← Книги сунны

Книги сунны · id 127656

اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه

أبو العباس القرطبي

Полный текст (2 203 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الغريب: "العاهِر": الزاني، و"الحجر"؛ يعني به: الرجم، وقيل: الخيبة. * * * (٥) باب بيع المُدَبَّر في الدين، والنهي عن بيع الولاء (١) وهبته ١٢٣٧ - عن جابر بن عبد اللَّه قال: أعتق رجلٌ منا عبدًا له عن دُبرٍ، فدعا النبي ﷺ به، فباعه، قال جابر: مات الغلام عام أول. قلت: هذا الحديث محمولٌ عند أصحابنا على أنه ﵇ باعه في دَيْنٍ سبق التدبير، وَيعْضد هذا التأويل ما ذكره مالك: أن من الأمر المجمَع عليه عندهم أن المُدَبَّر لا يوهب ولا يحرك عن حاله (٢). ١٢٣٨ - وعن ابن عمر قال: نهى النبي ﷺ عن بيع الولاء وَهِبَتِهِ. * * *

стр. 807

(٦) باب أخذ الفداء في القريب المشرك ونفوذ عتقه معيَّنًا وقال أنس: قال العباس للنبي ﷺ : فاديت نفسي، وفَادَيْتُ عَقِيلًا. ١٢٣٩ - وعن أنس بن مالك: أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول اللَّه ﷺ فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، فقال: "لا تدعون منه درهمًا". ١٢٤٠ - وعن هشام قال: أخبرني أبي: أَنَّ حكيم بن حِزَامٍ عتق في الجاهلية مئة رقبة، وحمل على مئة بعير، فلما أسلم حمل على مئة بعير وأعتق مئة رقبة، قال: فسألت رسول اللَّه ﷺ قلت (١): يا رسول اللَّه! أرأيتَ أشياءَ كنت أصنعها في الجاهلية كنت أتحنَّثُ بها -يعني: أَتَبَرَّرُ بها (٢) - قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "أسلمتَ على ما سَلَفَ لك من خَيْرٍ". * * *

стр. 808

(٧) باب فضل من أَدَّبَ جاريته ثم أعتقها وتزوجها، وفضلِ المملوك الذي يؤدي حق اللَّه وحق سيده ١٢٤١ - عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ : "أَيُّما رجلٍ كانت له جارية أَدَّبَهَا فأحسن أدبها، وأعتقها وتزوجها، فله أجران، وأَيُّما عَبْدٍ أَدَّى حقَّ اللَّه وحقَّ مواليه، فله أجران". ١٢٤٢ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "للعبد المملوك الصالح أجران"، والذي نفسي بيده لولا الجهادُ في سبيل اللَّه، والحجُّ، وبرُّ أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك (١). ١٢٤٣ - وعنه قال: قال النبي ﷺ : "نِعْمَ (٢) ما لأحدهم، يُحْسِنُ

стр. 809

عبادة ربه، وينصح لسيده". * * * (٨) باب الأمر بالإحسان للملوك وترك التطاول عليه ١٢٤٤ - وعن المَعْرُورِ بن سُوَيْد قال: رأيت أبا ذَرٍّ الغفاري وعليه حُلَّةٌ وعلى غلامه حلة، فسألناه عن ذلك، فقال: إني سَابَبْتُ رجلًا، فشكاني إلى النبي ﷺ ، فقال لي النبي ﷺ : "أعيَّرته بأُمِّه؟ " ثم قال: "إخوانكم خَوَلُكُمْ، جعلهم اللَّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، ولْيُلْبِسْهُ مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم". ١٢٤٥ - وعن همَّام بن مُنَبِّهٍ: أنه سمع أبا هريرة يحدث عن النبي ﷺ

стр. 810

أنه قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضِّئ ربك، وليقل: سيدي مولاي. ولا يقل أحدكم: عبدي، أَمَتِي، ليقل: فتاي وفتاتي وغلامي". ١٢٤٦ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "إذا أتى أحدكم خادمُه بطعامه، فإن لم يُجْلِسْه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أُكْلَة أو أكلتين، فإنه وَلِيَ عِلَاجَهُ". * * * (٩) باب ما يجب على العبد من مراعاة حق سيده وفي أدبه إذا قصّر في ذلك، وحُدَّ إن زنا ١٢٤٧ - عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته، فالأميرُ الذي على الناس راع عليهم ومسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعيةٌ على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده ومسؤول عنه، ألا فكلكم راع

