← Книги сунны

Книги сунны · id 127656

اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه

أبو العباس القرطبي

Полный текст (2 203 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فجئته فلما سلّمت عليه تبسَّم تبسُّم المُغْضَب، وقال (١): "تعالَ"، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خلَّفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " فقلت: بلى، إني واللَّه لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنْ سأخرج من سَخَطِهِ بعذر، ولقد أُعطيتُ جَدَلًا، ولكني واللَّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكنَّ اللَّه أن يسخط عليَّ (٢)، ولئن حدثتك حديث صدق تَجِدُ عليَّ فيه، لأرجو (٣) فيه عفو اللَّه، لا واللَّه ما كنت (٤) قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما هذا فقد صدق، قُمْ (٥) حتى يقضي اللَّه فيك"، فقمت، وثار رجال من بني سَلِمَةَ، فاتَّبعوني، فقالوا لي: واللَّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللَّه ﷺ مما اعتذر المخلَّفون (٦)، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللَّه ﷺ لك، فواللَّه ما زالوا يؤنبوني (٧) حتى أردت أن أرجع فأكذِّب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل (٨) بهما مثل ما قيل

стр. 1332

لك، فقلت: من هما؟ قالوا (١): مُرارة بن الربيع العبدي (٢)، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا رجلين صالحَيْن (٣)، قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة، فمضَيْتُ حين ذكروهما لي، ونهى رسول اللَّه ﷺ عن كلامنا (٤) أيها الثلاثة من بين من تخلَّف عنه، فاجتنبنا الناس، فتغيَّروا (٥) لنا، حتى تَنَكَّرَتْ في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أَشَبَّ القوم وأجلدهم، وكنت (٦) أخرج، فأشهد الصلاة مع المسلمين، فأطوف (٧) في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول اللَّه ﷺ ، فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه، فردَّ السلام (٨) عليَّ أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني، حتى إذا طال عليَّ ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسوَّرتُ جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إليَّ، فسلمت عليه، فواللَّه ما ردَّ عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة! أَنْشُدُك باللَّه، هل تعلمني أني (٩)

стр. 1333

أحب اللَّه ورسوله؟ فسكت، فعدت له فَنَشَدْتُه، فقال: اللَّه ورسوله أعلم (١)، ففاضت عيناي، وتوليتُ حتى تسوَّرتُ الجدار، قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة؛ إذا نبطي من أنباط الشام (٢) ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يَدُلُّنِي (٣) على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون (٤) حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا من ملك غسَّان؛ فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك اللَّه بِدَار هوانٍ ولا مضيعة، فالْحَقْ بنا نواسك، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسَجَرْتُه بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين؛ إذا رسولُ رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال (٥): إن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، قلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها (٦) ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيَّ مثل (٧) ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي اللَّه في هذا الأمر، قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أميّة إلى (٨) رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه!

стр. 1334

إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا، ولكن لا يقربك"، قالت: واللَّه (١) ما به من (٢) حركة إلى شيء، واللَّه ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول اللَّه ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: واللَّه لا أستاذن فيها رسول اللَّه ﷺ ، وما يدريني ما يقول رسول اللَّه ﷺ إذا استأذنته (٣)، وأنا رجل شاب، فلبثتُ بعد ذلك عشر ليالٍ، حتى كملت لنا خمسون ليلة، من حين نهى رسول اللَّه ﷺ عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبحَ خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللَّه قد ضاقت عليَّ نفسِي، وضاقت على الأرض بما رَحُبَتْ سمعت صوت صارخٍ أَوْفَى على جبل سَلْعٍ بأعلى صوته: يا كعب بن مالك! أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أنْ قد جاء فرج، وآذن رسولُ اللَّه ﷺ بتوبة اللَّه علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشرون (٤)، وذهب قِبَل صاحبيَّ مبشرون، وركض رجل إليَّ فارسًا (٥)، وسعى (٦) ساعٍ من أَسْلَم، فأَوْفَى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفَرَسِ، فلما جاءني الذي سمعت

