← Книги сунны

Книги сунны · id 127656

اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه

أبو العباس القرطبي

Полный текст (2 203 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(١٠) باب الأمر بغسل الميت وكيفيته ٦٥٩ - عن أيوب قال: سمعت محمد بن سيرين قال: جاءت أم عطية -امرأةٌ من الأنصار من اللائي بايعن النبي ﷺ (١) قدمت البصرة- تُبَادِرُ ابنًا لها، فلم تدركه، فحدثَتْنا قالت: دخل علينا رسول اللَّه (٢) ﷺ ونحن نَغْسِلُ ابنته، فقال: "اغسِلْنَها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك -إن رأيتُنَّ ذلك- بماء وسِدْرٍ، واجعَلْنَ في الآخرة كافورًا، فإذا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي" فلما فرغنا آذَنَّاهُ فألقى (٣) إلينا حِقْوَهُ فقال "أَشْعِرْنَها إياه" وزعم (٤) أن الإشعار: الفُفْنَهَا فيه. وكذلك كان ابن سيرين يأمر بالمرأة أن تُشْعَرَ ولا تُؤْزَرَ. وفي رواية (٥): فلما فرغنا آذناه، فنزع من حِقْوِهِ إزارَهُ وقال: "أشعرنها إياه". ومن حديث حفصة (٦) بنت سيرين -وتكنى أم الهُذَيْل- عن أم عطية:

стр. 457

أنه ﵇ قال: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا إن رأيتن ذلك، وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها". قالت (١): وأنهن جعلن رأس بنت رسول اللَّه ﷺ ثلاثة قرون، نَقَضْنَهُ، ثم غَسَلْنَهُ، ثم جعلْنَهُ ثلاثة قرون. ومن حديث هشام (٢) عن حفصة، عن أم عطية قالت: ضفرنا شعر بنت رسول اللَّه ﷺ . تعني: ثلاثة قُرُون؛ ناصيتها وقرنَيْهَا. وفي أخرى (٣): فضَفَرْنَا (٤) شعرها ثلاثة قرون، فألقيناها (٥) خلفها. الغريب: "الحِقْوُ": الخَصْرُ، والمراد به هنا: الإزار، كما جاء مفسَّرًا في الحديث، وسمي الإزار حِقْوًا باسم المَحَل الذي يجعل فيه. و"أشْعِرْنها": اجْعَلْنَه على جسدها. و"الشِّعَارُ": هو الثوب الذي يلي الجسد. و"الدِّثَارُ": ما يلبس على الشعار.

стр. 458

وقوله: "أو سبعًا إن رأيتن ذلك" قال أبو عمر بن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة سبع غسلات في غسل الميت. قلت: فعلى هذا الاستثناء يرجع إلى ما قبلها، واللَّه أعلم. * * * (١١) باب ما جاء في الكفن والحَنُوط، وأنه من رأس المال ٦٦٠ - عن عائشة: أن رسول اللَّه ﷺ كُفِّنَ في ثلاثة أثوابٍ يمانية بيضٍ سَحُوليَّةٍ من كُرْسُفٍ. ليس فيها قميص ولا عمامة. ٦٦١ - وعن ابن عباس قال: بينما رجل واقف بعرفة مع رسول اللَّه ﷺ إذ وقع عن راحلته فوقصَتْهُ -أو قال: فأَوْقَصَتْهُ- قال النبي ﷺ : "اغسلوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكفِّنُوهُ في ثوبين، ولا تُحَنِّطُوهُ، ولا تُخَمِّرُوا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة مُلَبِّيًا". وفي أخرى (١): "مُلَبّدًا".

стр. 459

٦٦٢ - وعن ابن عمر: أنَّ عبد اللَّه بن أُبَيٍّ لما تُوُفِّيَ جاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال (١): أعطني قميصك أكفِّنه فيه، وصَلِّ عليه واستغفر له. فأعطاه رسول اللَّه ﷺ قميصه فقال: "آذِنِّي أصلي عليه"، فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر ﵁ فقال: أليس اللَّه نهاك أن تصلي على المنافقين؟ قال: "أنا بين خِيَرَتَيْنِ، قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] " فصلى عليه، فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]. ٦٦٣ - وعن سَعْدِ بن إبراهيم، عن أبيه: أنَّ عبد الرحمن بن عوف أُتِيَ بطعامٍ -وكان صائمًا- فقال: قُتِلَ مصعب بن عمير وهو خير مِنِّي، كُفِّن في بُرْدَة إن غُطِّي رأسُه بَدَتْ رجلاه، وإن غُطي رجلاه بدا رأسه، وأُرَاهُ قال: قتل (٢) حمزة وهو خير مني.

