من المدرج وقال: والطريق إلى معرفة كونه مدرجًا، أن تأتي رواية مفصلة للرواية المدرجة، وتتقوى الرواية المفصلة بأن يرويه بعض الرواة مقتصرًا على إحدى الجملتين. انتهى. =стр. 254
القسم الثالث: أن يروي حديثًا عن جماعة بينهم اختلاف في إسناد أو متنه، فلا يذكر الاختلاف، بل يدرج (أ) روايتهم على الاتفاق (والله أعلم) (ب).
وأعلم أنه لا يجوز (١) تعمد شيء من الإِدراج المذكور، وقد صنف (ج) الخطيب فيه كتابه، (الفصل للوصل) فشفى وكفى. والله أعلم. الحواشي
(١) قلت: الإِدراج إما أن يكون القصد منه تفسير غريب وإما لا. فإن كان الغرض منه تفسير غريب، فلا بأس به، ولذلك فعله الزهري، وغير واحد من الأئمة سواء أجاء بالتفسير عقب الانتهاء من الحديث، أم جاء به في أثنائه عند ذكر المفسر. ولكن الأولى أن ينص الراوي على بيانه.
وإن كان الغرض شيئًا غير تفسير الغريب، فإما أن يقع من الراوي عن عمد وإما أن يقع عن خطأ، فإن وقع عن عمد فإنه حرام كله على اختلاف أنواعه باتفاق أهل الحديث والفقه والأصول، لما يتضمن من التلبيس والتدليس ومن عزو القول إلي غير قائله.
وأما إن وقع من الراوي خطأ من غير عمد فلا تترتب عليه، لكن إذا كثر خطأه يكون هذا جرحًا في ضبطه واتقانه ولا يبقى محلًا للقبول. فتح المغيث ١/ ٢٣٣؛ التدريب ١/ ٢٧٤؛ فتح الباقي ١/ ٢٦٠؛ الباعث الحثيث، ص ٧٧؛ هامش توضيح الأفكار ٢/ ٥٣.стр. 255
النوع الحادي والعشرون: معرفة الموضوع (١)
هو المختلق المصنوع، ونشر الأحاديث (٢) الضعيفة، ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان، إلا مقرونًا ببيان (٣) وضعه، بخلاف الحواشي
(١) من وضع يضع بفتح ضادهما وضعًا، وله عدة معان، كما في القاموس: الأول: الإِسقاط، والثاني: الترك، والثالث: الافتراء والاختلاق. فالموضوع في اللغة يكون بمعنى المسقط، ويكون بمعنى المتروك، ويكون بمعنى المختلق المفتري.
وقال ابن دحية - كما نقل عنه ابن حجر: الموضوع الملصق، وضع فلان على فلان كذا، أي ألصقه به.
وقال ابن عراق: فالحديث الموضوع المختلق المصنوع، إما أن يكون مأخوذًا من الحط والإِسقاط، لأن رتبته أن يكون مطرحًا ملقى لا يستحق الرفع أصلًا أو من الإِلصاق، لأنه ملصق بالنبي ﷺ . القاموس ٣/ ٩٤، مادة وض ع؛ النكت ٢/ ٦١٤؛ تنزيه الشريعة ١/ ٥؛ فتح المغيث ١/ ٢٣٤؛ توضيح الأفكار ٢/ ٦٨.(٢) تنازع العلماء في إدراج الموضوع في أنواع الحديث لكونه ليس بحديث. ويمكن الجواب عنه، بأنه أريد بالحديث، القدر المشترك، وهو ما يحدث به أو بالنظر لما في زعم واضعه، وأحسن منها، أنه لأجل معرفة الطرق التي يتوصل بها لمعرفته لينفي عن المقبول ونحوه. فتح المغيث ١/ ٢٣٥؛ النكت ٢/ ٦١٤؛ توضيح الأفكار ٢/ ٦٩.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٨٩؛ فتح المغيث ١/ ٢٣٥؛ التدريب ١/ ٢٧٤؛ تنزيه الشريعة ١/ ٨؛ توضيح الأفكار ٢/ ٧٠.
وقال مسلم ﵀ في المقدمة، ص ٦٠: اعلم أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروى منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع.стр. 256
غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها (١) في الباطن، فإنه يجوز (٢) روايتها في الترغيب والترهيب.
ويعرف الوضع بإقرار (٣) واضعه، أو ما ينزل منزلة (٤) إقراره. الحواشي
(١) قال ابن حجر: يريد ابن الصلاح جعل احتمال صدقها قيدًا في جواز العمل بها.
لكن هل يشترط في هذا الاحتمال أن يكون قويًا بحيث يفوق احتمال كذبها أو يساويه أولا؟
هذا محل نظر، والذي يظهر من كلام مسلم والذي استدل به أن احتمال الصدق إذا كان احتمالًا ضعيفًا أنه لا يعتد به. النكت ٢/ ٦١٦.(٢) سيأتي الكلام على هذه المسألة قبيل: معرفة من تقبل روايته. إن شاء الله تعالى.(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص ٨٩؛ فتح المغيث ١/ ٢٤٨؛ التدريب ١/ ٢٧٤؛ تنزيه الشريعة ١/ ٥؛ توضيح الأفكار ٢/ ٩٣، وقال ابن دقيق العيد: إقرار الراوي بالوضع كاف في رده، لكنه ليس بقاطع في كونه موضوعًا لجواز أن يكذب في هذا الإِقرار بعينه. وقال ابن حجر: وهذا كله مع التجرد أما إذا انضم إلى ذلك قرائن تقتضي صدقه قطعنا به، لا سيما إذا كان إخباره لنا بذلك بعد توبته. الاقتراح، ص ٢٣٤؛ النكت ٢/ ٦١٧.(٤) مثاله: اختلف الناس بحضور أحمد بن عبد الله الجويباري في سماع الحسن من أبي هريرة ﵁، فروى لهم حديثًا بسنده إلى النبي ﷺ قال: سمع الحسن من أبي هريرة ﵁. ميزان الاعتدال ١/ ١٠٨؛ النكت ٢/ ٦١٨.
وقال: هذا المثال أولى وأسلم من الاعتراض. انتهى.
وهذان اللذان تقدما هما من أمارات الوضع في السند وبقي اثنان ذكرهما العلماء: أحدهما وهو الثالث: أن يصرح بتكذيب راويه جمع كثير يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب أو تقليد بعضهم بعضًا.
ثانيهما وهو الرابع: وهي قرينة في حال الراوي وبواعثه النفسية.
انظر: تنزيه الشريعة ١/ ٦؛ السنة ومكانتها، ص ٩٨.стр. 257
وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي (١) ، فقد وضعت أحاديث تشهد بوضعها ركاكة ألفاظها (٢) ، ومعانيها. الحواشي
(١) قال ابن حجر ﵀: هذا الثاني هو الغالب وأما الأول فنادر. النكت ٢/ ٦١٨.(٢) قال ابن حجر: اعترض عليه بأن ركاكة اللفظ لا تدل على الوضع، حيث جوزت الرواية بالمعنى لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى فغير ألفاظه بغير فصيح، نعم إن صرح الراوي بأن هذا صيغة لفظ الحديث، وكانت تخل بالفصاحة، أو لا وجه لها من الإِعراب دل على ذلك.
والذي يظهر أن ابن الصلاح لم يقصد أن ركاكة اللفظ وحده تدل كما تدل ركاكة المعنى، بل ظاهر كلامه أن الذي يدل هو مجموع الأمرين ركاكة اللفظ والمعنى معًا. انتهى.
