← Книги сунны

Книги сунны · id 127656

اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه

أبو العباس القرطبي

Полный текст (2 203 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

(٢٧) باب النهي عن السَّفَرِ بالمصحف إلى أرض العدو، وعن الوِحْدَة في السَّفَر ١٤١٥ - عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن يُسَافَرَ بالقرآن إلى أرض العدو. يعني بذلك: المصحف، بدليل قول ابن عمر: أن النبي ﷺ وأصحابه سافروا في أرض العدو وهم يَعْلَمُون القرآن. وقال مالك: إنما نهى عن ذلك مخافة أن يَنَالَهُ العدو. ١٤١٦ - وعن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكبٌ بليل وحده" (١). * * *

стр. 947

(٢٨) باب تواضع الإمام بأن يُرْدِفَ خلفه، وجواز ركوب اثنين على حمار ١٤١٧ - وعن عبد اللَّه -هو ابن عمر-: أن رسول اللَّه ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفًا أسامة بن زيد، ومعه بلال وعثمان بن طلحة من الحَجَبَةِ حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح البيت، ففتح ودخل رسول اللَّه ﷺ ومعه أسامة وبلال وعثمان، فمكث فيها نهارًا طويلًا، ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد اللَّه بن عمر أول من دخل، فوجد بلالًا وراء الباب قائمًا، فسأله: أين صلى النبي (١) ﷺ ؟ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه. قال عبد اللَّه بن عمر: فنسيت أن أسأله كم صلى من سجدة؟ ١٤١٨ - وعن أسامة بن زيد: أن رسول اللَّه ﷺ ركب على حمار على إِكَافٍ عليه قطيفة، وأردف أسامة وراءه (٢). * * *

стр. 948

(٢٩) باب يقاتل من وراء الإمام ويتقي به، وجواز خروجه وحده إذا وقع فَزَعٌ ١٤١٩ - عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون السابقون، من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جُنَّةٌ؛ يقاتل من وراءه ويُتَّقَى به، فإن أمر بتقوى اللَّه وعَدَل فإن له بذلك أجرًا، وإن قال بغيره فإن عليه منه". ١٤٢٠ - وعن أنس بن مالك قال: فزع الناس -في رواية (١): في المدينة- فركب رسول اللَّه ﷺ فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلفه، فقال "لم تُرَاعُوا، إنه لبَحْرٌ"، قال: فما سُبِقَ بعد ذلك اليوم.

стр. 949

الغريب: "جُنَّةٌ": وقاية، و"وراء": ظاهرها بمعنى: خلف، وقد استعملت بمعنى أمام؛ كما قال تعالى ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]؛ أي: أمامهم، وهي هنا محتملة للمعنيين. و"الرَّكْضُ": ضرب من السير السريع. وقوله: "إنه لبحر"؛ يعني: أن الفرس وجده كثيرَ الجري، واسع الخطو، وسمي البحر بحرًا لسعته. * * * (٣٠) باب الجهاد بإذن الأبوين، وهل يؤذن في التخلف لمن خرجت امرأته حَاجَّة ؟ ١٤٢١ - عن عبد اللَّه بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فاستأذنه في الجهاد، فقال: "أَحَيُّ وَالِدَاك؟ " قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهد". ١٤٢٢ - وعن ابن عباس: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ، ولا تسافر المرأة إلَّا ومعها مَحْرَمٌ"، فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه!

стр. 950

اكتتبت من غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، قال: "اذهب فاحْجُجْ مع امرأتك". * * * (٣١) باب يُقْتَلُ الجاسوس المشرك، ويُنْظَرُ في المسلم فإن ظهر له عذر تُرِكَ ١٤٢٣ - عن سلمة بن الأكوع قال: أتى النبي ﷺ عَيْنٌ من المشركين وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انْفَتَلَ، فقال النبي ﷺ : "اطلبوه واقتلوه"، فقتَلْتُهُ (١)، فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ. ١٤٢٤ - وعن عليّ -هو ابن أبي طالب- قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ أنا والزبير والمِقدَادُ، وقال: "انطلقوا حتى تأتوا رَوْضَةَ خَاخٍ؛ فإن بها ظَعِينةً، ومعها كتاب فخذوه منها"، فانطلقنا تُعَادَى بنا خيلنا حتى انتهينا

стр. 951

إلى الروضة؛ فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخْرِجِي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنُلْقِيَنَّ الثياب، فأخرجته من عِقَاصِهَا، فأتينا به رسولَ اللَّه ﷺ ؛ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بَلْتَعَةَ إلى أناسٍ من المشركين (١) من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا حاطب ما هذا؟ " قال: لا تعجل عليَّ (٢)، إني كنت امْرَءًا مُلْصَقًا في قريش، ولم أكن من أَنْفُسِهَا، وكان من (٣) معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأَحْبَبْتُ إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يَدًا يَحْمُونَ بها قرابتي، وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال النبي (٤) ﷺ : "قد صدقكم"، قال عمر: يا رسول اللَّه! دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل اللَّه (٥) قد اطَّلَعَ على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". الغريب: "روضة خاخ": بخائين معجمتين، وهو موضع بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلًا. وهذه المرأة يقال لها: سارة مولاة العباس بن عبد المطلب.