стр. 1335

صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ، فكسوته إياهما ببشراه، واللَّه ما أملك غيرهما يومئذٍ، واستعرت ثوبين، فلبستهما، وانطلقت إلى رسول اللَّه ﷺ ، فتلقاني الناس فوجًا فوجًا يُهَنُّوني بالتوبة يقولون: لِيَهْنِكَ (١) بتوبة اللَّه عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد؛ فإذا رسول اللَّه ﷺ جالس حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد اللَّه يهرول، حتى صافحني وهنأني، واللَّه ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة. قال كعب: فلما سلَّمت على رسول اللَّه ﷺ ، قال رسول اللَّه ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مَرَّ عليك منذ ولدتك أمك" قال: قلت: أَمِنْ عندك يا رسول اللَّه، أمْ من عند اللَّه؟ قال: "لا، بل من عند اللَّه"، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول اللَّه! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللَّه وإلى رسوله، قال رسول اللَّه ﷺ : "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك"، قلت: فإني أُمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول اللَّه! إن اللَّه إنما نجَّانِي بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحَدِّثَ إلَّا صدقًا ما بقيتُ، فواللَّه ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه اللَّه في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ أحسن مما أبلاني، وما تعمدت (٢) منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني اللَّه فيما بقيت، وأنزل اللَّه على رسول اللَّه ﷺ : ﴿لَقَدْ

стр. 1336

تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. . . إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩]، فواللَّه ما أنعم اللَّه عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نَفْسي من صدقي رسول اللَّه (١) ﷺ أن لا أكون كَذَبْتُه، وأهلك (٢) كما هلك الذين كذبوا، فإن اللَّه قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحدٍ، فقال اللَّه (٣): ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾. . . إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]. قال كعب: وكان تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قَبِلَ منهم رسول اللَّه ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول اللَّه ﷺ أمرنا حتى قضى اللَّه فيه، فبذلك قول اللَّه (٤): ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، وليس الذي ذكر اللَّه مما خُلِّفْنَا عن الغزو، وإنما هو (٥) تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له، واعتذر له فقبل منه. الغريب: "ورَّى": عَرَّضَ. "وَجْهَه": قَصْدَه. "طُفِقْتُ": جعلت وأخذت. "تَفَارَطَ": تقدم. "والغزو": الغَزَاة. "مَغْمُوصًا": متهمًا ومعيبًا. "عِطْفَه": جَانِبَهُ تكبرًا. "أَظَلَّ": أقبل. "زاح": ذهب. "أَجْمَعْتُ": عزمت. "الظَّهْر":

стр. 1337

هنا الإبل. "يُوشِكُ": يحق ويسرع. "تَنَكَّرَتْ": تغيرت. * * * (٥٩) باب ١٩٥١ - عن أَنس: أن رسول اللَّه ﷺ رجع من (١) غزوة تبوك، فدنا من المدينة فقال: "إن بالمدينة قومًا (٢)، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلَّا كانوا معكم، حبسهم العذر" (٣). ١٩٥٢ - وعن السائب بن يزيد قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى النبي ﷺ إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك. قد ذكرنا نزول النبي ﷺ الحِجْر وكتابهُ إلى كسرى وقيصر. * * *

стр. 1338

(٦٠) باب مرض النبي ﷺ ووفاته، وقول اللَّه : ﴿لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ﴾ [الممتحنة: ٥] ١٩٥٣ - عن عروة، قالت عائشة: كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطَّعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أَبْهَرِي من ذلك السُّمِّ". ١٩٥٤ - وعن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس قال: لما حُضِر رسولُ اللَّه ﷺ وفي البيت رجال، فقال النبي ﷺ : "هلموا أكتب لكم كتابًا، لا تضلوا بعده" فقال بعضهم: إن رسول اللَّه ﷺ قد غلب عليه الوجع (١)، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللَّه، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما كثر اللغو (٢) والاختلاف قال رسول اللَّه ﷺ : "قوموا". قال عبيد اللَّه: فكان ابن عباس يقول: إن الرَّزِيَّة كل الرزيَّة ما حال بين رسول اللَّه ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب؛ لاختلافهم ولغطهم.

