← Книги сунны

Книги сунны · id 127656

اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه

أبو العباس القرطبي

Полный текст (2 203 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

حَجَرُ، حتى انتهى إلى ملأ من (١) بني إسرائيل، فرأوه عُرْيَانًا أحسن ما خلق اللَّه، وأبرأه مما يقولون، (٢) وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفِقَ بالحَجَر ضربًا بعصاه"، فواللَّه إن الحجر لنَدْبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. ١٥٦٠ - وعنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟ قال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاه اللَّه برسالاته وبكلامه، ثمَّ تلومني على أَمْرٍ قُدِّرَ عليَّ قبل أنْ أُخْلَقَ، فقال رسول اللَّه ﷺ : فَحَجَّ آدمُ موسى" (٣). ١٥٦١ - وعنه قال: أُرْسِلَ ملكُ الموت إلى موسى ﵉، فلما جاءه صَكَّهُ، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت،

стр. 1052

قال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على مَتْنِ ثور، فله بما غطت (١) يده بكل شعرة سنة، قال: أيْ رب! ثمَّ ماذا؟ قال: الموت، قال: فالآن، قال: فسأل اللَّه يُدْنِيهِ من الأرض المقدسة رَمْيَةً بحَجَرٍ، قال أبو هريرة عن (٢) النبي ﷺ : "فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قَبْرَهُ إلى جانب الطريق عند الكَثِيب الأحمر". * تنبيه: "حَجَرُ": مضموم الراء، على أنَّه منادى مفرد، محذوف حرف النداء على الشاذ؛ كقولهم: أَطْرِق كَرَا (٣)، وافْتَد مَخْنُوق، والقياس أن لا يحذف حرف النداء مع النكرات ولا مع المبهم. وقوله: "حج آدم موسى"؛ أي: غلبه بالحجة، ووجهها أن موسى قد أعلمه اللَّه في التوراة بقضية آدم، وبأن اللَّه تاب عليه منها، ورفع عنه المعاتبة والمؤاخذة، وأنه قد رده إلى أحسن مما كان قبل، فعتاب موسى لا موقعَ له، فكأنه قال له: كيف تعاتبني وتؤاخذني وقد علمتَ أنَّ اللَّه قد أسقط عني ذلك، وكان بعض العارفين يقول: ذكر الجفاء في محلّ الصفاء جفاء، واللَّه أعلم. وصَكُّ موسى لملك الموت إنما كان؛ لأنه جاء ليقبض روحه ولم

стр. 1053

يخيِّره، وكان موسى قد علم أنَّ اللَّه لا يقبض نبيًّا حتى يخيره في الحياة وفي الموت كما قال نبينا ﷺ : "إن اللَّه لا يقبض نبيًّا حتى يخيّره"، فلما جاء ملك الموت بغير تخيير، فعل موسى معه فعل المؤدب، واللَّه أعلم، وقيل غير ذلك على ما ذكرناه في كتابنا "المُفْهِم"، وما ذكرناه في هذه المواضع المذكورة في هذا التنبيه هو أشبه ما قيل فيها إن شاء اللَّه. * * * (١١) باب ذكر يونس وقوله: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٢] ١٥٦٢ - عن أبي هريرة قال: بينما يهوديٌّ يعرض سِلْعَةً (١) أعطى بها شيئًا كَرِهَهُ، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمع (٢) رجل من الأنصار، فقام فلَطَمَ وَجْهَهُ، وقال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر والنبي ﷺ بين أَظْهُرِنَا؟ فذهب إليه، فقال: يا أبا القاسم (٣)! إن لي ذمَّةً وعَهْدًا؛

стр. 1054

فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: "لِمَ لطمت وجهه؟ " فذكره، فغضب النبي ﷺ حتى رُئِيَ في وجهه، ثمَّ قال: "لا تُفَضِّلُوا بين أنبياء اللَّه (١)، فإنَّه يُنْفَخُ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه، ثمَّ ينفخ فيه أخرى، فأكون أول مَنْ بُعث؛ فإذا موسى آخذٌ بالعرش، فلا أدري أَحُوسِبَ لصعقه (٢) يوم الطور، أمْ بُعِثَ قَبْلِي، ولا أقول: إنَّ أحدًا أفضل من يُونُسَ ابن مَتّى". وفي رواية (٣): عن النبي ﷺ قال: "لا ينبغي لعبدٍ أن يقول أنا خير من يونس بن متَّى". وفي رواية (٤): "لا تُخَيِّرُونِي على موسى -وفيها-: فلا أَدْرِي أكان ممن صُعِقَ فَأفاق قَبْلِي، أو كان ممن استثنى اللَّه؟ ". الغريب: "أبَقَ": فَرَّ مِنْ قومه لما لم يجيبوه. "الفُلْك": السفينة، ويقال على الواحد والجمع بلفظ واحد.

