← Книги сунны

Книги сунны · id 127656

اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه

أبو العباس القرطبي

Полный текст (2 203 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

أمير المؤمنين، فانطلقت معه حتى أدخل على عمر؛ فإذا هو جالس على رِمَالِ حصير (١)، ليس بينه وبينه فراش، متكئ على وسادة من أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ عليه، ثم جلست، فقال: يا مَالِ! إنه قَدِمَ علينا من قومك أهلُ أبياتٍ، وقد أمرت فيهم برَضْخ، فاقبضه فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين! لو أمرت به غيري، قال: فاقبضه أيّها المرء، فبينما أنا جالس عنده أتاه حاجبه يَرْفَأُ، وقال (٢): هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون؟ قال: نعم، فأَذِنَ لهم، فدخلوا فسَلَّمُوا وجلسوا، ثم جلس يَرْفَأُ يسيرًا، ثم قال: هل لك في عليٍّ وعباس؟ قال: نعم، فأذن لهما، فدخلا فسَلَّما فجلسا، فقال عباس: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا -وهما يختصمان فيما أفاء اللَّهُ على رسوله من بني النضير- فقال الرهط -عثمان وأصحابه-: يا أمير المؤمنين! اقْضِ بينهما، وأَرِحْ أحدهما من الآخر، قال عمر: تَيْدَكُم (٣)، أَنْشُدكم باللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة"؟ يريد رسول اللَّه ﷺ نفسه، قال الرهط: قد كان ذلك، فأقبل عمر على عليّ وعباس، فقال: أَنْشُدُكما باللَّه (٤) تعلمان أن رسول اللَّه ﷺ قد قال ذلك؟ قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن اللَّه قد خص رسوله في هذا

стр. 982

الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، ثم قرأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ (١) اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، فكانت هذه خالصة لرسول اللَّه ﷺ (٢)، واللَّه ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموها (٣)، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول اللَّه ﷺ ينفق على أهله نفقة سَنَتِهِمْ من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي، فيجعله مَجْعَلَ مال اللَّه، فعمل بذلك رسول اللَّه حياته (٤)، أَنْشُدُكم باللَّه هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي وعباس: أَنْشُدُكما باللَّه (٥) هل تعلمان ذلك؟ قال عمر: ثم توفى اللَّهُ نبيَّه ﷺ ، فقال أبو بكر: أنا وليّ رسول اللَّه ﷺ ، فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى اللَّه أبا بكر، فكنت أنا وفي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل به رسول اللَّه ﷺ ، وما عمل فيها أبو بكر، واللَّه يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلماني وكَلِمَتُكُما واحدة، وأمركما واحد، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا -يريد: عليًّا- يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا نُورَثُ، ما تركناه صدقة"،

стр. 983

فلما بدا لي أن أدفعه إليكما، قلت: إن شئتما دفعتها إليكما على أنَّ عليكما عهد اللَّه وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها (١) رسول اللَّه ﷺ ، وبما عمل فيها أبو بكر، وبما عملت فيها مذ (٢) وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فَأَنْشُدُكم باللَّه هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم، ثم أقبل على عليّ وعباس، فقال: أَنْشُدُكما باللَّه هل دفعتها إليكما بذلك؟ قال: نعم، قال: فَتَلْتَمِسان مني قضاء غير ذلك؟ فواللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي بينكما (٣) قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليَّ؛ فإني أَكْفِيكُماها. الغريب: "الزيغ": الميل، خاف أبو بكر أن يتميل عن الحق إلى غيره. "تَعْرُوه": تنزل وتصيبه. و"مَتَع النهارُ": اشتد حره وارتفع. و"يَا مَالِ": تَرْخِيم مالك. و"الرَّضْخ": ما يعطى بغير تقدير. و"هل لك": فيه حَذفٌ، أي: إذن. و"الفيء": هنا ما غنم بغير قتال، وأصله الرجوع. و"أوجَفْتُم": أسرعتم. و"الرَّكَاب": الإبل. و"اختارها": حازها. و"بثها": فَرَّقها. و"تلتمسان": تطلبان. * * *

стр. 984

(٤٨) باب ما ترك النبي ﷺ بعد موته ١٤٧٠ - عن أبي إسحاق -هو السّبيعي- قال: سمعت عمرو بن الحارث قال: ما ترك رسول اللَّه ﷺ إلا سلاحه وبغلته البيضاء، وأرضًا تركها صدقة. ١٤٧١ - وعن أنس: أن أبا بكر لما استُخْلِفَ بعثه إلى البحرين، وكتب له هذا الكتاب، وختمه بخاتم النبي ﷺ ، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: (محمد) سطر، و (رسول) سطر، و (اللَّه) سطر. ١٤٧٢ - وعن عيسى بن طَهْمَانَ قال: أخرج إليَّ أنسٌ نعلَيْن جَرْدَاوتين (١) لهما قِبَالَان (٢)، فحدثني ثابت البُنَانِي بَعْدُ عن أنس: أنهما نعلا النبي ﷺ .