стр. 952

"والظعينة": المرأة في الهودج. و"تعادَى خيلنا": تجري. * * * (٣٢) باب النهي عن قتل النساء والصبيان في الحرب، فإن بُيِّتُوا في دارهم جَازَ ذلك ١٤٢٥ - عن ابن عمر: أن امرأة وُجِدَتْ مقتولةً في (١) بعض مَغَازِي رسول اللَّه ﷺ ، فأنْكَرَ ذلك (٢)، ونهى عن قتل النساء والصبيان. ١٤٢٦ - وعن ابن عباس، عن الصَّعْبِ بن جَثَّامَة قال: مرّ بي النبي ﷺ بالأَبْوَاءِ -أو بِوَدَّانَ- فَسُئِلَ عن أهل الدار يُبَيَّتُونَ (٣)، فيُصَابُ من نسائهم وذَرَارِيهم؟ قال "هم منهم" -وفي رواية (٤): "هم من آبائهم"- وسمعته يقول:

стр. 953

"لا حِمَى إلا للَّه ولرسوله (١) ". * * * (٣٣) باب الإمام يُخَيَّر في قتل الأُسَارى، فإن اختار القَتْلَ فلا يحرقهم، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] وقد ربط النبي ﷺ ثُمَامَة بساريةٍ من سواري المسجد ١٤٢٧ - عن أبي هريرة، النبي ﷺ قال: "عَجِبَ اللَّه من قومٍ يدخلون الجنة في السَّلاسِل" (٢). ١٤٢٨ - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: لمّا كان يوم بدر أُتِيَ (٣) بأسارى،

стр. 954

وأُتِيَ بالعبَّاسِ، ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ﷺ له قميصًا، فوجدوا قميص عبد اللَّه بن أبي يَقْدُرُ عليه، فكساه النبي ﷺ إياه؛ فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه. قال ابن عُيَيْنَةَ: كانت له عند النبي ﷺ يَدٌ فَأَحَبَّ أن يكافئه. ١٤٢٩ - وعن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال في أُسَارَى بدر: "لو كان المُطْعَمُ بن عَدِيٍّ حيًّا، ثم كلمني في هؤلاء النَتْنَى لتركتهم له". ١٤٣٠ - وعن عكرمة: أنَّ عليًّا حرَّق قومًا، فبلغ ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا تُعَذِّبُوا بعذاب اللَّه"، ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ "من بَدَّلَ دِينَهُ فاقتلوه". ١٤٣١ - وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول "قَرَصَتْ نملةٌ نَبِيًّا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى اللَّه إليه أَنْ قَرَصَتْكَ نملةٌ أحرقت أُمَّةً من الأمم تُسَبِّحُ". ١٤٣٢ - وعن أنس بن مالك: أن رسول اللَّه ﷺ دخل عام الفتح وعلى

стр. 955

رأسه المِغْفَرُ، فلما نزعه جاء رجل فقال: إنَّ ابن خَطَلٍ متعلقٌ بأستار الكعبة، قال: "اقتلوه". * * * (٣٤) باب النهي عن تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء، والحرب خُدعَة، وإعمال الحِيلَةِ في قتل العدو ١٤٣٣ - عن عبد اللَّه بن أبي أَوْفَى: أنَّ رسول اللَّه ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو (١) انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس وقال (٢): "أيها الناس (٣)! لا تتمنوا (٤) لقاء العدو، وسَلُوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال: اللهم مُنْزِلَ الكتاب، ومُجْرِي السحاب (٥)، وهازم الأحزاب!

стр. 956

اهزمهم وانصرنا عليهم". ١٤٣٤ - وفي الباب: عن أبي هريرة. ١٤٣٥ - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: قال النبي ﷺ : "الحرب خَدْعَة". ١٤٣٦ - ونحوه عن أبي هريرة. ١٤٣٧ - وعن جابر بن عبد اللَّه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ لكعبِ ابن الأَشْرَفِ؛ فإنه قد آذى اللَّه ورسوله؟ "، قال محمد بن مَسْلَمَة: أتحب أن أَقْتُلَهُ يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم" -في رواية (١): فَأذَنْ لي فأقول قال: "قد فعلت"- قال: فأتاه فقال: إنَّ هذا -يعني: النبي ﷺ قد عَنَّانا وسألنا الصدقة، قال:

стр. 957

وأيضًا واللَّه لَتُمَلُّنَّهُ (١). قال (٢): فإنَّا قد (٣) اتَّبَعْنَاهُ، فنكره أن ندعَه حتى ننظرَ إلى ما يصير إليه (٤) أمره، قال: فلم يزل يكلمه حتى استمكن منه فقتله. الغريب: "خَدْعة": فصيحها بفتح الخاء وسكون الدال؛ أي: المصدر؛ أي: ذات خداع، ويروى بضم الخاء وفتح الدال وسكونها، ويجري. هذأ بمجرى هزْأة وهُزَأة، فالسكون للمفعول، والفتح للفاعل. * * * (٣٥) باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، وعقوبة من عصى إمامه. وقال اللَّه : ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] . ١٤٣٨ - عن سعيد بن أبى بُردة، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ بعث

стр. 958

معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، فقال: "يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا". ١٤٣٩ - وعن أبي إسحاق -هو السبيعي- قال: سمعت البَرَاء بن عازب يحدث، قال: جعل النبي ﷺ على الرَّجَّالةِ يوم أُحد -وكانوا خمسين رجلًا- عبد اللَّه بن جُبَيْرٍ، فقال: "إن رأيتمونا تَخْطَفُنا الطيرُ، فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أُرْسِل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأَوْطَأنَاهُمْ، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم"، فهزمهم (١)، قال: فأنا واللَّه رأيت النساء يَشْدُدْنَ قَدْ بَدَتْ خَلَاخيلُهن (٢) وأَسُوقُهِنَّ رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد اللَّه بن جبير: الغنيمةَ أَيْ قوم (٣)! ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد اللَّه بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول اللَّه ﷺ ؟ قالوا: واللَّه لنأتين الناس، فلنُصِيبَنَّ من الغنيمة، فلما أتوهم صُرِفَتْ وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أُخْرَاهم، فلم يبق مع النبي ﷺ غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومئة، سبعين أسيرًا (٤) وسبعين قتيلًا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات فنهاهم النبي ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن

стр. 959

أبي قُحَافَة؟ ثلاث مرات. ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قُتِلُوا، فما ملك عمر نفسه، فقال: كذبت واللَّه يا عدو اللَّه، إن الذين عَدَدتَ لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يَسُوؤك، قال: يومٌ بيومِ بَدْرٍ والحرب سِجَالٌ، قال (١): إنكم ستجدون في القوم مُثْلَةً لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: اعْلُ هُبَل اعْلُ هبل، فقال (٢) النبي ﷺ : "ألا تجيبوه (٣)؟ " قالوا: يا رسول اللَّه! ما نقول؟ قال: "قولوا: اللَّه أعلى وأَجَلُّ"، قال: إن لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، فقال النبي ﷺ : "ألا تجيبوه (٤)؟ " قالوا: يا رسول اللَّه! ما نقول؟ قال: "قولوا له (٥): اللَّه مولانا ولا مولى لكم". * * * (٣٦) باب هل يستأسر الرجل عند الغلبة، ووجوب فك الأسير المسلم ١٤٤٠ - عن أبي هريرة قال: بعث رسول اللَّه ﷺ عشرةَ رَهْطٍ سرية

стр. 960

عَيْنًا، وأَمَّرَ عليهم عاصمَ بن ثابت الأنصاري جدَّ عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدَأَةِ -وهو بين عُسْفَان ومكة- ذُكِرُوا لحَيٍّ من هُذَيْل يقال لهم: بنو لَحْيَان، فنفروا له قريبًا من مئتي رجل كلهم رَامٍ، فاقْتَصُّوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرًا تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فاقتصوا آثارهم، فلما راهم عاصم وأصحابه، لَجَؤوا إلى فَدْفَدٍ، وأحاط بهم القوم، فقالوا (١): انزلوا فيعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق لا نقَتل (٢) منكم أحدًا، فقال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فواللَّه لا أنزل اليوم في ذمة كافرٍ، اللهم أخبر عَنَّا نبيك، فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًا في سبعة، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق منهم خُبَيْبُ الأنصاري وابن دَثِنَة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أَطْلَقُوا أوتار قِسِيِّهم فأوثَقُوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، واللَّه لا أصحبكم، إنَّ في هؤلاء (٣) لأسوة -يريد القتلى- فجَرَّروه (٤) وعالجوه على أن يصحبهم فأبى (٥) فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقيعة بدر، فابتاع خبيبا بنو الحارث بن عامر

стр. 961

ابن ربيعة بن عبد مناف (١)، وكان خبيب عندهم أسيرًا، فأخبرني عبيد اللَّه بن عياض: أن بنت الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها مُوسَى يستحد بها فأعارته، فأخذ ابنًا في وأنا غافلة حتى أتاه، قالت: فوجدته مُجْلِسَهُ على فخذه، والموسى بيده، ففزعت فَزْعَةً عرفها خبيب في وجهي، قال: تَخْشَيْنَ أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، واللَّه ما رأيت أسيرًا خيرًا (٢) من خبيب، واللَّه لقد وجدته يومًا يأكل من قِطْفِ عِنَبٍ في يده وإنه لمُوثَق في الحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه اللَّه خبيبًا (٣)، فلما خرجوا من الحَرَمِ ليقتلوه في الحل، قال لهم (٤) خبيب: ذروني أركع ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، ثم قال: لولا أن تظنوا أن ما بي جَزَع لطولتها (٥)، اللهم أَحْصِهم عَدَدًا. ولست أبالي (٦) حين أقتل مسلمًا ... على أيِّ شِقٍّ كان للَّه مَصْرَعي وذلك في ذات الإله وإن يَشَأْ ... يُبَارِك على أَوْصَالٍ شِلْوٍ مُمَزَّعِ فقتله ابن الحارث، فكان خبيب هو سَنَّ الركعتين لكل امرئ مسلم قُتِلَ صَبرًا، فاستجاب اللَّه لعاصم بن ثابت يوم أصيب، فأخبر النبيُّ ﷺ أصحابَه

стр. 962

خبرَهم يوم أُصيبوا، وبعث ناسٌ من كفار قريش إلى عاصم حين حدثوا أنه قُتِلَ ليؤتوا بشيء منه يُعرَفُ، وكان قد قتل رجلًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث اللَّه على عاصم مِثلَ الظُّلَّةِ من الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ من رسولهم، فلم يقدروا أن يقطعوا من لحمه شيئًا. ١٤٤١ - وعن أبي موسى قال: قال النبي ﷺ : "فُكُّوا العَانِي -أي الأسير- وأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وعُودُوا المريض". ١٤٤٢ - وعن أبي جُحَيْفَة قال: قلت لعليٍّ ﵁: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب اللَّه؟ قال: لا والذي فلق الحَبَّة وبَرَأَ النَّسَمَة، ما أعلمه إلا فَهم (١) يعطيه اللَّه رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العَقْلُ، وفكاك الأسير، وأن لا يُقْتَلُ مسلمٌ بكافر. الغريب: "الشِّق": الجانب. و"الشِلْو": بقية الجسم. و"ممزَّع": مُقَطَّع. و"صبرًا": أي: مصبورًا؛ أي: محبوسًا للقتل. "الظُّلَّةُ": السحابة القريبة من الرأس كأنها تظله. "الدَّبْر": الزنانير. و"حمته": منعته. * * *