انظر: النكت ٢/ ٦٢٠؛ التدريب ١/ ٢٧٦؛ فتح المغيث ١/ ٢٤٩.
قلت: الذي ذكره المصنف هو إحدى أمارات الوضع في المتن وأخل بذكر الباقي فأقول:
الثاني: مخالفة المتن لمقتضى العقل بحيث لا يقبل التأويل بشرط أن لا يحتمل أن يكون سقط من المروى على بعض رواته ما تزول به المنافاة.
الثالث: مخالفته لصريح القرآن بحيث لا يقبل التأويل.
الرابع: مخالفته لحقائق التاريخ المعروفة في عصر النبي ﷺ .
الخامس: موافقة الحديث لمذهب الراوي، وهو متعصب مغال في تعصبه كأن يروي رافضي حديثًا في فضائل أهل البيت، أو في ذم من حاربهم.
السادس: أن يتضمن الحديث أمرًا من شأنه أن تتوفر الدواعي على نقله لأنه وقع بمشهد عظيم ثم لا يشتهر ولا يرويه إلا واحد، وبهذا حكم أهل السنة على حديث "غدير خم" بالوضع والكذب.
السابع: اشتمال الحديث على إفراط في الثواب العظيم على الفعل الصغير، والمبالغة بالوعيد الشديد على الأمر الحقير.
الثامن: أن يروى الخبر في زمن قد استقرت فيه الأخبار، فإذا فتش عنه فلم يوجد في بطون الكتب ولا في صدور الرجال، علم بطلانه، وأما في زمن =стр. 258
ولقد أكثر من (أ) جمع الموضوع في (ب) نحو مجلدتين (ج)، فذكر كثيرًا مما لا دليل على وضعه، وإنما هو من (د) مطلق (١) الضعيف، وهذا المذكور هو أبو الفرج (٢) ابن الجوزي.
والواضعون أصناف (٣) : الحواشي
(١) بل وفيه الصحيح والحسن أيضًا، وقد بين ذلك السيوطي في كتابيه اللآلئ المصنوعة، والتعقبات على الموضوعات، وهو كتاب جيد في هذا الباب، وارجع إلى كتاب "تنزيه الشريعة المرفوعة" لابن عراق، فإنه أوفى كتب هذا النوع.(٢) هو الإِمام العلامة الحافظ عالم العراق وواعظ الآفاق جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد المعروف بابن الجوزي صاحب التصانيف منها الموضوعات وهو المقصود هنا، مات سنة سبع وتسعين وخمسمائة. تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٤٢؛ وفيات الأعيان ٣/ ١٤٠.(٣) لم يذكر المصنف منها إلا واحدًا وبقي له كثير، فأقول:
الثاني: الزنادقة وهم السابقون إلى ذلك والهاجمون علبه حملهم على الوضع الاستخفاف بالدين والتلبيس على المسلمين.
الثالث: أصحاب الأهواء والبدع، وضعوا أحاديث نصرة لمذاهبهم أو ثلبًا لمخالفهم. =стр. 259
أعظمهم (١) ضررًا: قوم منسوبون إلى الزهد، وضعوا الحديث احتسابًا، في زعمهم (٢) الباطل، فقبل (أ) الناس موضوعاتهم، ثقة بهم. الحواشي
(١) بحوث في تاريخ السنة المشرفة، ص ٣٩؛ النكت ٢/ ٦٣٣، وقال: وأخفى الأصناف القسم الأخير وهم الذين لم يتعمدوا مع وصفهم بالصدق، فإن الضرر بهم شديد لدقة استخراج ذلك إلا من الأئمة النقاد. تنزيه الشريعة ١/ ١٦؛ فتح المغيث ١/ ٢٤٦.(٢) أي في تأويل حديث: من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار. من أربعة أوجه:
أحدها: إنما ورد هذا الحديث في رجل معين ذهب إلى قوم وادعى أنه رسول رسول الله ﷺ إليهم في دمائهم وأموالهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأمر بقتله، وقال هذا.
ثانيها: أنه ورد في حق من كذب عليه شيئًا يقصد به عيبه أو شين الإِسلام.
ثالثها: أنه إذا كان الكذب في الترغيب والترهيب فهو كذب للنبي ﷺ ، لا عليه.
رابعها: أنه ورد في بعض طرق الحديث: من كذب علي متعمدًا ليضل به الناس فليتبوأ مقعده من النار. فتحمل الروايات المطلقة عليه. =стр. 260
وقد ذهبت الكرامية (١) الطايفة المبتدعة إلى جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وهو خلاف (٢) إجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإِجماع.
وو (أ) ضعت الزنادقة (٣) أيضًا جملًا، ثم نهضت الحواشي
(١) هذه طائفة منسوبة إلى محمد بن كرام كشداد القائل بأن معبوده مستقر على العرش وأنه جوهر، تعالى الله عن ذلك. القاموس ٤/ ١٧٠، مادة ك ر م؛ ولسان الميزان ٥/ ٣٥٣.(٢) بل بالغ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين فكفر واضع الحديث. ومنقول أيضًا عن أبي الفضل الهمداني شيخ ابن عقيل من الحنابلة أنه وافق الجويني على هذه المقالة. التدريب ١/ ٢٨٤؛ تنزيه الشريعة ١/ ٢١؛ توضيح الأفكار ٢/ ٨٦ - ٨٨. واستدل محمد بن إبراهيم الوزير لقول الجويني بغاية القوة ووافقه عليه الصنعاني أيضًا.(٣) جمع الزنديق وهو من الثنوية أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة، وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإِيمان، أو هو معرب "زن دين" أي دين =стр. 261
جهابذة (١) الحديث ﵃ فبينوا أمرها. ولله الحمد.
ثم إن الواضع، ربما صنع كلا (٢) ما لنفسه، فرواه مسندًا. وربما أخذ كلام بعض الحكماء (٢) ، فرواه عن رسول الله ﷺ . وربما غلط إنسان فوقع في شبه الوضع من غير تعمد (٢) .
ومن الموضوع الحديث الطويل الذي يروى عن أبي (٣) بن كعب عن النبي ﷺ في فضل (أ) القرآن سورة، سورة (٤) .
ولقد أخطأ الثعلبي (٥) والواحدي (ب) (٦) وغيرهما من المفسرين في الحواشي
(١) جمع الجهبذ بالكسر النقاد الخبير. القاموس ١/ ٣٥٢، مادة ج ب ذ.(٢) أي الوضع لا يخرج من أحد هذه الأقسام الثلاثة.
انظر هذه الأقسام الثلاثة في: فتح المغيث ١/ ٢٤٦؛ والتدريب ١/ ٢٨٧.(٣) هو الصحابي الجليل أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر سيد القراء، قيل: توفي سنة تسع عشرة أو اثنتين وثلاثين أو غير ذلك، روى له الجماعة. الإِصابة ١/ ١٩؛ وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٤.(٤) انظر الكلام على هذا الحديث في: تنزيه الشريعة ١/ ٢٨٥؛ وتذكرة الموضوعات، ص ٨١؛ والفوائد المجموعة، ص ٢٩٦؛ والتقييد والإِيضاح، ص ١٣٤؛ والتدريب ١/ ٢٨٨.(٥) هو أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، ويقال: الثعالبي المفسر المعروف النيسابوري، له تصانيف مشهورة منها التفسير الذي أراده المصنف، مات سنة سبع وعشرين وأربعمائة. اللباب ١/ ٢٣٨؛ البداية ١٢/ ٤٠.(٦) هو أبو الحسن علي بن حسن بن أحمد بن علي بن بويه الواحدي، قال ابن خلكان: لا أدري هذه النسبة إلى ماذا، وهو صاحب التفاسير الثلاثة: =стр. 262
إيداعه تفاسيرهم (١) . والله أعلم (أ). الحواشي
(١) قال العراقي: لكن من أبرز إسناده منهم كالثعلبي والواحدي فهو أبسط لعذره إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه من غير بيانه.
