← Книги сунны

Книги сунны · id 127656

اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه

أبو العباس القرطبي

Полный текст (2 203 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

مالًا قط أَنْفَس عندي منه، فما تأمرني (١) به؟ فقال: إن شئت حَبَسْتَ أصلها، وتصدقت بها. قال: فتصدَّق بها عمر: أنَّه لا يُبَاع ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ. وتصدَّق (٢) في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل اللَّه، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وَلِيَها أن يأكل منها بالمعروف ويُطْعِمَ غيرَ مُتَمَوِّلٍ. وفي رواية (٣): غير مُتَأَثِّل مالًا. الغريب: "القربى": قرابة المتصدِّق، و"الرقاب": أن يشتري من غلتها رقابًا فيعتقون، و"المتمول": الذي يتخذها مالًا؛ أي: ملكا، وكذلك المُتَأَثِّل؛ أي: لا يتملك شيء من رقابها. * * *

стр. 877

(٣٤) كتاب الوصايا

стр. 878

(٣٤) كتاب الوصايا (١) باب الوصايا ١٣٠٩ - عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيء يوصي فيه يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا ووصيته مكتوبةٌ عنده". ١٣١٠ - وعن عمرو بن الحارث خَتَنِ رسول اللَّه ﷺ أخي جويرية بنت الحارث، قال: ما تَرَكَ رسول اللَّه ﷺ ، عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أَمَةً ولا شيئًا، إلَّا بغلته البيضاء، وسلاحه،

стр. 879

وأرضًا جعلها صدقةً. ١٣١١ - وعن طلحة بن مُصَرِّف قال: سألت عبدَ اللَّه بن أبي أوفى: هل كان النبي ﷺ أوصى؟ فقال: لا. فقلت: كيف كُتِبَ على الناس الوصية أو أُمِرُوا بالوصية؟ قال: أَوْصَى بكتاب اللَّه. ١٣١٢ - وعن الأسود قال: ذكروا عند عائشة أن عليًّا كان وَصِيًّا، فقالت: متى أَوْصَى إليه؟ وقد كنتُ مُسْنِدَتَهُ إلى صدري -أو قالت: حَجْرِي- فدعا بالطَّسْتِ فلقد انْخَنَثْ في حَجْرِي فما شعرت أنَّه (١) مات، فمتى أوصى إليه؟ * * * (٢) باب الوصية بالثُّلُثِ لا يتجاوز، والحضّ على ترك الورثة أغنياء ١٣١٣ - عن سعد بن أبي وَقَّاص قال: جاء النبي ﷺ يعودُنِي

стр. 880

وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: "يرحم اللَّه ابن عَفْرَاء"، قلت: يا رسول اللَّه! أُوصي بمالي كُلِّه؟ قال: "لا"، قلت: فالشطر؟ قال: "لا"، قلت: فالثلث؟ قال: "الثلث (١)، والثلثُ كثير، إنك (٢) إنْ تَدَعْ أنت (٣) ورثتك أغنياء خيرٌ من أنْ تدعهم عَالَةً يتكفَّفُونَ الناسَ في أيديهم، وإنك مهما أنْفَقْتَ من نفقةٍ فإنها صدقة، حتى اللقمةُ ترفعها إلى فِي امرأتِك، وعسى اللَّهَ أن يرفعك فينتفعَ بك ناس، ويُضَرَّ بك آخرون"، ولم يكن له يومئذ إلَّا ابنَةٌ. وفي رواية (٤): قال: فأوصى الناسُ بالثلث، فجاز ذلك عليهم (٥). ١٣١٤ - وعن ابن عباس قال: لو غَضَّ الناسُ إلى الرُّبُع؛ لأنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "الثلث، والثلث كثير" أو: "كبير (٦) ". * * *

стр. 881

(٣) باب لا وصيّة لوارث وتأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] . ١٣١٥ - عن عطاء عن ابن عباس قال: كان المال للولد، وكانت الوصيّة للوالدين، فنسخ اللَّه من ذلك ما أَحَبَّ، فجعل للذكر مثلُ حظ الأُنْثيين، وجعل للأَبويين لكلِّ واحدٍ منهما السُّدُس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع. قال البخاري (١): ويذكر أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فأداء الأمانة أحق من تطوع الصدقة، وقال النبي ﷺ : "لا صدقة إِلَّا عن ظهر غِنًى" ويذكر (٢) أن شُرَيْحًا وعمر بن عبد العزيز وطاوسًا وابن أُذَيْنَة أجازوا إقرار المريض بالدَّيْن، وقال الحسن: أحقُّ ما تَصَدَّق به الرجل آخِرَ يوم من الدنيا وأولَ يوم من الآخرة. وقال إبراهيم والحكم: إذا أبرأَ الوارثَ من الدَّين برئ.

