← Книги сунны

Книги сунны · id 127656

اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه

أبو العباس القرطبي

Полный текст (2 203 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وعلقمة بن وَقَّاصٍ الليثي وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرَّأها اللَّه منه. قال الزهري: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضُهم أوعى من بعض وأَثْبَتُ له اقتصاصًا، وقد وعيتُ عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يُصَدِّقُ بعضًا، زعموا أن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يخرج سَفَرًا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غَزَاةٍ غَزَاهَا فخرج سهمي، فخَرَجْتُ معه بعد ما أُنْزِلَ الحجاب، فأنا أُحْمَلُ في هَوْدَجٍ وأُنْزَلُ فيه، فسِرْنَا حتى فرغ رسول اللَّه ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة، آذَنَ ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوُا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيتُ شأني أقبلت إلى الرَّحْلِ، فالتمست صدري، فإذا عِقْدٌ من جَزْعِ أَظْفارٍ قد انقطع، فرجعت فالتمست عِقْدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذي يَرْحَلُون لي فاحتملوا هودجي فرَحَلُوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خِفَافًا لم يَثْقُلْنَ ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ، وإنما يأكُلْنَ العُلْقَةَ من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثِقَلَ الهَوْدَج فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عِقْدِي بعدما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأَممت منزلي الذي كنت فيه فظنَنْتُ أنهم سيفقدونني فيرجعون إليَّ، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المُعَطَّل السُّلَمِي ثم الذكواني من وراء الجيش،

стр. 842

فأصبح عند منزلي، فرأى سَوَادَ إنسان نائمٍ فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حتى أناخ راحلته، فوطئ يدها فرَكِبْتُها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُعَرِّسِينَ في نَحْرِ الظهيرة، فهلك مَن هلك، وكان الذي تَوَلَّى الإفك عبد اللَّه بن أُبَيّ بن سَلُول، فقدمنا المدينة فاشْتَكَيتُ بها شهرًا، يُفيضون من قول أصحاب الإفك، وَيَرِيبُنِي في وجعي أني لا أرى من النبي ﷺ اللُّطْفَ الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل فيُسَلِّمُ فيقول: "كيف تِيكُم؟ " لا أشعر بشيء من ذلك حتى نَقَهْتُ، فَرُحْتُ (١) أنا وأمُّ مِسْطَح قِبَلَ المَنَاصِعِ مُتَبَرَّزُنا، لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العرب الأُوَل في البَرِّيَّةِ أو التنزُّه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنتُ أبي رُهْمٍ نمشي، فَعَثَرَتْ في مِرْطِهَا فقالت: تَعِسَ مِسْطَح، فقلت لها: بئس ما قلتِ! أَتَسُبِّينَ رجلًا شهد بدرًا؟ فقالت: يا هَنْتَاهُ! ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرَتْنِي بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعتُ إلى بيتي دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ فسَلَّم فقال: "كيف تِيكُم؟ " فقلت: ائذن لي إلى أَبَوَيَّ -قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قِبَلِهما (٢) - فأَذِنَ لي رسول اللَّه ﷺ ، فأتيت أَبَوَيَّ، فقلت لأمي: ما يتحدث الناس (٣) به؟ فقالت: يا بُنَيَّهُ هَوِّنِي على نفسك الشأنَ، فواللَّه لَقَلَّمَا كانت امرأةٌ قَطُّ وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها،

стр. 843

فقلت: سبحان اللَّه! أو قد تحدث (١) الناس بهذا -أو في رواية: قالت عائشة: سمع رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت أمها: نعم. قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم. فخرت مَغْشِيًّا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمَّى بنافِضٍ- قالت: فبت تلك الليلة حتى أصبحتُ لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول اللَّه ﷺ عليَّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استَلْبَثَ الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم من نفسه من الود لهم، فقال (٢): يا رسول اللَّه! أهلُكَ، ولا نعلم واللَّه إلا خيرًا، وأمّا عليٌّ (٣) فقال: يا رسول اللَّه! لم يضيق اللَّه عليك، والنساء سواها كثير، وسَلِ الجاريةَ تَصْدُقْكَ. فدعا رسول اللَّه ﷺ بَرِيرَةَ فقال: "يا بريرةُ! هل رأيت منها شيئًا يَرِيبك؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرًا أَغْمِصُهُ عليها (٤) أكثر من أنها جارية حديثة السِنِّ تنام عن العجين، فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول اللَّه ﷺ من يومه فَاسْتَعْذَرَ من عبد اللَّه بن أُبَيٍّ ابنِ سَلُولَ، فقال رسول اللَّه ﷺ "من يعذرني من رجل بلغني أَذَاهُ في أهلي، فواللَّه ما علمت على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول اللَّه! أنا واللَّه (٥)

стр. 844

أَعْذِرُك منه، إن (١) كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج (٢) أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عُبَادَة -وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملتْه الحَمِيَّة- فقال: كذبت؛ لعَمْرُ اللَّه لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أُسَيْدُ بن حضير فقال: كذب (٣)؛ لعمر اللَّه لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحَيَّانِ الأوسُ والخزرج حتى هموا ورسول اللَّه ﷺ على المنبر، فنزل فَخَفَّضَهُمْ حتى سكتوا وسكت. وبكيتُ يومي لا يَرْقَأُ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلتي ويومًا، حتى ظننت أن البكاءَ فالقٌ كبدي، (فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ) (٤) استأذنَتِ امرأة من الأنصار، فأَذِنْتُ لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول اللَّه ﷺ فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل فِيّ (٥) ما قيل قبلها، وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء، قال: فتشهَّد رسول اللَّه ﷺ (٦) ثم قال: "يا عائشة! إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللَّه، وإن كنت أَلْمَمْتِ بذنب فاستغفري اللَّه وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب اللَّه عليه".