стр. 811

وكلكم مسؤول عن رعيته". وفي رواية (١): قال ابن عمر: فسمعت هؤلاء من النبي ﷺ ، وأحسب النبي ﷺ قال: "والرجل في مال أبيه راع، ومسؤول عن رعيته". * * * (١٠) باب في الكتابة، ومن قال بوجوبها إذا طلبها العبد القوي على التكسب، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب عليّ إذا علمت له مالًا أن أكاتبه؟ قال: ما أُرَاه إلا واجبًا، وقال عطاء: أخبرني موسى بن أنس: أن سيرين سأل أنسًا المكاتبة، وكان كثير المال، فأبى، فانطلق إلى عمر فقال: كاتِبْه، فأبى، فضربه بالدّرة، ويتلو عمر: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فكاتَبَه (٢). * * *

стр. 812

(١١) باب تنجيم الكتابة، وجواز بيع المكاتب ممن يعتقه، وفسخِ الكتابة لذلك ١٢٤٨ - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت بَرِيرَةُ فقالت: إني كَاتَبْتُ (١) على تِسْعِ أَوَاقٍ، في كل عام أوقية -وفي رواية (٢): على خمس- فأعينيني، فقالت عائشة: إنْ أَحَبَّ أهلُك أن أعُدَّها لهم عَدَّةً واحدة وأُعتقَكِ فعلتُ، ويكون (٣) ولاؤك لي، فذهبت إلى أهلها فَأَبَوْا ذلك عليها، فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فسمع بذلك رسول اللَّه ﷺ ، فسألني فأخبرتُه، فقال: "خذيها فأعتقيها، واشترطي لهم الولاء؛ فإنما (٤) الولاء لمن أعتق"، قالت عائشة: فقام رسول اللَّه ﷺ في الناس، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: فما بال رجال منكم يشترطون شروطًا ليست في كتاب اللَّه؟ ، فأيُّما شرطٍ ليس (٥) في كتاب اللَّه فهو باطل وإن كان مئة شرط، فقضاء اللَّه أَحَقُّ،

стр. 813

وشرطُ اللَّه أوثق، ما بال رجال منكم يقول أحدهم: أعتق يا فلان والولاء لي، إنما الولاء لمن أَعْتَقَ". وفي رواية (١): فقال النبي ﷺ : "اشتريها فأعتقيها وَدَعيهم يشترطوا (٢) ما شاؤوا" فاشترتها عائشة فأعتقتها، واشترط أهلها الولاء، فقال النبي ﷺ : "الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مئة شرط". * * *

стр. 814

(٣٢) كتاب الهبات

стр. 815

(٣٢) كتاب الهبات (١) باب فضل الهدية، وقبولها وإن قلَّت، والمكافأة عليها ١٢٤٩ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يا نساء المسلمات، لا تَحْقِرَنَّ جارةٌ لجارتها ولو فِرسِنَ (١) شاةٍ". ١٢٥٠ - وعنه، عن النبي ﷺ قال: "لو دُعِيتُ إلى ذِرَاعٍ أو كُرَاعٍ (٢) لأجبت، ولو أُهدي إليَّ ذراعٌ أو كراع لقبِلْتُ".

стр. 816

١٢٥١ - وعن عائشة: أن الناس كانوا يتحرّون بهداياهم يوم عائشة يتبعون (١) -أو يبتغون بذلك- مرضاة رسول اللَّه ﷺ . ١٢٥٢ - وعن أبي هريرة قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أُتِي بطَعَامٍ سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: "كلوا"، ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده فأكل معهم. ١٢٥٣ - وعن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يقبل الهدية ويُثِيبُ عليها. * * * (٢) باب تبسُّطِ الرجل فيما أهدى لصديقه، وأكلِهِ منه وإن لم يأذن له ١٢٥٤ - عن القاسم -وهو ابن محمد- عن عائشة: أنها أرادت أن

стр. 817

تشتري بَرِيرَةَ، وأنهم اشترطوا ولاءها، فذُكِرَ ذلك للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "اشتريها فأَعْتِقِيهَا، فإنما الولاء لمن أعتق" وأُهْدِيَ لها لَحْمٌ فقال النبي ﷺ : "هو لها صدقة ولنا هَدِيَّةٌ". ١٢٥٥ - وعن أنس بن مالك قال: أُتِيَ النبيُّ ﷺ بلحم، فقيل: تُصُدِّقَ على بريرة، فقال: "هو لها صدقة، ولنا هَدِيّة". * * * (٣) باب مَن أَهدَى إلى صاحبه وتحرَّى بعضَ نسائه وما لا يردُّ من الهدية، ومن أحقُّ بها ١٢٥٦ - وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن نساء رسول اللَّه ﷺ كنَّ حزبين، فحزبٌ هي فيه وحفصةُ وصفيةُ وسَوْدَةُ، والحزبُ الآخر: أمُّ سلمة وسائر نساء رسول اللَّه ﷺ ، وكان المسلمون قد علموا حبَّ رسول اللَّه ﷺ عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هديةٌ يريد أن يهديها إلى رسول اللَّه ﷺ أخرها، حتى إذا كان رسول اللَّه ﷺ في بيت عائشة بعث صاحب الهدية بها (١) إلى رسول اللَّه ﷺ في بيت عائشة، فكلم حزْبُ أُمِّ سلمة