وأما من لم يبرز سنده وأورده بصيغة الجزم فخطؤه أفحش كالزمخشري وقال محمد بن إبراهيم الوزير: بل من لم يعتقد وضعه أعذر عن ذلك، إذ كل ناظر إلى الإِسناد لا يعرف أنه أسنده لهذه العلة بل ولا يتهم ذلك، ويقل في أهل المعارف من يتمكن من البحث في الإِسناد فكيف بغيرهم. قال الصنعاني: لا يخفى قوة كلام المصنف هذا على منصف. التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ٨٣.стр. 263
النوع الثاني والعشرون: معرفة المقلوب (١)
هو (أ) نحو حديث مشهور عن سالم، جعل (٢) عن نافع، ليصير الحواشي
(١) قال الشيخ محمد محيي الدين: المقلوب: لغة اسم مفعول فعله قلب يقلب قلبًا، من مثال: ضرب يضرب ضربًا، وتقول: قلب فلان الشيء، إذا صرفه عن وجهه. انتهى هامش توضيح الأفكار ٢/ ٩٨.(٢) قال ابن حجر: هذا تعريف بالمثال، وحقيقته: إبدال من يعرف برواية بغيره. زاد السخاوي: عمدًا أو سهوًا.
وقال الشيخ محمد محي الدين: لا يمكن تعريف أنواع المقلوب كلها في تعريف واحد، وذلك لأنها أنواع مختلفة الحقائق، والحقائق المختلفة لا يمكن جمعها في حقيقة واحدة.
فقسم المقلوب إلى أنواعه المختلفة، ثم بين حقيقة كل نوع منها. وأنا أذكره ملخصًا: فأقول:
القلب على ضربين، لأنه قد يكون في الإِسناد، وقد يكون في المتن، وكل واحد منهما يقع على وجوه:
أما القلب فى الإِسناد، فإنه يقع على وجهين:
الوجه الأول: أن يقدم الراوي ويؤخر في اسم أحد الرواة، واسم أبيه مثل أن يكون الأصل: (كعب بن مرة) فيقول الراوي: (مرة بن كعب).
الوجه الثاني: أن يكون الحديث معروفًا عن راو من الرواة، أو معروفًا بإسناد من الأسانيد، فيعمد أحد الوضاعين إلى هذا الراوي الذي اشتهر الحديث عنه، فيغيره براو آخر، كأن يكون الحديث مشهورًا عن سالم بن عبد الله، فيجعله الوضاع عن نافع. قلت: قال ابن دقيق العيد: قد يطلق على راويه أنه يسرق الحديث. =стр. 264
بذلك غريبًا مرغوبًا (أ) فيه (١) . الحواشي
(١) الأسباب التي دفعت الوضاعين والكذابين الى هذا كثيرة منها: رغبة الراوي في إيقاع الغرابة على الناس، حتى يظنوا أنه يروي ما ليس عند غيره فيقبلوا على التحمل منه.
ومنها: خطأ الراوي وغلطه.
ومنها: رغبة الراوي في تبيين حال المحدث: أحافظ هو، أم غير حافظ وهل يفطن لما وقع في الحديث من القلب أو لا؟ فإن تبين له أنه حافظ متيقظ يفطن للقلب في الحديث أقبل على التحمل عنه. وإن تبينت له غفلته وبلادة ذهنه أعرض عنه.
وهذا الثالث ذهب العلماء إلى جوازه لكون مصلحته أكثر من مفسدته بشرط أن لا يستمر عليه. كما قال ابن حجر في نزهة النظر، ص ٤٧. =стр. 265
ولما قدم البخاري ﵀ بغداد، اجتمع إليه قوم من أهل الحديث فقلبوا مائة حديث، فجعلوا إسناد هذا لمتن ذلك، وإسناد ذلك لمتن هذا، وألقوها (أ) عليه امتحانًا، فلما فرغوا من إلقائها، التفت إليهم، فرد كل متن إلى إسناده، فأذعنوا له بالفضل (١) ، والله أعلم.
فرع على أنواع الضعيف:
إذا رأيت حديثًا بإسناد ضعيف، فلك أن تقول: هذا ضعيف، وتعني أنه (ب) بذلك الإِسناد ضعيف. وليس لك أن تقول: ضعيف، وتعني ضعيف المتن، لمجرد ضعف ذلك الإِسناد. فقد يكون مرويًا بإسناد آخر الحواشي
(١) انظر: هذه الحكاية مسندة في تاريخ بغداد ٢/ ٢٠، وفي التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٤؛ ونقلًا عنهما في النكت ٢/ ٢٤٢؛ فتح المغيث ١/ ٢٥٤؛ التدريب ١/ ٢٩٣؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٠٤؛ الباعث الحثيث، ص ٨٩.
وحدث نحو هذا الامتحان للبخاري في البصرة وسمرقند.
انظر: تاريخ بغداد ٢/ ١٥ - ١٦؛ طبقات الشافعية ٢/ ٦؛ البداية ١١/ ٢٥؛ مقدمة الفتح، ص ٤٨٦.
قال ابن حجر: سمعت شيخنا غير مرة يقول: ما العجب من معرفة البخاري بالخطأ من الصواب في الأحاديث لاتساع معرفته. وإنما يتعجب منه في هذا لكونه حفظ موالاة الحديث على الخطأ من مرة واحدة. النكت ٢/ ٦٤٤؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٠٤.стр. 266
صحيح (١) يثبت بمثله، بل يتوقف جواز ذلك على حكم أحد (٢) أئمة الحديث (أ)، بأنه لم يرو بإسناد يثبت أو بأنه حديث ضعيف، أو نحو هذا مفسرًا وجه ضعفه. فإن أطلق ففيه كلام يأتي في أول النوع الآتي (٣) :
فرع: يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل (ب) في الأسانيد، الحواشي
(١) لأنه لا تلازم بين الإِسناد والمتن، فقد يكون المتن صحيحًا والإِسناد الذي روى به غير صحيح، وتكون صحة المتن ثابتة برواية أخرى لا مغمز في أحد رواتها.(٢) الظاهر أن ابن الصلاح مشى على أصله في تعذر استقلال المتأخرين بالحكم على الحديث بما يليق به من الصحة والحسن والضعف والحق خلافه كما تقدم في ثامن الفروع من بحث الصحيح.
قال ابن حجر: إذا بلغ الحافظ المتأهل الجهد وبذل الوسع في التفتيش على ذلك المتن من مظانه فلم يجده إلا من تلك الطريق الضعيفة فما المانع له من الحكم بالضعف بناء على غلبة ظنه.
قال: وكذلك إذا وجد كلام إمام من أئمة الحديث قد جزم بأن فلانًا تفرد به، وعرف المتأخر أن فلانًا المذكور قد ضعف بتضعيف قادح، فما الذي يمنعه من الحكم بالضعف. انتهى.