стр. 845

فلما قضى رسول اللَّه ﷺ مقالته قَلَصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً، وقلت لأبي: أجب عني رسول اللَّه (١). قال: واللَّه لا أدري ما أقول لرسول اللَّه؟ فقلت لأمي: أجيبي عني رسول اللَّه (٢) فيما قال. قالت: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ . قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: واللَّه (٣) لقد علمتُ أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، وَوَقَرَ في أنفسكم وصَدَّقْتُمْ به، ولئن قلت لكم إني لبريئة -واللَّه يعلم أني بريئة- لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ -واللَّه يعلم أني بريئة- لَتُصَدِّقُنِّي، واللَّه ما أجد لي ولكم مَثَلًا إلا أبا يوسف إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] ثم تحولْتُ على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني اللَّه، ولكن واللَّه ما ظننت أن يُنْزِل في شأني وَحْيًا، ولأَنَا أحقر في نفسي من أن يُتَكَلَّم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يَرَى رسول اللَّه ﷺ في النوم رؤيا تبرئني، فواللَّه ما رَامَ مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنْزِلَ عليه الوحي (٤)، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاءُ حتى إنه ليتحدَّرُ منه مثلُ الجُمَانِ من العَرَقِ في يوم شاتٍ، فلما سُرِّيَ عن رسول اللَّه ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمةٍ تكلم بها أنْ قال (٥): "يا عائشة! احْمَدِي اللَّه فقد برأك" (٦).

стр. 846

فقالت أمي: قومي إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: واللَّه لا أقوم (١) إليه، ولا أحمد إلا اللَّه، فأنزل اللَّه (٢): ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] الآيات. فلما أنزل اللَّه (٣) هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق (٤) -وكان ينفق على مِسْطَحِ بن أُثاثَة لقرابته منه-: واللَّه لا أُنْفِقُ على مِسْطح شيئًا (٥) أبدًا بعدما قال (٦) لعائشة، فأنزل اللَّه : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فقال أبو بكر: بلى واللَّه، إني لأُحِبُّ أن يغفر اللَّه لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يُجْرِي عليه. وكان رسول اللَّه ﷺ سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: "يا زينب! ما علمت؟ " فقالت: يا رسول اللَّه! أَحْمِي سمعي وبصري، واللَّه ما عَلِمْتُ عليها إلا خيرًا. قالت: وهي التي كانت تساميني فعصمها اللَّه بالورع. * تنبيه: قضية الإفك كانت في غزوة المُرَيْسِيع، واختلف في زمانها. فقيل: كانت في شعبان سنة ستٍ من الهجرة، وعلى هذا فيكون ذكر سعد بن

стр. 847

معاذ في القضية وَهْمًا، فإنه مات منصرفَ رسول اللَّه ﷺ من بني قريظة بلا خلاف، وكذلك قال أبو عمر بن عبد البر قال: وإنما تَرَاجَعَ في ذلك سعد بن عبادة وأُسَيْدُ بن الحُضَيْرِ. قال القاضي عِيَاض: وجدت الطبري ذكر عن الواقدي أن المرَيْسيع سنة خمسٍ، قال: وكانت الخندق وقريظة بعدها، وعلى هذا لا يكون ذكر سعد ابن معاذ وهمًا، واللَّه أعلم. و"المُرَيْسِيع": ماء في ناحية قُدَيْدٍ، مما يلي الساحل، أغار النبي ﷺ فيها على بني المُصْطَلِق وهم غَارُّونَ -أي: غافلون- وأَنْعَامُهُم تسقى على الماء فقتل وأسر. "الهَوْدجَ": القُبة فيها المرأة، وهي الخِدْر. و"آذَنَ": أَعْلَمَ. و"الجَزعْ": بفتح الجيم: الخرز المنظوم. و"أظفار" كذا الرّواية بالألف، والصواب: "ظِفَارِ" بغير أَلفٍ -مكسورة الراء مبنيٌّ. وهي مدينة باليمن فيها ثياب حُمْرٌ، وخَرَزٌ ظِفَاري منسوب إليها. و"العُلْقَة" من الطعام: القليل منه. و"أَمَمْتُ منزلي": قصدتُه مخفَّفةَ الميم. و"سواد النائم": شَخْصُهُ. و"التَّعْريس": النزول من آخر الليل، وقال أبو زيد: هو النزول في أيِّ وقت كان، ويشهد له ما وقع هنا. و"الظهيرة": شدة الحَرِّ، و"نحرها": أولُها. و"يُفِيضُون": يُشِيْعون الحديث. و"يَرِيبُنِي": من الرِّيبة وهو ثلاثي. و"الوجع": المرض. و"نَقَهتُ": أَفَقْتُ، وهو بالفتح، ونفِهْتُ -بكسرها- معناه: فهمت.

стр. 848

و"مِسْطَح": اسم رجلٍ، وأصله: عود من أعواد الحناء. و"المناصع": مواضع معروفة. و"المُتَبَرَّز" بفتح الراء: هو موضع التبرز، وأصله من برز: إذا خرج إلى البراز. و"الكُنُف": جمع كنيف، وأصله: الساتر. و"التنزه": التباعُدُ عن الأقذار. و"تعس": انتكس، دَعَتْ عليه. و"يا هَنتَاه": يا امرأه، ويقال للرجل: يا هناه، ولا يستعملان إلا في النداء. و"وضيئة": حسنة. و"لا يَرْقَأُ لي دمعٌ"؛ أي: لا ينقطع. و"قَلَصَ": انقطع، و"يَأْتَلِي": يحلف. و"الورع": الكف عن المحارم. * * * (٥) باب ما يكره من الإِطْنَاب في المدح، وليقُلْ ما يعلم إذا أُمِنَتِ الفتنةُ على المادح والممدوح ١٢٨٧ - عن أبي موسى: سمع النبي ﷺ رجلًا يُثْنِي على رجلٍ ويُطْرِيه في مدحه، فقال: "أهلكتم -أو قطعتم (١) - ظهر الرجل".