стр. 985

١٤٧٣ - وعن أبي بردة قال: أَخْرَجَتْ إلينا عائشة كساءً مُلَبَّدًا، وقالت: في هذا نزُعَ روحُ رسول اللَّه ﷺ وفي رواية (١): إزارًا غليظًا مما يُصْنعُ باليمين -وكساءً من هذه التي تدعونها المُلَبَّدَةَ. ١٤٧٤ - وعن ابن سيرين، عن أنس بن مالك؛ أنَّ قَدَحَ النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشَّعْبِ سلسلة من فضة. قال عاصم -وهو الراوي عن ابن سيرين-: رأيت القدح، وشربت فيه. ١٤٧٥ - وعن عليَّ بن حسين: أن المِسْوَر بن مخرمة لقيه حين قدموا المدينة من عند يزيد ابن معاوية مقتل حسين بن علي ﵀، فقال له: هل أنت مُعْطِيَّ سيفَ رسول اللَّه ﷺ ؟ فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه، وايْمُ اللَّه لئن أعطيتنيه لا يُخْلَصُ إليه أبدًا حتى تَبْلُغَ نَفْسِي. . . الحديثَ، وسيأتي إن شاء اللَّه. * * *

стр. 986

(٤٩) باب قول اللَّه : ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] قال البخاري: يعني: للرسول قَسْمُ ذلك، قال رسول اللَّه ﷺ : "إنما أنا قاسم وخازن واللَّه يعطي". ١٤٧٦ - عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: وُلِدَ لرجل منا غلام، فسماه القاسم، فقالت الأنصار: لا نَكْنِيكَ أبا القاسم، ولا نُنْعِمُكَ عَيْنًا، فأتى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه! ولد في غلام، فسميته القاسم، فقالت الأنصار: لا نكنيك أبا القاسم، ولا نُنْعِمُك عينًا، فقال النبي ﷺ : "أحسنتِ الأنصارُ، تَسَمَّوْا باسمي، ولا تَكَنُّوا بكُنْيتي، فإنما أنا قاسم". ١٤٧٧ - وعن معاوية قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدين، واللَّه المعطي، وأنا القاسم، ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم، حتى يأتي أمر اللَّه وهم ظاهرون". ١٤٧٨ - وعن أبي هريرة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ما أُعْطِيكُمْ،

стр. 987

ولا أمنعكم، أنا قاسم أضع حيث أُمِرْتُ". ١٤٧٩ - وعن خَوْلَة الأنصارية قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ رجالًا يَتَخَوَّضُونَ في مال اللَّه بغير حق (١)، فلهم النار يوم القيامة". * * * (٥٠) باب تحليل الغنائم وقول اللَّه : ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠] الآية ١٤٨٠ - عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يَتْبَعني رجلٌ مَلَكَ بُضْعَ امرأة وهو يريد أن يَبْنِيَ بها ولَمَّا يَبْنِ بها، ولا أحدٌ بنى بيوتًا ولم يرفع سُقُوفها، ولا أحدٌ اشترى غنمًا أو خَلِفَات وهو ينتظر ولادها، فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحُبِسَتْ حتى فتح اللَّه عليه، فجمع الغنائم، فجاءت -يعني: النار- لتأكلها، فلم

стр. 988

تَطْعَمْهَا، فقال: إن فيكم غُلُولًا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يَدُ رَجُلٍ بيده، فقال: فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأسٍ مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فاكلتها، ثم أَحَلَّ اللَّه لنا الغنائم، ورأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا". الغريب: "الخَلِفَات": جمع خَلِفَةٍ، وهي الناقة التي دنا ولادتها، وكان مقصود هذا النبي أن لا يجاهدَ معه إلا مَن تفرغ عن التعلُّق بهذه الأمور التي يخاف منها فساد النية في الجهاد وكراهته، فيضعف العزم، ويرغب عن تمني الشهادة. وقوله للشمس: "أنت مأمورة"؛ أي: مُسَخَّرة مُصرفة من قولهم: مُهرةُ مأمورة؛ أي: مدربة مذلَّلَة. * * * (٥١) باب كرامة الغازي المخلص حيًّا وميتًا، وبركة ماله ١٤٨١ - عن أبي موسى الأشعري قال: قال أعرابي للنبي ﷺ : الرجل

стр. 989

يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليُذْكَر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانه (١)، من في سبيل اللَّه؟ فقال: "مَنْ قاتل لتكونَ كلمةُ اللَّه هي العليا، فهو في سبيل اللَّه". ١٤٨٢ - وعن عبد اللَّه بن الزبير قال: لمَّا وقف الزبيرُ يوم الجمل، دعاني، فقمت إلى جنبه، فقال: يا بُنَيَّ! إنه لا يُقْتَلُ اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أُرَاني إلا سَأُقْتَلُ اليوم مظلومًا، وإنَّ من أكبر همي لَدَيْنِي، أَفَتُرَى دَيْنَنَا يُبْقِي (٢) من مالنا شيئًا؟ فقال: يا بُنَيّ! بِعْ مالَنَا، واقض دَيْنِي (٣)، وأوْصَى بالثُّلُث، وثُلُثه لبنيه -يعني: بني عبد اللَّه بن الزبير- يقول: ثُلُثُ الثُّلُثِ، فإن فضل من مالنا فضلٌ بعد قضاء الدَّيْنِ شيء فثُلُثه لوَلَدِك. قال هشام: وكان بعضُ ولد عبد اللَّه وازى بعضَ بني الزبير -خُبَيْب وعَبَّاد- وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات -قال عبد اللَّه: فجعل يوصيني بِدَيْنِه ويقول: يا بني! إن عجزتَ عن شيء منه، فاستعن عليه مولايَ، قال: فواللَّه ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت! مَنْ مولاك؟ قال: اللَّه، قال: فواللَّه ما وقعت في كُرْبَةٍ من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير! اقض عنه دينه، فيقضيه، فقُتِلَ