стр. 1055

و"المَشْحُون": المملوء. "فسَاهَمَ": قَارَعَ. "من المُدْحَضِين": المغلوبين. "فالتقمه": ابتلعه، وصَيَّره كاللقمة. "مُليم"؛ أي: ما يلام عليه، وهذا أولى من قول مجاهد: مذنب. "من المُسَبِّحين": قيل: من المُصَلِّين، وأولى منه القائلين: سبحانك إني كنت من الظالمين؛ لما روي من ذلك. "فَنَبَذْنَاهُ": ألقيناه كالمنبوذ. "بالعراء": الأرض العَرِيَّة عن النبات. "شجرة من يقطين"؛ أي: من غير ذات أصل؛ من قَطَنَ بالمكان: إذا قام فيه إقامة زائل، وهي القَرْعَة، وسَمَّاها شجرة وإن كانت من جنس ما يقال عليه نجم ونبات؛ لأنها أظلته بأوراقها وسترته فروعها. "أو يزيدون": قيل: للإبهام على السامع، وقيل: بمعنى الواو. * * * (١٢) باب ذكر داود وسليمان ﵉ ١٥٦٣ - عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "خُفِّفَ على داود (١) القرآن، فكان يأمر بدَوَابه فَتُسْرَجُ، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده".

стр. 1056

١٥٦٤ - وعنه: عن النبي ﷺ قال: "إن عِفْرِيتًا من الجِنِّ تَفَلَّتَ عليَّ البارحةَ؛ ليقطع عليَّ صلاتي، فامْكَنِني اللَّه منه فأخذته، فأردت أنْ أَرْبِطَه على سارية من سواري المسجد؛ حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرتُ دعوةَ أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] فرددته خَاسِئًا". ١٥٦٥ - وعنه: عن النبي ﷺ قال: "قال سليمان بن داود: لأَطُوفَنَّ الليلةَ على تسعين (١) امرأةً، تحمل كل امرأة فارسًا، يجاهد في سبيل، فقال له صاحبه: قل (٢): إن شاء اللَّه، فلم يفعل، فلم تحمل (٣) شيئًا إلا واحدًا ساقطَ (٤) أحد شِقَّيْهِ، فقال النبي ﷺ : لو قالها لجاهدوا في سبيل اللَّه". ١٥٦٦ - وعنه: أنَّه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَثَلِي ومَثَلُ الناس كمثل

стр. 1057

رجل استوقد نارًا، فجعل الفَرَاشُ وهذه الدواب تقع في النار". قال: "وكانت امرأتان معهما ابناهما، فجاء (١) الذئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود فأَخْبَرَتَاهُ، فقال: ائتوني بالسكين أشقُّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل، يرحمك اللَّه، هو ابنها، فقضى به للصغرى". قال أبو هريرة: واللَّه إنْ سمعتُ بالسِّكِّين إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المُدْيَةَ. الغريب: "القرآن" الأول بمعنى: القراءة، والثاني: يعني به: الزبور الذي قال اللَّه فيه: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]، والزبر: هو الكتب، والزبور بمعنى: المزبور، وهو المكتوب. ويعني "بالدواب": الخيل المعدة للجهاد، وعمل يد داود كان في الدروع؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وقال ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١]. و"العِفْرِيت": من الجن والإنس: المتمرد الشديد الشر، واختلاف داود وسليمان في الحكم يدلّ على تصويب المجتهدين. * * *

стр. 1058

(١٣) باب ذكر لُقْمَانَ وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] ١٥٦٧ - عن علقمة، عن ابن مسعود قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شق ذلك على المُسْلِمينَ، فقالوا: يا رسول اللَّه! وأيُّنَا لا يظلم نفسه؟ فقال: "إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ". * تنبيه: قال ابن المسيّب: كان لقمان أسود نُوبِيًّا، من سودان مصر ذا مَشَافِرَ، وكان خياطًا، وقيل: نجارًا. ابن عباس: كان راعيًا. و"الحكمة": النبوة. عن عكرمة: وقيل: هي الفهم عن اللَّه، والعمل على مقتضاه. وروي عن النبي ﷺ : أنَّ لقمان لم يكن نبيًّا ولكن عبدًا صمصامة، كثير التفكير، حسن اليقين، أحبَّ اللَّه فأحبَّهُ وخيّر في القوم بين الخلافة والحكمة، فقال: إن كان عزمًا فسمعًا وطاعةً، وإلا فأختار العافية، وأصل الظلم: وضع الشيء غير موضعه، وقد تقدم. * * *

стр. 1059

(١٤) باب ذكر زكريا ويحيى ﵉، وقوله تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧] ١٥٦٨ - عن مالك بن صَعْصَعَة -في حديث الإسراء، وسيأتي إن شاء اللَّه- أنَّ النبي ﷺ خَبَّرهم (١) عن ليلة أُسْرِيَ به: "ثمَّ صعد حتى أتى السماءَ الثانية فاستفتح، فقيل له: مَنْ هذا؟ (٢) وذكره (٣) - فلما خَلَصْتُ؛ فإذا بيحيى (٤) وعيسى، وهما ابنا خالةٍ، قال: هذا يحيى وعيسى، فسَلِّمْ عليهما، فسلَّمْتُ فَرَدَّا، ثمَّ قالا: مرحبًا بالأخ الصالحِ والنبي الصالح". * * *

стр. 1060

(١٥) باب ذكر عيسى ومريم وآسِيَة وقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦] ١٥٦٩ - عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من (١) بني آدم مولودٌ إلا يَمَسُّه الشيطان حين يولد، فيستهِلُّ صارخًا من مس الشيطان (٢) غير مريمَ وابنها". ثمَّ يقول أبو هريرة: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]. ١٥٧٠ - وعن عليٍّ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "خيرُ نسائها