стр. 818

فقلن لها: كلمي رسول اللَّه ﷺ يكلم الناس فيقول: من أراد أن يُهدي إلى رسول اللَّه ﷺ هدية فليُهْدِ له حيث كان من نسائه، فكلمته أمُّ سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها: كلميه، قال (١): فكلمتْهُ حين دار إليها أيضًا، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها، فكلمته، فقال لها: "لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة" قالت: فقلت (٢): أتوب إلى اللَّه من أذاك يا رسول اللَّه، ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ، فأرسلَتْ إلى رسول اللَّه ﷺ تقول: إن نساءك يسألنك (٣) العَدْلَ في بنت أبي بكر، فكلَّمتْه فقال: "يا بُنَيَّة! ألا تحبين ما أحب؟ " فقلت: بلى. فرجعتْ إليهن فأخبرتْهُنَّ، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش، فأتته فأغلظت وقالت: إن نساءك يَنْشُدْنَك اللَّهَ العدلَ في بنت ابن أبي قحافة، فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة، فسبَّتها، حتى إن رسول اللَّه ﷺ لينظر إلى عائشة: هل تتكلم؟ قال: فتكلمتْ عائشة تَرُدُّ على زينب حتى أسكتتها، قالت: فنظر النبي ﷺ إلى عائشة وقال: "إنها بنتُ أبي بكر (٤) ".

стр. 819

١٢٥٧ - وعن ثُمَامَة بن عبد اللَّه قال: كان أنس لا يَرُدُّ الطِّيبَ، قال: وزعم أنس أن النبي ﷺ كان لا يَرُدُّ الطِّيبَ. ١٢٥٨ - وعن عائشة قالت: قلت يا رسول اللَّه: إن لي جارين، فإلى أيهما أُهْدِي؟ ، قال "إلى أقربهما منك بابًا". * * * (٤) باب النهي عن أن يهب لبعض أولاده دون بعض، وعن الرجوع في الهبة إلا للولد ١٢٥٩ - عن النعمان بن بشير قال: أعطاني أبي عطيّةً، فقالت عَمْرَةُ بنت رَوَاحَةَ: لا أرضى حتى تُشْهِد رسول اللَّه ﷺ ، فأتى رسولَ اللَّه ﷺ ، فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أُشهدك يا رسول اللَّه، قال: "أَعْطَيْتَ سائر ولدك مثل هذا؟ " قال: لا، قال "فاتقوا اللَّه واعدلوا بين أولادكم" قال: فرجع، فرد عطيته.

стр. 820

وفي طريق (١) أخرى: أنَّ أبا النعمان أتى به إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إني نَحَلْتُ ابني هذا غلامًا، فقال: "أَكُلُّ وَلَدِكَ نحلته؟ " قال: لا، قال: "فارجعه". وفي رواية (٢): قال رسول اللَّه ﷺ : "لا أَشْهدُ على جَوْرٍ". ١٢٦٠ - وعن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه". * * * (٥) باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها أو لغيره وقد تقدم قوله ﵇: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه". وقال الزهري فيمن قال لامرأته: هبي لي بعضَ صَدَاقكِ أو كلَّه، ثم لم

стр. 821

يمكث إلا يسيرًا حتى طلقها، فرجعت فيه. قال: يردُّ إليها إن كان خَلَبَها (١)، وإن كان أعطته عن طِيْبِ نفس ليس في شيء من أمره خديعة جاز، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. ١٢٦١ - عن عائشة قالت: لما ثَقُلَ النبي ﷺ فاشتد وجعه، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأَذِنَّ لَهُ. . .، الحديث. ١٢٦٢ - وعن أسماء ابنة أبي بكر قالت: قلت: يا رسول اللَّه! مالي مالٌ إلا ما أَدْخَلَ عليَّ الزبيرُ، فأتصدَّقُ؟ قال: "تصدقي ولا تُوعِي فيُوعَى عليك" (٢). وفي أخرى (٣): قال: "أنفقي ولا تحصي فيحصي اللَّه عليك، ولا تُوعِي

стр. 822

فيوعِي اللَّه عليك". ١٢٦٣ - وعن كريب مولى ابن عباس: أن ميمونة بنت الحارث أخبرته أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي ﷺ ، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه، قالت: أَشَعَرْتَ يا رسول اللَّه أني أعتقت وليدتي؟ قال: "أَوَ فَعَلْتِ؟ " قلت: نعم، قال: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك". ١٢٦٤ - وعن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد سفرًا أَقْرَعَ بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغى بذلك رضا رسول اللَّه ﷺ . * * * (٦) باب من لم يقبل الهدية لعلة، وتحريم الهدايا للولاة قال عمر بن عبد العزيز: كانت الهدية في زمن رسول اللَّه ﷺ هدية، واليوم رِشْوَة.