стр. 963

(٣٧) باب كيف يُعرَضُ الإسلام على الصبي ؟ ١٤٤٣ - عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه: أنه أخبره أن عمر انطلق في رَهْطٍ من أصحاب النبي ﷺ مع النبي ﷺ قِبَل ابن صَيَّاد، حتى وجدوه يلعب مع الغِلمان عند أُطُمِ بني مَغَالَةَ، وقد قارب يومئذ ابنُ صياد يحتلم، فلم يشعر حتى ضرب النبيُّ ﷺ ظهرَه بيده، ثم قال النبي ﷺ : "أتشهد أني رسول اللَّه؟ "، فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأُمِّيين، قال ابن صياد للنبي ﷺ : أتشهد أني رسول اللَّه؟ قال له النبي ﷺ : "آمنت باللَّه ورسوله" (١)، قال النبي ﷺ "ماذا ترى؟ "، قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، قال النبي ﷺ : "خُلِطَ عليك الأَمْرُ"، قال النبي ﷺ : "إني قد خَبَّأتُ لك خَبأً (٢) "، قال ابن صياد: هو الدُّخُّ، قال النبي ﷺ : "اخْسَأْ، فلن تَعْدُوَ قَدْرَكَ"، قال عمر: يا رسول اللَّه! ائذن لي أضرب عنقه (٣)، قال النبي ﷺ : "إن يكن هو فلن (٤) تُسَلَّطَ عليه، وإن لم يكن هو فلا

стр. 964

خير لك في قتله". قال ابن عمر: انطلق النبي ﷺ وأبي بن كعب يأتيان النخل الذي فيه ابن صياد، حتى إذا دخل النخل طَفِقَ النبيُّ ﷺ يتقي بجذوع النخل وهو يَخْتِلُ أن يسمعَ من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه، وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة له فيها رَمْزَةٌ، فرأت أمُّ ابن صياد (١) النبي ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: أَيْ صافِ -وهو اسمه- فثار ابنُ صياد، فقال النبي ﷺ : "لو تركته بَيّنَ". وقال سالم: قال ابن عمر: ثم قام النبي ﷺ في الناس، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: "إني أنذركموه، وما من نبي إلا قَدْ أَنْذَرَهُ قومَه، لقد أنذره نوح قومَه، ولكن سأقول لكم فيه قولًا لا يقله (٢) نبي لقومه: تعلمون أنه أعور وإن اللَّه ليس بأعور". الغريب: "ابن صياد": هذا غلام من اليهود، وكان يتكهن أحيانًا فَيَصْدُق ويَكْذِب، فشاع حديثه، وتحدث الناس أنه الدجال، ولم يبين اللَّه لنبيه ﷺ شيئًا من ذلك، فاشكل أمرُهُ، فأخذ النبي ﷺ يسلك طرقًا يختبر حاله بها، كما ذكر في هذا الحديث وفي غيره، وقد أشكل أمره على ابن عمر وأبي سعيد وغيرهما من الصحابة كما في "كتاب مسلم" وغيره. وقوله ﵇: "خُلِّطَ عليك"؛ أي: الشيطان أتى خلط عليه الحق

стр. 965

بالباطل على عادة الكهان. وقوله ﵇: "خَبَّأْتُ لك خَبْأ" قيل: إنه معناه: أن النبي ﷺ أضمر له في نفسه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، و (الدُّخُّ) لغة في الدخان. و"يَخْتِل": يَتَحَيَّل. و"القَطِيفَةُ": كساء من صوف غليظ له خَمَل؛ أي: زبير، ووقع هنا "رمزة" براء وزاي، من الرمز، وهو الصوت الخفي هنا الذي يَرمزُ إلى المعنى؛ أي: يشير إليه. وفي "كتاب مسلم": (رمرمة) و (زمزمة) برائين وبزائين، وهما متقاربان في المعنى، ويعني به -واللَّه أعلم-: صوت النائم المُواجَع. * * * (٣٨) باب قول النبي ﷺ : "نُصِرْتُ بالرُّعْبِ"، وقول اللَّه تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] وقد تقدم في حديث هرقل (١) قول أبي سفيان: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كَبْشَةَ؛ إنه ليخافه مَلِكُ بني الأصفر.

стр. 966

١٤٤٤ - عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "بُعِثْتُ بجوامع الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بالرُّعب، وبَيْنَا أنا نائم أُتِيتُ (١) بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي"، قال أبو هريرة: فذهب رسول اللَّه ﷺ وأنتم تَنْتَثِلُونها. الغريب: "أَمِرَ": علا وكثر. و"أبو كبشة": جدُّ النبي ﷺ لأُمِّهِ، واسمه: وهب، وقد تقدم (٢). و"بنو الأصفر": الروم، نسبوا إلى الأصفر بن الروم. و"جوامع الكلم": هي الكلمات الوجيزة المشتملة على حِكَم كثيرة، وفوائد عظيمة، كما جاء ذلك في الكتاب والسُّنَّة. و"الرعب": الفزع. و"تَنْتَثِلُونها": تستخرجون ما فيها. * * * (٣٩) باب إمداد الإمام بالمدد وكتبه للناس، ومن تأمَّرَ عند الضرورة من غير تَأْمِير ١٤٤٥ - عن أنس: أن النبي ﷺ أتاه رِغلٌ وذكوان وعُصَيَّة

стр. 967

وبنو لِحْيَان، وزعموا (١) أنهم قد أسلموا واسْتَمَدُّوه على قومهم، فأمَدَّهُمُ النبي ﷺ بسبعين من الأنصار -قال أنس: كنا نسميهم القُرَّاءُ، يَخطِبُونَ بالنهار ويُصَلُّون بالليل- فانطلقوا بهم، حتى بلغوا بئرَ مَعُونَة غدروا بهم وقتلوهم، فقنت شهرًا يدعو على رِعْلٍ وذَكْوَان وبني لِحيَان، وقال أنس: أنهم قرؤوا بهم قرانًا: أَلَا بَلِّغُوا عنا (٢) قومنا بأنا قد لقينا ربنا، فرَضِيَ عَنَّا وأرضانا، ثم رُفعَ ذلك بَعْدُ. ١٤٤٦ - وعن حذيفة قال: قال رسول اللَّه ﷺ "اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام" (٣)، وكتبنا له ألفًا وخمس مئة، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمس مئة؟ فلقد رأيتنا ابْتُلِينَا، حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف (٤).