стр. 1061

مريم ابنة عمران، وخير نسائها خديجة". ١٥٧١ - وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فَضْلُ عائشة على النساء كفضل الثَّرِيدِ على سائر الطعام، كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يَكْمُل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسيةُ امرأة فرعون". ١٥٧٢ - وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "نساء قريش خير نساءٍ ركبن الإبل؛ أَحْنَاهُ على طفلٍ، وأرعاه على زوج في ذات يده". يقول أبو هريرة على إثر ذلك: ولم تركب مريم بنتُ عمران بعيرًا قط. الغريب: الهاء في "نسائها" للدنيا، وهي وإن لم يجر لها ذكر لكنها يفسرها الحال والمشاهدة، ويعني بذلك: أنَّ كل واحدة منهما خير نساء عالمها في وقتها، واللَّه أعلم. و"أحناه": أشفقه وأرحمه. و"أرعاه": أحفظه. * * *

стр. 1062

(١٦) باب في وصف عيسى ﵇ والتحذير من الغُلُوِّ فيه وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. . . إلى قوله: ﴿وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] ١٥٧٣ - عن عبادة بن الصَّامِتِ، عن النبي ﷺ قال: "من شهد أنْ لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله اللَّه الجنة على ما كان من العمل". وفي رواية (١): "أدخله اللَّه من أبواب الجنة الثمانية أيّها شاء". ١٥٧٤ - وعن عمر بن الخطاب أنَّه قال على المنبر: سمعت رسول اللَّه ﷺ

стр. 1063

يقول: "لا تُطْرُونِي كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد اللَّه ورسوله". ١٥٧٥ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أَوْلَى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوةٌ لعِلَّات (١)، أُمَّهَاتُهم شتى، ودينهم واحد". وفي رواية (٢): "ليس بيني وبينه نبي". ١٥٧٦ - وفي حديث الإسراء من حديث أبي هريرة: أنَّه ﵇ لقي عيسى فنعته؛ فقال: "رَبْعَة أحمر، كأنما خرج من دِيمَاس"؛ يعني: الحَمَّام. ١٥٧٧ - ومن حديث ابن عمر: قال ﵇: "وأَرَاني الليلة عند

стр. 1064

الكعبة في المنام؛ فإذا رَجُل آدمُ (١) كأحسن ما يُرى من أُدْمِ الرجال، تضرب لَمَّتُه (٢) بين منكبيه، رَجِلُ (٣) الشعر يَقْطُر رأسه ماءً، واضعًا يديه على مَنْكِبَيْ رجلين وهو يطوف بالبيت". ١٥٧٨ - وعن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تُحْشَرُون حفاة غُرْلًا، ثمَّ قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، فأول من يُكْسَى إبراهيم، ثمَّ يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي! فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فَارَقْتَهُمْ، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨] ". قال قبيصة: هم المرتدون الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر (٤).

стр. 1065

١٥٧٩ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لَيُوشِكَنَّ أنْ ينزل فيكم ابنُ مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها"، ثمَّ يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]. ١٥٨٠ - وعنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف أنتم إذا نزل ابنُ مريم فيكم، وإمَامُكم منكم". الغريب: "لَيُوشِكَنَّ"؛ أي: لابد من ذلك سريعًا. و"يضع الجزية": قيل: يضربها على من لم يؤمن، وقيل: لا يأخذها لعدم احتياج الناس إليها؛ لما تخرج الأرض من زكاتها، ولما تلقيه من بطنها من الأموال، وإلى هذا أشار بقوله: "ويفيض المال" كما قد جاء مُفَسَّرًا في غير هذا الحديث. ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (إِنْ) بمعنى: ما؛ أي: لا يبقى أحد من النصارى واليهود إلا آمن بعيسى عند نزوله، وقتله الخنزير ووضعه الجزية، هذا أحسن ما قيل فيه.

стр. 1066

و"إمامكم منكم"؛ أي: رجل منكم؛ أي: لا يتأمَّر عليكم ولا يؤمكم، كما قد جاء في "مُسْلِم" أنَّه يقال له: "تعالَ صَلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء؛ تَكْرِمَةَ اللَّه هذه الأُمَّة". * * * (١٧) باب في قوله تعالى في عيسى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦] ١٥٨١ - عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "لم يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلا ثلاثةٌ: عيسى؛ وكان في بني إسرائيل رجل يقال له: جُرَيْج يصلي، جاءته أُمُّه فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي؟ فقالت (١): اللهم لا تُمِتْهُ حتى تُرِيَهُ وجوه المُومِسَات، وكان جريج في صومعته، فتَعَرَّضت له امرأة، فكلمته (٢) فأبى، فأتت راعيًا، فأمكنته من نفسها، فولدت غلامًا، فقيل لها: ممن؟ فقالت: من جُرَيج، فأَتَوْهُ فكسروا صومعته، وأنزلوه وسَبُّوه، وتوضأ وصلَّى، ثمَّ أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام؟ فقال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، إلا من طين، وكانت امرأة ترضع ابنًا

