← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127657

الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري

ابن عبد البر

Полный текст (280 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الحديث الثاني حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جعفر ابن عمرو بن أمية عن أبيه (١) قال: "رأيتُ النبيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَي عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ" (٢). تابعه مَعمَر (٣)، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمرو: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ " (٤) قلتَ: وأَسنَده الأوزاعي، ولم يُسنِده مَعمَر في متابعته؛ لأنّه لَم يذكر جعفرًا (بين) أبي سلمة و (بين) عمرو بن أمية (٥)، هكذا في كتابك، فقلتَ: ما

стр. 107

معنى إدخال البخاري هذه المتابعة وهي غير مسندة؟ فالجواب: إنّ إدخال البخاري متابعة مَعمَر للأوزاعي، إنّما ذلك لأنّه تابعه عن يحيى ابن أبي كثير في هذا الحديث على ذكر المسح على العمامة فيه (١)، وإن كان مَعمَر لم يَذكُر إسناد جعفر بن عمرو، وذكره الأوزاعي، وقد روى هذا الحديث عبد الرزّاق عن مَعمر بإسناده هذا عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن عمرو بن أمية الضمري قال: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ" (٢)، ولم يَزِد، ولم يَذكُر المسحَ على العمامة، وعبد الرزّاق من أَثبَت الناس في مَعمَر، وقد صَنَّف كتابًا جليلًا (٣) ذَكَر فيه باب المسح على العمامة، ولم يذكر فيه هذا الحديث، وذكره في باب المسح على الخفّين هكذا، لم يَذكُر

стр. 108

فيه المسح على العمامة، والبخاري لا يُدفع صدقه، وإنّما كان عنده حديث مَعمَر من غير رواية عبد الرزّاق (١)، أو حَدَّثه عن عبد الرزّاق بِما ذَكَر مَن وَثِق به مِمَّن لم يَتَّفق مع ما جاء به، وحَسبُك ما ذَكرَه في مَصنَّفه على أنّ المصنَف عندهم لمِعمَر (٢)، وليس في حديث عمرو بن أمية المسح على العمامة، والله المستعان. ولم يُراعِ البخاري في متابعة مَعمَر الإسناد، إنّما راعي المسح على العمامة؛ لأنّه مَوضِع الاختلاف فيما قد جعله بابًا وأصلًا في كتابه. فأمّا قولُك: "ولم يُسنِده مَعمَر"، فقد أسنده، وذكر فيه عن عمرو: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ "، وهذا في لفظ حديثه في كتابِك، والذي صَنَع مَعمَر فيه إسقاط جعفر ابن عمرو من إسناده، وكذلك رواه جماعة لم يذكروا جعفر [١]، (٣) من رواة الأوزاعي وغيره، [و] (٣) ممّن رواه عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمرو بن أمية، لم يذكروا جعفرًا: الوليد بن مسلم (٤)، وأيُّوب

стр. 109

ابن سويد (١)، ومحمّد بن كثير (٢)، وذكروا فيه المسح على العمامة، وكان الوليد ابن مسلم ربّما لم يذكر ذلك. وقد روى هذا الحديث يونس بن يزيد عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمرو بن أمية: "أَنَّه رَأَي النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَي الخُفَّيْنِ"، لم يَذكُر العمامة، ولا ذكر جعفرًا. ولم يَذكُر في هذا الحديث جعفرَ بن عمرو من رواةِ الأوزاعي - فيما علمتُ - إلّا أبو المغيرة عبد الله بن داود الخريبي (٣)، وربّما قَصَّر الخريبي عن ذكر العمامة فيه. وروى هذا الحديث جماعة عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، ولم يذكروا المسح على العمامة، وكذلك رواه جماعة عن جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، لم يذكروا فيه المسح على العمامة فربما (٤) لا يزيد في هذا الحديث عن جعفر بن عمرو، عن أبيه على قوله. وقد رُوِي هذا الحديث عن أبي سلمة عن المغيرة (٥)، وعن أبي سلمة عن

стр. 110

أبي هريرة (١)، وليس في واحد منهما ذكر المسح على العمامة، وربما كان حديث أبي سلمة عن أبي هريرة حديثًا آخر، ولكن مَن عَلَّلَه جعلَه واحدًا، والاضطرابُ في حديث عَمرو ابن أُمَيَّة في المسح على العمامة عظيم، وهو حديث لا يثبت عند أكثر أهل العلم بالحديث (٢)، لم يُخرِّجه أبو داود، ولا أحمد بن شعيب (٣). وقد ذكر النسائي في المسح على العمامة أبوابًا من حديث المغيرة وبلال، ولم يذكر حديث عمرو بن أُميّة، وأبو داود فلم يَصِحّ عنده في المسح على العمامة شيءٌ أَلْبَتَّة (٤)، وللبخاري انفرادات في أحاديث يُخرِجُها، وأحاديث يَذكُرها لا يُتابِعُه أحدٌ عليها، والكمال لذي العزّة والجلال. * * *