стр. 990

الزبير ﵁، ولم يَدَع دينارًا ولا درهمًا إلا أرَضِين منها الغابةُ، وأحد عشر (١) دارًا بالمدينة، ودارًا بالبصرة (٢)، ودارًا بالكوفة، ودارًا بمصر، وقال (٣): وإنما كان دَيْنُهُ الذي عليه: أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه (٤)، فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف (٥)؛ فإني أخشى عليه الضَّيْعَةَ، وما وَلِيَ إمارةً (٦)، ولا جباية خراج ولا شيئًا، إلا أن يكون في غزوة مع النبي ﷺ ، أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵁، فقال (٧) عبد اللَّه بن الزبير: فَحَسَبْتُ ما عليه من الدَّيْنِ، فوجدته ألفي ألف ومئتي ألف، قال: فلقي حكيمُ بن حزام عبد اللَّه ابن الزبير، قال: يا ابن أخي! كم على أخي من الدَّيْن؛ فكَتَمه، وقال (٨): مئة ألف، فقال حكيم: واللَّه ما أرى أموالكم تَسَعُ لهذه، فقال له عبد اللَّه: أفرأيتك إن كانت ألفي ألفٍ ومئتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه، فاستعينوا بي، قال: وكان الزبير اشترى الغابةَ بسبعين ومئة ألفٍ، فباعها عبد اللَّه بألف ألف وست مئة ألف، ثم قام فقال: مَن كان له على الزبير حقٌّ، فليوافنا بالغابة، فأتاه عبد اللَّه بن جعفر

стр. 991

وكان له على الزبير أربع مئة ألف، فقال لعبد اللَّه: إن شئتم تركتها لكم؟ قال عبد اللَّه: لا، قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخِّرون إن أَخَّرتُم؟ فقال عبد اللَّه: لا، قال (١): فاقطعوا في قطعة، فقال عبد اللَّه: لك من ههنا إلى ههنا، قال: فباع منها، فقضى دينه فأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقَدِمَ على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زَمعَةَ، فقال له معاوية: كما قَوّمت الغابة؟ قال: كل سهم مئة ألف، قال: كم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف، فقال المنذر بن الزبير: قد أخذت منها (٢) سهمًا بمئة ألف، وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهمًا بمئة ألف درهم (٣)، وقال ابن زمعة: قد أخذت سهمًا بمئةِ ألف، فقال معاوية: كم بقي؟ قال (٤): سهم ونصف سهم (٥)، قال: قد (٦) أخذته بخمسين ومئة ألف، قال: فباع (٧) عبد اللَّه بن جعفر نصيبه من معاوية بست مئة ألف، قال (٨): فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينهِ، قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا، فقال (٩): واللَّه لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: أَلَا مَن كان له على الزبير دينٌ فليأتنا

стр. 992

فلنقضِه، قال: فجعل كل سَنَةٍ ينادي بالموسم، فلمّا مضى أربع سنين قسم بينهم، قال: وكان للزبير أربع نسوةٍ ورفع الثلث، فأصابتْ كلُّ امرأةٍ ألفَ ألف ومئتي ألف (١) (٢) فجميع ماله خمسون ومئة ألف. * * * (٥٢) باب من أسلم من الكفار بعد أن غنم المسلمون ماله لم يُرَدَّ إليه ماله إلا بِرِضَى من صار إليه مالُه ١٤٨٣ - وعن عروة: أن مروان بن الحكم والمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ أخبراه: أن رسول اللَّه ﷺ قال حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أنْ يَرُدَّ إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "أَحَبُّ الحديث إليَّ أصدَقُهُ، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السَّبْيَ، وإما المال، وقد كنت استَأْنيتُ بكم" (٣)، وقد كان رسول اللَّه ﷺ انتظر (٤) أخراهم بضعَ عشرة ليلة حين

стр. 993

قفل من الطائف، فلمَّا تبين لهم أن رسول اللَّه ﷺ غيرُ رادٍّ لهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سَبْيَنَا، فقام رسول اللَّه ﷺ في المسلمين، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد: فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين، وإني رأيت أَنْ أَرُدَّ لهم سبْيَهم، من أحبَّ أن يُطَيِّبَ فليفعل، ومن أحب منكم أن يكونَ على حَظِّهِ حتى نُعطيه إياه من أوَّلِ ما يفيء اللَّه علينا فليفعل"، فقال الناس: قد طيبنا لرسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنا لا ندري من أَذِنَ منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عُرَفَاؤكم أمركم"، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأخبروه: أنهم قد طَيّبوا وأذنوا (١)، فهذا الذي بلغنا عن سَبْي هوازن. * * * (٥٣) باب من خَصَّهُ النبي ﷺ بالإسهام مع كونه لم يحضر الوقعة ١٤٨٤ - عن ابن عمر قال: لما (٢) تَغيَّب عثمان عن بدر؛