стр. 823

وقد تقدم قولُ النبي ﷺ للصَّعْبِ بن جَثَّامة حين أهدى حمار الوحش فرده عليه: "إنَّا لم نردَّه عليك إلا أَنَّا حُرُمٌ". ١٢٦٥ - وعن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبيُّ ﷺ رجلًا من الأَزْد يدعى ابن الأُتْبِيَّةِ على الصدقة، فلما قَدِمَ قال: هذا لكم، وهذا أُهْدِيَ لي، قال: "فَهَلَّا جلس في بيت أبيه -أو بيت أمه- فينظر: هل يُهْدَى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه (١) شيئًا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رُغَاءٌ، أو بقرة لها خُوَار، أو شاة تَيْعَر -ثم رفع يده حتى رأينا عُفْرَةَ إِبِطَيْهِ- اللهم هل بلَّغتُ؟ اللهم هل بلغت؟ " ثلاثًا. * * * (٧) باب إذا وهب أو وعد ثم مات أحدهما قبل وصول الهدية إليه، وهِبَة الدَّيْن وقال الحسن: أيهما مات قَبْلُ فهي لورثته إذا قبضها الرسول. ووهب الحسن بن علي لرجل دينه. ١٢٦٦ - وعن جابر قال: قال لي النبي ﷺ : "لَوْ جَاءَ مالُ

стр. 824

البحرين أعطيتك هكذا" -ثلاثًا- فلم يقدم حتى توفي رسول اللَّه ﷺ ، فأمر أبو بكر مناديًا ينادي: من كان له عند النبي ﷺ عِدَّةٌ أو ديَنُ فليأتنا، فأتيته فقلت: إن النبي ﷺ وعدني. فحثى له ثلاثًا. وقال النبي (١) ﷺ : "من كان عليه دين فَلْيُعْطِه أو لِيَتَحَلَّلْه منه". ١٢٦٧ - وعن جابر بن عبد اللَّه: أن أباه قُتِلَ يوم أُحُدٍ شهيدًا، فاشتد الغرماء في حقوقهم، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فكلمته، فسألهم أن يقبلوا ثَمَرَ (٢) حائطي ويُحَلِّلُوا أبي، فأَبَوْا، فلم يعطهم رسول اللَّه ﷺ حائطي ولم يكسره لهم، ولكن قال: "سأَغْدُو عليك" (٣) فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل فدعا في ثمره بالبركة، فَجَدَدْتُهَا، فقضيتهم حقوقهم، وبقي لنا من ثمرها بقية، ثم جئت رسول اللَّه ﷺ وهو جالس، فأخبرته بذلك، فقال رسول اللَّه ﷺ لعمر: "اسمع -وهو جالس- يا عمر" فقال: ألا يكون قد علمنا أنك رسول اللَّه؟ واللَّه إنك لرسول اللَّه. * * *

стр. 825

(٨) باب هبة الشاء والمهدى له أحق بالهدية من جلسائه وقالت أسماء للقاسم بن محمد وابن أبي عتيق: ورثتُ عن أختي عائشة بالغابة وقد أعطاني معاوية به مئة ألف فهو لكما. ١٢٦٨ - عن عروة، عن مروان بن الحكم (١) والمِسْوَرِ بن مخرمة، أخبراه أن النبي ﷺ قال حين جاءه وفد هَوَازِن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالَهم وسَبْيَهُم، فقال لهم: "أحبُّ الحديث (٢) إليَّ أصدقُهُ، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السَّبْيَ، وإما المال، وقد كنت اسْتَأْنَيْتُ"، وكان النبي ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبيَّن لهم أن النبي ﷺ غير رادّ إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: إنَّا (٣) نختار سَبْيَنَا، فقام في المسلمين فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: "أَمَّا بعد، فإن إخوانكم هؤلاء جاؤونا تائبين، وإني رأيت أَنْ أردَّ إليهم سبيهم، فمن أحبَّ منكم أن يُطَيِّب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه

стр. 826

من أول ما يَفِيء اللَّه علينا (١) "، فقال الناس: طيبنا يا رسول اللَّه (٢)! فقال لهم: "إنَّا لا ندري من أَذِنَ منكم فيه ومن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفَعَ إلينا عرفاؤكم" فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى النبي ﷺ فأخبروه بأنهم طيبوا وأذنوا. قال الزهري: فهذا الذي بلغنا من سبي هوازن. ١٢٦٩ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : أنه أخذ سِنًّا، فجاء صاحبه يتقاضاه، فقالوا له، فقال: "إن لصاحب الحق مقالًا" ثم قضاه أفضل من سِنِّه. فقال: "أفضلكم أحسنُكم قَضَاءً". ١٢٧٠ - وعن ابن عمر: أنه كان مع النبي ﷺ في سفر، وكان على بَكْرٍ صَعْبٍ لعمر، وكان (٣) يتقدم النبي ﷺ ، فيقول أبوه: يا عبد اللَّه! لا يتقدم النبي ﷺ أحدٌ، فقال له النبي ﷺ : "بِعْنِيه" فقال عمر: هو لك، فاشتراه، ثم قال: "هو لك يا عبد اللَّه، فاصنع ما شئت" (٤).