стр. 1339

١٩٥٥ - وعن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ وهو صحيح يقول: "إنه لن (١) يُقْبَض نبيٌّ قط حتى يرى مقعده من الجنَّةَ، ثم يُحَيَّا (٢) أو يخيَّر"، فلما اشتكى، وحضره القبض، ورأسه على فخذ عائشة غُشِيَ عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت، ثم قال: "اللهم الرفيق الأعلى"، فقلت: إذًا لا يختارنا، فعرفت أنَّه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح. (قالت: فكان آخر كلمة تكلَّم بها: "اللهم الرفيق الأعلى") (٣). ١٩٥٦ - وعنها أنَّها قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستَنُّ به، فأَبَدَّه رسول اللَّه ﷺ بصرَهُ، فأخذت السواك، فقضمته ونفضته وطيَّبته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ ، فاستنَّ به، فما رأيت النبي (٤) ﷺ استن استنانًا قط أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول اللَّه ﷺ رفع يده أو أصبعه، ثم قال: "الرفيق (٥). . .

стр. 1340

الأعلى (١) " ثلاثًا، ثم قضى، فكانت تقول: مات بين حَاقِنَتِي وذَاقِنَتِي. وفي رواية (٢): أنه ﷺ قال: "اللهم اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق". ١٩٥٧ - وعنها أنَّها قالت: لما ثَقُل رسول اللَّه ﷺ واشتد وجعه، استأذن أزواجه أن يمرَّض في بيتي، فأذنَّ له، فخرج بين الرجلين يخط (٣) رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب (٤)، وبين رجل آخر، قال ابن عباس: الرجل الآخر هو عليُّ بن أبي طالب (٥). قالت عائشة: إن رسول اللَّه (٦) ﷺ لما دخل بيتي، واشتد به وجعه،

стр. 1341

قال: "أهريقوا (١) عليَّ من سَبْع قِرَبٍ لم تُحَلل أو كيتهُنَّ؛ لعلي أعهد إلى الناس"، فأجلسناه في مِخْضَب لحفصة زوج النبي ﷺ ، ثم طفقنا نَصُبُّ عليه من تلك القِرَب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن. قالت: ثم خرج إلى الناس، فصلى بهم وخطبهم. ١٩٥٨ - وعنها قالت: قال (٢) النبي ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن اللَّه اليهود والنصارى (٣)، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". قالت عائشة: لولا ذلك لأبرز قبره، خشي أن يتخذ مسجدًا. ١٩٥٩ - وعنها وعن ابن عباس قالا: لما نزل برسول اللَّه ﷺ ، طفق يطرح خَمِيصةً له على وجهه، فإذا اغتمَّ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك (٤): "لعنة اللَّه على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يُحَذِّر ما صنعوا. ١٩٦٠ - وعن ابن عباس: . . . . .

стр. 1342

أن علي بن أبي طالب (١) خرج من عند رسول اللَّه ﷺ في وجعه الذي توفي منه، فقال الناس: يا أبا حسن (٢)! كيف أصبح رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: أصبح بحمد اللَّه بارئًا، فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب، فقال له: أنت واللَّه بعد ثلاثٍ عبد العصا (٣)، وإني واللَّه لأرى رسول اللَّه ﷺ سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فلنسأله فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا، فقال عليٌّ: إنا واللَّه، إن (٤) سألناها رسولَ اللَّه ﷺ فمنعناها، لا يعطيناها الناس بعده، وإني واللَّه لا أسألها رسول اللَّه ﷺ . ١٩٦١ - وعن أَنس بن مالك: أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأَبو بكر يصلي بهم (٥) لم يفجأهم إلَّا رسول اللَّه ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة، ثم تبسَّم