стр. 460

في رواية (١): فلم يوجد ما يكفَّن فيه إلا بُردة، ثم بُسِطَ لنا من الدنيا ما بُسِطَ -أو قال: أُعطينا من الدنيا ما أُعطينا- وقد خشيت (٢) أن تكون حسناتُنَا عُجِّلَتْ لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. الغريب: "سَحُوليَّة": منسوبة إلى سَحُول -بفتح السين- قريةٍ باليمن. و"الكُرْسُف": القطن. و"وَقَصَتْهُ راحلتُه": رمته فاندقت عنقه. و"الحَنُوك": ما يطيب به الميت، وهو بفتح الحاء. و"المُلَبِّدُ": هو الذي يصير شعره كاللِّبَدِ بما يُجعل فيه من صمغ أو عسل ونحوه. و"آذِنيّ": أعلمني. وهو ممدود الهمزة مكسور الذال. وقوله: "أنا بين خيرتين"، تَمَسَّكَ بلفظ ﴿أَوْ﴾ دون المعنى؛ لأن معنى الآية: الإيَاسُ من المغفرة لهم. * * *

стр. 461

(١٢) باب إعداد الكفن. ومن لم يوجد له إلا ثوب واحد كُفِّنَ فيه ٦٦٤ - عن سهل بن سعد: أنَّ امرأةً جاءت النبي ﷺ ببُرْدةٍ منسوجة فيها حاشيتُهَا -تدرون ما البردة؟ قالوا: الشَّمْلَةُ، قال: نعم- قالت: نسجتُهَا بيدي فجئت لأكْسُوكَهَا، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها، فخرج إلينا (١) وإنها إزاره، فَحَسَّنَهَا فلان فقال: أكسُنِيها، ما أحسنها! قال القوم: ما أحسنْتَ، لَبِسَها النبي ﷺ محتاجًا إليها ثم سألته، وعلمتَ أنه لا يَرُدُّ، قال: إني واللَّه ما سألته لأَلْبَسها، إنما سألته لتكون كَفَنِي، قال سهل: وكانت (٢) كفنه. ٦٦٥ - وعن خَباب هو ابن الأَرَتِّ، قال: هاجرنا مع رسول اللَّه ﷺ نلتمس وجه اللَّه، فوقع أجرنا على اللَّه، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئًا،

стр. 462

منهم مصعب بن عُمَيْر، ومنا من أَيْنَعَتْ له ثمرته فهو يَهْدِبُهَا، قُتِلَ يوم أحد فلم نجد ما نكفِّنُهُ به إلا بردة، إذا غَطَّيْنَا بها رأسَهُ خرجت رِجْلَاهُ، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه. فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإِذْخِرِ. الغريب: "أَيْنَعَتْ": طابت، وحان قطافها. و"يَهْدِبُهَا": يأكلها، وأصله من هُدْب الثوب، وهو طرفه المُتَدَلِّي، فكأنَّ آكل الشيء يأخذه هَدْبًا هَدْبًا. * * * (١٣) باب القيام للجنازة ومتى يقعد ؟ ٦٦٦ - عن عامر بن ربيعة، عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تُخَلِّفَكُمْ (١) أو تُوضَعَ". وفي رواية (٢): قال: "إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليقم حتى يُخَلِّفَهَا أو تُخَلِّفَهُ، أو توضع من قبل أن تخلفه".

стр. 463

٦٦٧ - ومن حديث أبي سعيد المَقْبُرِيّ: قال: كنا في جنازة، فأخذ أبو هريرة ﵁ بيد مروان فجلسا قبل أن تُوضَعَ، فجاء أبو سعيد ﵁ فأخذ بيد مروان فقال: قُمْ، فواللَّه لقد عَلِمَ هذا أنَّ النبي ﷺ نهانا عن ذلك، فقال أبو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ. ٦٦٨ - وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان سهل بن حُنَيْفٍ وقيس ابن سعد قاعدَيْنِ بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض -أي: من أهل الذمة- فقالا: إن النبي ﷺ مَرَّتْ به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي؟ فقال "أليست نفسًا؟ ". ٦٦٩ - وعن عبد الرحمن بن القاسم: أنَّ القاسم كان يمشي بين يدي الجنازة، ولا يقوم لها، ويخبر عن عائشة قالت: كان أهل الجاهلية يقومون لها. يقولون إذا رأوها: كُنْتِ في أهلكِ ما أنتِ. مرتين (١).