стр. 111

الحديث الثالث حديث الفأرة تقع في السمن، ذَكرَه في باب: النجاسات (تقع) (١) في الماء والسمن (٢). وقولك: عرِّفني عن هذا الباب وغيره؛ كيف أَصلُ أهلِ المدينة في الماء؟ ولخِّص لي فيه وجه الصواب، فقد أَشكَل هذا الأصل. فالجواب: إنّ حديثَ الفأرةِ التي وَقعَت في السمن الجامد، فقال رسول الله: "خُذُوهَا وَمَا حَوْلهَا فَأَلْقُوهُ"، إلى ها هنا انتهى حديثُ أكثرِ أصحاب ابن شهاب الذي رَوَوْهُ عنه عن (عُبَيد الله) (٣) عن ابن عبّاس عن ميمونة، وقد رواه مَعمَر بهذا الإسناد، ورواه - أيضًا - بإسناد آخر عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة (٤)، فعند معمر فيه عن

стр. 112

الزهري حديثان، أحدهما حديث (عبيد) الله (١) عن ابن عبّاس، والآخر حديث سعيد عن أبي هريرة، وفي حديث أبي هريرة: "إِنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَأَلْقُوهُ؛

стр. 113

وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلاَ تَقْرَبُوهُ". هذه رواية عبد الرزّاق [عن مَعمَر] (١) عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ ، ورواه عبد الواحد بن زِياد عن مَعمَر بهذا الإسناد، وقال فيه: "وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبحُوا بهِ" (٢). واختَلَفَ العَلماءُ في الاستصباح (٣) بالزيت والمائع تَقَع فيه الميتة وفي بيعه (٤)، ولم يَختَلِفوا في أكل ما وقعت فيه الميتة من المائعات غير الماء وشربه ذلك أنّه لا يجوّزه إلّا مَن شَذَّ عنهم (٥)، وقد ذكرنا حكم الزيت يقع فيه الميتة، وما في ذلك للعلماء من الأقوال

стр. 114

والآثار في كتاب "التمهيد" (١). وأمّا الذي سألتَ عنه، كيف أصلُ أهلِ المدينة؟ وأَحبَبتَ تلخيصَ ذلك وإظهار وجه الصواب فيه. فالجواب عن ذلك؛ أنّ أصلَ أهلِ المدينةِ في الماء كتاب الله وسنن رسوله ﷺ : * أمّا الكتاب، فقول الله ﵎ اسمه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، فسَمَّى اللهُ الماءَ طَهورًا، و"الطَّهور": هو "المُطهِّر لغيرِه"، مثل الضَّروب والقَتول، وهو الذي يُكثِر الضَّربَ والقَتل والفعل في غيره، وقد يكون - أيضًا - بمعنى "طاهر" مثل: صابر وشاكر وصَبور وشَكور وضارب وقاتل، والمعنيان جميعًا في الماء صحيحان، والماء القَراح الصافي، كماء السماء وماء البحار والأنهار والعيون والآبار، إذا لم يخالطه شيءٌ فهو طاهر مُطهِّر؛ وهذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين. والماء الذي وصفنا طاهر مُطهِّر بإجماعٍ، فلا وجه للإكثار فيه، قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقد تقدَّم أنَّ الماء النَّازل من السماء طَهور. وقال رسول الله ﷺ : "المَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" (٢).

стр. 115

• وأجمعوا أنّ الماء الطاهر - كثيرًا كان أو قليلاً - إذا خالطته النجاسةُ فغَلَبَت عليه، أو ظَهَرَت فيه برِيحٍ أو لَونٍ أو طَعمٍ؛ أنَّها قد أفسدته، وأنَّه قد حَرُم كما حَرُمت النجاسةُ، وخرج من حكم الطهارة. • وكذلك أجمعوا أنّ الماء المُستَبحرَ الكثيرَ إذا دخلت فيه النجاسة فلم تظهر فيه بلَونٍ ولا طَعمٍ ولا رِيحٍ ولا أثر أنَّ ذلك الماء الطاهر مُطهِّر كما كان، سواء في الحكم طهارته. فإن كان الماء قليلاً أوكان غيرَ مُستَبحرٍ، وحَلَّت فيه النجاسة، فلم يَظهَر فيها لَونٌ ولا طَعمٌ ولا رِيحٌ؛ فهذا موضعٌ كَثُر فيه النِّزاع والاختلاف قديمًا وحديثًا (١)، واختَلفَتْ فيه الآثار - أيضًا - وأصلُ أهلِ المدينةِ فيه؛ وهو - أيضًا - مذهب أهل البَصرة، وإليه ذهب اكثرُ أهلِ النَّظرِ، وهو الذي اختاره أكثرُ أصحابنا (المالكيّين) (٢) من البغداديين؛ أنَّ ذلك الماء طاهر مُطهِّر قليلاً كان أو كثيرًا؛ لأنَّ الماءَ لا يُنجِّسُه شيءٌ إلاَّ ما غلب عليه، ولو نَجَّسه غيرُ ما يَغلِب عليه (لمَا) (٣) صحَّت به طهارتُه لأحَدٍ أبدًا، ولو كان القليل منه