стр. 882

وأوصى رافع بن خَدِيج ألا تُكْشَف امرأته الفَزَارِيَّة (١) عما أُغْلِقَ عليه بابها. وقال الحسن: إذا قال لمملوكه عند الموت: كنت أعتقتك، جاز. وقال الشعبي: إذا قالت المرأة عند موتها: إن زوجي قضاني وقبضت منه، جاز. وقال بعض الناس: لا يجوز؛ لِسُوء الظنِّ به للورثة، ثم استحسن فقال: يجوز إقراره بالوديعة، والبضاعة، والمضاربة، وقد قال النبي ﷺ : "إيَّاكم والظنَّ، فإن الظنَّ أكذبُ الحديث"، ولا يَحِلُّ مال المسلمين لقول النبي ﷺ : "آية المنافق: إذا ائتمن خان". وقال اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فلم يخصَّ وارثًا ولا غيره. * * * (٤) باب الوقف والوصية لأقاربه، ومَنِ الأقارب ؟ وقال ثابت (٢) عن أَنس: قال النبي ﷺ لأبي طلحة: "اجعلها لفقراء أقاربك"، فجعلها لحسان وأُبَيِّ بن كعب. قال أَنس: وكانا أقرب إليه مني، وكان قرابةُ حسان وأُبَيّ من أبي طلحة، واسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حَرَام بن عمرو بن زيد مناةَ بن عديِّ بن

стр. 883

عمرو بن مالك بن النجار، وحسان بن ثابت بن المنذر بن حَرَام، فيجتمعان إلى حَرَام، وهو الأب الثالث، وحَرَام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو ابن مالك بن النجار، فهو يجامع حسان [و] أبا طلحة وأُبَيًّا إلى ستة آباء؛ إلى عمرو بن مالك. وأُبَيّ (١) بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك ابن النجار، فعمرو بن مالك يجمع حسان وأبا طلحة وأُبَيًّا. وقال بعضهم: إذا أَوْصَى لقرابته فهو إلى آبائه في الإسلام. ١٣١٦ - وقال ابن عباس: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جعل النبي ﷺ ينادي: "يا بني فِهْر! يا بني عَدِيّ! " لبطون قريش. ١٣١٧ - وقال أَبو هريرة: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام النبي ﷺ فقال: "يا معشر (٢) قريش -أو كلمةً نحوَها- اشتروا أنفسكم؟ لا أُغْنِي عنكم من اللَّه شيئًا، يا بني عبد مَنَاف! لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا عباس ابن عبد المطلب! لا أُغْنِي عنك من اللَّه شيئًا، ويا صفية عَمّةَ رسول اللَّه ﷺ !

стр. 884

لا أغني عنك من اللَّه شيئًا، ويا فاطمةُ بنت محمد سليني ما شئتِ من مالي، لا أغني عنك من اللَّه شيئًا". * * * (٥) باب يصح وقف الأرض، وإن لم يتبين حدودها، والإشهاد على الوقف ١٣١٨ - عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة: أنَّه سمع أَنس بن مالك يقول: كان أَبو طلحة أكثر أنصاريٍّ بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحبَّ أمواله (١) إليه بَيْرُحَاء مستقبلةَ المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طَيِّب، قال أَنس: فلما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال أَبو طلحة فقال: يا رسول اللَّه! إن اللَّه يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أَحَبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحَاء، وإنها صَدَقةٌ للَّه أرجو بِرَّهَا وذُخْرَهَا عند اللَّه، فضعها حَيْثُ أراك اللَّهُ. فقال: "بَخٍ (٢)، ذلك مال رابح -أو: رايح، شك ابن مَسْلَمَة- وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أنْ تجعلها في الأقربين".

стр. 885

قال أَبو طلحة: أفعل يا رسول اللَّه، فَقَسَمَهَا أَبو طلحة في أقاربه وبني عمه. وفي رواية (١): فقال رسول اللَّه ﷺ : "بَخٍ، ذلك مال رابح، قبلناه منك ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين"، فتصدق به أَبو طلحة على ذوي رحمه. ١٣١٩ - وعن ابن عباس: أن سعدَ بن عُبَادة توفيت أمه (٢) وهو غائب عنها، فأتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه ﷺ ! إنَّ أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إنْ تَصَدَّقْتُ عنها (٣)؟ قال: "نعم"، قال: فإني أُشهدك أنَّ حائطي المِخْرَاف صدقة عليها. الغريب: المشهور في "بيرحاء": كسر الباء، وقد فُتحت، ومَدُّ "حاء"، وقد قُصرت، و"المِخْرَاف": بكسر الميم وبآلِفٍ، و"المَخْرِف": بفتح الميم وكسر الراء: البستان؛ سمي بذلك لأن ثماره تُخْرَف؛ أي: تُجنى.