стр. 994

فإنه كان تحته بنت رسول اللَّه ﷺ ، وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ : "إنَّ لك أجرَ رجلٍ ممن شهد بدرًا وسهم (١) ". ١٤٨٥ - وعن أبي بُرْدة، عن أبي موسى قال: بلغنا مَخْرَجُ النبي ﷺ ونحن باليمين، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأَخَوانِ لي، أنا أصغرهم؛ أحدهما: أبو بُردة، والآخر: أبو رُهْمٍ -إمَّا قال: في بضع، وإما قال: في ثلاثةٍ- وخمسين رجلًا من قومي (٢)، فركبنا سفينة، فأَلْقَتْنَا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، وَوَافَقْنَا جعفرَ بن أبي طالب وأصحابَهُ عنده، فقال جعفر: إن رسول اللَّه ﷺ بعثنا ههنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا، فوافقنا النبي ﷺ حين افْتَتَحَ خيبر، فأسهم لنا -أو قال: فأعطانا منها- وما قَسَمَ لأحدٍ غابَ عن فتح خيبر منها شيئًا إلا لمن شهد معه إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قَسَم لهم معهم. * * *

стр. 995

(٥٤) باب السرية الخارجة من الجيش شركاء معه فيما غنموه، والإمام أن ينفل السَّرِية وزيادة على سهمهم ١٤٨٦ - عن ابن عمر: أنَّ رسول اللَّه ﷺ بعث سَرِيَّةً فيها عبد اللَّه بن عمر قِبَلَ نَجْدٍ، فغنموا إبلًا كثيرًا، فكانت سُهْمَانُهم اثني عشر بعيرًا -أو أحد عشر بعيرًا- ونُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا. ١٤٨٧ - وعنه: أن رسول اللَّه ﷺ كان يُنَفِّلُ بعضَ مَن يبعث من السرايا لأنفسهم خاصَّة سوى قسم عامَّة الجيش. * * * (٥٥) باب يعطي الإمام للقرابة ولغيرهم من الخمس بالاجتهاد ١٤٨٨ - عن جُبَيْر بن مُطْعِم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى

стр. 996

رسول اللَّه ﷺ ، فقلنا: يا رسول اللَّه! أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منكم بمنزلة واحدة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّا (١) بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد"، قال جبير: ولم يقسم النبي ﷺ لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل، قال (٢) ابن إسحاق: وعبد شمس (٣) وهاشم والمطلب إخوة لأُمٍّ، وأُمُّهم عَاتِكَةُ نجت مُرَّة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم. ١٤٨٩ - وعن نافع: أنَّ عمر بن الخطاب قال: يا رسول اللَّه! إنه كان عليَّ اعتكافُ يومٍ في الجاهلية، فامره أن يَفِي به، قال: وأصاب عمر جاريتين من سَبْي حُنين (٤) -في رواية: من الخمس (٥) - فوضعهما في بعض بيوت مكة، قال: فمَنَّ رسول اللَّه ﷺ على سبي حنين (٦)، فجعلوا يَسْعَوْنَ في السِّكَكِ،

стр. 997

قال عمر: انظر ما هذا (١)؟ قال: فقال (٢): مَنَّ رسول اللَّه ﷺ على السَّبْي، قال: اذهب فأرسل الجاريتين. قال نافع: ولم يعتمر رسول اللَّه ﷺ من الجِعْرَانة، ولو اعتمر لم يَخْفَ على عبد اللَّه. ١٤٩٠ - وعن عمرو بن تَغْلِب قال: أعطى رسولُ اللَّه ﷺ قومًا ومنع آخرين، فكأنهم عَتَبُوا عليه، فقال: "إني أعطي قومًا أخاف ظَلَعَهُمْ (٣) وجَزَعَهُمْ، وأَكِلُ قومًا (٤) إلى ما جعل اللَّه في قلوبهم من الخير، منهم عمرو ابن تَغْلب"، فقال عمرو بن تغلب: ما أُحِبُّ أن ليَ بكلمةِ رسول اللَّه ﷺ حُمُرَ النَّعَمِ. ١٤٩١ - وعن أنس قال: قال النبي ﷺ : "إني أعطي قريشًا أَتَأَلَّفُهم