стр. 827

قال البخاري (١): ويذكر عن ابن عباس أن جُلَسَاءَهُ شركاؤه -يعني: في الهدية- ولا يصح. * * * (٩) باب قبول الهدية من المشركين والهدية لهم وقال أبو حميد: أهدى ملك أَيْلَةَ للنبي ﷺ بغلة بيضاء، وكساه بُرْدًا، وكتب له (٢) ببحرهم (٣). ١٢٧١ - وعن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومئة، فقال النبي ﷺ : "هل مع أحد منكم طعام؟ " فإذا مع رجل صاعٌ من طعام أو نحوه، فعجن ثم جاء رجل مشرك مُشْعَانٌ طويل بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ : "بيعًا أو عَطِيَّة (٤)؟ " أو قال: "هبة؟ " قال: بل بيع (٥). فاشترى منه شاة فصُنِعَتْ، وأمر النبي ﷺ بِسَواد البطن (٦) فَشُوِيَ (٧)،

стр. 828

وايم اللَّه ما في الثلاثين والمئة إلا وقد حَزَّ النبي ﷺ له حُزَّة من سواد بطنها، إن كان شاهدًا أعطاه إياه، وإن كان غائبًا خَبَّأ له، فجعل منها قَصْعَتَيْن، فأكلوا أجمعون، وشَبِعْنَا، وفضلت (١) القصعتان، فحملناه على البعير. أو كما قال. الغريب: "مُشْعَان": طويل جدًا فوق الطول، يقال: شعر مُشْعَان: إذا كان مُنْتَفِشًا، و"ببحرهم": بقراهم؛ أي: أقطع ذلك له. و"البحار": القرى، واحدها بَحِيرَة. قاله الهروي وغيره. * * * (١٠) باب الإعمار، وهبة العقار والعارية ١٢٧٢ - عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مُلَيْكَة: أن بني صهيب مولى ابن جُدعان (٢) ادَّعُوا بيتين وحجرة، أن رسول اللَّه ﷺ أعطى ذلك صهيبًا، فقال مروان: من يشهد لكما على ذلك؟ فقالوا (٣): ابن عمر. فدعاه، فشهد لأَعْطَى رسول اللَّه ﷺ صهيبًا بيتين وحجرة، فقضى به (٤)

стр. 829

مروان بشهادته لهم. ١٢٧٣ - وعن جابر قال: قضى رسول اللَّه ﷺ بالعُمْرَى أنها لمن وُهِبَتْ له. ١٢٧٤ - وعن عبد الواحد بن أيمن (١)، عن أبيه، قال: دخلت على عائشة وعليها دِرْعُ قِطْرٍ، ثمن خمسة دراهم، فقالت: ارفع بصرك إلى جاريتي فإنها تُزْهَى أن تلبسه في البيت، وقد كان لي منهن درع على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فما كانت امرأة تُقَيَّنُ بالمدينة إلا أرسلت إليَّ تستعيره. الغريب: "الحجرة": الدار، سميت بذلك لأنها محجورة. و"العُمْرَى": إسكان الدار طول العمر، وأعمرت الرجل الدار؛ أي: جعلتها له كذلك، و"القِطْرُ": ضرب من برود اليمن يقال لها القِطْريَّة، والقِطْرُ: النَّحَاس، قاله الخليل. و"تُزْهَى": تتكبر أن تلبسه، وهو مبني ما لم يسم فاعله. "تُقَيَّن": تزين وتحسن. * * *

стр. 830

(١١) باب المنحة وفضلها ١٢٧٥ - عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "نِعْمَ المَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ؛ الصَّفِيُّ منحة، والشاة الصفيُّ، تغدو بإناء، وتروح بإناء". ١٢٧٦ - وعن أنس بن مالك قال: لما قَدِمَ المهاجرون المدينة من مكة، وليس بأيديهم شيء (١)، وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار، قاسمهم (٢) الأنصار على أن يعطوهم ثمار أموالهم كل عام، ويكفوهم العمل والمَؤونَةَ، وكانت أُمُّهُ أم سُلَيْم (٣) أعطت رسول اللَّه ﷺ عِذَاقًا، فأعطاهن النبي ﷺ أمَّ أيمن مولاتَه أمَّ أسامة بن زيد. قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك: أن النبي ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر فانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم من