стр. 1067

لها من بني إسرائيل، فمر بها رجل راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها، وأقبل على الراكب، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثمَّ أقبل على ثديها يمصه -قال أبو هريرة: كأني انظر إلى النبي ﷺ يمصُّ إِصْبَعَه- ثمَّ مُرَّ بأَمَةٍ، فقالت (١): اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقالت: لم ذلك (٢)؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأَمَةُ يقال لها: سرقت زنيت، ولم تفعل". الغريب: "المُومِسَاتُ": جمع مومسة، وهي الزانية. و"الشارة": الهيئة الحَسَنَة التي يتعجب منها ويشار إليها. * * * (١٨) قول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] وما يُنْهَى عنه من دعوى (٣) الجاهلية ١٥٨٢ - ابن عباس: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات: ١٣] قال:

стр. 1068

الشعوب: القبائل العظام، والقبائل: البطون. وقال البخاري: الشعوب: النَّسَب البعيد، والقبائل: دون ذلك. ١٥٨٣ - وعن كُلَيْب بن وائل قال: حدثتني رَبِيتَةُ النبي ﷺ زينب بنت أبي سلمة، قال: قلت لها: أرأيت النبي ﷺ أكان من مُضَرَ؟ قالت: فممن كان إلا من مُضَرَ من ولد كِنَانة (١)؟ . ١٥٨٤ - وعن أبي هريرة: أنَّ النبي ﷺ قال: "الناس تَبَعٌ لقريش في هذا الشأن، مسلمهم لمسلمهم (٢)، وكافرهم تبع لكافرهم. . ." الحديثَ، وقد تقدم في العلم. ١٥٨٥ - وعن ابن عباس: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾: أقرباء محمَّد ﷺ ، وقال (٣): إن النبي ﷺ لم يكن بطنٌ من قريش إلَّا وله فيه قرابة، فنزلت فيه (٤): إلا أنْ تَصِلُوا قرابةً بيني وبينكم.

стр. 1069

١٥٨٦ - وعن أبي ذر: أنَّه سمع النبي ﷺ يقول: "ليس مِنْ رَجُلٍ ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر (١)، ومن ادَّعى قومًا ليس لهم فيهم نسب (٢)، فليتبوأ مقعده من النار". ١٥٨٧ - وعن واثلة بن الأَسْقَعِ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ من أعظم الفِرَى أن يَدَّعِيَ الرجل إلى غير أبيه، أو يُرِيَ عينَهُ ما لم تَرَ (٣)، أو يقولَ على رسول اللَّه ﷺ ما لم يَقُلْ". ١٥٨٨ - وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الفَخْرُ والخُيَلَاء في الفَدَّادِين أهل الوَبَر، والسكينة في أهل الغنم، والإيمان يَمَانٍ والحكمة يمانية".

стр. 1070

قال البخاري: سميت اليمن؛ لأنها عن يمين الكعبة، والشام لأنها عن يسار الكعبة. و"المَشْأَمَة": الميسرة، واليد اليسرى الشُّؤْمَى، والجانب الأيسر الأشأم. الغريب: "الخُيَلَاء": التبختر والتكبر. و"الفدّاد": المتكبر، وأصل الفديد الصوت. و"أهل الوبر": أهل الإبل. و"السكينة": السكون وانكسار النفس، وهو خبر عن الغالب من أحوال المذكورين. * * * (١٩) باب في مناقب قريش والأنصار وجُهَيْنَة ومُزَيْنَة ١٥٨٩ - عن الزهري قال: كان (١) جُبَيْر بن مُطْعِم يحدث: أنَّه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش: أنَّ عبد اللَّه بن عمرو بن العاص يحدث: أنّه سيكون مَلِكٌ من قَحْطَانَ، فغضب معاوية، فقام: فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثمَّ قال: أما بعد، فإنَّه بلغني أن رجالًا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب اللَّه تعالى (٢)، ولا تُؤْثَرُ عن رسول اللَّه ﷺ ، فأولئك جهالكم، فإياكم

стр. 1071

والأماني التي تُضِلُّ أهلها؛ فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن هذا الأمر في قريش لا يُعادِيهم أحدٌ إلا كَبَّهُ اللَّه على وجهه، ما أقاموا الدِّين". * تنبيه: قلت: هذا الذي أنكره معاوية على عبد اللَّه بن عمرو قد صح من حديث غيره على ما رواه البخاري (١) من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رَجُلٌ من قَحْطَانَ يسوق الناس بعَصَاهُ"، ولا تناقض بين الحديثين؛ لأنَّ خروج هذا القحطاني إنما يكون إذا لم تُقِمْ قريشُ الدين، فيدال عليهم في آخر الزمان، ولعله هو الملك الذي يخرج عليه الدجال، واللَّه أعلم. ١٥٩٠ - وعن ابن عمر: عن النبي ﷺ قال: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان". ١٥٩١ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأَسْلم وأشجع وغِفَار مَوَالِيَّ، ليس لهم مولًى دون اللَّه ورسوله". * * *