стр. 1343

فضحك (١)، فنكص أَبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول اللَّه ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أَنس: وهَمَّ المسلمون أن يُفْتَنُوا (٢) في صلاتهم فرحًا برسول اللَّه ﷺ ، فأشار إليهم بيده (٣) أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر. ١٩٦٢ - وعن عائشة أنها كانت تقول: إن من نعم اللَّه عليَّ أن رسول اللَّه ﷺ توفي في بيتي وفي يومي، وبين سَحْرِي ونَحْرِي، وأن اللَّه جمع بين ريقه وريقي (٤) عند موته، ودخل (٥) على عبد الرحمن وبيده سواك (٦) وأنا مسندة رسول اللَّه ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنَّه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فاشار برأسه أَنْ نعَمْ، فناولته فاشتد عليه، فقلت (٧): أليّنه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فَلَيَّنْتُهُ، فأخذه (٨) وبين يديه رَكْوَة أو عُلبة (٩) فيها ماء،

стр. 1344

فجعل يدخل يديه في الماء، فينضح (١) بهما وجهه يقول: "لا إله إلَّا اللَّه، إن للموت سكرات"، ثم نصب يده، فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى"، حتى قبض، ومالت يده. ١٩٦٣ - وعن عائشة قالت: لَدَدْنَاهُ في مرضه، فجعل يشير إلينا، لا تَلُدُّوني (٢)، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: "ألم أنهكم أن تَلُدُّوني (٣) "، فقلنا (٤): كراهية المريض للدواء، فقال: "لا يبقى أحد في البيت إلَّا لُدَّ وأنا أنظر إلَّا العباس؟ فإنه لم يشهدكم". ١٩٦٤ - وعن أَنس: لما ثقل النبي ﷺ جعل يَتَغَشَّاه، فقالت فاطمة (٥): واكرب أباه، فقال لها: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم"، فلما مات قالت:

стр. 1345

يا أبتاه! أجاب ربًّا دعاه، من جنة الفردوس مأواه (١)، يا أبتاه! إلى جبريل ينعاه (٢)، فلما دفن قالت فاطمة (٣) ﵂: يا أَنس! طابت أنفسكم أن تَحْثُوا على رسول اللَّه ﷺ التراب؟ ! ١٩٦٥ - وعن ابن عباس وعائشة: أن رسول (٤) اللَّه ﷺ مكث (٥) بمكة عشرًا (٦) ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا. ١٩٦٦ - وعن عائشة: أن رسول اللَّه ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين. الغريب: "الأَبْهَر": عِرْق إذا انقطع مات صاحبه، وهما أبهران يخرجان من القلب، ثم تتشعب منهما سائر الشرايين، قاله الجوهري وغيره: هو الوَتِين وهو يناط القلب، و"الرفيق الأعلى"؛ يعني به: الملائكة، واللَّه أعلم.

стр. 1346

و"أبداه": كذا وجدته في الأصل: (فأبداه) بهمزة مفتوحة وبدال مهملة، وعليه: (صح) معتنى به، ومعناه -واللَّه أعلم- أتبعه بصره، كما قالت في الرواية الأخرى: فرأيته ينظر إليه. و"قَضَمْتُه": مضغته، كما جاء في الرواية الأولى، يقال: قَضِمَتِ الدابة شعيرها تَقْضَمُه بكسر الضاد في الماضي، وفتحها في المضارع. و"الحاقنة": ما سفل من البطن. و"الذَّاقِنَة": ما علا، وقيل: الحاقنة: ما يحقن الطعام من البطن، والذاقنة: نقرة الذقن، حكاه عياض. و"سَحْرِي": صدري. و"نَحْرِي": موضع النحر، وأصل السَحْر: الرئة، فكانها ما بين موضع الرئة والنحر. و"الأوكية": جمع وِكَاء، وهو الخيط الذي يشد به فم القربة. و"بارئًا": اسم فاعل من برأ المريض: إذا أفاق. و"نَكَصَ": رجع متأخرًا، وهو القَهْقَرَى، ويجعل في وسطه. و"اللُّدود": هو الدواء الذي يجعل في أحد جانبي الفم، والوجور: يجعل في وسطه، والسُّعوط: ما عمل في الأنف. * * *