стр. 464

الغريب: "الجَنَازة" بفتح الجيم: النَّعْش الذي يُحمل عليه الميت، وبكسرها: الميت. وقيل: هما لغتان. وهذا الأمر بالقيام كان في أول الأمر ثم نسُخَ، كما رواه مسلم من حديث عليٍّ أنه قال: قام رسول اللَّه ﷺ للجنازة ثم قعد (١). * * * (١٤) باب الإسراع بالجنازة وحمل الرجال لها وكلام الميت ٦٧٠ - عن أبي سعيد الخدري: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا وُضِعَتِ

стр. 465

الجنازةُ، واحْتَمَلَهَا (١) الرجالُ على أعناقهم، فإن كانت صالحةً قالت: قَدِّمُوني قدِّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها! أين يذهبون بها؟ يَسمع صوتها كلُّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعها إنسان (٢) لَصَعِقَ". ٦٧١ - وعن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "أسرعوا (٣) بالجنازة، فإن تَكُ صالحةً فخيرٌ تقدمونها، وإن تك (٤) سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم". * * * (١٥) باب فضل اتِّباعِ الرجال الجنائز، وكراهة ذلك للنساء ٦٧٢ - عن نافع قال: حُدِّثَ ابنُ عُمَر: أن أبا هريرة يقول: من تَبِعَ

стр. 466

جنازة فله قيراط، قال (١): أكثر أبو هريرة علينا (٢)، فَصَدَّقَتْ -يعني عائشةُ- أبا هريرة، وقالت: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقوله. فقال ابن عمر ﵄: لقد فَرَّطْنَا في قَرَارِيط كثيرة. ٦٧٣ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الجنازة حتى يُصَلِّي فله قِيرَاطٌ، ومن شهد حتى تُدفن كان له قيراطان"، فقيل: وما القيراطان؟ قال: "مِثْلُ الجبلين العظيمين". ٦٧٤ - وعن أم عطية قالت: نُهِينَا عن اتِّبَاعِ الجنائز ولم يُعْزَمْ علينا (٣). * * *

стр. 467

(١٦) باب الصلاة على الجنازة، وكيفيتها، وأين يُصلى عليها ٦٧٥ - عن ابن عباس: أنه صلى على جنازةٍ فقرأ فاتحة الكتاب، فقال: لتعلموا أنها سُنَّةٌ. ٦٧٦ - وعن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ نعَى النَّجَاشِيَّ في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المُصَلَّى فَصَفَّ بهم وكبَّر عليه أربع تكبيراتٍ. ٦٧٧ - ومن حديث جابر قال: قال النبي ﷺ : "قد تُوُفِّيَ اليوم رجلٌ صالح من الحَبَشِ، فَهَلُمَّ فصلُّوا عليه" قال: فصفَفْنَا، فصلى النبي ﷺ عليه

стр. 468

ونحن صفوف، وكنتُ (١) في الصف الثاني أو الثالث. ومن حديثه (٢) قال: صلى النبي ﷺ على أَصْحَمَةَ النجاشي، وكبَّر أربعًا. ٦٧٨ - ومن حديث أبي هريرة؛ أنَّ رسول اللَّه ﷺ نعَى لهم النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وقال: "استغفروا لأخيكم". ٦٧٩ - وعن ابن عمر: أنَّ اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأةٍ زنيا، فأَمَرَ بهما فرُجِمَا قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد. ٦٨٠ - وعن سَمُرَة بن جُنْدَبٍ قال: صليت وراء النبي ﷺ على امرأة

стр. 469

ماتت في نفاسها، فقام عليها وسطها. * * * (١٧) باب يصلَّى على الغائب والمقبور إذا لم يُصَلَّ عليهما وقد تقدم صلاة النبي ﷺ على النجاشي وهو غائب. ٦٨١ - وعن ابن عباس: أنَّ رسول اللَّه ﷺ مَرَّ بقبرٍ دفن ليلًا فقال: "متى دُفِنَ هذا؟ " فقالوا: البارحة، فقال: "أفلا آذنتموني؟ " قالوا: دفنَّاه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك، فقام فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم (١). قلت: قد صح (٢) أن النبي ﷺ قال لأصحابه: "لا تُحْدِثوا في شأنه شيئًا حتى يؤذنوه" فلم يفعلوا، وصلوا عليه ودفنوه بغير إذنه، فلم يعتدَّ النبي ﷺ بصلاتهم تلك، فلذلك صلى هو عليه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 470