стр. 1072

(٢٠) باب مناقب أَسْلَمَ وغِفَارَ ١٥٩٢ - عن عبد اللَّه -هو ابن عمر-: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال وهو على المنبر: "غِفَارُ غفر اللَّه لها، وأَسْلَم سَالَمَهَا اللَّه، وعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ ورسولَهُ". ١٥٩٣ - وعن أبي بَكْرَةَ: أنَّ الأَقْرَعَ بن حَابِس قال للنبي ﷺ : إنما بايعك سُرَّاق (١) الحجيج من أسلم وغِفَار ومُزَيْنة -وأحسبه: جُهَيْنَة- قال النبي ﷺ : "أرأيت إن كان أسلمُ وغفار ومُزينة -وأحسبه: جهينة- خيرًا من بني تميم ويني عامر وأسد وغَطَفَان خَابُوا وخسروا؟ " قال: نعم، قال (٢): "والذي نفسي بيده إنهم لأخيرُ منهم". ١٥٩٤ - وفي طريق أخرى: قال رسول اللَّه ﷺ : "أَسْلَمَ وغِفَارُ وشيء من مزينة وجُهَيْنَة -أو قال: شيء من جُهينة أو مُزينة- خير عند اللَّه -أو قال:

стр. 1073

يوم القيامة- من أسد وتميم، وهوازن، وغطفان". * * * (٢١) باب كيف كان ابتداء أمر رسول اللَّه ﷺ بمكة وظهوره ١٥٩٥ - عن أبي جَمْرَة قال: قال لنا ابن عباس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قال: قلنا: بلى، قال: قال أبو ذر: كنت رجلًا من غِفَارَ، فبلغنا: أنَّ رجُلًا قد خرج بمكة يزعم: أنَّه نَبِيٌّ، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل كلمه، وائْتِني بخبره، فانْطَلَقَ فلقيه، ثمَّ رجع، فقلت: ما عندك؟ فقال: واللَّه لقد رأيت رجلًا يأمر بالخير، وينهى عن الشر، فقلت له: لم تشفني من الخبر، فأخذت جِرابًا وعصا، ثمَّ أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد، قال: فمر بي علي بن أبي طالب (١)، فقال: كأنَّ الرجل غريب؟ قال: قلت: نعم، قال: فانْطَلِقْ إلى المنزل، قال: فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره، فلما أصبحت غَدَوْتُ إلى المسجد لأسأل عنه، فليس أحد يخبرني عنه بشيء، قال: فمرّ بي عليٌّ، فقال: أما نَاءَ (٢) للرجل أن يعرف منزله بعد؟ قال: قلت:

стр. 1074

لا، قال: انطلق معي، قال: فقال: ما أَمْرُكَ، وما أقدمك هذه البلدة؟ قال: قلت له: إن كَتَمْتَ عليَّ أخبرتك، قال: فإني أفعل، قال: قلت (١): بلغنا أنَّه قد خرج هاهنا رجلٌ يزعم أنَّه نبي، فأرسلت إليه أخي ليكلمه، فرجع ولم يَشْفِني من الخبر، فأردت أن ألقاه، فقال (٢): أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه، فاتبعني ادْخُلْ حيث أَدْخُلْ (٣)؛ فإني إنْ رأيتُ أحدًا أخَافُه عليك قمت إلى الحائط (٤)، كأني أصلح نعلي وامْضِ أنت، فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي ﷺ ، فقلت له: اعرض عليَّ الإِسلام فعرضه، فأسلمت مكاني، فقال لي: "يا أبا ذر! اكتُمْ هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقْبِلْ"، فقلت: والذي بعثك بالحق لأَصْرُخَنَّ بها بين أَظْهُرِهِمْ، فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معاشر (٥) قريش! إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ فقاموا، فضُرِبْتُ لأموتَ، فأدركني العباس فأكبّ علي، ثمَّ أقبل عليهم فقال: ويلكم تقتلون رَجُلًا من غِفَار ومتجركم ومَمَرُّكم على غفار؟ فأقْلَعوا عني، فلما أن أصبحت الغَدَ رجعت، فقلت مثل ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فصُنِعَ بي مثل ما صُنع بالأمس، فأدركني العباس فأكبَّ عليَّ، وقال مثل مقالته بالأمس، قال: فكان هذا

стр. 1075

أول إسلام أبي ذر (١). قوله: "أما نَاءَ"؛ أي: آن، وهما لغتان بمعنى: حَانَ، واللَّه أعلم. * * * (٢٢) باب في أسماء النبي ﷺ وكنيته ونسبه ١٥٩٦ - عن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لي خمسة أسماء: أنا محمَّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو اللَّهُ بي الكُفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". ١٥٩٧ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا تَعْجَبُونَ كيف صرف اللَّهُ عني شَتْمَ قريش ولعنَهُم؟ يشتمون مُذَمَّمًا، ويلعنون مُذَمَّمًا، وأنا محمَّد" (٢).

стр. 1076

١٥٩٨ - وعن أنسٍ قال: كان النبي ﷺ في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم! فالتفت النبي ﷺ ، فقال: "سَمُّوا باسمي، ولا تَكْنُوا (١) بِكُنْيَتِي". ١٥٩٩ - وعن جابر، عن النبي ﷺ قال: "سموا (٢) باسمي، ولا تَكْنُوا (٣) بِكُنْيَتِي". ١٦٠٠ - وعن عائشة قالت: استأذن حسان النبي ﷺ في هجاء المشركين، قال "كيف بِنَسَبِي؟ (٤) "، قال حسان: لأَسلَّنك منهم (٥)