стр. 849

١٢٨٨ - وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أثنى رجل على رجل عند النبي ﷺ ، فقال: "ويلك! قطعت عنقه، قطعت عنق صاحبك (١) " مرارًا، ثم قال: "من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل: أَحْسَبُ فلانًا -واللَّه حَسِيبُهُ، ولا أزكِّي على اللَّه أحدًا- أَحْسَبُهُ كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه". وقال أبو جميلة (٢): وجدتُ مَنْبُوذًا، فلما رآني عمر كأنه يتهمني، قال عَرِيفي: إنه رجل صالح. قال: كذلك اذهب وعلينا نفقته. * * * (٦) باب بلوغ الصبيان وشهادتهم وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. وقال مغيرة: احتلمت وأنا ابن ثنتي عشرة سنة. وبلوغ النساء إلى المحيض لقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وقال الحسن بن صالح (٣): أدركت جاريةً لنا جَدَّةً بنتَ إحدى وعشرين سنة.

стр. 850

١٢٨٩ - وعن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ عَرَضَهُ يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنةً، فلم يُجِزْنِي، ثمن عرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. قال نافع: فقَدِمْتُ على عمرَ بنِ عبد العزيز وهو خليفة، فحدثته هذا الحديث فقال: إن هذا الحَدُّ (١) بين الصغير والكبير، وكتب لعماله (٢) أن يَفْرِضُوا لمن يبلغ خمسة عشرة سنة. وقد تقدم قول (٣) النبي ﷺ : "غسلُ يوم الجمعة واجب على كل محتلم". * * * (٧) باب البينة على من ادَّعَى، واليمين على المُدَّعَى عليه وقال ابن عباس (٤): قضى النبي ﷺ باليمين على المدعى عليه.

стр. 851

١٢٩٠ - وعن أبي وائل قال: قال عبد اللَّه هو ابن مسعود: من حلف على يمينٍ يستحق بها مالًا لقي اللَّه وهو عليه غضبان، ثم أنزل اللَّه تصديقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى: ﴿أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. ثم إن الأشعثَ بن قيس خرج إلينا فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه بما قال، فقال: صدق، لَفِيَّ نزلتْ، كان بيني وبين رجل خصومةٌ في شيء، فاختصمنا إلى النبي (١) ﷺ ، فقال: "شاهداك أو يمينه" فقلت له: إذًا يحلف (٢) ولا يبالي، فقال النبي ﷺ : "من حلف على يمينٍ يستحق بها مالًا وهو فيها فاجر، لقي اللَّه وهو عليه غضبان" (٣). * * * (٨) باب تغليظ اليمين بالزمان والمكان، وبماذا يحلف، والحكم عند المسارعة لليمين وقال ﵇ (٤): "ورجل حلف باللَّه كاذبًا بعد العصر".

стр. 852

وقضى مروان (١) على زيد بن ثابت باليمين على المنبر، فقال: أحْلِفُ له على مكاني، فجعل زيد يحلف وأبى أن يحلف على المنبر، فجعل مروان يعجب منه. ١٢٩١ - وعن نافع، عن عبد اللَّه: أنَّ النبي ﷺ قال: "من كان حالفًا فليحلف باللَّه أو لِيَصْمُتْ". ١٢٩٢ - وعن أبي هريرة: أنَّ النبي ﷺ عرض على قوم اليمينَ وأسرعوا (٢)،

стр. 853

فأمر النبي ﷺ أن يُسْهَمَ بينهم في اليمين أيُّهم يَحْلِفُ. * * * (٩) باب لا تقبل شهادة الكافر ولا خبره وقال الشَّعْبِي: لا تجوز شهادة أهل المِلَل؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤]. وقال أبو هريرة (١) عن النبي ﷺ : "لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكتابِ ولا تكذِّبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾ [البقرة: ١٣٦] ". ١٢٩٣ - وعن عبد اللَّه بن عَبَّاس قال: يا معشر المسلمين! كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيه (٢) أحدثُ الأخبار باللَّه؛ تقرؤونه ولم يُشَبْ؟ وقد حدثكم اللَّه أن أهل الكتاب بَدَّلُوا ما كتبَ اللَّهُ وغيَّروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هو (٣) من عند اللَّه ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسَاءَلَتهم؟ ولا واللَّه ما رأينا منهم رجلًا

стр. 854

قَطُّ يسأل (١) عن الذي أُنْزِلَ إليكم (٢). * * * (١٠) باب الإصلاح بين الناس وفضلِهِ وقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ الآية [النساء: ١١٤]. وقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. ١٢٩٤ - عن حُمَيْد بن عبد الرحمن: أنَّ أمه أمَّ كلثوم بنت عقبة أخبرته: أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليس الكاذب (٣) الذي يصلح بين الناس فيَنْمِي خيرًا ويقول (٤) خيرًا".