стр. 886

و"المِخرَف" بكسر الميم وفتح الراء: الآلة التي يُجْتَنَى فيها. * * * (٦) باب يستحب أن يتصدق عمّن مات فَجْأَةً ١٣٢٠ - عن عائشة: أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إن أمي افْتُلِتَتْ (١) نفسُها، وأُرَاهَا لو تكلمت تَصَدَّقَتْ، أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم، تصدَّقْ عنها". ١٣٢١ - وعن ابن عباس: أنَّ سعد بن عُبَادة استفتى رسول اللَّه ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: "اقضه عنها". * * * (٧) باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا واشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين ووَقَفَ أَنس دارًا فكان إذا قدمها نزلها.

стр. 887

وتصدق الزبير بدُوره، وقال للمَرْدُودة من بناته: أن تسكن غير مُضِرَّة ولا مُضَرٍّ بهَا، فإن استغنت بزوجٍ فليس لها حق. وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سُكنى لذوي الحاجات من آل عبد اللَّه. ١٣٢٢ - وقال أَبو عبد الرحمن: إن عثمان حيث حُوصِر أشرف عليهم وقال: أَنْشُدُكمِ ولا أَنْشُدُ إلَّا أصحاب النبي ﷺ ، ألستم تعلمون أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ حَفَرَ بئر رُومَة فله الجنَّةَ"، فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنَّه قال: "من جهَّز جيش العُسْرَة فله الجنَّةَ"، فجهزتهم (١)؟ قال: فصدَّقوه بما قال. قال عمر في وقفه: لا جناح على مَن وَلِيَه أن يأكل، وقد يليه الواقفُ (وغيره، فهو واسعٌ لكلٍّ) (٢). وسيأتي قول النبي ﷺ : "لا نورث، ما تركناه صدقة". * * *

стр. 888

(٣٥) كتاب الجهاد والسير

стр. 889

(٣٥) كتاب الجهاد والسير (١) باب في فضل الجهاد والرباط وقول اللَّه : ﴿هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ إلى قوله: [الْعَظِيْمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم﴾ الآية [التوبة: ١١١] ١٣٢٣ - عن عبد اللَّه بن مسعود قال: سألت رسول اللَّه ﷺ قلت: يا رسول اللَّه! أيُّ العمل أفضل؟ قال: "الصلاةُ على ميقاتها"، قلت: ثم أيٌّ؟ قال: "بِرُّ (١) الوالدين"، قلت: ثم أيٌّ؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه" فسكتُّ عن رسول اللَّه، ولو استَزَدْتُهُ لزادني. ١٣٢٤ - وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: دلَّني

стр. 890

على عمل يَعْدِل الجهاد؟ قال: "لا أجده"، قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم فلا تَفْتُر، وتصومَ ولا تُفْطِر؟ " قال: ومَن يستطيع ذلك؟ قال أَبو هريرة: إنَّ فَرَسَ المجاهد ليَسْتَنُّ (١) في طِوَلهِ (٢)، فيكتبُ له حسنات. ١٣٢٥ - وعن أبي سعيد قال: قيل: يا رسول اللَّه! أيُّ الناس أفضل؟ فقال (٣): "مؤمن يجاهد في سبيل اللَّه بنفسه وماله" قالوا: ثم مَنْ؟ قال "مؤمن في شِعْبٍ من الشِّعَابِ يتقي اللَّه ويَدَعُ الناس من شره". ١٣٢٦ - وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ قال: "مَثَلُ المجاهد في سبيل اللَّه -واللَّه أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم، وتَوَكَّلَ اللَّهُ للمجاهد في سبيله إنْ توفَّاهُ (٤) أنْ يدخله الجنَّةَ، أو يَرْجِعَهُ سالمًا مع أَجْرٍ أو غنيمة".

стр. 891

١٣٢٧ - وعن عبد اللَّه بن أبي أوفى: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "واعلموا أنَّ الجنَّةَ تحت ظلال السيوف". ١٣٢٨ - وعن سهل بن سعد: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "رباطُ يومٍ في سبيل اللَّه خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سَوْطِ أحدكم في الجنَّةَ خير من الدنيا وما فيها". * * * (٢) باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء ودرجات المجاهدين ١٣٢٩ - عن أَنس بن مالك قال: كان رسول اللَّه يدخل على

стр. 892

أم حَرَام بنت مِلْحَانَ فتطعمه، وكانت (١) أمُّ حرام تحت عُبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول اللَّه ﷺ فأطعمته وجعلت تَفْلِي رأسه، فنام رسول اللَّه ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما أضحكك (٢) يا رسول اللَّه؟ قال: "ناس من أمتي عُرِضُوا عليَّ غُزَاةً في سبيل اللَّه، يركبون ثَبَجَ هذا البحر مُلُوكًا على الأَسِرَّة -أو: مثل الملوك على الأسرّة، شك إسحاق- قالت: فقلت: يا رسول اللَّه! ادع اللَّه أن يجعلني منهم. فدعا لها رسول اللَّه ﷺ ، ثم وضع رأسه، ثم استيقظ وهو يضحك، فقلت: ما (٣) يضحكك يا رسول اللَّه؟ قال: "ناس من أمتي عُرِضُوا عليَّ غُزَاةً في سبيل اللَّه"، كما قال في الأولى، قالت (٤): فقلت: يا رسول اللَّه! ادع اللَّه أن يجعلني منهم، قال "أنت من الأولين" فَرَكِبَتِ البحرَ زمن معاوية بن أبي سفيان، فصُرِعَتْ عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكتْ. في رواية (٥): فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيًا أول ما ركب المسلمون البحرَ مع معاوية.