стр. 116

يفسده قليل النجاسة ما صحّ الاستنجاء بالماء لأحد. والحجّة في هذا المذهب (سنة) (١) رسول الله ﷺ ؛ في صَبِّه على بَولِ الأعرابي ذَنُوبًا من ماء حين بال في المسجد عنده (٢)، وهو أصحُّ الأحاديث كلِّها المنقولة عن النبي ﷺ في الماء من جهة الإسناد والمعنى، وفيه دليل واضح (على أنَّ كلّ الماء من النجاسات) (٣) والحكم للماء لا للنجاسة، ولا مراعاة لمِا خالطه ومازجه إذا كان الماءُ غالبًا؛ لأنَّ هذا حُكم ما جعله اللهُ طَهورًا مُطهِّرًا لغيرِه، ومعلومٌ أنَّ البول (إذ) (٤) أمر رسول الله ﷺ بالصَّبَ عليه قد مازج، ولكن لمَّا كان الماء غالبًا كان مُطهِّرًا للبول، وكان الحكم له ولم يكن للبول المستهلك فيه حكم لسُنَّة رسول الله ﷺ ، (ولا فَرقَ عندنا بين حُلول النجاسة على الماء وبين حُلولِه عليها) (٥)، ولم أَرَ للذين فَرَّقوا بينهما من الشَّافعيين حُجَّة يَعجَز الخَصمُ عن معارضتها؛ وليس شيءٌ من المائعات مجلُّ هذا المَحلَّ غيرُ الماء، فاعلمه. والماء عندنا لا يُفسدُه إلاَّ ما غَلَب عليه من النجاسات المُحرّمات أو ظهر فيه منها، وهذا مذهب مالكِ بنِ أنس وأهلِ المدينة وأكثرِهم، وهي رواية المدنيِّين من

стр. 117

أصحاب مالك عن مالك، وكذلك حكاه أبو المصعب (١) عن مالك وأهل المدينة. وأمَّا المصريُّون من أصحاب مالك؛ يُفسدُه عندهم قليل النجاسة، وإن كَثُر لا يُفسِدُه إلاَّ ما غَلَب عليه من النجاسة أو ظَهرَت فيه بطَعمٍ أو رِيحٍ أو لَونٍ، ولم يحُدُّوا بين القليل والكثير حَدًّا (٢)، وهذا مذهب الشَّافعي سواء، إلاَّ أنّه حدّ في ذلك حدًّا لحديث القلتين؛ وروى ابن القاسم (٣) عن مالك في الجُنُب يَغتَسل في الحوض الذي يُسقَى فيه

стр. 118

الدوابّ؛ ولم يكن غسل ما به من الأذى؟ فقال: "قد أفسد الماء ونجَّسه" (١). وسئل عن الحياض التي تكون بين مكَّة والمدينة، وهي حياض كبار؛ يَغتَسِل فيها الجُنُب ولم يَغسِل ما به من الأذى؟ فقال: "أكره للجنب أن يغتسل في الماء الدائم؛ ولا يضرّ الماء ذلك إذا كان كثيرًا" (٢). فقد تَبيَّن بما ذكره ابنُ القاسم عنه ما أضفنا فيه عنهم. وقد سئل ابن القاسم عن إناء الوضوء يسقط فيه مثلُ رؤوس الإبر من البول؟ فأجاب: "فإنَّه قد نجس" (٣)، وإلى هذا ذهب جماعةُ أصحاب مالك من أهل المغرب ومصر إلاَّ عبد الله بن وهب، فإنَّه قال: "فيما روى المدنيُّون عن مالك؛ إنّ الماء قليلَه وكثيرَه لا يَنجُس إلاَّ بما غَلَب عليه أو ظهر فيه"، على حَسَب ما وَصَفنا. وقد رُوي عن أصحابنا في البئر تقع فيه النجاسة الميتة روايات مُضطَرِبة؛ أكثرُها على أنّ البئر يُفسِد (ماءَها) (٤) الميتةُ تقع فيه. وكان إسماعيل بن إسحاق (٥) يقول: "إنَّ كلّ ما رُوِي عن ابن القاسم وغيرِه

стр. 119

(من) (١) مثل تلك الروايات، فإنّما هي على طريق التنَزُّه والاستحباب"، وأمَّا الأصل عندنا كما ذكرنا. ولقد سأل أحمد بن المُعَذَّل (٢) (عبد) (٣) الملك (٤) عن البئر تقع فيه الميتة؟ فقال: "ينزح منها عشرون، ثلاثون، أربعون دلوًا"، قال أحمد: ثمَّ قال: أفلا سألتني عن قولي هذا؟ فقلت: لقد هَمَمتُ أن أسألكَ حتّى بدا شيء فقال: "إنّما قلتُ هذا لك لئلاَّ تظنَّ أنّ في هذا حدًّا أو شيئًا واجبًا، وإنّما هو لتَطيِيب النفس عليه، والماء على طهارته حتّى