(١٨) باب الدفن وأحكامه ٦٨٢ - عن أبي هريرة قال: أُرْسِلَ ملكُ الموت إلى موسى ﵇ (١)، فلما جاءه صَكَّهُ، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عَبْدٍ لا يريد الموت، فردَّ اللَّهُ عليه عينَهُ فقال: ارجع فقل له يَضَعُ يدَهُ على مَتْنِ ثَوْرٍ، فله بكل ما غَطَّتْ به يَدُهُ بكل شعرة سنة، قال: أَيْ ربِّ! ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن. فَسَأَلَ اللَّهَ أن يُدْنِيَهُ من الأرض المقدسة رَمْيَةً بحَجَرٍ، قال رسول اللَّه ﷺ : "فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبرَهُ إلى جانب الطريق عند الكَثِيبِ الأحمر". ٦٨٣ - وعن أنس: شهدنا بنتَ رسول اللَّه ﷺ ورسولُ اللَّه ﷺ جالس على القبر، فرأيت عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ فقال: "هل فيكم من أحدٍ لم يُقَارِف الليلةَ؟ " فقال أبو طلحة: أنا، قال: "فانزل في قبرها"، فنزل في قبرها فقبرها (٢). قال فُلَيْحٌ: أُرَاهُ يعني الذَّنْبَ.

стр. 471

٦٨٤ - وعن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قَتْلَى أُحُدٍ في ثوب واحد ثم يقول: "أيهما أكثر أَخْذًا للقرآن؟ " فإذا أُشِيرَ له إلى أحدهما قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء" (١) وأمر بدفنهم بدمائهم (٢). قال جابر: فكُفِّنَ أبي وعمي في نَمرة واحدة (٣). * تنبيه: قوله: "صَكَّه"؛ أي: لَطَمَهُ على عَيْنِهِ فَفَقَأَهَا، وإنما فعل ذلك به لأنه جاء إلى قبضه ولم يُخَيِّرْهُ، وكان موسى قد أُعْلِمَ أنه لا يقبض حتى يُخَيَّرَ، كما قال نبينا ﷺ : "إن اللَّه لا يقبض نبيًّا حتى يُخَيَّرَ"، ولذلك لما خَيَّرَهُ مَلَكُ الموت في الرجعة الثانية قال: الآن. هذا أولى ما قيل فيه. و"الكَثِيبُ": كوم الرمل. و"يُقَارِف": يكسب ذنبًا، وأصل القَرْفِ: الكسب. وقيل: معناه: لم يجامع أهله. و"اللَّحْدُ": قبر في جانب الشق إلى القبلة، والشَّقُّ المستقيم يسمى: الضَّرِيحُ.

стр. 472

٦٨٥ - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: أتى رسولُ اللَّه ﷺ عبدَ اللَّه بن أُبَيٍّ بعدما أُدْخِلَ حفرتَهُ، فأَمَرَ به فأُخْرِجَ، فوضعه على رُكْبَتَيْهِ ونَفَثَ عليه من ريقه، وألبسه قميصه -فاللَّه أعلم- وكان كسا عَبَّاسًا قميصًا، قال سفيان (١): فَيَرَوْنَ أنَّ النبي ﷺ أَلْبَسَ عبد اللَّه قميصه مكافأة (٢). ٦٨٦ - وعن جابر أيضًا قال: دُفِنَ مع أبي رجلٌ، فلم تَطِبْ نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبرٍ على حِدَةٍ. في رواية (٣): فاستخرجتُه بعد ستة أَشْهُرٍ، فإذا هو كيوم وضعتُهُ (٤) غَيْرَ أُذُنِهِ. ٦٨٧ - وعن ابن عباس قال: مر رسوِل اللَّه ﷺ بقبرين يُعَذَّبَانِ، فقال:

стр. 473

"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جَرِيدَةً فشقها بنِصْفَيْن، ثم غَرَسَ في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول اللَّه! لما صنعت هذا؟ فقال: "لعله (١) يخفف عنهما ما لم ييبسا". * * * (١٩) باب الميت يسمع خَفْقَ النِّعَالِ، وفي ثناء الناس عليه، والنهي عن سب الموتى ٦٨٨ - عن أنس: عن النبي ﷺ قال: "العبد إذا وُضعَ في قبره، وتُوُلِّيَ وذهب أصحابه، حتى إنه ليسمع قَرع نِعَالهم، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؛ محمد بن عبد اللَّه؟ (٢) فيقول: أشهد أنه عبد اللَّه ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك اللَّه به مقعدًا من الجنة"، قال النبي ﷺ : "فيراهما جميعًا". وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ثم يُضْرَبُ بمِطْرَقَةٍ من حديد ضَرْبَةً بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثَّقَلَيْنِ".