стр. 855

١٢٩٥ - وعن سهل بن سعد: أن أهل قُباء اقتتلوا حتى تَرَامَوْا بالحجارة، فأُخْبِرَ رسول اللَّه ﷺ بذلك، فقال: "اذهبوا بنا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ". ١٢٩٦ - وعن عائشة: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قالت: هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه؛ كِبَرَا أو غيره، فيريد فِرَاقَهَا فتقول: أمسكني واقْسِمْ لي ما شئت، فلا بأس إذا تراضَيَا. الغريب: "يَنْمِي": يتحدث ويرفع. و"النُّشُوز": الدفع عن العدل في الحق، وهو هنا البغض. * * * (١١) باب إذا اصطلحوا على جَوْرٍ فهو مردود ١٢٩٧ - عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : "من أحدث في

стр. 856

أمرنا هذا ما ليس منه (١) فهو مردود (٢) ". ١٢٩٨ - وعن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قالا: جاء أعرابي فقال: يا رسول اللَّه" اقض بيننا بكتاب اللَّه، فقام خصمه فقال: صَدَقَ، فاقض بيننا بكتاب اللَّه. فقال الأعرابي: إن ابني كان عَسِيفا على هذا، فزنى بامرأته، فقالوا (٣): على ابنك الرجم، فَفَدَيْتُ (٤) ابني منه بمئة من الغنم ووليدة. ثم سألت أهل العلم فقالوا: إنما على ابنك مئة جلدة وتَغْرِيبُ عامٍ. فقال النبي ﷺ : "لأَقْضِيَنَّ بينكما بكتاب اللَّه، أما الوليدةُ والغنم فَرَدٌّ عليك، وعلى ابنك جَلْدُ مئةٍ وتغريب عام، وأما أنت يا أُنيس -لِرَجُلٍ- فَاغْدُ على امرأة هذا فارجمها" فغدا عليها أُنَيْسُ فرجمها. وفي رواية (٥): "فإن اعترفت فارجمها" فغدا عليها، فاعترفت فرجمها. * * *

стр. 857

(١٢) باب الصلح بين المشركين وكيف يكتب الصلح ١٢٩٩ - عن البراء بن عازب قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القَعْدَةِ، فأبى أهل مكة أن يَدَعُوهُ يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيامٍ، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه، فقالوا: لا نُقِرُّ بِهَا، فلو نعلم أنك رسول اللَّه ما منعناك، لكن أنت محمد ابن عبد اللَّه. قال: "أنا رسول اللَّه وأنا محمد ابن عبد اللَّه" ثم قال لِعَلِيٍّ: "امحُ رسول اللَّه" قال: لا، واللَّه لا أمحوك أبدًا. فأخذ رسول اللَّه ﷺ الكتاب فكتب: "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللَّه، لا يدخل مكة بسلاحٍ إلَّا في القِرَابِ، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يَتبعه، وأن لا يمنع أحدًا من أصحابه (١) أن يقيم بها"، فلما دخلها ومضى الأجلُ أَتَوْا عَلِيًّا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ فتبعتهم ابنة حمزة: يا عم يا عم، فتناولها عَلِيٌّ وأخذ (٢) بيدها، وقال لفاطمة: دُونَكِ ابنة عمك. فحملتها (٣)، فاختصم فيها عليٌّ وزيد وجعفر، فقال عليُّ: أنا أحقُّ بها وهي ابنة عمي. وقال

стр. 858

جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم" وقال لعليّ: "أنت مني وأنا منك" وقال لجعفر: "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وخُلُقي" وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا". * تنبيه: قوله: "فأخذ رسول اللَّه ﷺ الكتاب فكتب" ظاهرٌ قويٌّ في أن النبي ﷺ كتب بيده، وقد أنكره قوم تمسُّكًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، ولا نكرَةَ فيه؛ فإن الخط المنفي عنه الخط المكتسب عن التَّعَلُّم، وهذا خط خارق للعادة أجراه اللَّه على أنامل نَبِيِّهِ، مع بقائه لا يُحْسِنُ الكتابة المكتسبة، فهذا زيادة في صحة نبوته، واللَّه أعلم. و"قاضاهم": صالحهم. * * * (١٣) باب الصلح بين الخلفاء والأمراء وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ١٣٠٠ - وعن أبي موسى قال: سمعت الحسن يقول: استقبل واللَّه

стр. 859

الحسنُ بن علي معاويةَ بكتائبَ أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تُوَلِّي حتى تَقْتُلَ أقرانهَا؟ فقال له معاوية وكان واللَّه خير الرجلين: أَيْ عمرو! إنْ قَتَلَ هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء مَن لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بِضَيْعَتِهِمْ؟ فبعث إليه رجلين (١) من قريش من بني عبد شمس: عبدَ الرحمن بن سَمُرة وعبد اللَّه بن عامر بن كُرَيْز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه، فَأَتَيَاهُ فدخلا عليه فتكلَّما، وقالا له، وطلبا إليه. فقال لهم الحسن بن علي: إنَّا بنو عبد المطلب قد أَصَبْنَا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عَاثَتْ في دمائها، قالا: فإنه يَعْرِضُ عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئًا إلَّا قالا: نحن لك به. فصالحه. قال (٢) الحسن: ولقد سمعت أبا بَكْرَةَ يقول: رأيت رسول اللَّه ﷺ على المنبر -والحسن إلى جنبه- وهو يقبل على الناس مَرَّةً وعليه أخرى ويقول: "إن ابني هذا سيدٌ، ولعل اللَّه أن يصلح به، بين فئتين عظيمتين من المسلمين". قال البخاري: قال لي علي بن عبد اللَّه: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث. * * *

стр. 860

(١٤) باب إشارة الإمام بالصُّلح فإن لم يُقْبَلْ حَكَمَ ١٣٠١ - عن عائشة قالت: سمع رسول اللَّه ﷺ صوتَ خصومٍ عند الباب، عاليةٍ أصواتُهما، وإذا أحدهما يَسْتَوْضعُ الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: واللَّه لا أفعل. فخرج رسول اللَّه ﷺ فقال: "أين المُتَأَلِّي (١) على اللَّه لا يفعل المعروف؟ " فقال: أنا يا رسول اللَّه، فله أيُّ ذلك أَحَبَّ. ١٣٠٢ - وعن كعب بن مالك: أنَّه كان له على عبد اللَّه بن أبي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيّ مال، فلقيه في زاوية في المسجد (٢)، فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما، فمرَّ بهما النبي ﷺ ، فقال: "يا كعب" فأشار بيده، وكأنه يقول: النصف، فأخذ نصف ما عليه وترك نصفه (٣). في رواية (٤): "قم فاقضه".

