(٢) باب الحسْبَةِ والنيَّةِ في الصوم، والحال التي ينبغي للصائم أن يكون عليها، وجواز قول رمضان من غير شهر
٧٥٩ - عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
٧٦٠ - وعنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا دخل رمضان (١) فُتِّحَتْ أبواب السماء -في رواية (٢): وغلِّقت أبواب جهنم- وسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ".
٧٦١ - عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ أجود الناس
стр. 527
بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل (١) يلقاهُ كلَّ ليلةٍ في رمضان حتى يَنْسَلِخَ، يعرض عليه النبي ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل (٢) كان أجود بالخير من الريح المُرْسَلَةِ (٣).
* * *
(٣) باب ما يجتنبه الصائم، وما يجوز له فعله
٧٦٢ - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من لم يدع قولَ الزُّورِ والعملَ به، فليس للَّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
٧٦٣ - وعن عائشة قالت: كان رسول اللَّه (٤) ﷺ يُقَبِّلُ ويباشر وهو صائم
стр. 528
وكان أَمْلَكَكَم لإِرْبِهِ.
وفي رواية (١): كان يُقَبِّلُها وهو صائم.
٧٦٤ - وعنها عن النبي ﷺ : "السواك مَطْهَرةٌ للفم، مرضاة للرب".
وقال عطاء وقتادة: يبتلع ريقه.
وقال ﵊ (٢): "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء"، ولم يخص الصائم من غيره.
وقال ابن عمر (٣): يستاك أول النهار وآخره، وقال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرَّطْبِ. قيل: له طعم. قال: والماء له طعم، وأنت تمضمض به.
٧٦٥ - وعن ابن مسعود قال: كنا مع النبي ﷺ فقال: "من استطاع الباءة
стр. 529
فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجَاءٌ".
وقال ابن عباس: لا بأس أن يَتَطَعَّمَ القِدْرَ والشيء، وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم، وقال ابن مسعود: إذا كان صوم أحدكم فليصبح دهينًا مترجلًا، وقال أنس: إنَّ ليَ أَبْزَنَ أتقَحَّمُ فيه وأنا صائم.
الغريب:
"الزُّور": الكذب والباطل.
و"المباشرة": التقاء البشرتين، والبشرة: ظاهر الجلد، والأَدَمةُ: باطنه، وأصل القبلة: وضع الفم على الفم.
و"الإرْب": الحاجة للنساء، وأصله العضو، ويقال بفتح الهمزة وكسرها، ويجمع: آراب، ويفيد قولها: أن من لم يملك نفسه لا يجوز له أن يقبل وهو صائم.
و"المَرْضَاة": الرضا.
و"الباءة" ممدود، وهو كناية عن النكاح، ويقال: باءة ومَبَاءة. والمرأة مباءة الرجل؛ أي: محل نكاحه، وأصله: المنزل، وهو من ثبوت الموضع؛ أي: اتخذته منزلًا.
و"الوِجَاء" بكسر الواو والمدّ-: رضُّ الأُنْثَيَيْنِ، والخِصَاء: إخراجها.
стр. 530
و"الأَبزن": كالقصرية، يغتسل فيه، بفتح الهمزة، وقيَّده أبو ذر بكسرها. وقال: وهو فارسي.
* * *
(٤) باب الصوم والفطر للرؤية، فإن تعذّرت كملت عدّة شعبان ئلائين، ولا اعتبار بالحساب
وقال عمار بن ياسر (١): من صام يوم الشك، فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
٧٦٦ - وعن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تَرَوُا الهلالَ، ولا تفطروا حتى تَرَوْه، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له".
وفي رواية (٢): "فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
٧٦٧ - وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".
стр. 531
٧٦٨ - وعن أم سلمة: أن النبي ﷺ آلى من نسائه شهرًا، فلمّا مضى تسعةٌ وعشرون يومًا غدا -أو راح- فقيل له: إنك حلفت أن لا تدخل شهرًا، فقال "إن الشهر يكون تسعةً وعشرين يومًا".