стр. 998

عليَّ (١)؛ لأنهم حديثُ عَهْد بجاهلية". ١٤٩٢ - وعنه: أنَّ ناسًا من الأنصار قالوا لرسول اللَّه ﷺ حين أفاء اللَّه على رسوله من أموال هوَازِن ما أفاء، فطفق يعطي رجالًا من قريش المئةَ من الإبل -فقالوا: يغفر اللَّه لرسوله (٢)، يُعْطِي قريشًا ويَدَعُنَا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ ! قال أنس: فَحُدِّثَ رسول اللَّه ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قُبّهٍ من أَدَمٍ، ولم يَنعُ معهم أحدًا غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "ما كان حديثٌ بلغني عنكم؟ "، فقال فقهاؤهم (٣): فأما ذوو رأينا يا رسول اللَّه، فلم يقولوا شيئًا، وأما أُنَاسٌ مِنَّا حديثةٌ أَسْنَانهم، فقالوا: يغفر اللَّه لرسول اللَّه يعطي قريشًا ويترك الأنصار وسيوفنا تَقْطُر من دمائهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إني أعطي (٤) رجالًا حديثٌ عهدهم بكُفْرٍ، أَمَا تَرْضَوْنَ أن يذهب الناسُ بالأموال وترجعون (٥) إلى رِحَالكم برسول اللَّه (٦)، فواللَّه ما تَنْقَلِبُونَ به خيرٌ مما ينقلبون به"، قالوا: بلى يا رسول اللَّه قد رضينا، فقال: "إنكم سَتَرَوْنَ بعدي أثَرَةً شديدة، فاصبروا

стр. 999

حتى تلقوا اللَّه ورسوله (١) على الحوض"، قال أنس: فلم نصبر. ١٤٩٣ - وعنه قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه بُردٌ نَجْرَانِي غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ، فجذبه جَذْبَةً شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتِق النبي ﷺ قد أَثَّرَتْ به حاشيةُ الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مُرْ لي من مال اللَّه الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاءٍ. ١٤٩٤ - وعن جُبَيْر بن مُطْعَمٍ: أنه بينما (٢) هو مع رسول اللَّه ﷺ ، ومعه الناس مقبلًا من حُنَيْنٍ، عَلِقَتْ برسول اللَّه ﷺ الأعرابُ يسألونه حتى اضطروه إلى سَمُرَةٍ (٣)، فخطفت رداءه، فوقف رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العِضَاه (٤) نَعَمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدونني بخيلًا ولا كَذُوبًا ولا جبانًا". * * *

стр. 1000

(٥٦) باب إعطاء المؤلفة قلوبهم ١٤٩٥ - عن أبي وائل، عن عبد اللَّه قال: لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ أُنَاسًا في القسمة، فأعطى الأَقْرَعَ بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عُيَيْنَة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، وآثرهم (١) يومئذٍ في القسمة، قال رجل: واللَّه إن هذه لقِسْمَة ما عُدِل فيها -أو ما أريد (٢) فيها وجه اللَّه- فقلت: واللَّه لأُخْبِرَنَّ النبيَّ ﷺ ، فأتيته فأخبرته، فقال: "فمن يعدِلْ إذا لم يعدل اللَّه ورسوله؟ رحم اللَّه موسى؛ قد أوذي بأكثرَ من هذا فصبر". * * * (٥٧) باب أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس، والمصالحة، وكم الجزية، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية ١٤٩٦ - وعن بَجَالَةَ قال: كنت كاتبًا لجَزْءِ

стр. 1001

ابن معاوية عمِّ الأحنف، فأتانا كتابُ عمر بن الخطاب قبل موته بسَنَةٍ: فَرِّقُوا بين كل ذي مَحْرَم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف: أنَّ رسول اللَّه ﷺ أخذها من مجوس هجر. ١٤٩٧ - وعن عمرو بن عوف الأنصاري -وكان شهد بَدْرًا (١) -: أنَّ رسول اللَّه ﷺ بعثَ أبا عُبَيْدَة بن الجَرَّاح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول اللَّه ﷺ هو صالح أهل البحرين، وأَمَّر عليهم العلاءَ بن الحَضْرَمِيَّ، فقدم أبو عبيدة بمالٍ من البحرين، فسَمِعَت الأنصارُ بقدوم أبي عبيدة، فوافت (٢) صلاة الصبح مع النبي ﷺ ، فلما صلى بهم الفجر، انصرفوا فتعرضوا له، فتبسَّم حين رآهم، وقال: "أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ "؛ قالوا: أجل يا رسول اللَّه، قال: "فأَبْشِروا وأَمِّلُوا ما يسركم، فواللَّه لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبْسَطَ عليكم الدنيا، كما بسطت على مَن قبلكم، فتنافسوا (٣) كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم".

стр. 1002

١٤٩٨ - وعن جُبَيْر بن حَيَّة قال: بعث عمر بن الخطاب في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين، فأسلم الهُرْمُزَانُ، فقال: إني مستشيرك في مغازيَّ هذه، قال: نعم، مَثَلُهَا ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين (١) مَثَل طائر له رأس، وله جناحان ورجلان (٢)، فإن كُسِرَ أحد (٣) الجناحين، نهضت الرِّجْلَان بجناح والرأس، فإن كسر الجناح الآخر، نهضت الرجلان والرأس، فإن شُدِخَ الرأس ذهبت الرجلان والجناحان والرأس، فالرأس كسرى، والجناح قيصر (٤)، والجناح الآخر فارس، فَمُرْ المسلمين فلينفروا إلى كسرى. قال جُبَيْر: فَنَدَبَنَا عمر، واستعمل علينا النعمن بن مُقَرِّن، حتى إذا كنا بأرض العدو، خرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفًا، فقام ترجمانه، فقال: ليكلمني رجل منكم، فقال المغيرة: سل عما شئت؟ فقال: ما أنتم؟ فقال (٥): نحن أناس من العرب كُنَّا في شَقَاءٍ شديدٍ، نمصُّ الجِلْدَ والنَّوَى من الجوع، ونلبس الوبر والشَّعَر، ونعبد الحجر والشجر،