стр. 1077

كما تُسَلُّ الشعرة من العجين. ١٦٠١ - وعن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "بُعِثْتُ من خيرِ قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى كنتُ من القَرْنِ الذي كنت منه". * * * (٢٣) باب خُتِم بالنبي ﷺ الأنبياء والنبوة وخُص بخَاتَمِها ١٦٠٢ - عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال النبي ﷺ : "مَثَلِي ومَثَلُ الأنبياء، كرَجُلٍ بني دارًا، فأجملها (١) وأَحْسَنَهَا إلا موضعَ لَبِنَةٍ، فجعل الناس يدخلونها ويتعجَّبُون، ويقولون: لولا موضعَ اللَّبِنَة". ١٦٠٣ - وعن أبي هريرة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ مَثَلِي ومَثَل الأنبياء من قَبْلِي كمثل رَجُلٍ بَنَى بيتًا، فأَحْسَنَهُ وأجمله إلا موضعَ لَبِنَةٍ من زاوية،

стр. 1078

فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون منه، ويقولون: هَلَّا وُضِعَتْ هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللَّبِنَة، وأنا خاتم الأنبياء". ١٦٠٤ - وعن السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه! إن ابنَ أخي وَجِعٌ (١)، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، وتوضأ فشَرِبْتُ من وَضوئه، ثمَّ قمتُ خلف ظهره، فنظرت إلى خاتمٍ بين (٢) كتفيه مثل زِرِّ الحَجَلَةِ. قال محمد بن عبيد اللَّه -وهو شيخ البخاري-: الحَجْلَةُ من حَجَلِ الفَرَسِ الذي بين عينيه. قلت: أنكر المشايخ هذا القول؛ لأنَّ التحجيل في الفرس إنما هو في قوائمه لا بين عينيه، ولا يقال فيه: حَجَل، ولا حَجَلة، وإنما الحَجَلة السِّتْر الذي يستر به، وتجمع حجال، ومنه: قول عليّ: يا عُقُول رَبَّات الحِجَالِ (٣). ولها أزْرَارٌ يضم بعضها إلى بعض كأزرار القُمُص، فشَبَّهَ الثآليلَ التي كانت في خاتم النبوة بتلك الأزرار، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1079

(٢٤) باب صفة النبي ﷺ - ١٦٠٥ - عن وهب أبي جُحَيْفَةَ السُّوَائِي قال: رأيت النبي ﷺ وكان الحسن (١) يشبهه. قال إسماعيل بن أبي خالد: قلت لأبي جُحَيْفَة: صفه لي، فقال: كان أبيضَ قد شَمِطَ، وأمر لنا النبي ﷺ بثلاثة عشرةَ قَلُوصًا، قال: فَقُبِضَ النبي ﷺ قبل أن نقبضها. وفي رواية (٢) عنه: قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ ، ورأيت بَيَاضًا تحتَ شَفَتِهِ السُّفْلَى العَنْفَقَة. ١٦٠٦ - وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سمعت أنس بن مالك يَصِفُ النبي ﷺ ، قال: كان رَبْعَةً من القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير، أَزْهَرَ اللون، ليس بأبيض (٣) ولا آدم، ليس بِجَعْد قَطَط، ولا سَبِط رَجِلٍ، أُنْزِلَ

стр. 1080

عليه وهو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه، وبالمدينة عشر سنين، قُبِضَ (١) وليس في رأسه ولحيته عشرون شَعْرَةً بيضاء، قال ربيعة: فرأيت شعرًا من شعره؛ فإذا هو أحمر فسألت؟ فقيل لي (٢): احْمَرَّ من الطِّيبِ. ١٦٠٧ - وعن البراء قال: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس وجهًا، وأحسنه خَلْقًا، ليس بالطويل البَائِنِ، ولا بالقصير. وفي رواية (٣): قال: كان النبي ﷺ مَرْبُوعًا، بَعِيدَ ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أُذْنَيْهِ، رأيته في حُلَّةٍ حمراء لم أَرَ شيئًا قط أحسن منه. ١٦٠٨ - وعن أبي إسحاق قال: سُئِلَ البراء: أكان وجه النبي ﷺ مثل السَّيْف؟ قال: لا بل مثل القمر (٤).

стр. 1081

الغريب: "الشَّمِطُ": مخالطه الشيب. و"القَلُوص" في الإبل: الفتية كالجارية في النساء. و"الشِّعْرُ القَطَط": الشديد الجعودة. و"الطويل البائن": الذاهب فيه طولًا. * * * (٢٥) باب حُسْنِ خلق النبي ﷺ وما جُبِلَ عليه ١٦٠٩ - وعن أبي جُحَيْفَةَ قال: خرج رسول اللَّه ﷺ بالهَاجِرَةِ بالبطحاء فتوضأ، ثمَّ صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عَنَزَةٌ، تَمُرُّ من ورائها المرأةُ (١)، وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بهما وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي؛ فإذا هي أَبْرَدُ من الثلج، وأطيب رائحة من المِسْكِ. ١٦١٠ - وعن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ أجود الناس

стр. 1082

بالخير. وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه (١) في كل ليلةٍ من رمضان، فيدارسه القرآن، فلَرسول اللَّه ﷺ أجود بالخير من الريح المُرْسَلَة. ١٦١١ - وعن عبد اللَّه بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تَخَلَّفَ عن تبوك قال: فلما سَلَّمْتُ على رسول اللَّه ﷺ وهو يَبْرُقُ وجهه من السرور، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر (٢). ١٦١٢ - وعن عبد اللَّه بن عمرو قال: لم يكن النبي ﷺ فاحشًا ولا مُتَفَحِّشًا، وكان يقول: "إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا". ١٦١٣ - وعن أبي سعيد كان رسول اللَّه ﷺ أشدُّ حياءً من العذراء في خِدْرِهَا.