٧٦٩ - ونحوه عن أنس، غرِ أنه قال: انفكت رجله فأقام في مَشْرُبَةٍ تسعة وعشرين ليلة، ثم نزل. . .، وذكر نحوه.
٧٧٠ - وعن ابن عمر: عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّا أُمَّهٌ أُمِّيَّةٌ، لا نكتب، ولا نَحْسِبُ، الشهر هكذا وهكذا" -يعني: مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين.
الغريب:
"غُمَّ": غطِّي، و"غُبّيَ": خفي، و"اقدروا" مخففًا -بضم الدال وكسرها- بمعنى: حقّقوا مقادير أيام شعبان، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى.
و"المَشْرُبَة": الغُرْفَة، وأصلها: الموضع الذي يشرب فيه، ويقال
стр. 532
بضم الراء وفتحها.
والأُمَّة: هنا الجماعة من الناس، ويعني بها: جماعة العرب، والأُمِّيّ: الذي لا يكتب كأنه بقي على أصل ولادة الأم، وهو الغالب على العرب.
* * *
(٥) باب لا ينقص ثواب الشهر وإن نقص عدد أيامه، والنهي عن أن يتقدّم رمضان بصوم
٧٧١ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ : "شهران لا يَنْقُصَان، شهرا عيدٍ: رمضان وذو الحجة".
٧٧٢ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يتقدمَنَّ أحدكم رمضان بصومِ يومٍ أو يومين، إلا رجل كان (١) يصوم صومه فليصم ذلك اليوم".
стр. 533
"لا ينقصان"؛ قيل: لا يجتمع نقصُهما في سنة واحدة، وقيل: لا ينقص ثوابهما وإن نقص عددهما.
* * *
(٦) باب قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]
٧٧٣ - عن البراء بن عازب قال: كان أصحاب محمَّد (١) إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صِرْمَةَ الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا, ولكن أنطلق فأطلبُ لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت:
стр. 534
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
٧٧٤ - وعن عَدِيِّ بن حاتم قال: لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عَمَدْتُ إلى عِقَالٍ أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت انظر في الليلة فلا يستبينُ لي، فغدوت على رسول اللَّه ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار".
٧٧٥ - وعن سهل بن سعد قال: أنزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾، وكان (١) رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه (٢) الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال (٣)
стр. 535
يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل اللَّه بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ فعلموا أنما يعني (١) الليلَ والنهار.
و﴿الرَّفَثُ﴾: هنا كناية عن الجماع، و"العِقَال": ما يُعقل به البعير من حبل وغيره.
* * *
(٧) باب بركة السحور وتأخيره وإنه مندوب إليه
٧٧٦ - عن أنس قال: قال النبي ﷺ : "تَسَحَّرُوا؛ فإنَّ في السَّحُورِ بركة".
٧٧٧ - وعن زيد بن ثابت قال: تَسَحَّرْنَا مع رسول اللَّه ﷺ ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خَمْسِينَ آيةً.
٧٧٨ - وعن سهل بن سعد قال: كنت أتسحر في أهلي، ثم تكون سرعتي أن أدرك السحور مع رسول اللَّه ﷺ .
стр. 536
"السَّحُور" بفتح السين: اسم ما يؤكل وقت السَّحر، ويضمها: المصدر وهو الفعل.
و"البركة" هنا: زيادة القوة على الصوم.
والأمر بالسحور وتأخيرِه على وجه الندب، واللَّه أعلم، وقد تقدم قوله ﵊: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" (١).