стр. 831

ثمارهم، فردّ النبي ﷺ إلى أُمِّهِ (١) عِذاقها، فأعطى رسول اللَّه ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه. وفي رواية (٢): مَكَانَهُنَّ من خالصه. الغريب: "المنيحة": هي الناقة والشاة تعطى لتحلب وينتفع بلبنها، هذا أصلها، ثم قد أطلق على كل عطية، حكاه الهروي. و"الصَّفِيّ": الخالصة اللبن الطيبة، و"العَذق" بفتح العين: النخلة، وبكسرها: الكِبَارة، وهي العُرْجُون الذي فيه الثمر، و"العِذَاق": النخلات المجتمعة. * * * (١٢) باب إذا وجد في الأرض ما ليس من جنسها ١٢٧٧ - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اشترى رجل من رجل عقارًا له، فوجد الرجل الذي اشترى في عقاره جَرَّةً فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع الذهب، وقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال

стр. 832

الآخر: لي جارية. قال: انكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسكما وتصدقا". * * *

стр. 833

(٣٣) كتاب الشهادات

стр. 834

(٣٣) كتاب الشهادات (١) باب لا يشهد إلا العدول، وإثم شهادة الزور وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ١٢٧٨ - وعن عبد اللَّه بن عتبة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: إن أُنَاسًا كانوا يُؤْخَذُون بالوحي في عهد رسول اللَّه ﷺ ، وإنَّ الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم (١) بما ظهر لنا من أعمالكم، فمَن أظهر لنا خيرًا أَمِنَّاهُ وقَرَّبْنَاهُ، وليس لنا (٢) من سريرته شيء، اللَّه يحاسبه (٣) في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا

стр. 835

لم نَأْمَنْهُ ولم نصدِّقه، وإن قال: إن سريرته حسنة. ١٢٧٩ - وعن أنس: سُئِلَ النبي ﷺ عن الكبائر فقال: "الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور". ١٢٨٠ - وعن عبد الرحمن بن أبي بَكْرةَ عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثًا، قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: "الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين -وجلس وكان متكئًا- وقول الزور" فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. ١٢٨١ - وعن عمران بن حُصَيْنٍ قال: قال النبي ﷺ : "خيركم قَرْني، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم" -قال عمران: لا أدري أَذَكَرَ النبي ﷺ بعد قرنين أو ثلاثةً. قال النبي ﷺ : "إن بعدكم قومًا يَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ،

стр. 836

ويشهدون ولا يُسْتَشْهَدُونَ، وينذِرون ولا يُوفون (١)، ويظهر فيهم السِّمَنُ" (٢). ١٢٨٢ - وعن عَبِيدة، عن عبد اللَّه، عن النبي ﷺ -قال: "خير الناس قَرْنِي، ثم الذين يَلُونَهُمْ، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادةُ أحدهم يمينَهُ، ويمينُه شهادتَهُ" قال إبراهيم: كانوا يضربوننا عن (٣) الشهادة والعهد. * * * (٢) باب قبول شهادة القاذف والمحدود إذا تابا، وقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥] وجَلَدَ عمر (٤) أبا بَكْرَةَ وشِبْلَ بن مَعْبَد ونافعًا بقذف المغيرة، ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته. وأجازه عبد اللَّه بن عتبة وعمر

стр. 837

ابن عبد العزيز وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد والشعبي وعكرمة والزهري ومحارب بن دِثَار وشُرَيْح ومعاوية بن قُرَّة. وقال أبو الزناد: الأمر عندنا بالمدينة إذا رجع القاذف عن قوله واستغفر ربه قبلت شهادته. وقال الشعبي وقتادة: إذا أكذب نفسه جُلدَ وقبلت شهادته. وقال الثوري: إذا جُلِدَ العبدُ، ثم أُعْتِقَ، جازت شهادته، وإن اسْتُقْضِيَ المحدودُ فقضاياه جائزة. وقال بعض الناس: لا تجوز شهادة القاذف وإن تاب. ثم قال: لا يجوز نكاحٌ بغير شاهدين، فإن تزوج بشهادة مَحْدُودَيْن جاز، وإن تزوج بشهادة عبدين لم يجز. وأجاز شهادة المحدود والعبد والأَمَةِ لرؤية هلال رمضان. ١٢٨٣ - وعن عُرْوَة بن الزبير: أنَّ امرأةً سرقت في غزوة الفتح، فأتى بها رسول اللَّه ﷺ ثم أمر بها فقُطِعَتْ يَدُهَا. قالت عائشة: فحسُنَتْ توبتها وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه ﷺ . * * *