стр. 861

١٣٠٣ - وعن عروة بن الزبير: أن الزبير (١) كان يُحَدِّثُ أنَّه خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا إلى رسول اللَّه ﷺ في شِرَاج الحَرَّةِ (٢) كان (٣) يسقيان به كلاهما، فقال رسول اللَّه ﷺ للزبير: "اسْقِ يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك" فغضب الأنصاري فقال: يا رسول اللَّه! آنْ كان ابن عمتك؟ فتلوَّن وجه رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: "اسق، ثم احبس حتى تبلع الجَدْر (٤) " فاستوعى للزبير (٥) حينئذ حقه، وكان رسول اللَّه ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي سعبما له وللأنصاري، فلما أَحْفَظَ الأنصاريُّ رسولَ اللَّه ﷺ استَوْعَى (٦) للزبير حقه في صريح الحكم، قال عروة: قال الزبير: واللَّه ما أحسب هذه الآية نزلت إلَّا في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥]. * * *

стр. 862

(١٥) باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث وقال ابن عباس: لا بأس أن يتخارج الشريكان فيأخذ هذا عينًا وهذا دينًا، فإن تَوِيَ (١) لأحدهما لم يرجع. ١٣٠٤ - عن وَهْب بن كَيْسَان، عن جابر بن عبد اللَّه قال: توفي أبي وعليه دَيْنٌ، فعرضتُ على غُرَمَائِهِ أن يأخذوا الثمرة (٢) بما عليه فأَبوا (٣)، ولم يروا أن فيه وفاءً، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "إذا جَدَدْتَهُ فوضعته في المِرْبَدِ آذَنْتَ (٤) " فجاء ومعه أَبو بكر وعمر، فجلس عليه فدعا بالبركة ثم قال: "ادْعُ غرماءك فَأَوْفِهِمْ" فما تركتُ أحدًا له على أَبِي دَيْن إلَّا قضيته، وفَضَلَ ثلاثة عشر وَسْقًا: سبعةٌ عَجْوَةٌ وستةٌ لَونٌ (٥)، أو ستةٌ عجوةٌ وسبعةٌ لَوْنٌ، فوافيتُ مع رسول اللَّه ﷺ المغرب -في رواية (٦): صلاة العصر،

стр. 863

وفي أخرى (١): صلاة الظهر -فذكرت ذلك له، فضحك فقال: "ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما". فقالا له (٢): لقد علمنا إذ صنع رسول اللَّه ﷺ ما صنع أَنْ سيكون ذلك. * * * (١٦) باب ما يجوز من الشروط في الإسلام، وفي الأحكام، وبيع المشركين ١٣٠٥ - عن عروة بن الزبير، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ ومروان -يُصَدِّقُ كل واحد منهما صاحبه- قالا: خرج رسول اللَّه ﷺ زمن الحديبية، حتى إذا كانوا ببعض الطَّرِيقِ قال النبي ﷺ : "إن خالد بن الوليد بالغَمِيمِ في خيل لقريش طليعةَ، فخذوا ذات اليمين" فواللَّه ما شعر بهم خالد خى إذا هُمْ بِقَتَرَةِ الجيش، فانطلق يَرْكُضُ نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يُهْبَطُ عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فَأَلَحَّتْ فقالوا: خَلأَتِ القَصْوَاءُ، خَلأت القصواء (٣)، فقال النبي ﷺ :

стр. 864

"ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل". ثم قال: "والذي نفسي بيده لا يسألوني (١) خُطَّةً يعظِّمون فيها حرمات اللَّه إلَّا أعطيتهم إيَّاها" ثم زجرها فوثبت، قال: فَعَدَلَ عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ قليل يتبَرَّضُه الناس تَبَرُّضًا، فلم يلبث (٢) الناس حتى نزحوه، وشُكِيَ إلى رسول اللَّه ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كِنَانتَهِ ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فواللَّه ما زال يَجِيشُ لهم بالرِّيِّ حتى صَدَرُوا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيْلُ بن وَرْقَاءَ الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة -وكانوا عَيْبَةَ نُصْحِ رسول اللَّه ﷺ من أهل تِهَامَةَ- فقال: إني تركت كعب بن لُؤَيّ وعامر بن لؤي نزلوا أَعْدَاد مياه الحديبية معهم العُوذُ المَطَافِيلُ وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت. في رواية (٣): فقال: "أَشِيرُوا عليَّ، أترون أن أميل إلى عيالهم وذَرَارِيِّ هؤلاء الذين يريدون أن يصدُّونا عن البيت؛ فإن يأتونا كان اللَّه قد قطع عُنقًا من المشركين، وإلَّا تركناهم محروبين"، قال أَبو بكر: يا رسول اللَّه! خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحدِ ولا حرب أحد، فتوجَّهْ له، فمن صدَّنا عنه قاتلناه، قال: "امضوا على اسم اللَّه". فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّا لم نَجِئَ لقتال أحدٍ، ولكنا جئنا مُعْتَمِرِينَ، وإنَّ قريشًا قد نَهَكَتْهم الحرب، وأضرَّتْ بهم. فإن شاؤوا مَادَدْتُهُمْ ويخلُّوا بيني

стр. 865

وبين الناس، فإنْ أَظْهَرْ فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلَّا فقد جَمُّوا، وإن هم أَبَوْا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سَالِفَتي، وليُنْفِذَنَّ اللَّهُ أمره". فقال بُديل: سأبلِّغُهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشًا فقال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نَعْرِضَهُ عليكم فَعَلْنَا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته (١) يقول: كذا وكذا، فَحَدَّثَهُمْ بما قال النبي ﷺ ، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم! ألستُم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: ألسْتُ (٢) بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني قد اسْتَنْفَرْتُ أهل عُكَاظٍ فلما بَلَّحُوا عَليَّ جِئْتُكُم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإنَّ هذا قد عَرَضَ (٣) خطة رشدٍ اقبلوها ودعوني آتيه، فقالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ ، فقال (٤) النبي ﷺ نحوًا من قوله لبُديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد! أرأيتَ إن استأصلتَ أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني واللَّه لا أرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يَفرُّوا ويَدَعوك، فقال له أَبو بكر: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ، أنحن نفرُّ عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ فقالوا: أَبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده

стр. 866

لولا يدٌ كانت لك عندي لم أَجْزِكَ بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ فكلَّما كلمه أخذ (١) بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول اللَّه (٢) ﷺ ومعه السيف وعليه المِغْفَرُ، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال: أَخِّر يدك عن لحية رسول اللَّه ﷺ ، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غُدَر، ألستُ أسعى في غَدْرَتِك -وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : "أمَّا الإسلام فأَقْبَلُ، وأما المالُ فلستُ منه في شيء". ثم إنَّ عروة جعل يرمقُ أصحاب رسول اللَّه (٣) ﷺ بعينيه، قال: فواللَّه ما تَنَخَّم رسول اللَّه ﷺ نخامةً إلَّا وقعت في كفِّ رجلٍ منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، ما يُحِدُّون إليه النظر تعظيمًا له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أيْ قومِ! واللَّه لقد وَفَدْتُ على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، واللَّه إنْ رأيتُ ملكًا قط يعظِّمه أصحابه ما يعظم أصحابُ محمدٍ محمدًا، واللَّه إن تنخَّم نخامة إلَّا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيمًا، وإنه قد عرض عليكم خطة رُشْدٍ فاقبلوها. فقال رجل من بني

стр. 867

كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائْتِهِ، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول اللَّه ﷺ : "هذا فلان، وهو من قَوْمٍ يعظمون البُدن فابعثوها له" فبُعِثَتْ له، واستقبله الناس يُلَبُّونَ، فلما رأى ذلك قال: سبحان اللَّه! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدْن قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مِكْرَزُ ابن حفص فقال: دعوني آتيه (١)، فقال: ائتِه، فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : "هذا مكرز، وهو رجل فاجر" فجعل يكلم النبي ﷺ ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة: أنَّه لما جاء سهيل (٢) قال النبي ﷺ : "قد سَهُلَ لكم من أمركم". قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتُبْ بيننا وبينك كتابًا. فدعا النبي ﷺ الكتاب (٣)، فقال النبي ﷺ : "اكتب (٤): بسم اللَّه الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما الرحمن فواللَّه ما أدري ما هو، اكتب (٥): باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: واللَّه لا نكتبها إلَّا بسم اللَّه الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ : "اكتب: باسمك اللهم"، ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه"، فقال سهيل: واللَّه لو نعلم (٦) أنك رسول اللَّه ما صَدَدْنَاكَ

стр. 868

عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد اللَّه، فقال النبي ﷺ : "واللَّه إني لرسول اللَّه وإن كذَّبتموني، اكتب محمد بن عبد اللَّه". وقال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألوني خطة يعظِّمون فيها حُرُمَاتِ اللَّه إلَّا أعطيتهم إياها"، فقال له النبي ﷺ : "على أن تخلُّوا بيننا وبين البيت فنطوفه (١) " فقال سهيل: واللَّه لا تتحدث العرب أنا أُخذنا ضُغْطَةً، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب، فقال سهيل: وعلى أنَّه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلَّا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان اللَّه! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أَبو جندل بن سهيل بن عمرو يَوْسُفُ في قيوده قد خرج من أسفل مكة رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن تردَّه إليّ. فقال النبي ﷺ : "إنَّا لم نقض الكتابَ بعد" قال: فواللَّه إذًا لا أصالحك على شيء أبدًا. فقال النبي ﷺ : "فآجِزْهُ لي" فقال: ما أنا بمجيزٍ ذلك (٢)؟ قال: "بلى فافعل" قال: ما أنا بفاعل، قال مِكْرَز: بل قد أجزناه لك. قال أَبو جندل: أَيْ معشر المسلمين! أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في اللَّه، فقال (٣) عمر بن الخطاب: فأتيتُ نبيَّ اللَّه ﷺ فقلت: ألستَ نبي اللَّه حقًّا؟ قال: "بلى"، قال (٤): ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطل؟ قال: "بلى"، قلت: فلمَ نُعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا إذًا؟ قال:

стр. 869

"إني رسول اللَّه، ولست أعصيه، وهو ناصري"، قلت: ألستَ (١) كنت تحدثنا أنَّا نأتي (٢) البيت فنطوف به؟ قال: "بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام" قلت: لا، قال: "إنك آتيه ومطوِّفٌ به"، قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر! أليس هذا نبي اللَّه حقًّا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدُّونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلمَ نعطي الدَّنيةَ في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل! إنه رسول اللَّه، وليس يعصي ربه، وهو ناصِرُه، فاستمسِكْ بغَرْزِهِ، فواللَّه إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنَّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأَخبرك أنك تأتيه العام؟ فقلت (٣): لا، قال: فإنك آتيه ومطوِّف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلِقُوا" قال: فواللَّه ما قام منهم أحد (٤) حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سَلَمَة فذكر ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول اللَّه! أتحبُّ ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حالقك فيحلِقَكَ. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنَهُ ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غَمًّا.