стр. 120

يُتيَقَّن فيه النجاسة". وهذا قولٌ صحيحٌ في النظر والأثر. وقد أتينا على هذا المعنى وتقصِّي القول فيه بالآثار المرفوعة وغيرها عن علماء المدينة وسَلَفِهم، وبالحُجَج الواضحة في كتاب "التمهيد" (١)، وبالله التوفيق. حدَّثني محمّد بن إبراهيم قال: حدَّثنا محمّد بن معاوية (٢) قال: أبنا أحمد بن شعيب قال: ثنا قتيبة بن سعيد قال: نا حمَّاد عن ثابت عن أنس: "أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المسْحدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دَعُوهُ، فلّمَا فَرَغ دَعَا بِدَلْوٍ فَصَبَّه عَلَيْهِ" (٣). وهذا حديث ثابت صحيح، وقال يحيى بن معين: "أَثبَتُ النَّاس في أنس ثابت البناني، وأثبت النَّاس في ثابت حمَّاد بن سلمة" (٤). وقد رُوِي من وُجوه كثيرة من حديث أنس وحديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ فمَنِ ادَّعى أنَّ طهارة الأرضِ لها حُكمٌ مُنفَرِد فعليه إقامة الدليل، ولن يَجِد إلى ذلك سبيلاً.

стр. 121

الحديث الرَّابع حديث أمِّ عطيَّة قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ شَيْئًا" (١). وثبت أنَّ مالكًا يقول ولم يختلف قوله في ذلك: "إنَّ الصُّفرة والكُدرة حَيضٌ في أيَّام الحيض وفي غيرِ أيَّامه"؟ فالجواب عن ذلك: إنَّ مالكًا ﵀ لم يَختَلِف قوله: "إنَّ الصُّفْرة والكُدرة حَيضٌ في أيّام الحيض وبإثره"، واختَلَف قولُه في ذلك في غيرِ أيَّامِ الحيض؛ والقول الأوَّل أشهر عنه (٢).

стр. 122

وأمَّا حديث أمِّ عطيَّة، فحديثٌ انفرد به أهلُ البصرة، وأُجيب أنّ الأحاديث عنده لم يَلزَمْه عملٌ (١)؛ لأنَّ العمل إنَّما يَلزَم المقبولُ من الشهادات والأخبار، على أنّ خَبَر أمِّ عطيَّة [غير] (٢) لازم العمل به على كلّ حال؛ لأنّها لم تُضِفـ[ـه] (٣) إلى رسول الله ﷺ ، ولا أَخبَرت أنّ رسول الله ﷺ استُفتِي عن ذلك فأجاب بما قالته، ولا فيه أنّ رسول الله ﷺ عَلِم ذلك. وقد خالفَتها عائشةُ أمُّ المؤمنين وأسماء ﵅ (فكانتا) (٤) لا تصلِّيان حتّى تريا البياض (٥)، والنظر يشهد لهذا القول؛ لأنّ المرأةَ إذا كانت حائضًا بيقين ثمَّ

стр. 123

انقطع عنها الدَّم وبقيت الصُّفْرة والكُدْرة، ومعلومٌ أنَّها من بَقايا الدم، فالواجب ألاَّ تَخرُج من حُكْم الحَيْض المُتَيَقَّن إلاَّ بيقين الطَّهارة، ولا يقينَ إلاَّ بالنَّقاء، وكلُّ دمٍ يظهر من الرَّحِم فالواجب أن يُترَك له الصلاة، ومَن أَنصَف بان له أنّ الصُّفْرة والكُدْرة من الدم، وقد قال ﷺ : "فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكي الصَّلاَةَ" (١)، وقد يجوز أن يكون أمَامها صُفرة وغيرُ صُفرة. وابتداءُ الحيضِ ضعيفٌ ثمَّ يَقوَى بَعدُ، وهذا عند النساء معروفٌ، والكلام في هذا واضح؛ فلا وجه فيه للإطالة. وقال عبد الله بن غانم (٢): قلتُ لمالك: إنَّا لَم نَكَد نرى الصُّفرة والكُدرة شيئًا؛

стр. 124

ولا نرى ذلك إلاَّ في الدم العبيط (١)؟ فقال مالك: "وهل الصُّفرة والكُدرة إلاَّ دم"، ثمّ قال: "إنَّ هذا البلد إنَّما كان العمل فيه بالنبوَّة، وإنَّ غيرَهم إنّما العمل فيهم بأمر الملوك". وقد اختَلف العلماءُ في الصُّفْرة والكُدْرة قديمًا وحديثًا اختلافًا كثيرًا (٢)، والصواب ما قلتُ لك - إنْ شاء الله تعالى - وعليه أكثرُ الفقهاء بالحجاز والعراق؛ وبالله العصمة والتوفيق.