* * *
(٨) باب الصائم يصبح جنبًا أو يأكل أو يشرب ناسيًا أو يفطر قبل غروب الشمس
٧٧٩ - عن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان: أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه: أن رسول اللَّه ﷺ كان يدركه الفجر وهو جُنب
стр. 537
من أهله، ثم يغتسل ويصوم، فقال (١) مروان لعبد الرحمن (٢): أقسم باللَّه لتُقَرِّعنَّ بها أبا هريرة -ومروان يومئذ على المدينة- فقال أبو بكر: وكره (٣) ذلك عبد الرحمن. ثم قُدِّرَ لنا أن نجتمع بذي الحُلَيْفَة -وكانت لأبي هريرة هنالك أرض- فقال عبد الرحمن لأبي هريرة: إني ذاكر لك أمرًا, ولولا مروان أقسم عليّ فيه لم أذكره لك، فذكر قول عائشة وأم سلمة فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس، وهو أعلم (٤).
قال البخاري: وقال همام وابن عبد اللَّه بن عمر عن أبي هريرة: كان النبي ﷺ يأمر بالفطر. والأول أسند.
٧٨٠ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا نسي فأكل أو شرب فليُتِمَّ صومه، فإنما أطعمه اللَّه وسقاه".
وقال عطاء: إن استنثر فدخل الماء في حلقه لا بأس إن لم يملك، وقال الحسن: إن دخل حلقه الذباب فلا شيء عليه.
وقال الحسن ومجاهد: إن جامع ناسيًا فلا شيء عليه (٥).
стр. 538
٧٨١ - وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: أفطرنا على عهد رسول اللَّه ﷺ يوم غَيْمٍ، ثم طلعت الشمس، قيل (١) لهشام: فأُمروا بالقضاء؟ قال: [لا] بُدَّ من قضاء.
وقال مَعْمَرٌ: سمعت هشامًا يقول (٢): لا أدري، أَقَضَوْا أم لا؟
* * *
(٩) باب وجوب الكفارة على من أفطر في رمضان متعمدًا
٧٨٢ - عن أبي هريرة قال: بينما نحن جلوس عند رسول اللَّه (٣) ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول اللَّه! هلكت، قال "مَا لَكَ؟ " قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هل تَجِدُ رقبة تعتقها؟ " قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال:
стр. 539
لا، قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ " قال: لا. قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فيها تمر -والعَرَقُ المِكْتَلُ- قال: "أين السائل؟ " فقال: أنا، قال: "خذ هذا فتصدق به"، فقال الرجل: أَعَلَى أفقرَ مني يا رسول اللَّه؟ فواللَّه ما بين لَابَتَيْهَا -يريد الحَرَّتَيْنِ- أهلُ بيتٍ أفقرُ من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: "أطعمه أهلك".
٧٨٣ - ومن حديث عائشة: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إنه احترق. قال: "ما لك؟ " قال: أصبت أهلي في رمضان، فأتى النبي ﷺ بِمِكْتَلٍ يُدْعَى العَرَق، فقال: "أين المحترق؟ " قال: أنا، قال: "تصدق بهذا".
* * *
(١٠) باب الحجامة والقيء للصائم
قال أبو هريرة (١): إذا قاء فلا يفطر إنما يُخْرِجُ ولا يُوليُ، ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر، والأول أصح.
وقال ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج، وكان ابن
стр. 540
عمر يحتجم وهو صائم ثم تركه، وكان يحتجم بالليل، واحتجم أبو موسى ليلًا.
ويذكر عن سعد وزيد بن أرقم وأم سلمة احتجموا صيامًا، وقالت أم علقمة: كنا نحتجم عند عائشة فلا ننهى.
ويُروى عن الحسن عن غير واحد مرفوعًا: "أفطر الحاجم والمحجوم"، قيل للحسن: عن النبي ﷺ ؟ قال: نعم، ثم قال: اللَّه أعلم.
٧٨٤ - وسئل أنس بن مالك: كنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول اللَّه ﷺ ؟ ، قال: لا، إلا من أجل الضعف.
* * *
(١١) باب الصيام في السفر والإفطار وحكم من أجهده الصيام ومتى يفطر الصائم
٧٨٥ - عن ابن أبي أوفى قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر، فقال لرجل: "أنزل فَاجْدَحْ لي" قال: يا رسول اللَّه! الشمس، قال: "أنزل فاجدح لي"، قال: يا رسول اللَّه! الشمس، قال: "أنزل فاجدح لي" فنزل فَجَدَحَ له،
стр. 541
فشرب ثم رمى بيده هاهنا (١)، ثم قال: "إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم".