стр. 893

١٣٣٠ - وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "من آمن باللَّه ورسوله (١)، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًّا على اللَّه أن يدخله الجنَّةَ، جاهد في سبيل اللَّه أو جلس في أرضه التي وُلِدَ فيها"، قالوا: يا رسول اللَّه! أفلا تبشِّر (٢) الناس؟ قال: "إن في الجنَّةَ مئة درجة أعدَّها اللَّه للمجاهدين في سبيل اللَّه، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم اللَّه فسَلُوهُ الفردوسَ، فإنه أوسط الجنَّةَ، وأعلى الجنَّةَ -أُرَى (٣): وفوقه عرش الرحمن- ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنَّة". ١٣٣١ - وعن جابر بن سَمُرَةَ قال: قال النبي ﷺ : "رأيتُ الليلةَ رجلين أتياني، فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل لم أَرَ قط أحسن منها، قالا: أمَّا هذه الدار فدارُ الشهداء". ١٣٣٢ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "لَقَابُ

стр. 894

قَوْسِ (١) في الجنَّةَ خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب". ١٣٣٣ - وعن سهل بن سعد عن النبي ﷺ قال: "الرَّوْحَةُ والغَدْوَةُ في سبيل اللَّه أفضل من الدنيا وما فيها". الغريب: "ثَبَجُ البحر": أوسطه ومعظمه، و"الفِرْدَوْس": حدائق الأعناب، و"أوسطه": أعلاها وأعدلها. و"قاب القوس": مقداره، وهو أيضًا القاد والقيد. * * * (٣) باب فضل الشهادة وتمنيها ١٣٣٤ - عن أَنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد يموت له عند اللَّه خير، يَسُرُّهُ أنْ يرجع إلى الدنيا وأنَّ له الدنيا وما فيها، إلَّا الشهيد؛

стр. 895

لما يَرى من فضل الشهادة، فإنه يَسُرُّه أن يرجع إلى الدنيا فيُقتل مرة أخرى، ولَرَوْحَةٌ في سبيل اللَّه أو غَدْوَة خير من الدنيا وما فيها، ولقابُ قوس أحدكم في الجنَّةَ أو موضع قِيدٍ -يعني سوطه- خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأةً من أهل الجنَّةَ اطَّلَعَتْ إلى أهل الأرض لأضاءَتْ ما بينهما، ولملأته ريحًا، ولنَصِيفُهَا (١) على رأسها (٢) خير من الدنيا وما فيها". ١٣٣٥ - وعن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده، لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تَطِيبُ نفوسهم (٣) أن يَتَخَلَّفُوا عنِّي، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلَّفْتُ عن سَرِيَّةٍ تغزو (٤) في سبيل اللَّه، والذي نفسي بيده لوَدِدْتُ أني أُقْتَلُ في سبيل اللَّه، ثم أُحْيَا، ثم أُقتل ثم أُحيا، ثم أُقتل ثم أُحيا، ثم أُقتل". ١٣٣٦ - وعن أَنس قال: بعث النبي ﷺ أقوامًا من بني سُلَيْم إلى بني

стр. 896

عامر في سبعين رجلًا (١)، فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدمكم، فإن أَمَّنُونِي حتى أُبَلِّغَ (٢) عن رسول اللَّه ﷺ ، وإلَّا كنتم مني قريبًا. فتقدَّم فأَمَّنُوه، فبينما يحدثهم عن النبي ﷺ إذ أَوْمَؤوا إلى رجلٍ منهم فطعنه فأَنْفَذَهُ، فقال: اللَّه أكبر، فُزْتُ وربِّ الكعبة، ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم، إلَّا رجلًا (٣) أعرج صعد الجبل -قال همام: وأُرَاهُ آخرَ معه- فأخبر جبريلُ النبيَّ ﷺ أنهم قد لَقُوا ربَّهم، فرضي عنهم وأرضاهم، فكنا نقرأ: أَنْ بَلِّغُوا قومنا أَنْ قد لَقِينا ربَّنا فرضي عنا وأرضانا، ثم نسخ بَعْدُ، فدعا عليهم أربعين صباحًا، على رِعْلٍ وذَكْوان وبني لِحْيَان وعُصَيَّة (٤) الذين عَصَوا اللَّه ورسوله ﷺ . ١٣٣٧ - وعن جابر هو ابن عبد اللَّه، قال: جيء بأبي إلى النبي ﷺ وقد مُثِّلَ به، ووضع بين يديه، فذهبتُ اكشف عن وجهه فنهاني قومي، فسَمعَ صوت صائحة (٥)، فقيل: بنت (٦) عمرو -أو: أخت عمرو- فقال: "لِمَ تبكين