وقد نقل السخاوي كلام ابن حجر موافقًا له. وقال أحمد شاكر: إذا ترجح عند الباحث أن هذا المتن لم يرد من طريق أخرى صحيحة، وغلب على ظنه ذلك، فإني لا أرى بأسًا بأن يحكم بضعف الحديث مطلقًا. انتهى. والعجب من المصنف كيف ترك الاستدراك على ابن الصلاح في هذا المقام مع رده عليه في مبحث الصحيح في ثامن الفروع، ولعله اكتفى بالرد هناك على هذا المقام. النكت ٢/ ٦٦٢؛ فتح المغيث ١/ ٢٦٦؛ الباعث الحثيث، ص ٩٠.(٣) أي في المسألة الثالثة منه، حيث قال: أما الجرح فلا يقبل إلا مفسرًا مبين السبب لاختلاف الناس فيما يوجب الجرح، إلى آخر ما قال.
انظر: ص ١٧٣؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ٩٦.стр. 267
ورواية (١) ما سوى الموضوع من أنواع الضعيف من غير اهتمام ببيان ضعفها. ويجوز العمل (١) بها. فيما سوى صفات الله وأحكام الشرع من الحواشي
(١) قد أجاز بعض العلماء رواية الحديث الضعيف من غير بيان ضعفه والعمل به، إن كان الحديث في القصص أو المواعظ أو فضائل الأعمال أو نحو ذلك مما لا يتعلق بصفات الله تعالى، وما يجوز له وما يستحيل عليه سبحانه، ولا بتفسير القرآن ولا بالأحكام كالحلال والحرام وغيرهما. مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٣؛ التبصرة والتذكرة مع فتح الباقي ١/ ٢٩١. لكن زاد ابن حجر ﵀ عليه ثلاثة شروط.
أولًا: أن يكون الضعف فيه غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب والذين فحش غلطهم في الرواية.
ثانيًا: أن يندرج تحت أصل معمول به.
ثالثًا: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط.
فتح المغيث ١/ ٢٦٨؛ التدريب ١/ ٢٩٨؛ قواعد التحديث، ص ١١٦؛ حاشية نور الدين على المقدمة، ص ٣.
وقال أحمد شاكر ﵀: والذي أراه: أن بيان الضعف في الحديث واجب في كل حال، لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح خصوصًا إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام، وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلا بما صحَّ عن رسول الله ﷺ من حديث صحيح أو حسن.
وأما ما قاله أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وابن المبارك: إذا روينا في الحلال، والحرام شدَّدنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا، فإنما يريدون به فيما أرجح (والله أعلم) أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة، فإن الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن لم يكن في عصرهم مستقرًا واضحًا، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو الضعف فقط. انتهى.
وقال الشيخ محمد محي الدين: والذي ينقدح في ذهن العبد الضعيف أن الخلاف في هذه المسألة لفظي، وأن الجميع متفقون على أنه لا يؤخذ في الفضائل والمواعظ =стр. 268
الحلال والحرام وغيرهما. وذلك كالمواعظ والقصص، وفضايل الأعمال، وساير فنون الترغيب والترهيب وما لا تعلق له بالأحكام والعقايد.
فرع: إذا أردت رواية الحديث الضعيف بغير إسناد، فلا تقل فيه: قال رسول الله ﷺ : كذا، وما أشبهه من الألفاظ (١) الجازمة، وإنما تقول: روى عن رسول الله ﷺ كذا، الحواشي
(١) نقل النووي ﵀ اتفاق محققي المحدثين وغيرهم على هذا وأنه لا ينبغي الجزم بشيء ضعيف لأنها صيغة تقتضي صحته عن المضاف إليه فلا ينبغي أن تطلق إلا فيما صح، قال: وقد أهمل ذلك كثير من المصنفين من الفقهاء وغيرهم، واشتد إنكار البيهقي على من خالف ذلك وهو تساهل قبيح جدًا من فاعله إذ يقول في الصحيح: يذكر، ويروى، وفي الضعيف، قال وروى، وهذا قلب للمعاني وحيد عن الصواب.
انظر: المجموع ١/ ١٠٧؛ ومقدمة الفتح، ص ١٩؛ وفتح المغيث ١/ ٥٣.стр. 269
أو بلغنا عنه كذا، أو ورد عنه، أو جاء عنه، أو نقل عنه، أو روى بعضهم، وما (أ) أشبهه وهكذا الحكم فيما تشك في صحته. وإنما تقول: قال رسول الله ﷺ ، فيما ظهر صحته (١) . والله أعلم. الحواشي
(١) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٤؛ والتدريب ١/ ٢٩٧؛ والباعث الحثيث، ص ٩١؛ وهامش توضيح الأفكار ٢/ ١٠٨؛ والتعليق رقم(١) على ص ٢٧١.стр. 270
النوع الثالث والعشرون: معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد روايته، وما يتعلق به من جرح وتعديل
أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا (١) . الحواشي
(١) قال الآمدي: العدل في اللغة عبارة عن المتوسط في الأمور من غير إفراط في طرفي الزيادة والنقصان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. أي عدلًا، فالوسط والعدل بمعنى عادل، وقد يطلق ويراد به المصدر المقابل للجور، وهو انصاف الغير بفعل ما يجب له وترك ما لا يجب والجور في مقابلته، وقد يطلق ويراد به ما كان من الأفعال الحسنة يتعدى الفاعل إلى غيره، ومنه يقال للملك المحسن إلى رعيته: عادل. وأما في لسان المتشرعة فقد يطلق ويراد به أهلية قبول الشهادة والرواية عن النبي ﷺ اهـ.
وقال الطاهر الجزائري ﵀: العدالة مصدر عدل بالضم، يقال: عدل فلان عدالة وعدولة، فهو عادل أي رضا ومقنع في الشهادة.
والعدل يطلق على الواحد وغيره. يقال: هو عدل وهما عدل. ويجوز أن يطابق، فيقال: هما عدلان، وهم عدول، وقد يطابق في التأنيث، فيقال: امرأة عادلة. وأما العدل الذي هو ضد الجور، فهو مصدر قولك: عدل في الأمر، فهو عادل. وتعديل الشيء تقويمه، يقال: عدله تعديلًا فاعتدل، أي قومه فاستقام، وكل مثقف معدل، وتعديل الشاهد نسبته إلى العدالة. اهـ. وقال: من أصعب الأشياء الوقوف على رسم العدالة فضلًا عن حدها. وقد خاض العلماء في ذلك كثيرًا، فقال بعضهم: العدالة، هي ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر والإِصرار على الصغائر.