٧٨٦ - وفي رواية: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم". وأفطر أبو سعيد حين غاب قرص الشمس (٢).
٧٨٧ - عن حمزة بن عمرو الأسلمي، أنه قال: يا رسول اللَّه! إني أَسْرُدُ الصوم -في رواية (٣): أصوم (٤) في السفر؟ - وكان كثير الصيام، فقال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر".
٧٨٨ - وعن ابن عباس قال: خرج رسول اللَّه ﷺ من المدينة إلى مكة
стр. 542
-في رواية (١): في رمضان- فصام حتى بلغ عُسْفَان -في رواية (٢): الكَدِيدَ- ثم دعا بماءٍ فرفعه إلى يده ليريه الناس، فأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر (٣).
٧٨٩ - وعن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره في يوم حارٍّ، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم، إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة.
٧٩٠ - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: كان رسول اللَّه ﷺ في
стр. 543
سفر، فرأى زِحَامَا ورجلًا قد ظلَّل عليه، فقال: "ما هذا؟ " فقالوا: صائم، فقال: "ليس من البر الصوم في السفر" (١).
٧٩١ - وعن أنس بن مالك قال: كنا نسافر مع رسول اللَّه (٢) ﷺ ، فلم يَعِبِ الصائمُ على المفطر، ولا المفطر على الصائم.
"الجَدْحُ" بالجيم والحاء المهملة: خلط الماء باللبن، و"المِجْدَحُ": العُوَيْد الذي يخلط به.
* * *
(١٢) باب نسخ الفدية ومتى يُقضَى رمضان
قال ابن عمر وسَلَمةُ بن الأكوع: نسختها: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
стр. 544
وقال ابن أبي ليلى (١): حدثنا أصحاب محمد ﷺ : نزل رمضان فشق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم ممن يطيقه، ورُخِّصَ لهم في ذلك، فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] فأُمِرُوا بالصوم.
٧٩٢ - وعن عائشة قالت: كان يكونُ عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان.
قال يحيى: الشغل من النبي ﷺ ، أو بالنبي ﷺ .
وقال ابن عباس: لا بأس أن يُفَرَّقَ لقول اللَّه ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال سعيد بن المسيب في صوم العَشْرِ: لا يَصْلُحُ حتى يبدأ برمضان.
وقال إبراهيم: إذا فرَّط حتى جاء رمضانُ آخَرُ يصومهما, ولم ير عليه طعامًا.
ويذكر عن أبي هريرة مرسلًا وابن عباس: أنه يُطْعِمُ، ولم يذكر اللَّه الإطْعَامَ (٢).
* * *
стр. 545
(١٣) باب من مات وعليه صيام
وقال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلًا يومًا واحدًا أجزأ (١).
٧٩٣ - عن عائشة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من مات وعليه صيامٌ، صام عنه وليُّه".
٧٩٤ - وعن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، فأقضيه عنها؟ ، قال: "نعم -قال (٢) - فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أن يُقْضَى".
وفي رواية (٣): قالت امرأة للنبي ﷺ : إن أختي ماتت.
وفي أخرى (٤): إن أمي ماتت وعليها صوم نذر.
стр. 546
وفي أخرى (١): عليها صوم خمسة عشر يومًا. . .، وذكر نحوه.
* * *
(١٤) باب كراهية الوصال مخافة الضعف، والوقت الذي يجوز الوصال إليه
٧٩٥ - عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "لا تواصلوا" قالوا: إنك تواصل. قال: "لستُ كأحدٍ منكم، إني أُطْعَمُ وأُسْقَى" أو: "إني أبيت أُطْعَمُ وأُسْقَى".
٧٩٦ - ونحوه عن ابن عمر، غير أنه قال: "أُطعم وأسقى" ولم يشك.