стр. 125

الحديث الخامس حديث عائشة ﵂: "أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً فَوَجَدَهَا فَأَدْرَكَتْهمُ الصُّلاَةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا، (فَشَكَوْا) (١) ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ الله آيَةَ التَّيَمُّمِ" (٢). هكذا ذكرتَ الحديث في كتابك؛ فقلت: فكأنَّ البخاريَّ ﵀ جوَّز الصلاة عند العُذر وامتِناع التيمّم بغير تيمُّم؟ فالجواب إنَّ هذا الباب قد اختَلَف فيه العلماءُ قديمًا، وتنازع فيه فقهاءُ الأمصار، فذهب منهم قومٌ إلى أن المَحبُوسين في المِصرِ، والمهدم عليهم، والمصلوبين، وكلُّ مَن لا يَقدِر على الوضوء بالماء وعلى التيمّم بالأرض أو التراب؛ أنَّه لا يصلّي حتّى يُمكِنَه الوضوءُ أو التيمّمُ، ولو أقام ما شاء الله أن يُقِيم، وإذا انطلق صلَّى كلّ صلاة لم يَكُن صلاَّها من أجل ذلك (٣).

стр. 126

وحُجّة مَن ذهب هذا المذهب قولُ رسول الله ﷺ : "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةً بِغَيْرِ طَهُورٍ" (١)، فمَن لَم يُمكِنه الطهور، ولم يكن له إلى الصلاة سبيلٌ [لا يصلّي] (٢)، ومِمّن

стр. 127

ذهب إلى هذا من أصحابِنا أَشهَب (١)، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي والثوري وزُفَر، وهو أحد قولي الشَّافعي. وذهب منهم آخرون إلى أنّ مَن كانت حاله ما وَصَفنا صَلَّى كيف أَمكَنَه بغير طهور؛ إذا لم يُمكِنه الطهور، وأعاد بعد ذلك إذا قَدَر على الطهور بالماء أو التيمّم عند عدم الماء، ومِمّن ذهب إلى هذا أيضًا مِن أصحابنا عبد الرحمن بن القاسم (٢) وهو قول أبي يوسف ومحمّد واللَّيث بن سعد، وهو أحد قولي الشافعي - أيضًا - وكلّ هؤلاء قال: "إنَّ مَن كانت حاله ما وصفنا وصلَّى على ذلك لم يَكُن له بُدٌّ من الإعادة إذا قَدَر على الطهور". وليس في حديث عائشة أنَّ رسولَ الله ﷺ أَمَرَهم بالإعادة عند وجود الماء. وقد زعم بعض العلماء أنّ الانفصال من ذلك بأنَّ التيمّم لم يكن مشروعًا حينئذ لأنّه نزل لغد؟ وهذا عندي لا وَجهَ له؛ لأنّهم كانت طهارتُهم طهارةً واحدة، حينئذ فصَلَّوْا دونها، وكذلك مَن عدِم الطهارة بالماء وعدِم البدل منها، وهي الطهارة بالصَّعيد، ولم يَقدْرِ على شيءٍ من ذلك كلّه؛ كان حُكمُه كذلك والله أعلم.

стр. 128

وقد ذهب بعضُ المتأخِّرين من الفقهاء (١) أنَّ مَن كانت حاله تلك على ظاهر حديث عائشة هذا [لا يصلّي] (٢) والفقهاءُ على خلافه كلُّهم، وفي المسألة نظر؛ لأنّه يحتمل قوله ﷺ : "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صلاَةً بِغَيْرِ طَهُورٍ" لِمَن قَدَر على الطَّهور، كما أنّه لا يَقبَل صلاة عُريانٍ وهو قادرٌ على ثوبٍ يَستُرُه فتَرَكَه عامدًا. وقد رُوي عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صلاَةَ حَائِضٍ حَتَّى تَخْتَمِرَ" (٣). والمسألةُ إذا تعادلت فيها الأدلَّة واستَوَت فيها الحُجَج؛ فالوجه في هذا للعلماء التخيير بالفتوى، ولكلّ من نزلت [به] (٤) الاحتياط، والاحتياط في هذه المسألة أن

стр. 129

يُصَلِّيَ، ثمّ يُعِيد إذا قَدَر على الطهارة، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب، ليُؤدِّيَ فَرضَه بيقين، ويَخرُج من الاختلاف، ويَدَع ما يَريبُه إلى ما لا يَريبُه، ومَن ترَك الشُّبُهاتِ استَبْرَأ لدِينِه وعِرضِه؛ كما قال ﷺ . وقد روى ابنُ دينار عن مَعْنٍ عن مالك، فيمن كَتَّفَه الوَالِي، وحَبَسَه، فمَنَعَه من الصلاة حتّى خرج الوقت؟ : "ليس عليه إعادة" (١). وهذه رواية مُنكَرة، وقياسُه على المُغمَى عليه لا وجه له. وروى ابنُ القاسم عن مالك في هذا وفي المهدم عليه البيت: "أنّهم يُعِيدون إذا خَرَجوا؛ لأنّهم كانت معهم عقولُهم"، وهذا هو الصحيح عندنا وعليه القياس. * * *

стр. 130

الحديث السادس حديث عائشة ﵂ قالت: "فُرِضَتِ الصّلاَةُ رَكْعَتَيْنِ رَكعَتَيْنِ فِي الحَضَرِ وَالسُّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلاَةِ الْحَضَرِ" (١).