стр. 1347

(٣٩) كتاب تفسير القرآن الكريم

стр. 1348

(٣٩) كتاب تفسير القرآن الكريم (١) ما جاء في تفسير فاتحة الكتاب قال أبو عبيد اللَّه (١): وسميت أم الكتاب؛ لأنها يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة، وقال غيره: لأنها أصله وعلامته. ١٩٦٧ - عن أبي سعيد بن المُعَلَّى -واسمه: الحارث بن تبيع بن المُعَلَّى- قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول اللَّه ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول اللَّه! إني كنت أصلي، فقال: "ألم يقل اللَّه: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؟ " ثم قال: "لأُعَلِّمَنَّك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد"، ثم أخذ بيدي، فلما أن أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سور القرآن؟ قال: "الحمد للَّه

стр. 1349

رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته" (١). الغريب: قال الزَّجاج: "المثاني": من الثناء كالمحامد من الحمد. الحَسَنُ: لأنها تُثَنَّى في الصلاة. شَهْرُ بن حوشب: لأن كثر كلماتها مثنى؛ أي: مردود بعضها على بعض في المعنى، وقيل غير هذا. قلت: وهذا أقربها؛ لأن المثاني صفة للسبع. * * * (٢) سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] . ١٩٦٨ - عن أنس: عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة: "فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك اللَّه بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مقامنا (٢) هذا. . . " الحديثَ، وسيأتي بكماله.

стр. 1350

الغريب: "آدم": مشتق من الأرض؛ السُّدِّي، وقيل: من الأُدُم، وهو الجمع؛ لأنه خلق من جميع أجزاء الأرض والطبائع الأربع (١)، وقيل: هو عربي من الأدام، وهو التراب. و"الأسماء": جمع اسم، قال ابن عباس: أسماء ما قضى اللَّه خلقه، وقال الربيع: هي أسماء الملائكة، وقيل: أسماء ذريته، وقيل: أسماء اللَّه ، والأقرب أنها أسماء الأشباح وكانت موجودة في تلك الحال؛ بدليل قوله: "هؤلاء"، وهو إشارة إلى جميع موجود، وبدليل قوله: "ثم عوضهم"، وهذا الضمير لمن يعقل، وهو راجع إلى المشار إليه، واللَّه أعلم. وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] (٢). ١٩٦٩ - عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- قال: سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم عند اللَّه؟ قال: "أن تجعل للَّه ندًّا وهو خلقك" قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أيّ؟ قال: "وأن تقتل ولدك؛ مخافة (٣) أن يَطعم معك"، قلت:

стр. 1351

ثم أيّ؟ قال: "أن تُزَانِي حليلة جارك". الغريب: "النِّدّ" والنديد: المثل. و"الحليلة": الزوجة والسُّرّيَّةُ، وهي فعيلة بمعني مفعُولة. وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٥٨]. ١٩٧٠ - عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "قيل لبني إسرائيل ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، فدخلوا يزحفون علي أَسْتَاههم، فبَدَّلوا وقالوا: حِطّة حَبَّة في شعرة". الغريب: "القرية": مجتمع الناس، والقرى والتَّقَرِّى الاجتماع، ابن عباس: هي أريحاء، وبها العمالقة، مجاهد: بيت المقدس، وقيل غير هذا. و"حِطَّة": اسم يحط عنا ذنوبنا، الحسن وابن جُبير: معناه الاستغفار، قيل غير هذا، ورفعه علي أنه خبر مبتدأ؛ أي: مسألتنا حطة، قاله الزجاج، ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف. و"الرِّجْز": العذاب. قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية [البقرة: ٩٧].

стр. 1352

قال عكرمة: جَبْر ومِيك وسَرَافٍ: عَبْدُ، إيل: اللَّه (١). ١٩٧١ - وعن أنس قال: سمع عبد اللَّه بن سلام بِمَقْدَم (٢) رسول اللَّه ﷺ وهو بأرض (٣) يَخْتَرِف، فأتي النبي ﷺ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: فما أوَّل أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: "أخبرني بهن جبريل آنفا"، قال: جبريل؟ قال: "نعم"، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، "أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت"، قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أنك رسول اللَّه، يا رسول اللَّه! إن اليهود قومٌ بُهْتٌ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود، فقال (النبي ﷺ ) (٤): "أي رجل عبد اللَّه بن سلام (٥) فيكم؟ " قالوا: خيرنا وابن خيرنا، أو سيدنا (٦) وابن سيدنا، . . .