٧٩٧ - وعن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن الوصال في الصوم،
стр. 547
فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول اللَّه! قال "وأيكم مِثْلِي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" فلما أَبَوْا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يومًا ثم يومًا. ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر لزدتكم" كالمُنَكِّلِ لهم حين أبوا أن ينتهوا.
وفي رواية (١): قال ﵇ "إياكم والوصال، إياكم والوصال" قيل: إنك تواصل، قال: "إني أَبِيتُ يُطْعِمُنِي ربي ويسقيني، فَاكْلَفُوا من العمل ما تُطِيقُونَ".
٧٩٨ - وعن عائشة قالت: نهى رسول اللَّه ﷺ عن الوصال رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصل. وذكر نحوه.
٧٩٩ - وعن أبي سعيد الخدري: أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تواصلوا، فايكم أراد أن يواصل، فليواصل حتى السَّحَر".
стр. 548
قوله: "يطعمني ربي ويسقيني": لا يصح حملُه على حقيقة ظاهره، إذ لو كان ذلك لما كان مواصلًا للصيام. فمعناه -واللَّه أعلم-: أن اللَّه يخلق فيه قوة من أطعم وسقى عند رؤية ذلك في المنام، وهذا أولى ما قيل فيه.
* * *
(١٥) باب من أقسم على أخيه ليُفْطِرَنَّ في التطوع، ولم ير عليه قضاء إذا كان أوفق له
٨٠٠ - عن عون بن أبي جُحَيْفَة عن أبيه قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء؛ فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُبْتَذِلَةً (١)، فقال لها: ما شأنك؟ ، قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال (٢): كُلْ. قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكل. فأكل (٣)، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: ثم، فنام. ثم ذهب يقوم قال (٤): ثم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان:
стр. 549
قم الآن، فصلَّيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا, ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقا، فأَعْطِ كل ذي حق حقه، فأتى النبيَّ ﷺ ، فذَكَر ذلك له، فقال النبي ﷺ : "صدق سلمان".
* * *
(١٦) باب صوم شعبان، وكيف كان صيام النبي ﷺ -؟
٨٠١ - عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت النبي (١) ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان.
وفي رواية (٢): فإنه كان يصوم شعبان كله، وكان يقول: "خذوا من العمل ما تطيقون، فإن اللَّه لا يَملُّ حتى تملوا" وأحبُّ الصلاة إلى النبي ﷺ ما دُووِمَ عليه وإن قَلَّتْ، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها.
٨٠٢ - وعن ابن عباس قال: ما صام النبي ﷺ شهرًا كاملًا غير (٣)
стр. 550
رمضان، ويصوم حتى يقول القائل: لا واللَّه لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا واللَّه لا يصوم.
٨٠٣ - وعن أنس قال: كان رسول اللَّه ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظنَّ ألا يفطر منه شيئًا، وكان لا تشاء تراه من الليل مُصَلِّيًّا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته.
وفي رواية (١): قال أنس: ما كنت أُحِبُّ أن أراه من الشهر صائمًا إلا رأيته، ولا مفطرًا إلا رأيته؛ (ولا من الليل قائمًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته) (٢)، ولا مَسِسْتُ خَزًّا ولا حريرةً ألين من كف رسول اللَّه ﷺ ، ولا شَمِمْتُ مِسْكَةَ ولا عنبرة (٣) أطيب رائحة من رائحة رسول اللَّه ﷺ .