стр. 897

-أو: لا تبكين (١) - ما زالتِ الملائكةُ تُظِلُّه بأجنحتها". * * * (٤) باب فضل الجُرْحِ في سبيل اللَّه والعَثْرَة والغبار ومسحه عن المجاهد ١٣٣٨ - عن أبي هريرة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا يُكْلَمُ (٢) أَحَدٌ في سبيل اللَّه -واللَّه أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله- إلَّا جاء يوم القيامة واللَّونُ لون دم (٣) والريحُ ريح مسك". ١٣٣٩ - وعن جندب بن سفيان: أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان في بعض المشاهد قد دَمِيَتْ إصْبَعُهُ، فقال: "هل أَنْتِ إلَّا إصبعٌ دَمِيتِ، وفي سبيل اللَّه ما لقيتِ". ١٣٤٠ - وعن عَبَايَة بن رِفَاعة بن رافع قال: أخبرني أَبو عَبْسٍ أن

стр. 898

رسول اللَّه ﷺ قال: "ما اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ في سبيل اللَّه فتمسَّه النار". ١٣٤١ - وعن عائشة: أن رسول اللَّه ﷺ لما رجع يوم الخندق ووضع واغتسل، أتاه جبريلُ وقد عَصَبَ رأسَهُ الغُبَارُ، فقال: وضعتَ السلاحَ؟ فواللَّه ما وضعْتُهُ. فقال رسول اللَّه ﷺ : "فَأَيْنَ؟ " فقال: هاهنا، وأومأ إلى بني قريظة، قال: فخرج إليهم رسول اللَّه ﷺ . ١٣٤٢ - وعن أبي سعيدٍ قال: كنا ننقل لَبِنَ المسجد لَبِنَةً لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فمرَّ به النبي ﷺ ومسح عن رأسه الغبار وقال: "وَيْحَ عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنَّةَ (١) ويدعونه إلى النار". * * *

стр. 899

(٥) باب قول اللَّه تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] الآية ١٣٤٣ - عن حميد الطويل، عن أَنس بن مالك قال: غاب عمي أَنس ابن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول اللَّه! غبتُ عن أول قتالٍ قاتلتَ المشركينَ، لئنِ اللَّهُ أشهدني قتالَ المشركين لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصنع، فلما كان يوم أُحُدٍ وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني: أصحابه- وأبرأ مما صنع هؤلاء -يعني: المشركين- ثم تقدم فاستقبله سعد ابن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ، الجنةَ وربَّ النَّضْرِ، إني أجد ريحها من دون أُحُدٍ. قال سعد: فما استطعتُ يا رسول اللَّه ما صنع. قال أَنس: فوجدنا به بضغا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنةً برُمْحٍ، أو رميةً بسهم، ووجدناه قد قُتِلَ وقد مُثِّلَ به (١)، فما عرفه أحد إلَّا أخته ببَنَانِهِ. قال أَنس: كنا نُرَى -أو نَظُنُّ- هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ إلى آخرها (٢). وذكر باقي الحديث وسيأتي إن شاء اللَّه.

стр. 900

١٣٤٤ - وعن زيد بن ثابت أنَّه قال: نَسَخْتُ الصُّحُفَ من المصاحف، ففقدت آيةً من الأحزاب (١) كنتُ أسمع رسول اللَّه ﷺ يقرأ بها، فلم أجدها إلَّا مع خُزَيْمَةَ (٢) الأنصاري الذي جعل رسول اللَّه ﷺ شهادته، شهادةَ رجلين، وهي قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. الغريب: "نَحْبَهُ"؛ أي: نذره، وأصل النَّحْب: النَّفْس، وكأن هذا الناذرَ نذر قتل نفسه في الجهاد فوَفَّى به. * * * (٦) باب تقديم العمل الصالح والنية الصادقة الخالصة قبل القتال وقال أَبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم. ١٣٤٥ - عن البَرَاء بن عازب قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ مُقَنَعٌّ بالحديد (٣)،

стр. 901

فقال: يا رسول اللَّه! أقاتِلُ أو أُسْلِمُ؟ قال: "أَسْلِمْ ثم قاتل"، فأسلم ثم قاتل فقُتِلَ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "عَمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا". ١٣٤٦ - وعن أَنس بن مالك قال: إن أمَّ الربيع بنت البراء -وهي أم حارثة بن سُرَاقَة- أتت النبي ﷺ فقالت (١): يا نبي اللَّه! ألا تحدثني عن حارثة -وكان قد قُتِلَ يوم بدر، أصابه سَهْمٌ غَرْبٌ- فإن كان في الجنَّةَ صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء؟ قال: "يا أم حارثة" إنها جنانٌ في الجنَّةَ، وإنَّ ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى". ١٣٤٧ - وعن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمَغْنَم، والرجل يقاتل للذِّكْرِ، والرجل ليرى (٢) مكانه، فمن في سبيل اللَّه؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا" (٣). "سَهْمٌ غَرْبٌ": رويناه بتنوين "سهم" وإسكان الراء على أنَّه نعت لـ "سهم"، وهو السهم الذي لا يُعْرَفُ راميه، ووجدناه في الأصل محذوفَ