стр. 968

١٤٤٧ - وعن أنس بن مالك قال: خطب رسول اللَّه ﷺ فقال: "أخذ الراية زيدٌ فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد اللَّه بن رَوَاحَة فأصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إِمْرَةٍ ففتح اللَّه عليه، فما يسرني (١) -أو قال: يَسُرُّهم (٢) - أنهم عندنا"، وإن عينيه (٣) لتذرفان. * * * (٤٠) باب إذا أسلم قومٌ في دار الحرب، ولهم مال وأرضون فهي لهم، وكم يقيم الإمام في العَرْصَةِ التي غلَبَ عليها ؟ ١٤٤٨ - عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول اللَّه! أين تنزل غدًا؟ -في حجه (٤) - قال: "وهل ترك لنا عَقيلٌ منزلًا؟ ! ثم قال: نحن نازلون غدًا

стр. 969

بخِيف بني كِنَانَة المُحَصَّب؛ حيث قَاسَمَتْ قريشٌ على الكفر، وذلك أنَّ بني كِنَانَة حَالفت قريشًا على بني هاشم أَلَّا يُبَايِعُوهم ولا يؤوهم". قال الزهري: والخَيْفُ: الوادي. ١٤٤٩ - وعن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنَّ عمر بن الخطاب استعمل مولًى له يُدعَى هُنَيًّا على الحِمَى، فقال: يا هُنَيُّ! اضْمُمْ جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم (١)؛ فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ ورَبَّ الغُنَيْمَةِ، وإيَّاي ونَعَمَ ابن عوف، ونعم ابن عفان؛ فإنهما إن تَهْلِكْ ماشيتهما يرجعان إلى زرع ونخل (٢)، وإن ربَّ الصَّرَيْمَة وربَّ الغُنَيْمَةِ إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين (٣)، أفأتركهم أنا لا أبَالَكَ؟ فالماء والكلأ أيسر عليَّ من الذهب والوَرِق، وايْمُ اللَّه إنَّهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أَحْمِلُ عليه في سبيل اللَّه، ما حَمَيْتُ عليهم من بلادهم شبرًا.

стр. 970

١٤٥٠ - وعن أنس عن أبي طلحة، عن النبي ﷺ ، أنه كان إذا ظهر على قومٍ أقام بالعَرصَةِ ثلاث ليال. الغريب: "الحِمَى": ما يُحْمَى من المرعى؛ أي: يُمنعَ من الرعي. و"الصُّرَيْمَة": تصغير الصِّرمَة، وهي القطعة من الإبل. و"الكلأ": مهموزًا الأخضر من الحشيش، والمال هنا الإبل. و"العَرْصَةُ": موضع النزول. * * * (٤١) باب إذا غنم المشركون مالَ مسلمٍ، ثم وُجِدَ فهو أحق به ١٤٥١ - عن نافع: أنَّ عبدًا لابن عمر أَبَقَ فلحق بالروم، فظهر عليه خالد فردَّه على عبد اللَّه، وإن فَرَسًا لابن عمر عَارَ فلحق بالروم فظهر عليه، فردُّوه على عبد اللَّه. ١٤٥٢ - وعنه، عن ابن عمر: أنه كان على فَرَسٍ يوم لَقِيَ المسلمون

стр. 971

وأمير المسلمين يومئذ خالد بن الوليد، بعثه أبو بكر فأخذه العدو، فلما هزم العدو رَدَّ خالدٌ فرسَه. قال البخاري: "عَارَ": مشتق من العَير، وهو حمار وَحْشٍ؛ أي: هرب. * * * (٤٢) باب تحريم الغلول وإن قلَّ، وقول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] ١٤٥٣ - عن أبي هريرة قال: قام فينا النبي ﷺ ، فذكر الغُلُول فعَطمَهُ وعَظَّم أمره، وقال: "لا ألفِيَنَّ (١) أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغَاءٌ، على رقبته فَرَسٌ له حَمْحَمَةٌ، يقول: يا رسول اللَّه! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، وعلى رقبته بعيرٌ له رُغَاءٌ، يقول: يا رسول اللَّه! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، وعلى رقبته صامتٌ، فيقول: يا رسول اللَّه! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، أو على رقبته رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فيقول: يا رسول اللَّه! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك".