* * *
(١٧) باب ما جاء في صوم الدهر وأفضل الصوم
٨٠٤ - عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ :
стр. 551
"يا عبد اللَّه! أَلَمْ أُخْبَرْ أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ " فقلت: بلى يا رسول اللَّه! قال: "فلا تفعل، صُمْ وأَفْطِر، وقُمْ ونَمْ، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينيك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزَوْرِكَ عليك حقًّا، وإن بِحَسْبِكَ أن تصوم من (١) كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنةٍ عشر أمثالها، فإذًا ذلك صيام الدهر كله"، فَتَشَدَّدْتُ فشُدِّدَ عَلَيَّ، قلت: يا رسول اللَّه! إني أجد قوة، قال: "فصم صيام نبي اللَّه داود ﵇، لا تزد عليه" قلت: وما كان صيام نبي اللَّه داود ﵇؟ قال: "نصف الدهر" فكان عبد اللَّه يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلتُ رخصة رسول اللَّه (٢) ﷺ .
وفي رواية (٣): قال عبد اللَّه بن عمرو: أُخْبِر رسول اللَّه ﷺ أني أقول: واللَّه لأصومَنَّ النهار ولأقومن الليل ما عشت. فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأمي، قال: "فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر" قلت: إني أُطِيقُ أفضل من ذلك، قال: "فصم يومًا وأفطر يومين" قلت إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "فصم يومًا وأفطر يومًا، فذلك صيام داود ﵇،
стр. 552
وهو أفضل الصيام"، فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبي ﷺ : "لا أفضل من ذلك".
وفي رواية (١): قال: "فصم صيام داود ﵇" قال: وكيف؟ قال: "كان يصوم يومًا ويفطر يومًا, ولا يفر إذا لاقى" قال: من لي بهذه يا نبي اللَّه؟ -قال عطاء: لا أدري كيف ذكر صيام الأبد- قال النبي ﷺ : "لا صام من صام الأبد" مرتين.
وفي رواية (٢): ذكر: "واقرأ القرآن في كل شهر" قال: إني أطيق أكثر، فما زال حتى قال: "في ثلاث".
وفي رواية (٣): قال: ذُكِرَ له صومي، فدخل عليَّ، فألقيت له وسادة من أَدَمٍ حشوها لِيفٌ، فجلس على الأرض وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال: "أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ " قال: قلت: يا رسول اللَّه! قال: "خمسًا" قلت: يا رسول اللَّه! قال: "سبعًا". قلت: يا رسول اللَّه! قال "تسعًا". قلت: يا رسول اللَّه! قال: "إحدى عشرة" ثم قال النبي ﷺ : "لا صوم فوق صوم داود
стр. 553
عليه السلام: شَطْرَ الدهر، صم يومًا وأفطر يومًا".
* * *
(١٨) باب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم آخر الدهر
٨٠٥ - عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ: صيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام.
٨٠٦ - وعن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ : أنه سأله -أو سأل رجلًا وعمران يسمع- فقال: "يا فلان! أما صُمْتَ سَرَرَ هذا الشهر؟ " -وفي رواية (١): "من سرر شعبان؟ "- قال الرجل: لا يا رسول اللَّه، قال: "فإذا أفطرت فصم يومين".
"سَرَر الشهر"، وسُرُّه: آخره، وهو حين يستسِرُّ القمر، وربما اسْتَسَرَّ ليلتين، وربما استَسَرَّ ليلة.
قلت: وإنما أمره بصوم يومين من شوال ليكونا عوضًا عن آخر يوم
стр. 554
من شعبان، وكان صيام شعبان شهرين، ولذلك كان النبي ﷺ يصوم فيه ما لا يصوم في غيره كما تقدم. واللَّه أعلم.
* * *
(١٩) باب ما جاء في صيام يوم الجمعة ويوم عرفة، وهل يُخَصُّ شيءٌ من الأيام بصومٍ ؟
٨٠٧ - عن محمد بن عباد قال: سألت جابرًا: أَنَهَى رسول اللَّه ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم. يعني: أن ينفرد بصومه.
٨٠٨ - وعن أبي هريرة قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "لا يَصُومَنَّ (١) أحدُكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله أو بعده".
٨٠٩ - وعن جويرية بنت الحارث: أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال لها: "أصمتِ أمس؟ " قالت: لا، قال "تريدين أن تصومي
стр. 555
غدًا؟ " قالت: لا، قال: "فأفْطِرِي".