стр. 1353

قال: "أرأيتم إن أسلم عبد اللَّه؟ (١) " قالوا (٢): أعاذه اللَّه من ذلك، فخرج عبد اللَّه، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فقالوا: شرنا وابن شرنا، فانتقصوه (٣)، قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول اللَّه. قوله تعالى: ﴿نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. ١٩٧٢ - عن ابن عباس قال: قال (٤) عمر: أقرؤنا أُبَيُّ، وأقضانا عليُّ، وإنّا لندع من قول أُبَيّ؛ وذلك أن أُبيًّا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول اللَّه ﷺ ، وقال اللَّه : ﴿نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٥). الغريب: "النسخ" لغة: هو الرفع والإزالة، وفي العُرف: رفع حكم خطاب سابق بخطاب لاحق. و"نُنْسِهَا": بضم النون بغير همز، من النسيان؛ يعني -واللَّه أعلم-: أنه تعالى متى أنسى نبيه ﷺ آية أو حكمها، وأقره على النسيان، ولم يذكره، كان ذلك نسخًا لِلْمَنْسِيّ، وأما من قرأها بالفتح والهمز، فذلك من النَّسَأ وهو

стр. 1354

التأخير؛ أي: نؤخر نسخها أو إنزالها. و"بخير"؛ أي: أكثر ثوابًا وأخف فعلًا. قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦]. ١٩٧٣ - عن ابن عباس: عن النبي ﷺ قال: "قال (١) اللَّه (٢): كَذَّبَنِي ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشَتَمَنِي ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شَتْمُه إياي، فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا". قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. ١٩٧٤ - عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث (٣)، فقلت (٤): يا رسول اللَّه! لو اتخذت مقام إبراهيم مُصَلَّي؟ وقلت: يا رسول اللَّه! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل اللَّه آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض نسائه، فدخلتُ عليهن، فقلت:

стр. 1355

إِنِ انتهيتُنَّ أو ليبدِّلَنَّ اللَّه رسولَه خيرًا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه، فقالت (١): يا عمر! أما في رسول اللَّه ﷺ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل اللَّه ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ الآية [التحريم: ٥]. قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٢٧] "القواعد": الأساس، واحدتها قاعدة، والقواعد من النساء: واحدتها قاعد. ١٩٧٥ - عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ألم ترى أن قومك حين (٢) بنوا الكعبة، اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ " فقلت: يا رسول اللَّه! ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: "لولا حِدْثَانُ قومك بالكفر"، فقال عبد اللَّه بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ ما أري رسول اللَّه ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْر، إلا أنَّ البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]. ١٩٧٦ - عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية،

стр. 1356

ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا باللَّه وما أنزل إلينا (١). . . " الآية. وقد تقدم في كتاب الصلاة ذكر أحاديث تحويل القِبْلَة. قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. ١٩٧٧ - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُدْعَى نوحٌ يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: منْ يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلَّغ: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، فذلك قوله (٢): ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٣). و"الوَسَط": العَدْل. قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]. "الشعائر": العلامات، واحدها شعيرة.

стр. 1357

وقال ابن عباس: الصفوان: الحجارة، ويقال: الحجارة المُلْسُ التي لا تنبت شيئًا، الواحد صفوانة، والصفا للجمع. وقد تقدم في الحج ذكر أحاديث الصفا والمروة. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]. ١٩٧٨ - عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: كان (١) في بني إسرائيل القِصَاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال اللَّه (٢) لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، فالعفو: أن يقبل الدية في العمد ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: يتبع بالمعروف ويؤدى بإحسان (٣). ١٩٧٩ - وعن حُميد، عن أنس: أن الرُّبَيِّع عمته كَسَرت ثَنِيَّة جارية، فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الأَرْشَ فأبوا، فأتوا رسول اللَّه ﷺ ، وأبوا إلا القصاص، فأمر رسول اللَّه ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول اللَّه!