стр. 131

فالجواب: إنّ الكلام في هذا الحديث يطول، وقد ذكرنا في كتابنا "التمهيد" وفي "الاستذكار" - أيضًا - ولكن نَذكُر منه هاهنا جُمَلاً كافية إن شاء الله تعالى، فنقول: إنّ هذا الحديث ليس على ظاهره إن صحّ معبره (١)؛ لأنّ هناك آثارًا كثيرة تدفعه، فأمّا إسناده وصحّته من جهة النقل فلا مقال فيه لأحد.

стр. 132

فمِمَّا يُوهِن هذا الحديث أنّ ظاهرَه يوجب قصرَ الصلاة فرضًا وعائشة التي جاءت به ﵂ عَمِلت بخلافه، وعَمَلُها بخلافه مشهورٌ عنها، ولا تحذر تعمل بخلافه إلاّ لأنّه عندها وَهَم رجعتْ عنه، أو لمعنى يُزيلُه عن ظاهره؛ لأنّه خَبرٌ لا يجوز فيه النسخ، لاستحالة نسخ الأخبار، وإنّما يُنسَخ الأمر والنهي. وإمّا لكثرة الرجوع عنه (إقرارًا) (١) بالوهم والنسيان، فمن هاهنا رفَع العلماء جوازَ النسخ على ما كان مخرجه مخرج الخبر في الكتاب والسنّة، فقِفْ على هذا الأصل. ذكر عبد الرزّاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة: "أنّها كانت تتمّ في السفر" (٢). فإن قال قائل: إنّ عائشة ﵂ إنّما أتَمَّت في السفر لأنّها أمِّ المؤمنين؛ فحيث نزلتْ فهي عند بيتها وكأنّه مَنْزلها؟ قيل له: هذا تأويل فاسد لا وجه له، ولا يجوز مثله أدْ يتأوَّل على عائشة ﵂ لِمَا فيه من خلاف السنّة والإجماع؛ لأنّه لو كان نزولها حيث نزلت مَنْزلاً لها لأنّهم بَنُوها لَما جاز لها القصر أصلاً لأنّها في مَنْزلها. وقد أجمع المسلمون أنّ القصر كان لها مباحًا في سفرها، وأكثرهم يقول: لا ينبغي ترك القصر، ولو كان ذلك كذلك ما قصر النبيّ ﷺ وهو أبو المؤمنين، وبه صارت

стр. 133

عائشة أمِّ المؤمنين؛ ألا ترى في قراءة أُبيّ بن كعب ﵀: "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِيِنَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لهُمْ" (١). وقد كان للمؤمنين أمّهات عدّة (يسافرن) (٢) في الحجّ والعمرة وغيرها، فما بَلَغَنا عن واحدة منهنّ أنّها تأوّلَت هذا التأويل. وقد تأوّلت طائفة على عائشة - رحمها الله - تأويلاً أضعف من هذا، لا يليق منّا قَبوله ولا ذكره، ولا يليق بنا مثله. والذي يجوز أن يُتَأوّل عليها ما قد وافقها فيه غيرُها، فقد أتَمَّ الصلاة في السفر جماعةٌ من السلف الصالح منهم عثمان بن عفّان وسعد بن أبي وقّاص (٣) وغيرهما.

стр. 134

وقد تُؤُوِّل على عثمان في إتمامه تأويلات لم يُرْوَ شيءٌ منها عنه، وإنّما هي ظنون وتوجيهات، والله أعلم (١). وقد عاب ابن مسعود على عثمان بالإتمام في سفره ثمّ أدام عثمان الصلاة، وفي ذلك الوقت يصلّي ابن مسعود خلفه وأتمّ معه، فقيل له: أنت تَعِيبُه بالإتمام وتتمّ معه؟ فقال: "الخلافُ شرٌّ" (٢). فلو كان القصر عند ابن مسعود فرضًا لم يتمّ معه ولم يُصَلِّ خلفَه، ولكنّه كان عنده والله أعلم - سنّة ورخصة، فكَرِه خلاف إمامه فيما قد أبيح له، ومثل قصّة ابن مسعود هذه حديث سلمان.

стр. 135

وذكر عبد الرزّاق عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن ابن أبي ليلى الكِنْدي عن سَلمان: "أنّه كان مع قوم في السفر فحضرت الصلاة، فقالوا له: صلِّ، فقال: إنّا لا نَؤُمُّكم ولا نَنكِح نساءَكم، وأبى، فتقدّم رجل من القوم فصلّى أربع ركعات؛ فلمّا سلّم قال سلمان: ما لنا وللمُرَبَّعة؟ إنّما كان يكفينا نصف المربَّعة، ونحن إلى الرخصة أحوج" (١)، فلم يُعِد سلمان الصلاة، وأخبر أنّ القصر رخصة فتدبّر. ومِمّا يقدح في حديث عائشة إتمامها في السفر، ومثله - أيضًا - إجماع الفقهاء على أنّ المسافر إذا صلّى خلف المقيم وأدرك معه ركعة تامّة أنّه يصلّي أربعًا، ولو كان فرضُ المسافر ركعتين لم ينتقل إلى أربع مع إمامه، كما أنّ المقيم إذا صلّى به المسافر لا ينتقل فرضه للائتمام بإمامه، بل يتمّ صلاته بعد سلام إمامه المسافر كما أمر به رسول الله ﷺ [و] (٢) عمر بعده، حيث قالا بمكة - كلّ واحد منهما في وقته لمن صلى معهما من المقيمين وهما مسافران: "أَتِمُّوا صَلاتَكُمْ، فَإِنَّا قَوْمٌ سُفْرٌ" (٣)، ولم يبلغنا أنّ أحدًا من علماء المسلمين نهى