٨١٠ - وعن أم الفضل بنت الحارث: أن ناسًا تَمَارَوْا عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ ، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقَدَح لَبَنٍ وهو واقف على بعيره فشربه.
٨١١ - وفي رواية: وهو واقف في الموقف، فشرب منه، والناس ينظرون.
٨١٢ - وعن علقمة: قلت لعائشة: هل كان رسول اللَّه ﷺ يخص (١) من الأيام شيئًا؟ قالت: لا، كان عمله دِيمَةً (٢). وأيكم يُطِيقُ ما كان رسول اللَّه ﷺ يطيق.
* * *
стр. 556
(٢٠) باب ما جاء في صيام يوم عاشوراء
٨١٣ - عن الرُّبَيعِّ بنت مُعَوِّذ قالت: أرسل رسول اللَّه (١) ﷺ غَدَاةَ عاشوراء إلى قرى الأنصار: "من أصبح مفطرًا فلْيُتِمَّ بقيةَ يومِهِ، ومن أصبح صائمًا فليصم".
قالت: كنا نصومه بعدُ، ونصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللُّعْبَةَ من العِهْنِ (٢)، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك (٣) حتى نكون عند الإفطار.
٨١٤ - وعن سلمة بن الأكوع قال: أَمَرَ النبي ﷺ رجلًا من أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ في الناس أَنَّ من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم؛ فإن اليوم يومُ عاشوراء.
٨١٥ - وعن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول اللَّه ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه،
стр. 557
فلما فُرِضَ رمضانُ ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه.
٨١٦ - وعن حميد بن عبد الرحمن: أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء عامَ حَجَّ على المنبر يقول: يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "هذا يوم عاشوراء، ولم يَكْتُبِ اللَّهُ عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر".
٨١٧ - وعن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يوم نَجَّى اللَّهُ بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى. قال: "أنا أحقُّ بموسى منكم" فصامه وأمر بصيامه.
٨١٨ - وعن أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء تَعُدُّهُ اليهودُ عيدًا، قال النبي ﷺ : "فصوموه أنتم".
٨١٩ - وعن ابن عباس قال: ما رأيت النبي ﷺ يَتَحَرَّى
стр. 558
صيامَ يومٍ فضّله على غيره إلا هذا اليوم -يوم عاشوراء- وهذا الشهر. يعني: شهر رمضان.
* * *
(٢١) باب النهي عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى، ولا يصوم أيام التشريق إلا المتمتع الذي لا يجد الهَدْيَ
٨٢٠ - عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁، فقال: هذان يومان نهى رسول اللَّه ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نُسُكِكُمْ.
٨٢١ - وعن أبي سعيد قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن صوم يوم الفطر والنحر، وعن الصَّمَّاءَ، وأن يَحْتَبِيَ الرجل في الثوب الواحد، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر.
٨٢٢ - وعن زياد بن جُبَيْر قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: رجل
стр. 559
نذر أن يصوم يومًا -أظنه الاثنين (١) - فوافق ذلك يوم عيد، فقال ابن عمر: أَمَرَ اللَّهُ بوفاءِ النذر، ونهى النبي ﷺ عن صوم هذا اليوم.
٨٢٣ - وعن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي: كانت عائشة تصوم أيام مني، وكان أبوه يصومها.
٨٢٤ - وعن عروة، عن عائشة، وعن سالم، عن ابن عمر قالا: لم يُرَخَّصْ في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهَدْي.
* * *
(٢٢) باب سُنَّة قيام رمضان، وفضله، وكيفيته
٨٢٥ - عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه".
قال ابن شهاب: فتوفي رسول اللَّه ﷺ والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصَدْرًا من خلافة عمر ﵄.
стр. 560
٨٢٦ - وعن عبد الرحمن بن عبدٍ القارئ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلًا في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أَوْزَاعٌ متفرِّقُونَ، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهطُ، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبَيِّ بن كعب. ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نِعْمَ البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يريد: آخِرَ الليل، وكان الناس يقومون أوله تأَسِّيًا بعمر (١).