стр. 972

١٤٥٤ - وعن عبد اللَّه بن عمرو قال: كان على ثَقَل النبي ﷺ رجل يقال له: كَرْكَرَة، فمات، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هو في النار" فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عَبَاءَةً قد غَلَّها. قال البخاري: ولم يذكر عبد اللَّه بن عمرو عن النبي ﷺ : أنه حَرَّق متاعه، وهذا أَصَحُّ. الغريب: "الغُلُول": ما يؤخذ من الغنيمة بغير قَسْمٍ. و"لا أُلْفِيَنَ": لا أَجِدَنَّ. "والصامت": يعني به: الذهب والفضة، وما أشبههما من جواهر الأرض. و"الثَقَل": بفتح الثاء والقاف العيال، وما يثقل من الأمتعة. * * * (٤٣) باب المنع من المبادرة إلى ذبح المواشي من الغنيمة إذا أمكنت القسمة وقرت، وجواز أكل الطعام قبل القسمة ١٤٥٥ - عن عَبَايَة بن رِفَاعة، عن جده رافع قال: كنا مع النبي ﷺ

стр. 973

بذي الحُلَيْفَة، فأصاب الناسَ جوعٌ، وأصبنا إبلًا وغنمًا، وكان النبي ﷺ في أُخْرَيَاتِ الناس، فعجلوا فنصبوا القدور، فأمر بالقدور فأُكْفِئَتْ، ثم قَسَمَ فعدل عشرةً من الغنم ببعير، فندَّ منها بعيرٌ وفي القوم خيل يسير (١) فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم، فحبسه اللَّه، فقال: "هذه البهائم لها أَوَابِدُ كأوابد الوحشِ، فما ندَّ عليكم فاصنعوا به هكذا"، فقال جَدِّي: إنا نرجو -أو نخاف- أن نلقى العدو غدًا وليس معنا مُدى، أفنذبح بالقَصَب؟ فقال: "ما أنهر الدَّمَ، وذُكِرَ اسمُ اللَّه عليه فَكُلْ ليس السّنَّ والظُّفْرَ، وسأحدثكم عن ذلك: أما السِّنُّ فعظْمٌ، وأما الظُّفْر فمُدَى الحبشةَ". ١٤٥٦ - وعن عبد اللَّه بن مُغَفَل قال: كنا مُحَاصِرِينَ قصرَ خيبر، فرمى إنسان بجراب شحم، فَنَزَوْتُ لآخذه، فالتفتُّ فإذا النبي ﷺ ، فاستحييت منه. الغريب: "الأَوابِد": النوافر جمع آبدَة. "ونَدَّ": امتنع بالهرب. و"هكذا": إشارة إلى رميها. و"المدى": السكاكين. و"أنهر الدم": أساله، و"ليس": استثناء بمعنى إلا. وقوله: "أما السّنّ فعظم. . . إلى آخره"، قد جاء مفسَّرًا في بعض رواياته

стр. 974

فقال: "أما السّنُّ فَنَهْشٌ، وأما الظُّفْر فخَنْق". و"نزوت": معناه: وثبت. * * * (٤٤) باب البشارة بالفتح، واستقبال الغزاة إذا رجعوا ١٤٥٧ - وعن جَرِير بن عبد اللَّه قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "ألا تريحني من ذي الخَلَصَةِ؟ " -وكان بيتًا فيه خَثْعَمُ يسمي الكعبة (١) اليمانية- فانطلقتُ في خمسين ومئة من أَخمس -وكانوا أصحاب خيل- فأخبرت النبي ﷺ : أني لا أَثْبُتُ على الخيل، فضرب في صدري، حتى رأيت أثر أصابعه في صدري، وقال: "اللهم ثَبِّتْهُ، واجعله هاديًا مَهْدِيًّا"، فانطلق إليها فكسرها وحَرَّقها، فأرسل إلى النبي ﷺ يبشره، فقال رسول جرير لرسول اللَّه ﷺ : والذي بعثك بالحق (٢) ما جئتك حتى تركتها كأنها (٣) جمل أجرب، فبارَك على خيل أَحْمَس ورجالها خمس مراتٍ. في رواية (٤): بيت في خثعم.

стр. 975

١٤٥٨ - وعن ابن أبي مُلَيْكَةَ قال: قال ابن الزبير لابن جعفر: أتذكر إذ تلقينا رسول اللَّه ﷺ أنا وأنت وابن عباس؟ قال: نعم، فَحَمَلَنَا وتركك. ١٤٥٩ - وعن السائب بن يزيد قال: ذهبنا نتَلَقَّى رسولَ اللَّه ﷺ مع الصبيان إلى ثَنِتةِ الوداع. * * * (٤٥) باب ما يقول إذا رجع من الغزو، والابتداء بالصلاة في المسجد والطعام عند القدوم ١٤٦٠ - عن عبد اللَّه -هو ابن عمر-: أنَّ النبي ﷺ كان إذا قَفَلَ كبَّر ثلاثًا، وقال: "آيبون إن شاء اللَّه، تائبون عابدون حامدون، لربنا ساجدون، صدق اللَّه وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".

стр. 976

١٤٦١ - وعن أنس بن مالك قال: كنا مع النبي ﷺ مَقْفَلَهُ من عُسْفَانَ، ورسول اللَّه ﷺ على راحلته وقد أردف صفية بنت حُيَيّ، فعثرت ناقته، فصُرِعَا (١) جميعًا، فاقتحم أبو طلحة، فقال: يا رسول اللَّه! جعلني اللَّه فداك، قال: "عليك المرأة"، فقلب ثوبًا على وجهه، وأتاها فألقاه عليها، وأصلح لهما مركبهما، فركبا واكتنفنا رسول اللَّه ﷺ ، فلما أشرفنا على المدينة، قال: "آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون"، فلم يزل يقول ذلك حتى دخل المدينة. ١٤٦٢ - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: كنت مع النبي ﷺ في سَفَرٍ، فلما قدمنا المدينة، قال لي: "ادخل المسجد، فصل ركعتين". ١٤٦٣ - وعن كعب: أنَّ النبي ﷺ كان إذا قَدِمَ من سفر ضُحًى، دخل المسجد، فصلى ركعتين قبل أن يجلس. ١٤٦٤ - وعن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ رسول اللَّه ﷺ لما قدم المدينة نحر