وقال بعضهم: هي ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر وعن فعل صغيرة تشعر بالخسة، كسرقة باقة بقل. وقال بعضهم: من كان الأغلب من أمره الطاعة =стр. 271
ضابطًا (١) لما يرويه. وتفصيله (٢) أن يكون مسلمًا (٣) بالغًا (٤) عاقلًا (٥) سالمًا الحواشي
(١) وقد ضبط ابن الأثير الضبط في مقدمة جامعه فقال: هو عبارة عن احتياط في باب العلم، وله طرفان: العلم عند السماع والحفظ بعد العلم عند التكلم، حتى إذا سمع ولم يعلم، لم يكن شيئًا معتبرًا، كما لو سمع صياحًا لا معنى له وإذا لم يفهم اللفظ بمعناه على الحقيقة لم يكن ضبطًا، وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع لم يكن ضبطًا. ثم الضبط نوعان: ظاهر وباطن. فالظاهر: ضبط معناه من حيث اللغة. والباطن: ضبط معناه من حيث تعلق الحكم الشرعي به، وهو الفقه. ومطلق الضبط الذي هو شرط في الراوي، هو الضبط ظاهرًا عند الأكثر، لأنه يجوز نقل الخبر بالمعنى ... الخ، ما قال. مقدمة جامع الأصول ١/ ٧٢؛ فتح المغيث ١/ ٢٦٩.(٢) هذا التفصيل في الحقيقة تفصيل للشرطين اللذين ذكرهما المصنف أول الأمر بقوله: أن يكون عدلًا ضابطًا لما يرويه، وأن قوله: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة، تفصيل للعدالة وحدها. وأن قوله: متيقظًا حافظًا إن حدث ... الخ. هو تفصيل للضبط.(٣) فلا تقبل رواية الكافر، وهذا شرط للأداء، ويجوز أن يكون تحمل ما رواه وهو كافر. توضيح الأفكار ٢/ ١١٥.(٤) قال السخاوي: أي بالإِنزال في النوم أو بنحوه كالحيض أو باستكمال خمس عشرة سنة إذ هو مناط التكليف، قال الصنعاني: هذا شرط للأداء لا للتحمل إجماعًا. فتح المغيث ١/ ٢٧٠؛ توضيح الأفكار ٢/ ١١٤.(٥) أي فلا تقبل رواية المجنون سواء المطبق والمتقطع إذا أثر في الإِفاقة بالإِجماع، وإن لم يؤثر قبلت. =стр. 272
من أسباب الفسق (١) وخوارم المروة (٢) ، متيقظًا حافظًا إن حدث من حفظه، ضابطًا (٣) لكتابه إن حدث منه، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط مع الحواشي
(١) قال السخاوي: وهو ارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيره. فتح المغيث ١/ ٢٧٠؛ وتوضح الأفكار ٢/ ١١٧.(٢) ذكر طاهر الجزائري تعريف المروءة عن بعض العلماء فقال: هي آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإِنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات. يقال: مرأ الإِنسان فهو مرئ مثل قرب فهو قريب أو ذو مروءة، قال الجوهري: قد تشدد فيقال: مروة. وذكر أكثر من قول. قال: وقد اعترض بعض العلماء على إدخال المروءة في حد العدالة لأن جلها يرجع إلى مراعاة العادات الجارية بين الناس وهي مختلفة باختلاف الأزمنة والأمكنة والأجناس، وقد يدخل في المروءة عرفًا ما لا يستحسن في الشرع، ولا يقتضيه الطبع على المروءة من الأمور التي يعسر معرفة حدها على وجه لا يخفى.
قال السخاوي هذا الاعتراض على ابن الصلاح مردود بأن العدالة لا تتم عند كل من شرطها وهم أكثر العلماء بدونها، نعم قد حقق الماوردي أن الذي تجنبه منها شرط في العدالة وارتكابه مفض إلى الفسق، هو ما سخف من الكلام المؤذي والضحك وما قبح من الفعل الذي يلهو به ويستقبح بمعرته كنتف اللحية وخضابها بالسواد، وكذا البول قائمًا يعني في الطريق وبحيث يراه الناس وفي الماء الراكد وكشف العورة إذا خلا والتحدث بمساوئ الناس.
وأما ما ليس بشرط، فكعدم الأفضال بالماء والطعام والمساعدة بالنفس والجاه وكذا الأكل في الطريق وكشف الرأس بين الناس والمشي حافيًا، ويمكن أن يكون هذا منشأ الاختلاف. ولكن في بعض ما ذكره من الشقين نظر. اهـ.
انظر: توجيه النظر، ص ٢٨؛ الصحاح ١/ ٧٢، مادة (م ر أ)؛ فتح المغيث ظ/ ٢٧٠؛ الكفاية، ص ١١٥.(٣) أي يصونه عن التطرق والتغيير إليه من حين سمع فيه إلى أن يؤدي. فتح المغيث ١/ ٢٦٨؛ التدريب ١/ ٣٠١.стр. 273
هذا أن يكون عالمًا بما (أ) يحيل المعنى (١) . ونوضح ذلك بمسائل (ب).
إحداها (ج): عدالة الراوي تارة تثبت بتنصيص عدلين (٢) عليها (٣) ، وتارة تثبت بالاستفاضة، فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة، كفى ذلك في عدالته. وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وعليه الاعتماد في الأصول، وذكره الخطيب (٤) وغيره، وذلك كمالك والسفيانيين والأوزاعي (٥) والليث وابن المبارك والشافعي وأحمد ومن جرى مجراهم (٦) . الحواشي
(١) وهذه الشروط للضبط موجودة في كلام الشافعي صريحًا إلا الأول فيؤخذ من قوله: أن يكون عاقلًا لما يحدث به فهذا كناية عن اليقظة.
انظر: الرسالة، فقرة ١٠٠١، ص ٣٧؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٤؛ التمهيد ١/ ٢٨.(٢) وسيأتي في المسألة الرابعة قول المصنف: أن كل واحد من الجرح والتعديل يثبت بقول واحد.(٣) الكفاية، ص ٩٦؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٥؛ فتح المغيث ١/ ٢٧٢؛ التدريب ١/ ٣٠١.(٤) الكفاية، ص ٨٦.(٥) هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي الدمشقي الإِمام الجليل علامة الوقت فقيه أهل الشام وإمامهم مدة من الدهر، قد كان المنصور يعظمه ويصغي إلى وعظه ويجله، مات سنة سبع وخمسين ومائة. تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٨؛ البداية ١٠/ ١١٥.(٦) ذكره الخطيب بسنده إلى حنبل بن إسحاق، سئل الإِمام أحمد عن إسحاق بن راهويه، فقال: مثل إسحاق يسأل عنه؟ إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. وبسنده إلى حمدان بن سهل يقول: سألت يحيى بن معين عن الكتابة عن =стр. 274
وإنما يسأل عن عدالة (أ) من خفى أمره (١) . وتوسع ابن عبد البر فقال (ب): كل حامل (ج) علم معروف العناية به فهو عدل محمول أبدًا على العدالة حتى يتبين جرحه (٢) . الحواشي
(١) قال القاضي أبو بكر الباقلاني: الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية متى لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضى، وكان أمرهما مشكلًا ملتبسًا ومجوزًا فيهما العدالة وغيرها.
قال: والدليل على ذلك أن العلم بظهور سترهما أي المستور من أمرهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد أو إثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة في تعديله. التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٧٤؛ التدريب ١/ ٣٠٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٢٦؛ الباعث الحثيث، ص ٩٣.(٢) التمهيد ١/ ٢٨؛ وتمام كلامه: حتى تتبين جرحته في حاله أو في كثرة غلطه لقوله ﷺ : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله.
قال السخاوي: على أنّ ابن عبد البر قد سبق بذلك فروينا في شرف أصحاب الحديث للخطيب حكاية تشبه قوله.
ونحوه قول ابن الموّاق في كتابه بغية النقاد. وقول ابن الجزري وسبقه المزي فقال: هو في زماننا مرضى، بل ربما يتعين. ونحوه قول ابن سيد الناس: لست أراه إلا مرضيًا، وكذا قال الذهبي: انه حق. انتهى. مختصرًا.