стр. 474

٦٨٩ - وعنه قال: مُرَّ (١) بجنازة فأثنوا خيرًا، فقال النبي ﷺ : "وَجَبَتْ" (٢). ثم مَرُّوا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: "وجبت"، فقال عمر بن الخطاب: ما وجبت؟ قال: "هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء اللَّه في الأرض (٣) ". وفي رواية (٤): "أَيُّمَا رَجُلٍ (٥) شهد له أربعة بخير أدخله اللَّه الجنة"، فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان"، ثم لم نسأله عن الواحد. ٦٩٠ - وعن عائشة قالت: قال النبيُّ ﷺ : "لا تَسُبُّوا الأموات؛ فإنهم

стр. 475

قد أَفْضَوْا إلى ما قَدَّمُوا" (١). * * * (٢٠) باب ما جاء في عذاب القبر والتعوذ منه ٦٩١ - عن البَرَاء عن عازب، عن النبي ﷺ قال: "إذا قعد المؤمن في قبره (٢) أُتِيَ، ثم يَشْهَدُ أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم: ٢٧] ". وفي رواية (٣): قال البراء: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في عذاب القبر.

стр. 476

٦٩٢ - وعن عائشة: أنَّ يهوديةً دخلت عليها، فذكرتْ عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك اللَّه من عذاب القبر، فسألت عائشةُ رسول اللَّه ﷺ عن عذاب القبر فقال: "نعم، عذابُ القَبْر" قالت عائشة ﵂: فما رأيتُ رسول اللَّه ﷺ بَعْدُ صَلَّى صلاةً إلا تعوَّذُ من عذاب القبر. ٦٩٣ - وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: قام رسول اللَّه ﷺ خطيبًا، فذكر فتنة القبر التي يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضَجَّ المسلمون ضَجَّةً. ٦٩٤ - وعن أبي أيوب قال: خرج النبي ﷺ وقد وَجَبَتِ الشمس (١)، فسمع صوتًا فقال: "يَهودُ تُعَذَّبُ في قُبُورِهَا". ٦٩٥ - وعن أبي هريرة قال: كان رسول اللَّه ﷺ يدعو: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال". * * *

стр. 477

(٢١) باب ما قيل في أولاد المسلمين والمشركين ٦٩٦ - عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مسلم يموت له ثلاثةٌ (١) لم يبلغوا الحِنْثَ إلا أدخله اللَّه الجنة بفضل رحمته إياهم". ٦٩٧ - وعن ابن عباس وأبي هريرة قالا: سُئِلَ رسول اللَّه ﷺ عن ذراري المشركين، فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". ٦٩٨ - وعن سَمُرَةَ بن جُنْدَب قال: كان النبي ﷺ إذا صلى صلاته (٢) أقبل علينا بوجهه فقال: "من رأى منكم الليلة رؤيا؟ " قال: فإن رأى أحدٌ قَصَّها، فيقول ما شاء اللَّه، فسألنا يومًا فقال: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟ "

стр. 478

قلنا: لا، قال: "لكني رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كَلُّوبٌ (١) -قال بعض أصحابنا عن موسى: كَلُّوبٌ من حديد- يُدْخِلُه في شِدْقِهِ حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقُه هذا فيعود، فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على ظهره بفِهْرٍ أو صخرة فيَشْدَخُ بها رأسَهُ، فإذا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحجرُ، فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: ما هذا؟ (٢) قالا: انطلق. فانطلقنا إلى ثُقْبٍ مثل التَّنُّورِ، أعلاه ضيِّقٌ وأسفله واسع، يَتَوَقَّدُ تحته نارًا، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عُرَاةٌ، فقلت: ما هذا؟ (٣) قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على نهَر من دَمٍ فيه رجل قائم، على وسط -وفي رواية: شط (٤) - النهرِ رجلٌ بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رَمَى الرجلُ بحجر في فيه فردَّه حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رَمَى في فيه بحجر، فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق.