стр. 1003

فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السماوات ورب الأرض (١) إلينا نبِيًّا من أنفسنا، نعرف أباه وأمَّه، فأمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا اللَّه وحده أو تؤدوا الجزية، فأخبرنا (٢) نبينا عن رسالة ربنا: أنه من قُتِلَ منا صار إلى الجنة في نعيم لم يرَ مثله (٣) قط، ومن بقي منا مَلَكَ رقابكم. فقال النعمان: ربما أشهدك اللَّه مثلها مع النبي ﷺ ، فلم يُنَدِّمْك (٤)، ولم يُخْزِك، ولكني شهدت القتال مع رسول اللَّه ﷺ ، كان إذا لم يقاتل في أول النهار، انتظر حتى تَهُبَّ الأرواح (٥)، وتحضر الصلوات. ١٤٩٩ - وعن ابن أبي نجيح: قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم

стр. 1004

أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قِبَلِ اليسار. * * * (٥٨) باب إثم من قتل مُعَاهِدًا، والوصاة بأهل الذمة، ولا يقر منهم أحدٌ بجزيرة العرب ١٥٠٠ - عن عبد اللَّه بن عمرو: عن النبي ﷺ قال: "من قتل مُعَاهِدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا". ١٥٠١ - وعن عمرو بن ميمون عن عمر قال: وأوصيه بذمة اللَّه وذمة رسوله: أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل دونهم (١)، ولا يُكَلَّفُوا إلا طاقتهم. ١٥٠٢ - وعن جويرية بن قدامة التميمي: سمعت عمر بن الخطاب

стр. 1005

قلنا: أَوْصِنَا (١) يا أمير المؤمنين، قال: أوصيكم بذمة اللَّه؛ فإنه ذمة نبيكم ورزق عيالكم. وقال عمر، عن النبي ﷺ "أقركم ما أقركم اللَّه به" (٢). ١٥٠٣ - وعن أبي هريرة قال: بينما نحن في المسجد خرج النبي ﷺ فقال: "انطلقوا إلى يهود"، فخرجنا حتى إذا جئنا بيت المِدْرَاس، فقال: "أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، واعلموا أن الأرض للَّه ورسوله، وإني أريد أن أُجْلِيَكُمْ من هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئًا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض للَّه ورسوله". ١٥٠٤ - وعن ابن عباس -وسمعه سعيد بن جبير يقول-: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بَلَّ دَمْعُه الحصى، قلت: يا أبا (٣) عباس! وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول اللَّه ﷺ

стр. 1006

وجعه، فقال: "ائتوني بكتفٍ (١) أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا"، فتنازعوا -ولا ينبغي عند نبي تنازع- فقالوا: ماله؟ أهجر؟ استفهموه، فقال: "ذروني الذي (٢) أنا فيه خير مما تدعونني إليه"، فأمرهم بثلاث، فقال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوَفْدَ بنحو ما كنت أجيزهم"، والثالثة إمّا أن سكت عنها، وإمّا أن قالها فنسيتها. قال سفيان بن عيينة: هذا من قول سليمان بن أبي مسلم (٣). الغريب: "لم يَرَحْ": لم يشم، يقال: رَاحَ الطيب يراحه إذ وجد ريحه. و"المعاهَد": بفتح الهاء، اسم مفعول، وهو الذي عوهد بعهد؛ أي: صُولح. و"الذمة": العهد. و"أَجْلِيكُم": أخرجكم، يقال: جلا القوم من منازلهم: خرجوا، وأجلاهم الإمام: أخرجهم. و"الكتف": واحد أكتاف الحيوان، وقد يعبر به عن اللوح؛ لأنهم كانوا يكتبون في الأكتاف. وقوله: "أَهجر" بهمزة الاستفهام صوابه، وهو استفهام على جهة الإنكار على من ظنه بالنبي ﷺ في ذلك الوقت لشدة المرض عليه. وهذا الكتاب الذي أراد النبي ﷺ كتابته إنما هو -واللَّه أعلم- في النص

стр. 1007

على خلافة أبي بكر؛ لكنهم لما تنازعوا، واشتد مرضه وألمه، عَدَلَ عن ذلك فعَوِّلًا على ما أصَّلَ في ذلك من استخلافه إيَّاه على الصلاة، ومن قوله: "يأبى اللَّه والمسلمون إلا أبا بكر"، واللَّه أعلم. و"جزيرة العرب" من أقصى اليمن -عدن أَبْيَنَ- إلى رِيفِ العراق، ومن جدَّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام، قاله الأصمعي، وسميت جزيرة؛ لأنها مجزورة بالبحار: بحر الحبش، وبحر فارس، ودجلة، والفرات، قاله الخليل. * * * (٥٩) باب ما يُحْذَرُ من الغدر، وإذا غدر المشرك هل يُعْفى عنه ١٥٠٥ - عن عوف بن مالك قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبةٍ من أَدَمٍ، فقال: "اعدد ستًّا بين يدي الساعة: مَوْتِي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوتَانٌ يوجد فيكم كعُقَاصِ (١) الغنم، ثم استفاضة