стр. 1358

أتكسر ثنية الرُّبَيِّع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسرُ ثنيَّتُهَا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا أنس! كتاب اللَّه القصاصُ"، فرضي القوم فعفوا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبرَّه". قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ الآيات [البقرة: ١٨٣]. قد ذكرت أحاديث صوم عاشوراء في كتاب الصيام. قال عطاء (١): يُفْطَر من المرض كله، وقال الحسن وإبراهيم: والمرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما، تفطران ثم تقضيان، وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بعدما كبر عامًا أو عامين، كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر. قال البخاري: قراءة العامة: ﴿يطيقونه﴾، وهو أكثر. ١٩٨٠ - وعن ابن عباس: يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة،

стр. 1359

لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان (١) مكان كل يوم مسكينًا. ١٩٨١ - وعن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها. قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. . . إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ١٩٨٢ - عن البراء بن عازب قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل اللَّه (٢): ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ. . .﴾ الآية. ١٩٨٣ - وعن الشعبي قال: . . . .

стр. 1360

أخذ عَدِيُّ بن حاتم (١) عقالًا أبيض وعقالًا أسود، حتى كان بعض الليل نظر، فلم يستبن (٢)، فلما أصبح، قال: يا رسول اللَّه! جعلت تحت وسادتي، قال: "إن وسادك إذن لعريض إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك" (٣). وفي طريق أخري (٤) عنه: قال: قلت: يا رسول اللَّه! وما الخيط (٥) الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان؟ قال: "إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين"، ثم قال: "لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار". * * * باب ١٩٨٤ - عن حذيفة: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] قال: نزلت في النفقة، والتهلكة والهلاك واحد. * * *

стр. 1361

باب ١٩٨٥ - عن عائشة قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسَمَّوْنَ الحُمْس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر اللَّه نبيه ﷺ : أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. * * * باب ١٩٨٦ - عن ابن أبي مُلَيْكة قال: قال ابن عباس (١) ﴿حَتَّي إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠]: خفيفة، قال: ذهب بها هنالك (٢)، وتلا: ﴿حَتَّي يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَي نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]

стр. 1362

فلقيت عروة بن الزبير، فذكرت له ذلك، قالت عائشة (١): مَعَاذَ اللَّه! واللَّه ما وعد اللَّه رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل، حتى خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم، فكانت تقرؤها: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مُثَقَّلة. * * * باب ١٩٨٧ - عن نافع، عن ابن عمر: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قال: يأتيها في (٢). ١٩٨٨ - عن ابن المنكدر، عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا

стр. 1363

جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. * * * باب ١٩٨٩ - عن الحسن: أن أخت مَعْقِل بن يسار طلقها زوجها، فتركها حتى انقضت عدتها، فخطبها فأبى معقل، فنزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. * * * باب ١٩٩٠ - عن ابن أبي مُليكة: قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفَّان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠] قال (١): قد نسختها الآية

стр. 1364

الأخري، فلم تكتبها أو تدعها، قال: ابن أخي (١)! لا أغيِّر شيئًا من مكانه. ١٩٩١ - وعن مجاهد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال: كان هذه العِدَّة تعتدُّ عند أهل زوجها واجب، فأنزل اللَّه (٢): ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، جعل (٣) اللَّه لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول اللَّه (٤): ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فالعدة كما (٥) هي واجبة عليها (٦). وقال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وقال عطاء: إن شاءت (٧) اعتدت عند أهلها (٨)، وسكنت في

стр. 1365

وصيتها، وإن فحاءت خرجت؛ لقول اللَّه (١): ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾. قال عطاء: ثم جاء الميراث، فنسخ السكني، فتعتد حيث شاءت، ولا سُكني لها. * * * باب ١٩٩٢ - عن عَبِيدَة، عن عليّ ﵁: أن رسول اللَّه (٢) ﷺ قال يوم الخندق: "حبسونا عن الصلاة الوسطى (٣)، حتى غابت الشمس، ملأ اللَّه قبورهم وبيوتهم -أو أجوافهم، شك يحيى (٤) بن سعيد- نارًا". وقد تقدم حديث زيد بن أرقم في كتاب الصلاة، وحديث ابن عمر في صلاة الخوف. * * *