стр. 479

حتى انتهينا إلى روضة خضراء، فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، فإذا (١) رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصَعِدَا بي في الشجرة وأدخلاني دارًا لم أرَ قَطُّ أحسن منها، فيها رجالٌ شيوخ وشباب، ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا في (٢) الشجرة، فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب. قلت: طَوَّفْتُمَاني الليلة فأخبراني عما رأيت؟ قالا: نعم. الذي رأيته يُشَقُّ شِدْقُه فكذَّاب يحدث بالكِذْبَةِ فتُحْمَلُ عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به (٣) إلى يوم القيامة. والذي رأيته يُشْدَخُ رأسه فرجل علَّمَهُ اللَّه الفرقان (٤)، فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يُفْعَلُ به إلى يوم القيامة. والذي رأيته في الثقب فهم الزناة. والذي رأيته في النهر آكل الربا. والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم (٥)، والصبيان حوله فأولاد الناس. والذي يوقد النارَ مالكٌ خازن النار. والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين. وأما هذه الدار فدار الشهداء.

стр. 480

وأنا جبريل وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعتُ رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك، قلت: دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمرٌ لم تستكمله، فلو استكملتَ أتيتَ منزلك". الغريب: أصل "الحِنْثَ": الإثم، وهو هنا عبارةٌ عن البلوغ؛ لأنه الحال الذي يتعلق بالمتصف بها الإثم. و"يَلْتَئِمُ": يجتمع ويلتحم. و"الشَّدْخُ": الرَّضُّ مع كسر. و"تَدَهْدُهُ الحجرِ": انحدارُه. و"شَطّ النهر": جانبه وساحله. و"الثقب": الكُوّة، والطريق الضيق في الجبل. * * * (٢٢) باب صلاة النبي ﷺ على أهل أحد بعد سنين، وأن ذلك كان خاصًّا بهم ٦٩٩ - عن عُقْبَة بن عامر، عن النبي ﷺ : خرج يومًا فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: "إني فَرَطُكم (١)، وأنا

стр. 481

شهيد عليكم، إني (١) واللَّه لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد (٢) أُعطيت مفاتيح خزائن الأرض (٣)، وإني واللَّه ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تَنَافَسُوا فيها". الغريب: "الفَرَط" بفتح الراء: السابقُ للماء تَهْيِئَةً للواردين. و"الحوض": مُجْتَمَعُ الماء. وظاهر هذا الحديث أنه صلى على شهداء أُحُدٍ كما يصلي على الموتى بتكبير وقيام وسلام، ويجوز أن يكون دعاء كما يُدْعَى للميت، وعلى هذا لا يكون في الحديث إشكال. ٧٠٠ - عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يقول اللَّه: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صَفِيَّهُ (٤) من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة". ٧٠١ - وعن أسامة قال: كنت عند النبي ﷺ إذ جاءه رسول إحدى

стр. 482

بناته -وعنده سعد وأُبَيّ بن كعب ومعاذ- أنَّ ابنها يَجُودُ بنَفْسِهِ، فبعث إليها: "للَّه ما أخذ ولله ما أعطى، وكلٌّ بأَجَلٍ، فلتصبر ولتحتسب". زاد في رواية (١): فأرسلت إليه تُقْسِمُ عليه، فقام وقمنا معه، فلما قعد رُفِعَ إليه فأَقعده في حِجْرِهِ، ونَفْسُ الصبي تقعقع (٢) ففاضت عينا رسول اللَّه ﷺ ، فقال سعد: ما هذا يا رسول اللَّه؟ فقال: "هذه رحمة يَضَعُهَا اللَّه في قلوب من يشاء من عباده. وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء". * * *

стр. 483

خدمة السنة النبوية سلسلة مؤلفات الأستاذ الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب (١) اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه تأليف الإمام أبي العباس القرطبي ضياء الدين أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي المولود بالأندلس سنة ٥٧٨ هـ والمتوفى بالإسكندرية سنة ٦٥٦ هـ - رحمه الله تعالى - تحقيق الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب [المجلد الثاني]

стр. 484

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 485

خدمَة السّنة النَّبَوِيَّة سلسلة مؤلفات الْأُسْتَاذ الدكتور رفعت فوزي عبد الْمطلب (١) اخْتِصَار صَحِيح البُخَارِيّ وَبَيَان غَرِيبه [٢]