стр. 136

المسافر إذا أقيمت عليه في الحضر الصلاة في المسجد عن الدخول معهم. وهذا كلّه يَدُلُّك على أنّ القصر ليس بفرض عندهم، وإنّما هو سنّة وإباحة، وحَدَّثَت عائشةُ أحاديثَ عن النبيّ ﷺ ، فمنها حديث عمر بن الخطّاب أنّ يَعْلى ابن أُمَيّة قال له: "ما لنا نقصر الصلاة في السفر ونحن آمنون، وقد قال الله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾، ونحن نَجِد أَمْنًا؟ فقال عمر: عجبتُ مِمّا عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "تِلْكَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"" (١). وهذا يدلّ على أنّ القصر رحمة وتوسعة وسنّة مسنونة. ومنها حديث المغيرة بن زياد عن عطاء عن عائشة: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَامَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ، وَأَتَمَّ الصَّلاَةَ وَقَصَرَ" (٢).

стр. 137

وحديث طلحة [بن] (١) عمرو عن عطاء عن عائشة قالت: "كِلاَ اْلأَمْرَيْنِ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ قَدْ صَامَ وَأَفْطَرَ، وَأَتَمَّ وَقَصَرَ فِي السَّفَرِ" (٢). ومنها - أيضًا - حديث أنس بن مالك الأنصاري: " [إنّا معاشر] (٣) أصحاب رسول الله ﷺ نسافر فيُتِمّ بعضنا ويَقْصُر بعضنا، ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا، فلا يعيب أحدٌ منّا على صاحبه" (٤).

стр. 138

وقد ذكرنا هذه الآثار وغيرها في كتاب "التمهيد" باب ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن (أسيد) (١)، فاقتصرنا ها هنا على المتون دون الأسانيد بشرط الاختصار والفرار من الإكثار. ومنها - أيضًا - حديث عمرو بن أميّة الضمري (٢) وحديث الجُرَشِي (٣)، ومنها حديث أنس بن مالك القُشَيري: أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ قَدْ وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلاَةِ" (٤)، وظاهر قوله: "وضع" أنَّ ذلك فيما قد كان وجب

стр. 139

فوضع منه أو فيه. هذا التأويل دليل على أنّ الصلاة لم تفرض ركعتين ركعتين كما قالت عائشة. وقد قال بأنّ الصلاة فرضت أربعًا أربعًا (حين) فرضت، وصلّى رسول الله ﷺ في السفر ركعتين جماعة من أهل العلماء، منهم ابن عبّاس ونافع بن جبير بن مطعم والحسن البصري؛ كلّهم يزعم أنّ الصلاة أوّل ما فرضت أربعًا، وذلك اليوم الذي أصبح فيه رسول الله ﷺ من ليلة أُسْرِي به، أتاه جبريل فصلّى به عند البيت الصلوات، بدأ بالظهر وختم بالصبح في يومين أربع ركعات أربع ركعات إلاّ المغرب والصبح. ولا يَختَلِف أهلُ السير بالأثر أنّ الصلاة لم تُفرَض إلاّ بالإسراء، وأنّ جبريل نزل على النبيّ ﷺ صبيحةَ تلك الليلة وقتَ الظهر، فصلّى به على هيئة صلاتنا اليوم، وهذا كلّه من قولهم يدفع حديث عائشة أو يصرفه عن ظاهره. وقد ذكرنا ما للعلماء في هذا الباب من الآثار والأقوال مُسْتَقصى في كتاب "التمهيد" (١). وهذا الذي ذكرتُ لك مذهبُ مالك بن أنس وأكثر أصحابه وأهل المدينة.

стр. 140

حكى أبو الفرج القاضي (١) عن أبي المصعب الزهري عن مالك قال: "القصر في السفر للنساء والرجال سنّة". ثمّ قال أبو الفرج: "فلا معنى للاشتغال بالاستدلال على مذهب مالك مع ما ذكره أبو المصعب عنه أنّ القصر عنده سنّة لا فرض". ومِمّا يدلّ على ذلك من مذهبه أنّه لا يرى الإعادة على مَن أتمّ في السفر إلاّ في الخوف (٢). قال أبو عمر: أصل القصر في السفر مع الخوف خرج مخرج الإباحة والرخصة لقوله : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، ثمّ سَنَّ رسولُ الله ﷺ القصر في السفر أَمْنًا، فهو على ذلك الأصل، والله أعلم. وقد رُوِّينا عن عبد الله بن عمر ﵄ والقاسم بن محمّد أنّهما قالا [بذلك] (٣). [حدّثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدّثنا قاسم، (٤) ابن أصبغ