قلت: وافق ابن عبد البر محمد بن إبراهيم الوزير والصنعاني في الروض الباسم، ص ٢١، ٢٦؛ وتوضيح الأفكار ٢/ ١٢٦ - ١٣٣؛ وقد استدلا له بحجج قرآنية وأثرية ونظرية: فانظرهما إن شئت. فتح المغيث ١/ ٢٧٨؛ شرف أصحاب الحديث، ص ٣٠؛ وتذكرة العلماء (٢٩/ ب).стр. 275
وفيما قاله اتساع غير مرضي (١) . الحواشي
(١) لثلاثة وجوه: أحدها، قال السخاوي: لكون الحديث مع كثرة طرقه ضعيفًا بحيث قال العراقي: إنه لا يثبت منها شيء، بل قال ابن عبد البر نفسه: أسانيده كلها مضطربة غير مستقيمة وقال الدارقطني: إنه لا يصح مرفوعًا يعني مسندًا، وقال شيخنا: وأورده ابن عدي من طرق كثيرة كلها ضعيفة، وحكم غيره عليه بالوضع، وإن قال العلائي في حديث أسامة منها: أنه حسن غريب.
وصحح الحديث الإِمام أحمد، وكذا نقل العسكري في الأمثال عن أبي موسى عيسى بن صبيح تصحيحه، فأبو موسى هذا ليس بعمدة، وهو من كبار المعتزلة.
وأحمد فقد تعقب ابن القطان كلامه، وحديث أسامة بخصوصه قال فيه أبو نعيم: أنه لا يثبت.
وقال ابن كثير: في صحته نظر قوي، والأغلب عدم صحته، ولو صح لكان ما ذهب إليه قويًا. انتهى.
الوجه الثاني: قال السخاوي: وعلى كل حال من صلاحيته للحجة أو ضعفه، فإنما يصح الاستدلال به ان لوكان خبرًا، ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة. قلت: وبه قال العراقي.
الوجه الثالث: قال السخاوي: كيف يكون خبرًا وابن عبد البر نفسه يقول: فهو عدل محمول في أمره على العدالة حتى يتبين جرحه أي لو أنه كان خبرًا لم يسمع جرح أصلًا، فيبقى قوله. حتى يتبين جرحه مناقضًا لاستدلاله فلم يبق له محمل إلا على الأمر، ومعناه أنه أمر الثقات بحمل العلم، لأن العلم إنما يقبل عن الثقات.
ويتأيد بأنه في بعض طرقه عند ابن أبي حاتم: ليحمل، بلام الأمر على أنه لا مانع من إرادة الأمر أن يكون بلفظ الخبر.
وحينئذ سواء روى بالرفع على الخبرية أو بالجزم على إرادة لام الأمر فمعناهما واحد، بل لا مانع أيضًا من كونه خبرًا على ظاهره، ويحمل على الغالب، والقصد أنه مظنة لذلك. انتهى. مختصر فتح المغيث ١/ ٢٧٥؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٩؛ التدريب ١/ ٣٠٢؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٢٩؛ مقدمة الكامل، ص ١٩ - ٢٣٤؛ اختصار علوم الحديث، ص ٩٤؛ الجرح والتعديل ٢/ ١٧.стр. 276
الثانية: يعرف ضبطه بأن تعتبر (أ) رواياته (ب) بروايات الثقات المعروفين بالضبط والاتقان، فإن وافقهم غالبًا (١) وكانت مخالفته نادرة (٢) عرفنا كونه ضابطًا (٣) ثبتًا (٤) ، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم، عرفنا اختلال (٥) ضبطه ولم يحتج (٥) بحديثه. الحواشي
(١) أي في اللفظ ولو أتى بأنقص لا يتغير به المعنى، أو في المعنى. فتح المغيث ١/ ٢٧٩؛ التدريب ١/ ٣٠٤؛ توضيح الأفكار ٢/ ١١٩.(٢) أي التي لا يخلو عنها أحد، فإنه وقع النسيان لسيد ولد عدنان ﷺ ، كما في الحديث: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني. متفق عليه. توضيح الأفكار ٢/ ١١٩؛ قواعد في علوم الحديث، ص ١٩٨، وقال ابن المبارك: من ذا سلم من الوهم. وقال ابن معين: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ وإنما أعجب ممن يحدث فيصيب.
انظر: لسان الميزان ١/ ١٧ - ١٨.(٣) والمراد بالضبط: أن يكون ضبطه لما يسمعه أرجح من عدم ضبطه، وذكره له أرجح من سهوه، لحصول غلبة الظن بصدقه فيما يرويه.
وإلا فبتقدير رجحان مقابل كل واحد من الأمرين عليه، أو معادلته له فروايته لا تكون مقبولة لعدم حصول الظن بصدقه إما على أحد التقديرين فلكون صدقه مرجوحًا، وإما على التقدير الآخر، فلضرورة التساوي، وإن جهل حال الراوي في ذلك، كان الاعتماد على ما هو الأغلب من حال الرواة وإن لم يعلم الأغلب من ذلك فلا بد من الاختبار والامتحان. الإِحكام في أصول الأحكام ٣/ ٢٦٢.(٤) يقال: رجل ثبت بسكون الباء أي ثابت القلب، ورجل له ثبت عند الحملة بفتح الباء أي ثبات.
وتقول: لا أحكم بكذا إلا بثبت بفتح الباء أي حجة. والثبيت: الثابت العقل. انظر: الصحاح ١/ ٢٤٥، مادة ثبت.(٥) وإلى ذلك أشار الشافعي ﵀ فيمن تقوم به الحجة، فقال: ويكون إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم. =стр. 277
الثالثة: التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور (١) لأن أسبابه كثيرة يصعب (٢) ذكرها وأما الجرح فلا يقبل إلا مفسرًا مبين السبب (٣) الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٦؛ فتح المغيث ١/ ٢٨٠؛ التدريب ١/ ٣٠٥؛ الكفاية، ص ١٠٨؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٤٩، وقال: وسره أن العدالة وصف ملتئم من أمور كثيرة، وضع لفظ "عدل" بإزائها، فكان القائل "فلان عادل" قال: فلان آت بكل ما يجب، مجتنب لما يحرم، ولذا اشترط في المعدل أن يكون عالمًا بأسباب العدالة، بخلاف القدح فإنه شيء واحد، لأنه عبارة عن شيء خرم العدالة، فلا يعسر ذكره ولا يتعين ما هو حتى يعرب عنه قائله، ولا يشترط في قائله المعرفة بأسباب القدح، فإنه لو قال من يجهل أن السرقة حرام: إن فلانًا رأيته يسرق" كان قدحًا. اهـ.(٢) أي متى كلف المعدل لسرد جميعها احتاج أن يقول: يفعل كذا وكذا عادا ما يجب عليه فعله وليس يفعل كذا وكذا عادا ما يجب تركه وفيه طول. فتح المغيث ١/ ٢٨٠؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٦.(٣) في هذه المسألة خمسة أقوال، هذا أولها. وقد بذل أكثر الأحناف قصارى جهدهم لإِثباته. كما في الرفع والتكميل وفواتح الرحموت وقواعد في علوم الحديث.
والثاني: عكس ما تقدم، فيشترط تفسير التعديل، دون الجرح لأن أسباب العدالة يكثر التصنع فيها فيتسارع الناس إلى الثناء على الظاهر. نقله إمام الحرمين والغزالي والرازي.
والثالث: أنه لا بد من بيان سببهما معًا للمعنيين السابقين، فكما يجرح الجارح بما لا يقدح، كذلك يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة. حكاه الخطيب =стр. 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والأصوليون. وصرح الشوكاني باختياره. وقال: لا سيما مع اختلاف المذاهب في الأصول والفروع، فقد يكون ما أبهمه الجارح من الجرح هو مجرد كونه على غير مذهبه وعلى خلاف ما يعتقده وإن كان حقًا، وقد يكون ما أبهمه من التعديل هو مجرد كونه على مذهبه وعلى ما يعتقده وإن كان في الواقع مخالفًا للحق كما وقع ذلك كثيرًا.