стр. 902

التنوين وبفتح الراء، وقيل: إن الغرْب خشبٌ يعمل منه السِّهَام، واللَّه أعلم. * * * (٧) باب وجوب النفير والجهاد، والتعوذ من الجبن وقول اللَّه : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ إلى: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤١ - ٤٢]. وقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩]. ١٣٤٨ - عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال يوم الفتح: "لا هِجْرَةَ بعد الفَتْحِ، لكن (١) جهادٌ ونيَّةٌ، وإذا استُنْفِرْتُمْ فانفروا". ١٣٤٩ - وعن عمرو بن ميمون الأَوْدِي قال: كان سعد يعلِّمُ بَنِيه هؤلاء الكلمات كما يعلّم المعلم الكتابةَ للغلمان، ويقول: إنَّ رسول اللَّه ﷺ

стр. 903

كان يَتَعَوَّذُ منهن دُبُرَ الصلاة، فقال (١): "اللهم إني أعوذ بك من الجُبْنِ، وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العُمُرِ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر". ١٣٥٠ - وعن أنس بن مالك: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهَرَمِ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر". الغريب: ابن عباس: "ثُبَاتٍ": سرايا متفرقين، يقال: أحد الثُّبَات: ثُبَةٌ، و"أَرْذَلُ العمر": أَسْوؤه، وذلك بضعف القوى واختلال العقل. * * * (٨) باب في الرجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، وكم الشهداء ١٣٥١ - عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يضحك اللَّه إلى رجلين

стр. 904

يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل اللَّه فيُقْتَلُ، ثم يتوب اللَّه على القاتل فيُسْتَشْهَدُ". ١٣٥٢ - وعنه قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ وهو بخيبر بعدما افتتحوها -في رواية (١): وإنَّ حُزْمَ خَيلهم لَلِيفٌ- فقلت: يا رسول اللَّه! أَسْهِمْ لي، فقال بعض بني سعيد بن العاص: لا تُسْهِمْ له يا رسول اللَّه، فقال أبو هريرة: هذا قاتل ابن قَوْقَلٍ. فقال ابن سعيد بن العاص: واعَجَبًا لوَبْرٍ تَدَلَّى علينا من قَدُومِ ضَالٍ (٢) -في رواية (٣): قال أبان: وأنت بهذا يا وَبْرُ تَحَدَّرَ من رَأْس ضَالٍ، فقال النبي ﷺ "يا أبان، اجلس"، فلم يَقْسِم لهم- يَنْعَى عَلَيَّ قتل رجل مسلم أكرمه اللَّه على يدي، ولم يُهِنِّي على يديه. قال: فلا أدري أَسْهَمَ له أو لم يسهم له. ١٣٥٣ - وعنه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الشهداء خمسة: المطعون، والمَبْطُون، والغَرِقُ، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل اللَّه".

стр. 905

الغريب: "الوَبْرُ": دُوَيْبَّةٌ تشبه السِّنَّوْر، و"تَدَلَّى": انحدر، وقد روي كذلك، وروي: "تردَّى"، وكلُّها بمعنًى واحد، و"قدوم": بفتح القاف وضم الدال مخففة، لا يقال هذا إلَّا كذا، وأما "قدوم" الموضع وآلة النجار، فروي في كلِّ واحد منها التخفيفُ والتشديد. و"ضال": جبل، وقد روي باللام والنون بدل اللام. كما قالوا: فرس رفل ورفن: إذا كان طويل الذَّنَبِ، وهذا كله تحقيرٌ من أبان لأبي هريرة لمَّا قال: "لا تقسم له"، و"ابن قوقل": رجلٌ مسلم قتله أَبَان في حال كفره. و"المَطْعُون": الذي أصابه الطاعون، وهو الموت العام، و"المبطون": الذي يموت بعِلَّةِ البطن كالاستسقاء، و"ذات الجنب"، ونحو ذلك. و"صاحب الهَدْم": الذي يموت تحته من غير تَغْرِيرٍ (١). واللَّه أعلم. * * * (٩) باب فيمن حبسه العذر وقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ١٣٥٤ - عن أنس: أن النبي ﷺ كان في غَزَاةٍ له فقال "إن أقوامًا بالمدينة