стр. 141

قال: ثنا عبد الله بن روح المدائني قال: ثنا عثمان بن عمر قال: أبنا مالك بن مِغول عن أبي حنظلة الحذّاء قال: "قلت لابن عمر: أصلّي في السفر ركعتين والله تعالى يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، ونحن نجد الزاد والمزاد، فقال: كَذَلِكَ سَنَّ رَسُولُ الله ﷺ ". حدّثنا عبد الوارث بن سفيان قال: ثنا قاسم بن أصبغَ قال: [ثنا عبد الله ابن روح المدائني، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ] (١) ثنا مالك بن مغول عن أبي حنظلة قال: "سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتين، قلت: فأين قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونحن آمنون؟ فقال: سُنَّهُ مُحَمَّدٍ ﷺ " (٢). وروى قتادة عن صفوان بن (محرز) (٣) أنّه سأل عبد الله بن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: "رَكْعَتَانِ، سُنَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ " (٤).

стр. 142

وروى ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكير (١) بن الأشجّ عن القاسم بن محمّد أنّ رجلاً قال له: "عجبتُ من عائشة حين كانت تصلّي أربعًا في السفر ورسول الله ﷺ كان يصلّي ركعتين؟ ! فقال له القاسم: عليك بسنّة رسول الله ﷺ فإنّ مِن النّاس مَن لا يُعاب" (٢). ومثل هذا حديث عبد الله بن عمر - أيضًا - إذ سأله أُمَيَّة بن عبد الله ابن خالد ابن أسيد فقال له: "إنّا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة السفر؟ فقال له عبد الله بن عمر: يا ابن أخي؛ إنّ الله بعث إلينا محمّدًا ﷺ ولا نعلم شيئًا، وإنّما نفعل كما رأيناه يفعل" (٣).

стр. 143

ولم يقل ابن عمر للسائل قالت عائشة: إنّ الصلاة في السفر والحضر هكذا فرضت. فإن قال قائل: إنّ عمر بن الخطّاب قد قال: "صَلاَةُ المُسَافِرِ رَكعَتَانِ تَمَامٌ غيرَ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيَكُمْ ﷺ " (١).

стр. 144

وفي هذا دليل على أنّها لا قصر فيها وإنّما هكذا فرضت؟ قيل له: لا دليل فيه على ما ذكرت؛ لأنّ عمر هو الذي روى عن رسول الله ﷺ أنّ القصر صدقة تصدّق الله بها على عباده، يعني: توسعة ورخصة ورحمة. ومعنى حديث عمر - والله أعلم - إن صحّ عنه: "إنّ صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر"، يعني: إنّ ذلك تمام في الأجر غير نقص منه، وتمام في أداء فريضة غير نقص منها (١) بها كمَن صلّى أربعًا في الحضر سواء؛ كلٌّ قد أدّى فرضه وكُتب له أجرُه، هذا ما لا يدفع احتماله، والله أعلم. على (أنّه) (٢) حديث كوفي، وقد اختُلِف في إسناده.

стр. 145

فإن قال: إنّ ابن عبّاس يقول: "فُرِضت الصلاة في الحضَر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة" (١)، وفي هذا دليل على أنّ صلاة السفر هكذا فُرِضَت ركعتين، وهو فرضها؟ قيل له: حديث ابن عبّاس هكذا يعارض حديث عائشة؛ لأنَّه يقول: إنّها فُرِضت في الحضر أربعًا، وعائشة تقول: فرضت في السفر والحضر ركعتين، ثمّ زِيد في صلاة الحضر. وقد يكون معنى قول ابن عبّاس: "فُرِضت" يعني: قُدِّرت، والمقرُّ حكمُها، كما يقال: فَرَض القاضي نفقة اليتيم والزوجة كذا وكذا، بمعنى قَدَّرها وحكم بها، لا أنّه أوجبها، ومن أصحابنا وغيرهم مَن جعل قصر الصلاة في السفر فرضًا، والذي اختاره أبو الفرج أنّها سنّة لرواية أبي المصعب ذلك عن مالك فلا معنى للاشتغال بجعلها في حَيِّز الفروض، واحتجّ بالإجماع على جواز إتمامها خلف المقيم؛ قال: ولو كان القصر مفروضًا لمَا جاز للمسافر أن يُتِمَّ في حال سفره خَلْف مقيم ولا غيره، كما أنّ الإتمام لها لو كان على (المسافر) (٢) مفروضًا لم يَجُز له الاقتصار على صلاة المسافر، وهذا المعنى قد ذكرناه فيما سلف من هذا الباب. واحتجّ أبو الفرج - أيضًا - بحديث أنس: "سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمنَّا المفْطِرُ وَمنَّا المقَصِّرُ، فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدٌ مِنَّا عَلَى صَاحِبِهِ" (٣).
следующие страницы →