٨٢٧ - وعن عائشة: أن رسول اللَّه ﷺ خرج ليلةً من جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثرُ منهم، فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكَثُر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول اللَّه ﷺ فصُلِّيَ بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفَجْرَ أقبل على الناس فتشهد ثم قال: "أما بعد، فإنه لم يَخْفَ عليَّ ركوعكم (٢)، ولكن (٣)
стр. 561
خشيت أن تُفْرَضَ عليكم فتعْجِزُوا عنها"، فتوفي رسول اللَّه ﷺ والأمر على ذلك.
٨٢٨ - ونحوه عن زيد بن ثابت، غير أنه زاد في آخره: فقال النبي ﷺ : "ما زال بكم صنيعكم (١) حتى خشيت أن يُكْتَبَ عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة".
الغريب:
"البدعة": تأنيث البِدْع، وهو الشيء المُخْتَرع في اللغة سواء كان حسنًا أو سيئًا، ومنه قوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩].
والبدعة في عرف الشرع: عبارة عما يُخترع على غير أصل يشهد له من الشرع، وهي البدعة المذمومة، فأطلق عمر على فعله هنا بدعة على أصل اللغة لا على العُرْفِ، ألا ترى كيف مدحه ابنِ عْمَ، وإنما أطلق ذلك عمر لأن النبي ﷺ امتنع من اجتماعهم عليه في قيام رمضان للعلة التي ذكرتها عائشة وغيرها، فلما أَمِنَ ذلك عمر أمر بذلك، وعمل به. واللَّه أعلم.
* * *
стр. 562
(٢١) كتاب الاعتكاف وليلة القدر
стр. 563
(٢١) كتاب الاعتكاف وليلة القدر
(١) باب الاعتكاف من نوافل الخير ويلزم بالنذر
٨٢٩ - عن أبي هريرة قال: كان رسول اللَّه (١) ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين (٢).
٨٣٠ - وعن عائشة زوج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر
стр. 564
الأواخر من رمضان حتى توفاه اللَّه (١)، ثم اعتكف أزواجه من بعده.
٨٣١ - وعن عبد اللَّه بن عمر، عن عمر قال: يا رسول اللَّه! إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي ﷺ : "أَوْفِ بنذرك " فاعتكَفَ ليلة.
قوله: "في الجاهلية" ظاهره أنه يعني بها الوقت الذي كان هو على الجاهلية، ويُبعده أن الكافر لا يلزمه ما نذره في حالة كفره، إما لأنهم ليسوا مخاطبين بالفروع، وإما لأن الإِسلام يجُبُّ ما كان قبله على تقدير لزوم ذلك.
ويحتمل أن يكون النذر وقع من عمر بعد إسلامه لكن في زمن غلبة الجاهلية وكثرتها، فأخبر عن ذلك، فكأنه أخبر أن ذلك النذر وقع منه في أول الإِسلام وقلَّته وغلبة الجاهلية وكثرتها، وهو تأويل يعضده ما ذكرناه.
* * *
(٢) باب لا اعتكاف إلا في المسجد، ولا يخرج المعتكف إلا لحاجته الضرورية
٨٣٢ - عن علي بن الحسين: أن صفية زوج النبي ﷺ أخبرته أنها جاءت
стр. 565
إلى رسول اللَّه ﷺ في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب (١)، فقام النبي ﷺ معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار، فسَلَّما على رسول اللَّه ﷺ ، فقال لهما النبي ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُمَا، إنما هي صفية بنت حُيَيّ" فقالا: سبحان اللَّه يا رسول اللَّه، وكَبُر عليهما. فقال النبي ﷺ : "إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا" (٢).
وفي رواية (٣): "يجري من الإنسان مجرى الدم".
٨٣٣ - وعن عائشة قالت: كان (٤) رسول اللَّه ﷺ يُدْخِلُ (٥)