وقال: وعندي أن الجرح المعمول به هو أن يصفه بضعف الحفظ أو بالتساهل في الرواية أو بالإِقدام على ما يدل على تساهله بالدين.
والتعديل المعمول به هو أن يصفه بالتحري فى الرواية والحفظ لما يرويه وعدم الإِقدام على ما يدل على تساهله بالدين. فاشدد على هذا يديك تنتفع به عند اضطراب أمواج الخلاف. اهـ.
والرابع: لا يجب ذكر السبب في واحد منهما إذا كان الجارح والمعدل عالمين بأسباب الجرح والتعديل والخلاف في ذلك، بصيرًا مرضيًا في اعتقاده وأفعاله، وهذا اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني قال: لأنه إن لم يكن بصيرًا بهذا الشأن فلا يصلح للتزكية وإن كان بصيرًا فأي معنى للسؤال. ونقله عن الجمهور واختاره إمام الحرمين والآمدي والغزالي والرازي والبلقيني وابن الأثير وابن كثير والعراقي، وصرح باختياره الشيخ عبد الفتاح أبو غدة وإليك نص كلامه: يلزم من القول الأول أن تكون فائدة كتب أئمة الجرح والتعديل - وفيها الجروح المبهمة - التوقف في الراوي المجروح حتى تنزاح الريبة عنه وهذا - كما ترى - تعطيل وإلغاء لتلك الكتب الهامة المعتبرة التي ألفها الأئمة الثقات - الذين يجمعون بين الحذق في العلم والرسوخ في الدين والورع. فلا مناص من ترجيح هذا القول وتقديمه على القول الأول، وقد قال فيه الإِمام أبو بكر الباقلاني: إنه قول الجمهور كما تقدم. وهو الذي جرى عليه علماء الجرح والتعديل من المتأخرين أيضًا. فدونك كتب هؤلاء الأئمة الحفاظ: المنذري، والنووي وابن دقيق العيد وابن تيمية وابن عبد الهادي والذهبي والعلاء المارديني وابن القيم والسبكي والزيلعي وابن كثير والزركشي وابن رجب والعراقي والهيثمي وابن حجر والعيني وابن الهمام والسخاوي والسيوطي والمناوي، وسواهم ممن لحق بهم من أئمة هذا الشأن، فإنك تراهم في كتبهم يعدلون ويصححون ويجرحون ويضعفون دون بيان السبب. ولهذا عارض الحافظ ابن كثير رأي =стр. 279
لاختلاف (١) الناس فيما يوجب الجرح، ولهذا احتج الحواشي
(١) قال الآمدي: القول: بأن الناس قد اختلفوا فيما يجرح به، وإن كان حقًا إلا أن الظاهر من حال العدل البصير بجهات الجرح والتعديل أنه أيضًا يكون عارفًا بمواقع الخلاف في ذلك. والظاهر أنه لا يطلق الجرح إلا في صورة علم الوفاق عليها، وإلا كان مدلسًا ملبسًا بما يوهم الجرح على من لا يعتقده، وهو خلاف مقتضى العدالة والدين، وبمثل هذا يظهر أنه ما أطلق التعديل إلا بعد الخبرة الباطنة، والإِحاطة بسريرة المخبر عنه ومعرفة اشتماله على سبب العدالة دون البناء على ظاهر الحال. انتهى. =стр. 280
البخاري في صحيحه بعكرمة (١) مولى ابن عباس وإسماعيل (٢) بن أبي أويس وعاصم (٣) بن علي وغيرهم، ومسلم بسويد (٤) بن (أ) الحواشي
(١) هو عكرمة أبو عبد الله، مولى ابن عباس، أصله بربري، ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، مات سنة سبع ومائة وقيل بعد ذلك، روى له الجماعة. تقريب التهذيب ٢/ ٣٠؛ ومقدمة الفتح، ص ٤٢٥ - ٤٣٠، وقد تقدم الشيخ مرزوق الزهراني برسالة الماجستير بجامعتنا موضوعها: عكرمة مولى ابن عباس وتتبع مروياته في صحيح البخاري.(٢) هو إسماعيل بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد بن أبي أويس المدني، صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه مات سنة ست وعشرين ومائتين، كتب البخاري أحاديثه من أصوله لأنه أعطاه إياها وأذن له أن ينتقي منها. التقريب ١/ ٧١؛ مقدمة الفتح، ص ٣٩١.(٣) عاصم بن علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، أبو الحسن التيمي مولاهم صدوق ربما وهم، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين، أورد له ابن عدي أحاديث قليلة عن شعبة، فقال: لا أعلم شيئًا منكرًا إلا هذه الأحاديث ولم أر بحديثه بأسًا. التقريب ١/ ٣٨٤؛ مقدمة الفتح، ص ٤١٢؛ والكامل لابن عدي ٥/ ١٨٧٥.(٤) هو سويد بن سعيد بن سهل الهروي الأصل، ثم الحدثاني، أبو محمد صدوق في نفسه، إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وأفحش فيه ابن معين القول. مات سنة أربعين ومائتين. قال السخاوي: وهذا وإن كان قادحًا فإنّما =стр. 281
سعيد وغيره، وكل هؤلاء سبق الطعن فيهم، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا مفسر السبب (١) .
فإن قيل: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على كتب الجرح والتعديل، وقلَّ ما يتعرضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على قولهم: فلان ضعيف، فلان ليس بشيء ونحوه (أ)، أو هذا (ب) حديث ضعيف أو غير ثابت ونحو ذلك، فاشتراط بيان السبب يفضي إلى الحواشي
(١) قال البلقيني: قد يقال: لا يلزم ذلك، لجواز أن يكون لم يثبت عندهم الجرح وإن فسر. هذا هو الأقرب: فإن المذكورين ما من شخص منهم إلا ونسب إلى أشياء مفسرة من كذب وغيره، يعرفها من يراجع كتب القوم، ولكنها لم تثبت عند من أخذ بحديثهم ووثقهم وروى عنهم.
وقال الصنعاني: واعلم أن هذا يشعر بأن البخاري لم يكن في رواته من قدح فيه إلا بقدح مطلق وليس بصحيح وقد بينا في ثمرات النظر خلافه ونقلنا كلام أئمة الجرح والتعديل في جماعة من رواة الشيخين قدحًا مبين السبب. انتهى. محاسن الاصطلاح، ص ٢٢١؛ وتوضيح الأفكار ٢/ ١٥٣.
قلت: من يريد الاطلاع على أن الجرح في رواة الشيخين كان مفسرًا ولم يكن ثابتًا فليرجع إلى مقدمة الفتح، ص ٣٨٤ - ٤٥٦، ويظهر له حينئذ أن عدم التفات الشيخين إلى جرح هؤلاء الرواة لم يكن بسبب كون مذهبهم: أن الجرح لا يثبت إلا مفسر السبب. كما قاله ابن الصلاح والمصنف وغيرهما من المصنفين.стр. 282
تعطيل (أ) ذلك، وسد باب الجرح في الأغلب (١) .
فالجواب (٢) : أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح (ب) والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقفنا في قبول حديث من قالوا فيه ذلك، لأن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية، ثم من (ج) انزاحت عنه تلك الريبة ببحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته قبلنا حديثه (٣) ، ولم نتوقف، كالذين احتج بهم الحواشي
(١) هذا الاعتراض أورده على نفسه ابن الصلاح في المقدمة، ص ٩٨.