стр. 977

جَزُورًا أو بقرةً. ١٤٦٥ - وعنه أيضا قال: اشترى النبي ﷺ بعيرًا بأوقيتين ودرهم أو دِرهمَيْن، فلما قدم صِرارًا (١) أمر ببقرة فذُبِحَتْ، فأكلوا منها، فلما قدم النبي ﷺ المدينة، أمرني أن آتي المسجد، فأصلي ركعتين، ووزن ثمن البعير (٢). * * * (٤٦) باب قسمة الغنيمة، ومصرف الخُمُس ١٤٦٦ - عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنَّ عمر بن الخطاب قال: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قَسمْتُها بين أهلها كما قسم النبي ﷺ خيبر. ١٤٦٧ - وعن حُسَيْن بن عليٍّ: أنَّ عليًّا ﵄ قال: كانت لي شَارِفٌ من

стр. 978

نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي ﷺ أعطاني شارفًا من الخُمُسِ، فلما أردت أن أَبْتَنِي بفاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ، وَاعَدْتُ رجلًا صَوَّاغًا من بني قينقاع أن يرتحل معي، فنأتي بإذْخِر أردتُ أن أبيعَهُ من الصَّوَّاغِينَ، وأستعين به في وليمة عرسي، فَبَيْنَا أنا أجمع لشارفيَّ متاعًا من الأَقْتَابِ والغَرَائِرِ والحبال، وشَارِفَايَ مُنَاخَتَانِ إلى جنب حُجْرَةِ رجلٍ من الأنصار، فرجعت حين جمعتُ ما جمعت؛ فإذا شارفاي قد اجْتُبَّتْ (١) أَسْنِمَتُها (٢)، وبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا، وأُخِذَ من أكبادهما، فلم أملك عَيْنَيَّ حين رأيت ذلك المنظر منهما، فقلت: من فعل هذا؟ فقالوا: فعل حمزةُ بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شَرْبٍ من الأنصار، فانطلقت حتى أدخل على النبي ﷺ وعنده زيد ابن حارثة، فعرف النبي ﷺ في وجهي الذي لقيته، فقال النبي ﷺ "مالك؟ " فقلت: يا رسول اللَّه! ما رأيت كاليوم قطُّ، عَدَا حمزةُ على ناقتيَّ، فاجْتَبَّ (٣) أسنمتهما، وبَقَرَ خواصرهما، وها هو (٤) في بيت معه شَرْب، فدعا النبي ﷺ بردائه فارتدى، ثم انطلق يمشي، واتبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن فأذنوا لهم؛ فإذا هم شَربٌ، فطفق رسول اللَّه ﷺ يلوم حمزة فيما فعل؛ فإذا حمزة قد ثَمِلَ مُحْمَرَّةً عيناه، فنظر حمزة إلى

стр. 979

رسول اللَّه ﷺ ، ثم صَعَّد النظر، فنظر إلى ركبته (١)، ثم صَعَّدَ النظر، فنظر إلى وجهه (٢)، ثم قال حمزة: هل أنتم إلا عبيدٌ لأبي؟ فعرف رسول اللَّه ﷺ أنه قد ثَمِلَ، فنكص رسول اللَّه ﷺ على عَقِبَيْهِ القَهْقَرى، وخرجنا معه. الغريب: "الشَّارِف": المُسِنُّ من الإبل. و"اجْتُبَّتْ": قطعت. و"بُقِرَتْ": نُقِرَتْ. و"الأقتاب": جمع قَتَبِ، وهي أداة الرَّحْلِ. و"الشَرْب": بفتح الشين، الجماعة على الشراب. و"طفق": أخذ وجعل. و"ثَمِل": سكران، و"نَكَص": رجع. وكان هذا قبل تحريم الخمر، واللَّه أعلم. * * * (٤٧) باب مصرف الفيء وقصّة تبوك (٣) ١٤٦٨ - عن عروة بن الزبير: أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن فاطمة

стр. 980

بنت رسول اللَّه ﷺ سألتْ أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ أن يَقْسِمَ لها ميراثها مما (١) ترك رسول اللَّه ﷺ مما أفاء اللَّه عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا نُورَث، ما تركناه صدقة"، فغضبت فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ، فَهجَرَتْ أبا بكر، فلم تزل مهاجرةً (٢) له حتى توفيت، وعاشت بعد رسول اللَّه ﷺ ستة أشهر، قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللَّه ﷺ من خيبر وفَدَكَ وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركًا شيئًا كان رسول اللَّه ﷺ يعمل به إلا عملت به؛ فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ، فأمّا صدقته بالمدينة، فدفعها عمرُ إلى عليّ وعباس، وأمّا خيبر وفَدَك فأمسكهما (٣) عمر، وقال: هما صدقة رسول اللَّه ﷺ ، كانت (٤) لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأَمْرُهما إلى من وَلِي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم. ١٤٦٩ - وعن مالك بن أَوْسِ بن الحَدَثَانِ قال: بينما أنا جالس في أهلي حين مَتَعَ النهار؛ إذا رسولُ عمر بن الخطاب يأتيني، فقال: أَجِبْ