стр. 486

دار النوادر المؤسس والمالك نور الدين طالب مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدارسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م. سوريا - دمشق - الحلبوني ص. ب: ٣٤٣٠٦ الطبعة الأولى ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م E-mail: info@daralnawader.com Website: www.daralnawader.com

стр. 487

(١٩) كتاب الزكاة

стр. 488

(١٩) كتاب الزكاة (١) باب وجوب الزكاة، وحكم مانعها، وبيان الكَنْزِ ما هو ؟ ٧٠٢ - عن ابن عباس: أن النبي ﷺ بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن فقال: "ادْعُهُمْ إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، فإن هم أطاعوا لذلك فأَعْلِمْهُمْ أن اللَّه قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم صدقةً في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وتُرَدُّ في فقرائهم". ٧٠٣ - وعن أبي هريرة قال: لما توفي رسول اللَّه ﷺ وكان أبو بكر ﵁

стр. 489

وكَفَرَ مَنْ كَفَرَ من العرب. فقال عمر ﵁: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه فمن قالها فقد عَصَمَ مني مالَهُ ونفسَهُ إلا بحقه، وحسابه على اللَّه"؟ فقال: واللَّه لأقاتلن من فَرَّقَ بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، واللَّه لو منعوني عَنَاقًا كانوا يؤدونها إلى رسول اللَّه ﷺ لقاتلتهم على منعه (١). قال عمر: فواللَّه ما هو إلا أَنْ قد شرح اللَّه صدر أبي بكر ﵁ فعرفت أنه الحق. ٧٠٤ - وعنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من آتاه اللَّه مالًا فلم يُؤَدِّ زكاتَهُ مُثِّلَ لَه مالُه يوم القيامة شُجَاعًا أقرعَ له زبيبتان يُطَوَّقُهُ يوم القيامة، ثم يأخذ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يعني شِدْقَيْهِ- يقول (٢): أنا مَالُكَ، أنا كنزك" ثم تلا ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ (٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية [آل عمران ١٨٠]. ٧٠٥ - وعن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد اللَّه بن عمر ﵄ فقال أعرابي: أخبرني قول اللَّه (٤): ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ

стр. 490

وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] (١) قال ابن عمر ﵄: مَنْ كَنَزَهَا ولم يُؤَدِّ زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت (٢) جعلها اللَّه طُهرًا للأموال. ٧٠٦ - وعن الأحنف بن قيس قال: جلست إلى مَلأٍ من قريش، فجاء رجل خَشِنُ الشعر والثياب والهيئة. حتى قام عليهم فسَلَّم، ثم قال: بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفِ يُحْمَى عليهم في نار جهنم، ثم يوضع على حَلَمَةِ ثَدْي أحدهم حتى يخرج من نُغْضِ كتفيه (٣)، ويوضع على نُغْضِ كتفيه (٤) حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل. ثم وَلَّى، فجلس إلى ساريةِ، وتَبِعْتُهُ وجلست إليه، وأنا لا أدري من هو؟ فقلت له: لا أُرَى القومَ إلا قَدْ كَرِهُوا ما قلت. قال: إنهم لا يعقلون شيئًا، قال لي خليلي -قال: قلت: ومن خليلك؟ -: "يا أبا ذر" أتبصرُ أُحُدًا؟ " قال: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار، وأنا أُرَى أنَّ رسول اللَّه ﷺ يرسلني في حاجة له، قلت: نعم. قال: "ما أحب أن لي مثل أُحُدٍ ذهبًا أنفقه كلَّه إلا ثلاثة دنانير" وإن هؤلاء لا يعقلون، إنما يجمعون الدنيا، لا واللَّه، لا أسالهم دنيا ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى اللَّه.

стр. 491

الغريب: "مُثِّل": صُوِّرَ. و"الشُّجَاع": من الحيات، والذي يقوم على ذنبه، ويواثب القائم والفارس. ويجمع: أَشْجِعَة وشُجْعَان. قاله اللحياني. "والأقرع" منها: هو الذي تَقَرَّعَ رأسُه من السم. و"الزَّبِيبَتَان": نابان يخرجان من فيه. قاله الحربي. وقيل: هما أثران في جانبي فمه من السمّ، ويكون مِثْلُهَا في جانبي فم المكثر من الكلام. و"اللَّهْزِمَة": الشِّدْقُ. و"الرَّضْفُ": الحجارة المحماة. و"العَنَاق": الجَذَع من المعز. وقوله: "قلت: ومَن خليلك؟ "، كلام معترِض بين قول أبي ذر: "قال خليلي: يا أبا ذر". ولم يجبه أبو ذر على ذلك القول المُعْتَرِضِ (١)، لكن حصل جوابه لَمَّا قال: "فأنا أُرَى أنَّ رسول اللَّه يرسلني". * * * (٢) باب الحض على الصدقة من الكسب الطيب، وبيان فضلها، ومبادرة الموانع منها ٧٠٧ - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من تَصدق بعَدْلِ تمرة