стр. 1366

باب ١٩٩٣ - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم؛ إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. قلت: وهذا من نبينا ﷺ نفي للشك عن إبراهيم؛ لأنه لما أطلق أنه أحق بالشك منه، ولم يشك نبينا، وإبراهيم لم يشك، وإنما سأل مشاهدة كيفية الإحياء، فأجيب لذلك فأُرِيَهَا، هذا أَوْلَى ما قيل فيها، واللَّه أعلم. * * * باب ١٩٩٤ - عن عُبيد بن عُمير قال: قال (١) عمر يومًا (٢) لأصحاب النبي ﷺ : فيم ترون هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾

стр. 1367

[البقرة: ٢٦٦]؟ قالوا: اللَّه ورسوله (١) أعلم، فغضب عمر، فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء (٢). قال عمر: يا ابن أخي! قل ولا تَحْقِر نفسك، قال ابن عباس: ضُربت مثلًا لعمل. قال عمر: أيُّما (٣) عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر: لرَجُلٍ غنيٍّ يعمل بطاعة اللَّه (٤)، ثم بعث اللَّه له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله. * * * باب ١٩٩٥ - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه (٥) ﷺ : "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة ولا اللقمتان، وإنما (٦) المسكين الذي

стр. 1368

يتعفف، اقرؤا إن شئتم (١): ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] ". "الإلْحَاف": الإلحاح في السؤال الذي يشمل وجوه الطلب، مأخوذ من اللحاف، ويحتمل أن يكون مقدَّرًا في موضع الحال؛ أي: يسألون عند الحاجة غير مُلحِّين. واللَّه أعلم. * * * باب ١٩٩٦ - عن عائشة قالت: لما نزلت (٢) الآيات من آخر سورة البقرة في الربا (٣)، فقرأها (٤) رسول اللَّه ﷺ على الناس (٥) في المسجد، ثم حرَّم (٦) التجارة في الخمر. * * *

стр. 1369

باب ١٩٩٧ - عن ابن عمر: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، نسختها الآية التي بعدها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. قال ابن عباس (١): "إصْرًا": عهدًا. ويقال: "غفرانك": مغفرتك. * * * (٣) سورة آل عمران ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] قال مجاهد: الحلال والحرام. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ يصدِّق بعضه بعضها؛ كقوله (٢): ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وكقوله (٣): ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. ١٩٩٨ - وعن عائشة قالت: تلا رسول اللَّه ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي

стр. 1370

أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ (١) -إلى- الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول اللَّه: "إذا (٢) رأيت الذين يتَّبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى اللَّه، فاحذروهم". الغريب: أشبه ما قيل في المحكمات، قولُ جعفر بن محمد: هي التي لا تحتمل إلا وجهًا، والمتشابهات عكسه. وعلى هذا فلا يكون المحكم إلا نَصًّا، وأسلم من هذا وأعمُّ أن يقال: ما وضح معناه، فيدخل فيه النص والظاهر، و"المتشابه": ما ترددت فيه الاحتمالات فيرد إلى أمه -أي: أصله- وهو المحكم. و"الزيغ": الميل عن الحق. و"ابتغاء": طلب. و"الفتنة": الضلال. و"التأويل": ما يؤول إليه معنى المتشابه، واللَّه هو الذي يعلمه قطعًا. و"الراسخ في العلم": هو الثابت فيه. والأولى في "الراسخون" أن يرتفع بالابتداء، و"يقولون" خبره؛ لاستحالة مساواة علمهم بالمتشابه بعلم اللَّه تعالى، فإنه يعلمه من كل وجه، ولأن جميع الراسخين يقولون: آمنا به، والعالم بالمتشابهات بعضهم، فكان الأَوْلَى. واللَّه أعلم. و"الألباب": العقول. * * *
следующие страницы →