стр. 1083

١٦١٤ - وعن أنس بن مالك يُحَدِّثُ عن ليلة أُسْرِيَ بالنبي ﷺ من مسجد الكعبة: جاء (١) ثلاثة نَفَرٍ قبل أن يوحى إليه -وهو نائم في مسجد الحرام (٢) - فقال أولهم: أيُّهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، وقال آخرهم: خذوا خَيْرَهُم، فكانت تلك، فلم يَرَهُمْ حتى جاؤوا ليلةً أخرى فيما يَرَى قلبُه، والنبي نائمةٌ عيناه ولا ينام قلبه، وكذا (٣) الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم (٤)، ثمَّ عرج به إلى السماء. الغريب: "العَنَزَةُ": رمح قصير. و"من ورائها"؛ يعني: أمامها؛ كقوله ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]. و"أجود ما يكون": يُروى برَفْعِ الدال وفَتحها، مَنْ رَفَعَها أَوْجَهُ؛ لأنه مبتدأ، وخبره "في رمضان"، و"ما": مصدرية تقديره: أجود أكوانه في رمضان. و"الفاحش": المجبول على الفُحْشِ. و"المُتَفَحِّش": الذي يتعاطاه. * * *

стр. 1084

(٢٦) باب من علامات النبي ﷺ في الإِسلام فمن ذلك نَبْعُ الماء من بين أصابعه ١٦١٥ - عن عمران بن حصين: أنهم كانوا مع النبي ﷺ في مَسِيرٍ فأَدْلَجُوا ليلتهم -وذكر الحديث نحو ما تقدم في التيمم، وقال فيه هنا: وجعلني رسول اللَّه ﷺ في رَكُوبٍ بين يديه وقد عطشنا عَطَشًا شديدًا، فبينا (١) نحن نسير؛ إذا نحن بامرأة سَادِلَةٍ رجليها بين مَزَادَتَيْنِ، فقلنا لها: أين الماء؟ فقالت: إنه لا ماء، فقلنا: كم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: يومٌ وليلةٌ، فقلنا: انطلقي إلى رسول اللَّه (٢)، قالت: وما رسول اللَّه؟ فلم نُمَلِّكها من أمرها حتى استقبلنا (٣) بها رسول اللَّه ﷺ ، فحدثته بمثل الذي حدثتنا غير أنها حَدَّثَتْهُ أنها مُؤْتِمَةٌ، فأمر بمزادتيها، فمسح بالعَزْلَاوَيْنِ (٤)، فشربنا عطاشًا أربعين رجلًا حتى روينا، فملأ ذا كل قِرْبَةٍ معنا وإداوةٍ غير أَنَّا لم نسقِ بَعِيرًا وهي تكاد تَنَضَّر (٥) من الملْء (٦) ثمَّ قال "هاتوا ما عندكم"،

стр. 1085

فجمع لها من الكِسَرِ والتمر، حتى أتت أهليها (١)، قالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى اللَّهُ ذلك الصِّرْمَ بِتِيكَ (٢) المرأة، فأسلمت وأسلموا. ١٦١٦ - وعن قتادة، عن أنس قال: أُتِيَ النبيُّ ﷺ بإناء وهو بالزَّوْرَاءِ، فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم، قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاث مئة أو زُهَاءَ ثلاث مئة. وفي رواية (٣): فرأيت الماء يَنْبُعُ من تحت أصابعه. وفي رواية (٤): فجاء رجل من القوم بقَدَحٍ (٥) من ماءٍ يسيرٍ، فأخذه النبي ﷺ فتوضأ، ثمَّ مد أصابعه الأربعة (٦) على القدح، ثمَّ قال: "قوموا فتوضؤوا (٧) "، فتوضأ القوم، حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء، وكانوا سبعين أو نحوه.

стр. 1086

وفي رواية (١): فأُتِيَ النبيُّ ﷺ بمِخْضَب من حجَارةٍ، فوضع كله وصَغُرَ (٢) المخصب أن يبسط فيه كفّه، فضم أصابعه فوضعها في المخضب، فتوضأ القوم كلهم جميعًا، قلت: كم كانوا؟ قال: كانوا (٣) ثمانين رجلًا. ١٦١٧ - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي ﷺ بين يديه رَكْوَةٌ، فتوضأ جَهَشَ (٤) الناس نحوه، فقال (٥): "ما لكم؟ " قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يديه في الرَّكْوَةِ، فجعل الماء يَثُورُ بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مئةَ أَلْفٍ لكفانا، كنا خمس عشرة مئة. ١٦١٨ - وعن البراء قال: كنا بالحديبية أربع عشرة مئة والحديبية بئر فَنَزحْنَاهَا، حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس النبي ﷺ على