стр. 1008

المال حتى يُعْطَى الرجلُ مئة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هُدْنةٌ تكون بينكم وبين بني الأَصْفَر فيَغْدِرُونَ، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا". ١٥٠٦ - عن أبي هريرة قال: لما فُتِحَتْ خيبرُ أُهْدِيَتْ للنبي ﷺ شاة فيها سمٌّ، فقال النبي ﷺ : "اجمعوا لي من كان ههنا من يَهُود"، فجمعوا له، فقال: "إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صَادِقِيَّ عنه؟ " فقالوا: نعم، فقال النبي ﷺ : "من أبوكم؟ " فقالوا: فلان، فقال: "كذبتم بل أبوكم فلان"، قالوا: صدقت، قال: "فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألت عنه؟ " فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا، كما عرفت في أبينا، فقال لهم: "من أهل النار؟ " قالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تخلفونا فيها، فقال النبي ﷺ : "اخسؤوا فيها، واللَّه لا نخلفكم فيها أبدًا"، ثم قال "هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: "فهل (١) جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟ " قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك. وقال (٢) يونس: عن ابن شهاب سئل: أعلى مَن سحَرَ من أهل العهد

стр. 1009

قتل؟ قال: بلغنا أن رسول اللَّه ﷺ قد صنع له ذلك، فلم يقتل من صنعه، وكان من أهل الكتاب. ١٥٠٧ - وعن أبي هريرة قال: كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارًا ولا درهمًا؟ قيل له: وكيف ترى ذلك كائنًا يا أبا هريرة؟ قال: إي والذي نفس أبي هريرة بيده عن قول الصادق المصدوق، قالوا: عَمَّ ذلك؟ قال: تنتهك ذمة اللَّه، وذمة رسوله، فيشد اللَّه قلوب أهل الذِّمة، فيمنعون ما في أيديهم. * * * (٦٠) باب إثم من عاهد ثم غدر. وذمة المسلمين واحدة، وأمان المرأة. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٦] وقد تقدم قول النبي ﷺ في ذم المنافق وذكر خصاله: "إذا عاهد غدر" (١).

стр. 1010

١٥٠٨ - عن إبراهيم التَّيْمِيّ، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: ما كتبنا عن النبي ﷺ إلا القرآن وما في هذه الصحيفة. وقد تقدم في الحج، وفيه من الزيادة ههنا: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أَخْفَرَ مسلمًا، فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، لا يُقْبَلُ منه صَرفٌ ولا عَدْلٌ، ومن والى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صَرف ولا عَدل". ١٥٠٩ - وعن أبي وائل قال: شهدت صِفِّينَ، فسمعت سهل بن حنيف يقول: اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جَنْدَل فلو أستطيع أن أَرُدَّ أمر النبي ﷺ لرددته، وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأَمْرٍ يفظعنا إلا أَسْهَلْنَ بنا إلى أمرٍ نعرفه غير أمرنا هذا. وفي رواية (١): أيها الناس! اتهموا أنفسكم، فإنّا كنا مع رسول اللَّه ﷺ يوم الحديبية ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول اللَّه! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: "بلى"، فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: "بلى"، قال: فَعَلَامَ نعطي الدَّنِيَّةَ

стр. 1011

في ديننا؟ أنرجع ولم يحكم (١) اللَّه بيننا وبينهم؟ فقال: "يا ابن الخطاب! إني رسول اللَّه، ولن يضيعني اللَّه أبدًا" (٢)، فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول اللَّه ﷺ على عمر إلى آخرها، قال عمر: يا رسول اللَّه! أوفَتْحٌ هو؟ قال: "نعم". ١٥١٠ - وعن أنس: عن النبي ﷺ قال: "لكل غادر لواء يوم القيامة ينصب -وفي رواية (٣): يُرَى- يوم القيامة يُعْرَفُ به". وقد تقدم من حديث أم هانئ قوله ﵇: "قد أَجَرْنَا من أَجَرْتِ". الغريب: "أَخْفَرْتُ الرجل": نقضت عهده. و"خَفَرْته": أجرته. "الصَّرْف": الحيلة. و"العدل": الفِدْيَة، وقيل: الصرف: النافلة. و"العدل": الفريضة. وقوله: "اتهموا رأيكم أو أنفسكم": أمر بالتثبت والتوقف. و"العَاتِق": ما بين المنكب والعنق، وهو الكاهل. و"يُفْظِعُنَا"؛ أي: نجده فظيعًا؛ أي: شديد المرارة، وأَسْهَلْنَ؛ أي: مشين بنا إلى أمر سهل. و"الدَّنِيَّة": الحالة الخسيسة. * * *

стр. 1012

(٦١) باب يطاع الأمراء وتؤدي حقوقهم، ويصبر على أذاهم ١٥١١ - عن ابن مسعود: عن النبي ﷺ قال "ستكون أَثَرة وأمورٌ تنكرونها"، قالوا: يا رسول اللَّه! فما تأمرنا؟ قال: "تُؤَدُّونَ الحقَّ الذي عليكم، وتسألون اللَّه الذي لكم". ١٥١٢ - وعن ابن عباس: عن النبي ﷺ قال: "مَنْ كَرِهَ من أميره شيئًا فليصبر؛ فإنه من خرج من السلطان شِبْرًا، مات ميتةً جاهليةً". وفي رواية (١): "فإنه من فارق الجماعة شبرًا، فمات إلا مات ميتةً (٢) جاهلية". ١٥١٣ - وعن عُبادة بن الصَّامِتِ قال: دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال

стр. 1013

فيما أَخَذَ علينا: أن بَايَعَنَا على السمع والطاعة في مَنْشَطِنا ومَكْرَهِنَا وعسرنا ويسرنا وأثَرَةٍ علينا، وأن لا ننازِعَ الأَمْرَ أهله، إلا أن تروا كُفْرًا بَوَاحًا عندكم من اللَّه فيه برهان. ١٥١٤ - وعن أُسَيْد بن حُضَيْر: أنَّ رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه! استعملت فلانًا ولم تستعملني؟ قال: "إنكم سَتَرَوْنَ بعدي أثَرَةً، فاصبروا حتى تَلْقَوْني". * * *

стр. 1014

(٣٦) كتاب بدء الخلق

стр. 1015

(٣٦) كتاب بدء الخلق (١) باب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] قال الربيع بن خُثَيْم والحسن: كله عليه هَيِّن، هَيْن وهَيِّن، كلَيْن ولَيِّن، ومَيْت ومَيِّت. ١٥١٥ - عن عمران بن حصين قال: دخلت على النبي ﷺ ، وعَقَلْتُ ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم، فقال: "اقبلوا البشرى يا بني تميم"، قالوا: قد بَشَّرْتَنَا فأعطنا -مرتين- ثم دخل عليه ناس من (١) اليمن، فقال: "اقْبَلُوا من غير إذ البشرى يا أهل اليمن إن لم يقبلها بنو تميم"، قالوا: قد

стр. 1016

قبلنا يا رسول اللَّه، قالوا: جئنا لنسألك (١) عن هذا الأمر؟ قال: "كان اللَّه ولم يكن شيءٌ غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض"، فنادى منادٍ: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت فإذا هي ينقطع دونها السراب (٢)، فواللَّه لوددت أني كنت تركتها. ١٥١٦ - وعن عمر بن الخطاب قال: قام فينا النبي ﷺ مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه. ١٥١٧ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه: "لما قضى اللَّه الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي". * * *

стр. 1017

(٢) باب في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ١٥١٨ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن -وكانت بينه وبين أناس خصومة في أرض- فدخل على عائشة فذكر لها ذلك، فقالت: يا أبا سلمة! اجتنب الأرض؛ فإن رسول اللَّه ﷺ قال: "من ظَلَم قِيدَ شبر، طُوِّقَهُ من سبع أرضين". ١٥١٩ - ومن حديث ابن عمر: "من أخذ شيئًا من الأرض بغير حقه، خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرضين". ١٥٢٠ - ومن حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل: خاصمته أَرْوَى -في حق زعمت أنه انتقصه لها- إلى مروان فقال سعيد: أنا أنتقص من حقها شيئًا؟ أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا،

стр. 1018

فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين". * * * (٣) باب في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥] وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] قال قتادة (١): خلق اللَّه هذه النجوم لثلاثٍ: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدي بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. قلت: وما أحسن قولَ أبي الفرج بن عبيد: تَعَلُّم أحكامِ النجوم إضاعةٌ ... لأوقاتِ عُمرٍ تنقضي فتفوت فما يعلم الإنسان ما كَسْبُه غدًا ... ولا يعلم الإنسانُ حين يموت ١٥٢١ - وعن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قال النبي ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: "تدري أين تذهب؟ " قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يُقْبَلُ منها، وتستأذن فلا يُؤْذَنُ لها، يقال لها:

стр. 1019

ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ". وفي رواية (١): عن أبي ذر قال: سألت النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، قال: "مستقرها تحت العرش". الغريب: "السجود": الخضوع والتذلل. و"استئذان الشمس": إن كانت مما يعقل فحقيقة، وإلا فمن الموكَّلِين بها، أو يكون لسان حال. و"لِمُسْتَقَرِّها": أي: إلى مستقرها، كما يقال: هو يجري لغايته، وإلى غايته، وقد بينه النبي ﷺ ، ولولاه لأمكن أن يقال: مستقرها: أي: منازلها في الغروب، أو يقال: هو منتهاها عند انقضاء الدنيا. * * * (٤) باب خلق الملائكة والشياطين، وأنَّ الجنَّ خُلِقُوا قبل الإنسان قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩]، وقال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾ [الصافات: ١٥٠]، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٤ - ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا

стр. 1020

الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨]. ١٥٢٢ - عن عروة، عن عائشة: عن النبي ﷺ قال: "الملائكة تَحَدَّث (١) في العَنَانِ -والعنان الغمام- بالأمر يكون في الأرض، فتسمع (٢) الشياطين الكلمة، فتقُرُّها في أُذُنِ الكاهن كما تقول القارورة (٣)، فيزيدون معها مئة كذبة". ١٥٢٣ - وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "كل بني آدم يَطْعَنُ الشيطان في جنبه (٤) بأصبعه (٥) حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب" (٦). * * *
следующие страницы →