стр. 870

ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل اللَّه (١): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فطَلَّقَ عُمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أُمَيَّةَ. ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أَبو بَصِير -رجل من قريش- وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم (٢)، فقال أَبو بَصير لأحد الرجلين: واللَّه إني لأرى سيفك هذا (٣) جَيِّدًا، فاستله الآخر فقال: أجل واللَّه إنه لجيد، لقد جرَّبتُ به، ثم جربت به (٤). فقال أَبو بَصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه، فضربه حتى بَرَد، وفرّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يَعْدُو، فقال رسول اللَّه ﷺ حين رآه: "لقد رأى هذا ذُعْرًا" فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قُتِلَ واللَّه صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أَبو بَصير فقال: يا نبي اللَّه! قد -واللَّه- أوفى اللَّه ذمتك، قد رَدَدْتَني إليهم ثم أنجاني اللَّه منهم. قال النبي ﷺ : "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حربٍ لو كان له أحد" فلما سمع ذلك عرف أنَّه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البَحْر، قال: وينفلت منهم أَبو جَنْدَل (٥)، فلحق بأبي بَصير، فجعل لا يخرج من

стр. 871

قريش أحد (١) قد أسلم إلَّا لحق بأبي بَصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فواللَّه ما يسمعون بعِيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلَّا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده اللَّهَ والرَّحم لَمَّا أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل اللَّه (٢): ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤ - ٢٦]، وكانت حميتهم أنهم لم يُقروا أنَّه نبي اللَّه، ولم يُقروا ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت. وقال عُقَيْل، عن الزُّهْريِّ قال: قال عروة: فأخبرتني عائشة، أن رسول اللَّه ﷺ كان يمتحنهن، وبلغنا أنَّه لما أنزل اللَّه (٣) أن يَرُدُّوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم، وحكم على المسلمين ألَّا يمسكوا بعِصَمِ الكوافر، أنَّ عمر طلق امرأتين -قَرِيبَة بنت أبي أمية، وابنة جَرْوَل الخزاعي، فتزوج قريبةَ معاويةُ، وتزوَّج الأخرى أَبو جهم، فلما أبي الكفار أن يُقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم أنزل اللَّه (٤): ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] والعَقِب ما يُؤَدِّي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، فأَمَرَ أن يُعْطَى من ذَهَبَ له زوج من المسلمين ما أنفق من صَدَاقِ نساء الكفار اللائي هاجرن، وما نعلم أحدًا من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها، ويلغنا أن أبا بَصِير بن أسد الثقفي قَدِمَ على النبي ﷺ مُؤْمِنًا مهاجرًا في المدّة فكتب الأخنس بن شريق إلى النبي ﷺ يسأله

стр. 872

أبا بصير، فذكر الحديث. الغريب: "الغَمِيم": موضع قريب من مكة، و"قَتَرَةُ الجيش": غبارهم، و"حَلْ": كلمة تزجر بها الإبل، و"خَلأَت": حَرَنَتْ وتصعبت، والخلاء في الإبل كالحِرَان في الدواب. و"الخُطة": الخصلة الجميلة، وهي بضم الحاء، و"الثَّمَدُ": القليل من الماء النابع، و"يَتَرَّضُهُ الناس": يأخذونه قليلًا. و"البَرَضُ": شرب القليل، و"يجيش": يفور فورًا كثير، و"صدروا عنه": رجعوا رواء. و"عيبة نصح رسول اللَّه"؛ يعني: أصحاب سره ونصحه، و"العُوذُ المَطَافِيلُ": الحديثات النَّتاج التي معها أطفالها، وهي أكرم الإبل عندهم. "نهكتهم الحرب": أضعفتهم، و"مَادَدْتَهم": صَالَحْتَهم، و"جَمُّوا"؛ أي: تقوَّوا ونشطوا، و"السَّالِفَة": العُنُق، و"استنفرت": طلبت منهم أن ينفروا، و"بلَّحوا": تأخروا، مأخوذٌ من البَلَح الذي لا تبدو فيه نقطة الإرْطَاب، واللَّه أعلم، و"استأصلت": أهلكت، و"اجتاح" بمعناه. و"النُّخَامة": البصاق الغليظ، و"وفدت": قَدِمت، و"ضُغْطَةً": غلبةً وقهرًا، و"يُرسُف في قيوده": يمشي فيها مشي المقيد المثقَلُ، و"قاضَى": صالح، و"أَجِزْ لي"؛ أي: اتركه لي، فلم يفعل سهيل ولا نفع إجازة مِكْرَز، و"الدَّنِيَّةُ": صفة لمحذوف؛ أي: الحالة الدنية؛ أي: الخسيسة، و"العِصَم": جمع عِصْمَة؛ ويعني بها: عصمةَ النكاح، وأصل العصمة: المنع، و"يعدو": يجري، و"الذُّعْر": الفزع. * * *

стр. 873

(١٧) باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمَّى جاز ١٣٠٦ - عن عامر هو الشعبي، قال: حدثني جابر بن عبد اللَّه: أنَّه كان يسير على جمل قد أَعْيى، فمرّ النبي ﷺ فَضَرَبَهُ فدعا له، فسار سيرًا ليس يسير مثله، ثم قال: "بعنيه بأُوقِيَّةِ"، قلت: لا، قال: "بعنيه بوقية"، فبعته، فاستَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ (١) إلى أهلي، فلما قدمنا المدينة (٢) أتيته بالجمل، ونَقَدَنِي ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل عَلَى أَثَرِي قال: "ما كنتُ لآخُذَ جملك، فخذ جملك ذلك، فهو مالك". وفي رواية (٣) عن جابر: أَفْقَرَنِي (٤) رسول اللَّه ﷺ ظهره إلى المدينة. وفي أخرى (٥): قال: فبعته على أنَّ ليَ فَقَارَ ظَهْرِهِ حتى أَبْلُغَ المدينة. وفي أخرى (٦): "ولك ظهره حتى ترجع".