стр. 906

خَلْفَنَا ما سلكنا شِعْبًا ولا واديًا إلَّا وهم معنا حبسهم العذر". ١٣٥٥ - وعن البَرَاء -هو ابن عازب- قال: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول اللَّه ﷺ زيدًا فجاء بكَتِفٍ فكتبها، وشكى ابن أم مَكْتُومٍ ضرارته فنزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وفي رواية (١): قال النبي ﷺ للبراء: "ادع لي زيدًا وليَجِئْ باللوح والدّواة والكتف" أو: "الكتف والدَّوَاة. . . " الحديث. ١٣٥٦ - وعن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: رأيت مروان بن الحكم جالسًا في المسجد، فأقبلتُ حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره: أن رسول اللَّه ﷺ أملى عليه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فجاءه (٢) ابن أم مكتوم وهو يُمِلُّها عليَّ، فقال: يا رسول اللَّه! لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلًا (٣) أعمى،

стр. 907

فأنزل اللَّه (١) على رسوله (٢) وفخذُه على فَخِذِي، فثَقُلَتْ عليَّ حتى خفت أن تُرَضَّ فخذي، ثم سُرّيَ عنه، فأنزل اللَّه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. ١٣٥٧ - وعن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا مَرِضَ العبدُ أو سافر كتَبَ اللَّهُ له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا". * * * (١٠) باب الصبر عند القتال، والتحريض عليه، وفضل من جَهَّزَ غَازِيًا ١٣٥٨ - عن سالم أبي النضر: أنَّ عبد اللَّه بن أبي أَوْفَى كتب فقرأته: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا لقيتموهم فاصبروا". ١٣٥٩ - وعن أنس قال: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الخندق، فإذا

стр. 908

المهاجرون والأنصار يحفرون في غَدَاةٍ باردةٍ، ولم (١) يكن لهم عبيد يعملون (٢) لهم، فلما رأى ما بهم من النَّصَبِ والجُوعِ قال: "اللهم إنَّ العيش عيشُ الآخرة، فاغفر للأنصار والمُهَاجِرَه"، فقالوا مجيبين: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا وفي طريق أخرى (٣) عنه: قال جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم، ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام (٤) ما بقينا أبدا والنبي ﷺ يجيبهم: "اللهم إنه لا خير إلَّا خير الآخره، فبارك في الأنصار والمهاجره". ١٣٦٠ - وعن البراء قال: رأيت النبي ﷺ يوم الأحزاب ينقل التراب وقد وارى الترابُ بياض بطنه، وهو يقول:

стр. 909

"لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا فأنزل السكينة علينا ... وثَبِّتِ الأقدام إن لاقينا إن الأُلَى قد بَغَوْا علينا ... إذا أرادوا فتنة أَبَيْنَا" ١٣٦١ - وعن زيد بن خالد الجهني: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ جَهَّزَ غازيًا فقد غزا، ومن خَلَفَ (١) غازيًا في سبيل اللَّه بخير فقد غزا". * * * (١١) باب فضل النفقة في سبيل اللَّه، والصوم فيه لمن لا يضعف عن الجهاد ١٣٦٢ - عن أبي سعيد الخدري: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قام على المنبر فقال: "إنما أخشى عليكم من بعدي ما يُفْتَحُ عليكم من بركات الأرض" ثم ذكر زهرة الدنيا، فبدأ بإحداهما وثنَّى بالأخرى، فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه! أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت عنه النبي ﷺ ، قلنا: يُوحَى إليه، وسكت الناس كأنَّ على رؤوسهم الطير، ثم إنه مسح عن وجهه الرُّحَضَاءَ

стр. 910

فقال: "أين السائل آنِفًا، أَوَ خيرٌ هو؟ -ثلاثًا- إن الخير لا يأتي إلَّا بالخير، وإنه كل ما يُنْبِتُ الربيعُ يَقتلُ أو يُلِمُّ حَبَطًا (١)، إلَّا آكلة الخَضِر، أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فثَلَطَتْ وبالت ثم رتعت، وإن هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، ونِعْمَ صاحبُ المسلم لمن أخذه بحقه فجعله في سبيل اللَّه واليتامى والمساكين وابن السبيل (٢)، ومن لم يأخذها بحقها فهو كالآكل لا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة". ١٣٦٣ - وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من صام يومًا في سبيل اللَّه بَعَّدَ اللَّه وجهه عن النار سبعين خريفًا". ١٣٦٤ - وعن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبي ﷺ من أجل الغزو، فلما قبض النبي ﷺ لم أَرَهُ مفطرًا إلَّا يوم فطر أو أضحى. الغريب: "بركات الأرض": خيراتها، و"زهرتها": زينتها وما يُعجِبُ منها، ويعني بإحداهما الكلمة لأولى التي هي: "إنما أخشى عليكم" إلى آخرها،