стр. 981

أمير المؤمنين، فانطلقت معه حتى أدخل على عمر؛ فإذا هو جالس على رِمَالِ حصير (١)، ليس بينه وبينه فراش، متكئ على وسادة من أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ عليه، ثم جلست، فقال: يا مَالِ! إنه قَدِمَ علينا من قومك أهلُ أبياتٍ، وقد أمرت فيهم برَضْخ، فاقبضه فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين! لو أمرت به غيري، قال: فاقبضه أيّها المرء، فبينما أنا جالس عنده أتاه حاجبه يَرْفَأُ، وقال (٢): هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون؟ قال: نعم، فأَذِنَ لهم، فدخلوا فسَلَّمُوا وجلسوا، ثم جلس يَرْفَأُ يسيرًا، ثم قال: هل لك في عليٍّ وعباس؟ قال: نعم، فأذن لهما، فدخلا فسَلَّما فجلسا، فقال عباس: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا -وهما يختصمان فيما أفاء اللَّهُ على رسوله من بني النضير- فقال الرهط -عثمان وأصحابه-: يا أمير المؤمنين! اقْضِ بينهما، وأَرِحْ أحدهما من الآخر، قال عمر: تَيْدَكُم (٣)، أَنْشُدكم باللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة"؟ يريد رسول اللَّه ﷺ نفسه، قال الرهط: قد كان ذلك، فأقبل عمر على عليّ وعباس، فقال: أَنْشُدُكما باللَّه (٤) تعلمان أن رسول اللَّه ﷺ قد قال ذلك؟ قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن اللَّه قد خص رسوله في هذا

стр. 982

الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، ثم قرأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ (١) اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، فكانت هذه خالصة لرسول اللَّه ﷺ (٢)، واللَّه ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموها (٣)، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول اللَّه ﷺ ينفق على أهله نفقة سَنَتِهِمْ من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي، فيجعله مَجْعَلَ مال اللَّه، فعمل بذلك رسول اللَّه حياته (٤)، أَنْشُدُكم باللَّه هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي وعباس: أَنْشُدُكما باللَّه (٥) هل تعلمان ذلك؟ قال عمر: ثم توفى اللَّهُ نبيَّه ﷺ ، فقال أبو بكر: أنا وليّ رسول اللَّه ﷺ ، فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى اللَّه أبا بكر، فكنت أنا وفي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل به رسول اللَّه ﷺ ، وما عمل فيها أبو بكر، واللَّه يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلماني وكَلِمَتُكُما واحدة، وأمركما واحد، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا -يريد: عليًّا- يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا نُورَثُ، ما تركناه صدقة"،

стр. 983

فلما بدا لي أن أدفعه إليكما، قلت: إن شئتما دفعتها إليكما على أنَّ عليكما عهد اللَّه وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها (١) رسول اللَّه ﷺ ، وبما عمل فيها أبو بكر، وبما عملت فيها مذ (٢) وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فَأَنْشُدُكم باللَّه هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم، ثم أقبل على عليّ وعباس، فقال: أَنْشُدُكما باللَّه هل دفعتها إليكما بذلك؟ قال: نعم، قال: فَتَلْتَمِسان مني قضاء غير ذلك؟ فواللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي بينكما (٣) قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليَّ؛ فإني أَكْفِيكُماها. الغريب: "الزيغ": الميل، خاف أبو بكر أن يتميل عن الحق إلى غيره. "تَعْرُوه": تنزل وتصيبه. و"مَتَع النهارُ": اشتد حره وارتفع. و"يَا مَالِ": تَرْخِيم مالك. و"الرَّضْخ": ما يعطى بغير تقدير. و"هل لك": فيه حَذفٌ، أي: إذن. و"الفيء": هنا ما غنم بغير قتال، وأصله الرجوع. و"أوجَفْتُم": أسرعتم. و"الرَّكَاب": الإبل. و"اختارها": حازها. و"بثها": فَرَّقها. و"تلتمسان": تطلبان. * * *

стр. 984

(٤٨) باب ما ترك النبي ﷺ بعد موته ١٤٧٠ - عن أبي إسحاق -هو السّبيعي- قال: سمعت عمرو بن الحارث قال: ما ترك رسول اللَّه ﷺ إلا سلاحه وبغلته البيضاء، وأرضًا تركها صدقة. ١٤٧١ - وعن أنس: أن أبا بكر لما استُخْلِفَ بعثه إلى البحرين، وكتب له هذا الكتاب، وختمه بخاتم النبي ﷺ ، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: (محمد) سطر، و (رسول) سطر، و (اللَّه) سطر. ١٤٧٢ - وعن عيسى بن طَهْمَانَ قال: أخرج إليَّ أنسٌ نعلَيْن جَرْدَاوتين (١) لهما قِبَالَان (٢)، فحدثني ثابت البُنَانِي بَعْدُ عن أنس: أنهما نعلا النبي ﷺ .

стр. 985

١٤٧٣ - وعن أبي بردة قال: أَخْرَجَتْ إلينا عائشة كساءً مُلَبَّدًا، وقالت: في هذا نزُعَ روحُ رسول اللَّه ﷺ وفي رواية (١): إزارًا غليظًا مما يُصْنعُ باليمين -وكساءً من هذه التي تدعونها المُلَبَّدَةَ. ١٤٧٤ - وعن ابن سيرين، عن أنس بن مالك؛ أنَّ قَدَحَ النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشَّعْبِ سلسلة من فضة. قال عاصم -وهو الراوي عن ابن سيرين-: رأيت القدح، وشربت فيه. ١٤٧٥ - وعن عليَّ بن حسين: أن المِسْوَر بن مخرمة لقيه حين قدموا المدينة من عند يزيد ابن معاوية مقتل حسين بن علي ﵀، فقال له: هل أنت مُعْطِيَّ سيفَ رسول اللَّه ﷺ ؟ فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه، وايْمُ اللَّه لئن أعطيتنيه لا يُخْلَصُ إليه أبدًا حتى تَبْلُغَ نَفْسِي. . . الحديثَ، وسيأتي إن شاء اللَّه. * * *
следующие страницы →