стр. 1087

شَفِير البئر، فدعا بماء، فمضمضَ ومَجَّ في البئر، فمكثنا غير بعيد، ثمَّ اسْتَقَيْنَا حتى روينا ورَوَتْ -أو صَدَرَتْ- ركائبنا. الغريب: "أَدْلَجُوا": ساروا ليلتهم. و"جعلني": كذا وقع، وصوابه: عَجَلني؛ أي: أمرني بالعَجَلَةِ. و"الرَّكُوب": بفتح الراء، وهو تذكير رَكُوبَة، وهي ما يُرْكَبُ من الإبل. و"سَادِلة رجليها"؛ أي: مرسلتهما. و"المَزَادَة": القِرْبَة يزاد فيها جلد من غيرها. و"مُؤْتمِة": ذات أيتام. و"تكاد": تقارب. و"تنضّر": كذا وقع هنا، وهو من الضرر؛ يعني: قاربت؛ أي: تنشق، وفي "كتاب مسلم": تَضَرَّجُ (١) بمعناه، و"الصِّرْمُ": بكسر الصاد، البيوت المجتمعة. و"زهاء": ممدودًا قدْر. و"المِخْضَب": إناء يبلغ الخضاب إذا أَدْخَلَ اليَدَ فيه، وقد قيل فيه أيضًا: الغُمر؛ لأنه يغمر اليد، واللَّه أعلم. و"جَهَشَ الناس": أسرعوا إلى الماء متهيئين لأخذه. * * * (٢٧) باب في معجزة النبي ﷺ ، وبركته في الطعام وغيره ١٦١٩ - عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة أنَّه سمع أنس بن مالك

стр. 1088

يقول: قال أبو طلحة لأم سُلَيْم: لقد سمعت صوت رسول اللَّه ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالتْ: نعم، فأخرجت أَقْرَاصًا من شعير، ثمَّ أخرجت خِمَارًا لها، فَلَفَّتِ الخبزَ ببعضه، ثمَّ دَسَّتْهُ تحت يدي ولاثتني ببعضه، ثمَّ أرسلتني إلى رسول اللَّه ﷺ ، قال: فذهبت به، فوجدت رسول اللَّه ﷺ في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "آرْسَلَكَ أبو طلحة؟ " فقلت: نعم، قال: "بطعام؟ " قلت: نعم، فقال رسول اللَّه ﷺ لمن معه: "قوموا"، فانطلق فانطلقت (١) بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة (٢) فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أُمَّ سُلَيْم: قد جاء رسول اللَّه ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: اللَّه ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول اللَّه ﷺ ، فأقبل رسول اللَّه ﷺ وأبو طلحة معه، فقال ﷺ : "هَلُمِّي يا أُمَّ سُلَيْم ما عندك"، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول اللَّه ﷺ فَفُتَّ، وعَصَرَتْ عليه أم سُلَيْم (٣) عُكَّةً فأَدَمَتْهُ، ثمَّ قال فيه (٤) رسول اللَّه ﷺ ما شاء اللَّه أن يقول، ثمَّ قال: "ائْذَنْ لعَشَرَةٍ"، فأَذِنَ لَهُم، فأكلوا حتى شبعوا، ثمَّ خرجوا، ثمَّ قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثمَّ خرجوا، ثمَّ قال:

стр. 1089

"ائذن لعشرة"، (فأَذِنَ لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثمَّ خرجوا، ثمَّ قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم) (١)، فأكل القوم كلهم (٢) وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلًا. وفي رواية (٣) والقوم ثمانون، ولم يشك. ١٦٢٠ - وعن علقمة، عن عبد اللَّه قال: كنا نَعُدُّ الآيات بركةً، وأنتم تعدونها تخويفًا، كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر فَقَلَّ الماءُ، فقال: "اطلبوا فضلة من ماء"، فجاؤوا بإناءٍ فيه ماء قليلٍ، فأدخل يده في الإناء، ثمَّ قال: "حَيَّ على الطَّهُورِ المبارك، والبركة من اللَّه"، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول اللَّه ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يأكل. ١٦٢١ - وعن جابر: أنَّ أباه توفي وعليه دَيْنٌ، فأتيت النبي ﷺ فقلت: إن أبي ترك عليه دَيْنًا، وليس عندي إلا ما يخرج نَخْلُهُ، ولا يبلغ ما تخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكيلا يَفْحُش عليَّ الغرماءُ، فمشى حول

стр. 1090

بَيْدَرٍ (١) من بيادر التمر فدعا، ثمَّ آخر ثمَّ جلس عليه، فقال: "انزعوه" (٢) فأوفاهم الذي لهم، وبقي مثل ما أعطيتهم (٣). وفي رواية (٤): أنَّه ﵇ أطاف حول أعظمها بَيْدَرًا ثلاث مرات، ثمَّ جلس عليه، ثمَّ قال: "ادع أَصْحَابَك"، فما زال يكيل لهم حتى أدَّى اللَّهُ عن والدي أمانته، وأنا راض أن يؤدي اللَّه أمانةَ والدي، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرةٍ، فسَلَّم اللَّهُ البَيَادِرَ كلها، وحتى أَني أنظر إلى البيدر الذي كان عليه النبي ﷺ كأنها لم تنقص تمرة واحدة. * * * (٢٨) باب حنين الجذع آية للنبي ﷺ - ١٦٢٢ - عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يخطُبُ إلى جِذْعٍ، فلما اتخذ المنبر تَحَوَّل إليه، فَحَنَّ الجِذْعُ، فأتاه فمسح يده عليه.
следующие страницы →