стр. 492

من كسب طيب -ولا يقبل اللَّه إلا الطَّيب- فإن اللَّه يقبلها (١) بيمينه ثم يُرَبيِّهَا لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّهُ، حتى يكون مثلَ الجبل". ٧٠٨ - وعن عَدِيِّ بن حاتم قال: كنت عند رسول اللَّه ﷺ ، فجاءه رجلان أحدهما يشكو العَيْلَةَ، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما قطعُ السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العيرُ إلى مكة بغير خَفيرٍ، وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه، ثم لَيَقِفَنَّ أحدُكم بين يدي اللَّه ليس بينه وبينه حِجَابٌ ولا تَرْجُمَان يترجم له، ثم ليقولنَّ له: ألم أُوتِكَ مالًا؟ فليقولن: بلى. ثم ليقولن: ألم أُرْسِل إليك رسولًا؟ فليقولن: بلى. فينظرُ عن يمينه فلا يرى إلا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتق (٢) أحدكم النار (٣) ولو بِشِقِّ تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة". ٧٠٩ - وعن أبي موسى: عن النبي ﷺ قال "لَيَأْتِيَنَّ على الناس زمانٌ

стр. 493

يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ثم لا يجد أحدًا (١) يأخذها منه، ويُرَى الرجلُ الواحد يَتْبَعُهُ أربعون امرأةً يَلُذْنَ به، من قلة الرجال وكثرة النساء". ٧١٠ - وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟ قال "أَنْ تَصَدَّقَ وأنت صحيح شحيح، تخشى الفَقْرَ وتأمُلُ الغِنَى، ولا تُمْهِلْ حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان". الغريب: "عَدْلُ الشيء": مِثْلُه، وهو بفتح العين. و"الكسب الطيب": الحلال. و"العِير": الإبل. و"العَيْلَة": الفقر. و"الخفير": الغفير، وهو الذي يُدْخَل في خفارته؛ أي: عهده. و"يَلُذْن": يتقين ويستترن. و"الحُلْقُوم": الحلق. والضمير في "بلغت" هو للنفس المقبوضة بالموت. * * *

стр. 494

(٣) باب أجر الصدقة على حسب نية المُتَصَدِّقِ، وإن وقعت بيد من لم يقصد ٧١١ - عن أبي هريرة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال "قال رجل: لأَتَصَدَّقَنَّ بصدقةٍ. فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق (١)، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ على سارق" فقال: اللهم لك الحمد (٢)، لأتصدَّقَنَّ بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّقَ الليلة على زانية. قال: اللهم لك الحمد، على زانية! لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني. قال: اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني! فأُتِيَ (٣) فقيل له: أما صدقتك على سارق، فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه اللَّه". ٧١٢ - وعن مَعْنَ بن يزيد قال: بايعتُ رسول اللَّه ﷺ أنا وأبي وجدي،

стр. 495

وخَطَبَ عليَّ فأنكحني، وخاصمت إليه، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها (١)، فأتيته بها. فقال: واللَّه ما إياك أردت، فخاصمتُهُ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: "لك ما نويت يا يزيدُ (٢)، ولك ما أخذت يا مَعْنُ". * * * (٤) باب فضل إخفاء صدقة التطوع، وإذا كانت عن ظَهْرِ غِنًى، وخير الأيدي ٧١٣ - عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "سبعة يُظِلُّهم اللَّه في ظلِّه يوم لا ظِلَّ إلى ظلُّهُ، إمام عَدْلٍ، وشاب نشأ في عبادة اللَّه، ورجل قلبُه معلق في المساجد، ورَجُلَانِ تَحابَّا في اللَّه، اجتمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه، ورجل دعته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف اللَّه، ورجل تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأَخْفَاهَا حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر اللَّه خَالِيًا ففاضت عيناه".
следующие страницы →