стр. 838

(٣) باب (١) شهادة الأعمى والعبد والمرأة وأجاز شهادة الأعمى: القاسم والحسن وابن سيرين والزهري وعطاء والشعبي. وقال الحكم: رُبَّ شيءٍ تَجُوز فيه، وقال الزهري: أرأيتَ ابن عباس، لو شهد على شهادة أكنتَ تَرُدُّه؟ ! وقال سليمان بن يسار: استأذنت على عائشة فعرفَتْ صوتي، قالت: سليمان؟ ادخل فإنك مملوك ما بقي عليك شيء. وأجاز سَمُرَةُ بن جُنْدب شهادة امرأة مُنْتَقِبَةٍ. ١٢٨٤ - عن عائشة قالت: سمع النبي ﷺ رجلًا يقرأ آية في المسجد، فقال: "﵀، لقد أذكرني كذا وكذا آية أَسْقَطْتُهُنَّ من سورةِ كذا وكذا". وفي رواية (٢): قالت عائشة: تهجَّدَ النبي ﷺ في بيتي، فسمع صوت

стр. 839

عَبَّاد يصلي في المسجد، فقال: "يا عائشة! أصوتُ عَبَّادٍ (١) هذا؟ " قلت: نعم، قال: "اللهم ارحم عَبَّادًا". وقد تقدم قول النبي (٢) ﷺ : "إنَّ بلالًا ينادي بلَيْلٍ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم". وقد تقدم قوله ﵇ (٣): "أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟ ". وقال أنس (٤): شهادة العبد جائزة إذا كان عدلًا. وأجازها شُرَيْح وزُرَارَةُ ابن أوفى. وقال ابن سيرين: شهادته جائزة إلا لسيده (٥). وأجازه الحسن وإبراهيم في الشيء التافه.

стр. 840

وقال شريح: كلكم بنو عبيد وإماء. ١٢٨٥ - وعن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن عقبة بن الحارث: أنه تزوج أم يحيى نت أبي إِهَابٍ، قال: فجاءت أَمَةٌ سوداء فقالت: قد أرضعتكما، فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ فأعرض عني، قال: فتَنَحَّيْتُ فذكرتُ ذلك له، قال: "كيف وقد زَعَمَتْ أنها أرضعَتْكما" فنهاه عنها (١). وفي رواية (٢): "كيف وقد قيل؟ دعها عنك"، أو نحوه. * * * (٤) باب تعديل النساء بعضهن بعضًا ١٢٨٦ - عن ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب

стр. 841

وعلقمة بن وَقَّاصٍ الليثي وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرَّأها اللَّه منه. قال الزهري: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضُهم أوعى من بعض وأَثْبَتُ له اقتصاصًا، وقد وعيتُ عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يُصَدِّقُ بعضًا، زعموا أن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يخرج سَفَرًا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غَزَاةٍ غَزَاهَا فخرج سهمي، فخَرَجْتُ معه بعد ما أُنْزِلَ الحجاب، فأنا أُحْمَلُ في هَوْدَجٍ وأُنْزَلُ فيه، فسِرْنَا حتى فرغ رسول اللَّه ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة، آذَنَ ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوُا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيتُ شأني أقبلت إلى الرَّحْلِ، فالتمست صدري، فإذا عِقْدٌ من جَزْعِ أَظْفارٍ قد انقطع، فرجعت فالتمست عِقْدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذي يَرْحَلُون لي فاحتملوا هودجي فرَحَلُوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خِفَافًا لم يَثْقُلْنَ ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ، وإنما يأكُلْنَ العُلْقَةَ من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثِقَلَ الهَوْدَج فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عِقْدِي بعدما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأَممت منزلي الذي كنت فيه فظنَنْتُ أنهم سيفقدونني فيرجعون إليَّ، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المُعَطَّل السُّلَمِي ثم الذكواني من وراء الجيش،

стр. 842

فأصبح عند منزلي، فرأى سَوَادَ إنسان نائمٍ فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حتى أناخ راحلته، فوطئ يدها فرَكِبْتُها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُعَرِّسِينَ في نَحْرِ الظهيرة، فهلك مَن هلك، وكان الذي تَوَلَّى الإفك عبد اللَّه بن أُبَيّ بن سَلُول، فقدمنا المدينة فاشْتَكَيتُ بها شهرًا، يُفيضون من قول أصحاب الإفك، وَيَرِيبُنِي في وجعي أني لا أرى من النبي ﷺ اللُّطْفَ الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل فيُسَلِّمُ فيقول: "كيف تِيكُم؟ " لا أشعر بشيء من ذلك حتى نَقَهْتُ، فَرُحْتُ (١) أنا وأمُّ مِسْطَح قِبَلَ المَنَاصِعِ مُتَبَرَّزُنا، لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العرب الأُوَل في البَرِّيَّةِ أو التنزُّه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنتُ أبي رُهْمٍ نمشي، فَعَثَرَتْ في مِرْطِهَا فقالت: تَعِسَ مِسْطَح، فقلت لها: بئس ما قلتِ! أَتَسُبِّينَ رجلًا شهد بدرًا؟ فقالت: يا هَنْتَاهُ! ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرَتْنِي بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعتُ إلى بيتي دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ فسَلَّم فقال: "كيف تِيكُم؟ " فقلت: ائذن لي إلى أَبَوَيَّ -قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قِبَلِهما (٢) - فأَذِنَ لي رسول اللَّه ﷺ ، فأتيت أَبَوَيَّ، فقلت لأمي: ما يتحدث الناس (٣) به؟ فقالت: يا بُنَيَّهُ هَوِّنِي على نفسك الشأنَ، فواللَّه لَقَلَّمَا كانت امرأةٌ قَطُّ وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها،