стр. 874

قلت: وقد اضطربتِ الرواياتُ في كم كان الثمن، ففي بعضها: أوقية. وفي بعضها: أربعة أَوَاقٍ. وفي بعضها: بأوقية ذهب. وفي بعضها: بأربعة دنانير، وفي بعضها: بعشرين دينارًا. قال البخاري: وقول الشعبي: بأوقية، أكثر. * * * (١٨) باب إذا اشترط في المزارعة: إذا شئتُ أخرجتك ١٣٠٧ - عن نافع عن ابن عمر قال: لمَّا فَدَعَ أهلُ خيبر عبد اللَّه بن عمر قام عمر خطيبًا فقال: إن رسول اللَّه ﷺ كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: "نُقِرُّكم ما أَقرَّكم اللَّه"، وإن عبد اللَّه بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعُدِيَ عليه من الليل، فَفُدِعَتْ يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدوٌّ غيرهم، هم عدونا وتُهْمَتُنَا، وقد رأيتُ إجلاءهم. فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني الحُقَيْق فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرّنا محمد (١)، وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر: أظننت أني نسيتُ قولَ رسول اللَّه ﷺ "كيف بك إذا أُخْرِجْتَ من خيبر تعدو بك قَلُوصُكَ ليلة بعد ليلة؟ " فقال: كان ذلك هُزَيْلَةً من أبي القاسم. فقال: كذبت يا عدو اللَّه. فأجلاهم عمر، وأعطاهم

стр. 875

قيمة ما كان لهم من الثَّمَرِ مالًا وإبلًا وعُروضًا من أقتابٍ وحبال وغير ذلك. الغريب: "فَدْعُ اليد والرجل": خَلْعُهُمَا من الرُّصُغ. و"الإجلاء": الإخراج، وقد يأتي مصدره على الجلاء. و"القلوص": الفَتِيَّةُ من الإبل، كالجارية من النساء. * * * (١٩) باب من شرط على نفسه شيئًا لزمه، والشروط في الوقف قال شُرَيْح (١): من شرط على نفسه طائعًا غير مُكْرَهٍ لزمه. وقال ابن سيرين: إن رجلًا باع طعامًا، فقال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع. فلم يَجِئْ، فقال شريح للمشتري: أنت أَخْلَفْتَ، فقضَى عليه. ١٣٠٨ - وعن ابن عمر: أنَّ عمر بن الخطاب أَصَابَ أَرْضًا بخيبر، فأتى النبيَّ ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول اللَّه! إني أَصَبْتُ أرضًا بخيبر لم أصب

стр. 876

مالًا قط أَنْفَس عندي منه، فما تأمرني (١) به؟ فقال: إن شئت حَبَسْتَ أصلها، وتصدقت بها. قال: فتصدَّق بها عمر: أنَّه لا يُبَاع ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ. وتصدَّق (٢) في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل اللَّه، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وَلِيَها أن يأكل منها بالمعروف ويُطْعِمَ غيرَ مُتَمَوِّلٍ. وفي رواية (٣): غير مُتَأَثِّل مالًا. الغريب: "القربى": قرابة المتصدِّق، و"الرقاب": أن يشتري من غلتها رقابًا فيعتقون، و"المتمول": الذي يتخذها مالًا؛ أي: ملكا، وكذلك المُتَأَثِّل؛ أي: لا يتملك شيء من رقابها. * * *

стр. 877

(٣٤) كتاب الوصايا

стр. 878

(٣٤) كتاب الوصايا (١) باب الوصايا ١٣٠٩ - عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيء يوصي فيه يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا ووصيته مكتوبةٌ عنده". ١٣١٠ - وعن عمرو بن الحارث خَتَنِ رسول اللَّه ﷺ أخي جويرية بنت الحارث، قال: ما تَرَكَ رسول اللَّه ﷺ ، عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أَمَةً ولا شيئًا، إلَّا بغلته البيضاء، وسلاحه،

стр. 879

وأرضًا جعلها صدقةً. ١٣١١ - وعن طلحة بن مُصَرِّف قال: سألت عبدَ اللَّه بن أبي أوفى: هل كان النبي ﷺ أوصى؟ فقال: لا. فقلت: كيف كُتِبَ على الناس الوصية أو أُمِرُوا بالوصية؟ قال: أَوْصَى بكتاب اللَّه. ١٣١٢ - وعن الأسود قال: ذكروا عند عائشة أن عليًّا كان وَصِيًّا، فقالت: متى أَوْصَى إليه؟ وقد كنتُ مُسْنِدَتَهُ إلى صدري -أو قالت: حَجْرِي- فدعا بالطَّسْتِ فلقد انْخَنَثْ في حَجْرِي فما شعرت أنَّه (١) مات، فمتى أوصى إليه؟ * * * (٢) باب الوصية بالثُّلُثِ لا يتجاوز، والحضّ على ترك الورثة أغنياء ١٣١٣ - عن سعد بن أبي وَقَّاص قال: جاء النبي ﷺ يعودُنِي

стр. 880

وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: "يرحم اللَّه ابن عَفْرَاء"، قلت: يا رسول اللَّه! أُوصي بمالي كُلِّه؟ قال: "لا"، قلت: فالشطر؟ قال: "لا"، قلت: فالثلث؟ قال: "الثلث (١)، والثلثُ كثير، إنك (٢) إنْ تَدَعْ أنت (٣) ورثتك أغنياء خيرٌ من أنْ تدعهم عَالَةً يتكفَّفُونَ الناسَ في أيديهم، وإنك مهما أنْفَقْتَ من نفقةٍ فإنها صدقة، حتى اللقمةُ ترفعها إلى فِي امرأتِك، وعسى اللَّهَ أن يرفعك فينتفعَ بك ناس، ويُضَرَّ بك آخرون"، ولم يكن له يومئذ إلَّا ابنَةٌ. وفي رواية (٤): قال: فأوصى الناسُ بالثلث، فجاز ذلك عليهم (٥). ١٣١٤ - وعن ابن عباس قال: لو غَضَّ الناسُ إلى الرُّبُع؛ لأنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "الثلث، والثلث كثير" أو: "كبير (٦) ". * * *
следующие страницы →