انظر أيضًا: محاسن الاصطلاح، ص ٢٢٢؛ المنهل الروي، ص ٧٧؛ التدريب ١/ ٣٠٧.(٢) هذا الجواب من ابن الصلاح عما أورده على نفسه من قبل.
انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٨؛ المنهل الروي، ص ٧٧؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٢٢؛ التدريب ١/ ٣٠٧.(٣) قال الصنعاني: وإلا يحصل لنا بالبحث ثقته واتقانه توقفنا في حاله فلا نحكم له ولا عليه، أما الأول فلأنه وإن كان الأصل العدالة فقد أوجب الجرح الجملي التوقف في حاله، ففتّ في عضد ذلك الأصل.
وأما إذا قلنا: الأصل الفسق فأوضح، ويترك حديثه لأجل الريبة القوية الحاصلة من القدح الجملي، لا لأجل ثبوت الجرح.
قال: ومن هنا نعلم أن معنى قولهم: لا يقبل الجرح إلا مفسرًا، أي لا يعمل به في الرد إلا مفسرًا، لا أنه لا يقبل مطلقًا، وأنه لا حكم له، بل له حكم هو ثبوت الريبة وتركه. انتهى.
قلت: وقد غاب هذا المعنى عن اللكنوي ففهم من قولهم: لا يقبل الجرح إلا مفسرا. أنه لا يقبل مطلقًا ويرد على قائله. اهـ. توضيح الأفكار ٢/ ١٥٣ - ١٥٤؛ الرفع والتكميل، ص ٤٦ - ٤٩؛ التنكيل ١/ ٦١.стр. 283
صاحبا الصحيحين ممن تقدم فيهم الجرح (١) . والله أعلم.
الرابعة: الصحيح أن كل واحد من الجرح والتعديل (٢) يثبت بقول واحد (٣) وقيل: لا بد من اثنين (٤) . الحواشي
(١) قال ابن الصلاح: فافهم ذلك فإنه مخلص حسن. مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٨. ورد البلقيني على ابن الصلاح وقال: هذا المخلص فيه نظر، من جهة أن الريبة لا توجب التوقف: ألا ترى أن القاضي إذا ارتاب في الشهود فإنه يجوز أن يحكم مع قيام الريبة، وإنما كلام الأئمة المنتصبين لهذا الشأن أهل الإِنصاف والديانة والنصح يؤخذ مسلمًا، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل، أو أنه كذاب أو متروك. وذلك واضح لمن تأمله. والإِمام الشافعي يقول في مواضع: هذا حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث: ويرده بذلك. محاسن الاصطلاح، ص ٢٢٢.(٢) أي سواء كان في الرواية أو الشهادة.(٣) قال العراقي: وهو اختيار أبي بكر بن العربي، لأن التزكية بمثابة الخبر، قال القاضي: والذي يوجبه القياس وجوب قبول تزكية كل عدل مرضي ذكر أو أنثى حر أو عبد لشاهد ومخبر. انتهى.
وقال البلقيني: عن أبي حنيفة وأبي يوسف في الشهادة أيضًا الاكتفاء بمعدل أو بمجرح. وهو اختيار أبي الطيب. اهـ. التذكرة والتبصرة ١/ ٢٩٥؛ الكفاية، ص ٩٦؛ فتح المغيث ١/ ٢٧٢؛ محاسن الاصطلاح، ص ٢٢٣.(٤) وحكاه أبو بكر الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم.
قال السخاوي: لأن التزكية صفة فتحتاج في ثبوتها إلى عدلين كالرشد والكفاءة وغيرهما. وقياسًا على الشهادة بالنسبة لما هو المرجح فيها عند الشافعية والمالكية بل هو قول محمد بن الحسن واختاره الطحاوي. فتح المغيث ١/ ٢٧٢؛ الرفع والتكميل، ص ٥٠.
وهناك قول ثالث بالتفرقة بينها وبين الشهادة، فيكتفي بالواحد في الرواية دون الشهادة ورجحه الإِمام فخر الدين والسيف الآمدي ونقله عن الأكثرين.
قال ابن الصلاح: والصحيح الذي اختاره الخطيب وغيره أنه يثبت في الرواية =стр. 284
الخامسة: إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل، فالجرح مقدم، لما فيه من زيادة العلم (١) . الحواشي
(١) قال العراقي: الجرح مقدم مطلقًا، ولو كان المعدلون أكثر، ونقله الخطيب عن جمهور العلماء، وقال ابن الصلاح: إنه الصحيح، وكذا صححه الأصوليون، كالإِمام فخر الدين والآمدي، لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل، ولأن الجارح مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله إلا أنه يخبر عن باطن خفي عن المعدل. انتهى.
وقال الفخر الرازي: اللهم إلا إذا جرحه بقتل إنسان "فقال المعدل: رأيته حيًا. فها هنا يتعارضان. وبه قال الآمدي، وزاد: ويصح ترجيح أحدهما على الآخر بكثرة العدد وشدة الورع والتحفظ وزيادة البصيرة إلى غير ذلك مما ترجح به إحدى الروايتين على الأخرى. انتهى.
قلت: ينبغي أن يقيد الحكم بتقديم الجرح مطلقًا بما إذا لم تثبت من قبل عدالته وإمامته، أما إذا ثبتت من قبل عدالته وإمامته. فلا يلتفت إلى قول الجارح إلا ببيان وحجة كما هو قول الإِمام البخاري ومحمد بن نصر المروزي كما نقل عنه =стр. 285
فإن كان عدد المعدلين أكثر، فقيل: التعديل أولى (١) . والصحيح الذي عليه الجمهور أن الجرح مقدم أيضًا (٢) . الحواشي
(١) حكى الخطيب هذا القول عن طائفة والفخر الرازي، لأن الكثرة تقوي الظن والعمل بأقوى الظنين واجب كما في تعارض الحديثين.
فال الخطيب: وهذا بعد ممن توهمه، لأن المعدلين وإن كثروا ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك وقالوا: نشهد أن هذا لم يقع منه لخرجوا بذلك من أن يكونوا أهل تعديل أو جرح لأنها شهادة باطلة على نفي ما يصح ويجوز وقوعه وإن لم يعلموه، فثبت ما ذكرناه. انتهى.
قال السخاوي: وإن تقديم الجرح إنما هو لتضمنه زيادة خفيت على المعدل وذلك موجود مع زيادة عدد المعدل ونقصه ومساواته، فلو جرحه واحد وعدله مائة، قدم الواحد بذلك. انتهى.
الكفاية، ص ١٠٧؛ المحصول ج ٢ ص ١/ ٥٨٨؛ فتح المغيث ١/ ٢٨٧؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٩؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٣؛ التدريب ١/ ٣١٠؛ الرفع والتكميل، ص ٥٥.
قلت: في هذه المسألة قولان آخران: أحدهما: أنه يرجح بالأحفظ. حكاه البلقيني. والثاني: إنهما يتعارضان، فلا نرجح أحدهما إلا بمرجح حكاه ابن الحاجب كما نقله عنه العراقي والسخاوي والسيوطي، محاسن الاصطلاح، ص ٢٢٤؛ التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٣؛ فتح المغيث ١/ ٢٨٧؛ التدريب ١/ ٣٠١.(٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٩. وانظر ص ٢٨٧ - ٢٨٨ التعليق الأول أيضًا.следующие страницы →