стр. 843

فقلت: سبحان اللَّه! أو قد تحدث (١) الناس بهذا -أو في رواية: قالت عائشة: سمع رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت أمها: نعم. قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم. فخرت مَغْشِيًّا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمَّى بنافِضٍ- قالت: فبت تلك الليلة حتى أصبحتُ لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول اللَّه ﷺ عليَّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استَلْبَثَ الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم من نفسه من الود لهم، فقال (٢): يا رسول اللَّه! أهلُكَ، ولا نعلم واللَّه إلا خيرًا، وأمّا عليٌّ (٣) فقال: يا رسول اللَّه! لم يضيق اللَّه عليك، والنساء سواها كثير، وسَلِ الجاريةَ تَصْدُقْكَ. فدعا رسول اللَّه ﷺ بَرِيرَةَ فقال: "يا بريرةُ! هل رأيت منها شيئًا يَرِيبك؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرًا أَغْمِصُهُ عليها (٤) أكثر من أنها جارية حديثة السِنِّ تنام عن العجين، فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول اللَّه ﷺ من يومه فَاسْتَعْذَرَ من عبد اللَّه بن أُبَيٍّ ابنِ سَلُولَ، فقال رسول اللَّه ﷺ "من يعذرني من رجل بلغني أَذَاهُ في أهلي، فواللَّه ما علمت على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول اللَّه! أنا واللَّه (٥)

стр. 844

أَعْذِرُك منه، إن (١) كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج (٢) أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عُبَادَة -وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملتْه الحَمِيَّة- فقال: كذبت؛ لعَمْرُ اللَّه لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أُسَيْدُ بن حضير فقال: كذب (٣)؛ لعمر اللَّه لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحَيَّانِ الأوسُ والخزرج حتى هموا ورسول اللَّه ﷺ على المنبر، فنزل فَخَفَّضَهُمْ حتى سكتوا وسكت. وبكيتُ يومي لا يَرْقَأُ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلتي ويومًا، حتى ظننت أن البكاءَ فالقٌ كبدي، (فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ) (٤) استأذنَتِ امرأة من الأنصار، فأَذِنْتُ لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول اللَّه ﷺ فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل فِيّ (٥) ما قيل قبلها، وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء، قال: فتشهَّد رسول اللَّه ﷺ (٦) ثم قال: "يا عائشة! إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللَّه، وإن كنت أَلْمَمْتِ بذنب فاستغفري اللَّه وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب اللَّه عليه".

стр. 845

فلما قضى رسول اللَّه ﷺ مقالته قَلَصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً، وقلت لأبي: أجب عني رسول اللَّه (١). قال: واللَّه لا أدري ما أقول لرسول اللَّه؟ فقلت لأمي: أجيبي عني رسول اللَّه (٢) فيما قال. قالت: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ . قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: واللَّه (٣) لقد علمتُ أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، وَوَقَرَ في أنفسكم وصَدَّقْتُمْ به، ولئن قلت لكم إني لبريئة -واللَّه يعلم أني بريئة- لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ -واللَّه يعلم أني بريئة- لَتُصَدِّقُنِّي، واللَّه ما أجد لي ولكم مَثَلًا إلا أبا يوسف إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] ثم تحولْتُ على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني اللَّه، ولكن واللَّه ما ظننت أن يُنْزِل في شأني وَحْيًا، ولأَنَا أحقر في نفسي من أن يُتَكَلَّم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يَرَى رسول اللَّه ﷺ في النوم رؤيا تبرئني، فواللَّه ما رَامَ مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنْزِلَ عليه الوحي (٤)، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاءُ حتى إنه ليتحدَّرُ منه مثلُ الجُمَانِ من العَرَقِ في يوم شاتٍ، فلما سُرِّيَ عن رسول اللَّه ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمةٍ تكلم بها أنْ قال (٥): "يا عائشة! احْمَدِي اللَّه فقد برأك" (٦).
следующие страницы →