стр. 911

وبالأخرى: ثم ذَكَرَ زهرةَ الدنيا، و"الرُّحَضَاء": العرق عن تعبٍ ومشقة. و"الحَبَط": انتفاخ الجوف من كثرة الأكل، و"الخَضِر": اسم جنس ما يُسْتَحْلَى من المرعى، و"ثَلَطت": أَلْقَتِ الرّوث، و"رتعت": رعت. وهذان مَثَلان للحريص على المال الممسك، والمقتصد المُنْفِق. * * * (١٢) باب في الخيل والمسابقة بها، وفضلها، وأنها معقود بنواصيها الخير ١٣٦٥ - عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الخيلُ لثلاثة: لرجل أجرٌ، ولرجل سِتْرٌ، وعلى رجل وِزْرٌ، فأمّا الذي له أجر، فرجلٌ ربطها في سبيل اللَّه، فأطال لها في مَرْجٍ أو روضةٍ، فما أصابت في طِيَلِهَا ذلك من المرج والروضة كانت لها حسنات، ولو أنها قطعت طِيَلَها فاسْتَنَّتْ شَرَفًا أو شَرَفَيْنِ كانت أرواثها وآثَارُهَا حسناتٍ (١)، ولو مرت بنهر فشربت منه ولم يُرِدْ أن يسقيها كان ذلك حسناتٍ له، ورجل ربطها (٢) فخرًا ورياء

стр. 912

ونواءً لأهل الإسلام فهي وزر على ذلك". وسئل رسول اللَّه ﷺ عن الحُمُر؟ فقال: "ما أُنْزِلَ عليّ فيها إلَّا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] ". ١٣٦٦ - وعنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من احتبس فرسًا في سبيل اللَّه إيمانًا باللَّه وتصديقًا بوعده، فإنَّ شِبَعَهُ ورِيَّهُ ورَوْثَهُ وبوله في ميزانه يوم القيامة". ١٣٦٧ - وعن ابن عمر قال: أجرى النبي ﷺ ما ضُمِّرَ من الخيل من الحَفْيَاء إلى ثَنِيَّةِ الوداع، وأَجْرى ما لم يضمَّر من الثنية إلى مسجد بني زُرَيق، قال ابن عمر: وكنت فيمَن أَجْرَى. قال: قال سفيان: من الحفياء (١) إلى الثنية (٢) خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية إلى مسجد بني زريق ميل.

стр. 913

وفي رواية (١): سابق رسول اللَّه ﷺ بين الخيل التي قد أُضْمِرَتْ (٢) فأرسلها من الحفياء، وكان أَمَدُهَا ثنيّةَ الوداع، قال موسى بن عقبة: بين ذلك ستة أميال أو سبعة (٣). وسابق بين الخيل التي لم تُضَمَّرْ فأرسلها من ثنيّة الوداع، وكان أمدُها مسجد بني زُرَيْق، قال موسى: بين ذلك ميل أو نحوه (٤). وكان ابن عمر ممن سابق بها. ١٣٦٨ - عن عُرْوَة بن الجَعْدِ البَارِقِيِّ: أنَّ النبي ﷺ قال: "الخيل مَعْقُودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمَغْنَمُ" وقد رواه ابن عمر (٥). ١٣٦٩ - وعن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "البركة

стр. 914

في نواصي الخيل". الغريب: "المرْج": النبات المختلِطُ المختلِفُ، و"الرَّوْضَة": النبات الذي له نَوْرٌ وزَهْرٌ، و"الطِّيَل" بفتح الياء: الحبل الذي تربط به الدابة للرعي. "الفخر": المفاخرة والتكبر. و"الرياء": المرَاءاة، و"النِّواء" بكسر النون: المناوأة، وهي المعاداة والمباعدة. و"الجامعة": العامة، و"الفاذة": المنفردة بمعناها؛ أي: ليس في جميع آي القرآن مثلها. و"تضمير الخيل": هو أن تسمَّنَ ثم تجري حتى تهزل، فيذهب لحمها وتبقى قوتها. ويستفاد من قوله: "الخيلُ معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة": أنَّ الجهاد دائمٌ ماضٍ مع كل إمام برٍّ أو فاجر. * * * (١٣) باب تسمية الفَرَس باسم عَلَمٍ، وينفي (١) من الشؤم فيها، والقَسْمِ لها ١٣٧٠ - عن ابن عباس بن سهل، عن أبيه، عن جده

стр. 915

قال: كان للنبي (١) ﷺ في حائطنا فرس يقال له: اللُّحَيْفُ. ١٣٧١ - وعن أنس بن مالك قال: كان بالمدينة فَزَعٌ، فاستعار النبي ﷺ فَرَسًا لأبي طلحة يقال له: مَنْدُوبٌ، فركبه وقال: "ما رَأَيْنَا من فَزَعٍ، وإنْ وجدناه لَبَحْرًا". ١٣٧٢ - ومن حديث أبي قتادة: أنه لما رأى الصيد ركب فرسًا يقال لها الجَرَادَة. . .، وقد تقدم الحديث. ١٣٧٣ - وعن عبد اللَّه بن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إنما الشُّؤْمُ في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار". ١٣٧٤ - وعن سهل بن سعد الساعدي: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إن
следующие страницы →