← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127657

الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري

ابن عبد البر

Полный текст (280 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال: ثنا عبد الله بن روح المدائني قال: ثنا عثمان بن عمر قال: أبنا مالك بن مِغول عن أبي حنظلة الحذّاء قال: "قلت لابن عمر: أصلّي في السفر ركعتين والله تعالى يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، ونحن نجد الزاد والمزاد، فقال: كَذَلِكَ سَنَّ رَسُولُ الله ﷺ ". حدّثنا عبد الوارث بن سفيان قال: ثنا قاسم بن أصبغَ قال: [ثنا عبد الله ابن روح المدائني، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ] (١) ثنا مالك بن مغول عن أبي حنظلة قال: "سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتين، قلت: فأين قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونحن آمنون؟ فقال: سُنَّهُ مُحَمَّدٍ ﷺ " (٢). وروى قتادة عن صفوان بن (محرز) (٣) أنّه سأل عبد الله بن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: "رَكْعَتَانِ، سُنَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ " (٤).

стр. 142

وروى ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكير (١) بن الأشجّ عن القاسم بن محمّد أنّ رجلاً قال له: "عجبتُ من عائشة حين كانت تصلّي أربعًا في السفر ورسول الله ﷺ كان يصلّي ركعتين؟ ! فقال له القاسم: عليك بسنّة رسول الله ﷺ فإنّ مِن النّاس مَن لا يُعاب" (٢). ومثل هذا حديث عبد الله بن عمر - أيضًا - إذ سأله أُمَيَّة بن عبد الله ابن خالد ابن أسيد فقال له: "إنّا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة السفر؟ فقال له عبد الله بن عمر: يا ابن أخي؛ إنّ الله بعث إلينا محمّدًا ﷺ ولا نعلم شيئًا، وإنّما نفعل كما رأيناه يفعل" (٣).

стр. 143

ولم يقل ابن عمر للسائل قالت عائشة: إنّ الصلاة في السفر والحضر هكذا فرضت. فإن قال قائل: إنّ عمر بن الخطّاب قد قال: "صَلاَةُ المُسَافِرِ رَكعَتَانِ تَمَامٌ غيرَ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيَكُمْ ﷺ " (١).

стр. 144

وفي هذا دليل على أنّها لا قصر فيها وإنّما هكذا فرضت؟ قيل له: لا دليل فيه على ما ذكرت؛ لأنّ عمر هو الذي روى عن رسول الله ﷺ أنّ القصر صدقة تصدّق الله بها على عباده، يعني: توسعة ورخصة ورحمة. ومعنى حديث عمر - والله أعلم - إن صحّ عنه: "إنّ صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر"، يعني: إنّ ذلك تمام في الأجر غير نقص منه، وتمام في أداء فريضة غير نقص منها (١) بها كمَن صلّى أربعًا في الحضر سواء؛ كلٌّ قد أدّى فرضه وكُتب له أجرُه، هذا ما لا يدفع احتماله، والله أعلم. على (أنّه) (٢) حديث كوفي، وقد اختُلِف في إسناده.

стр. 145

فإن قال: إنّ ابن عبّاس يقول: "فُرِضت الصلاة في الحضَر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة" (١)، وفي هذا دليل على أنّ صلاة السفر هكذا فُرِضَت ركعتين، وهو فرضها؟ قيل له: حديث ابن عبّاس هكذا يعارض حديث عائشة؛ لأنَّه يقول: إنّها فُرِضت في الحضر أربعًا، وعائشة تقول: فرضت في السفر والحضر ركعتين، ثمّ زِيد في صلاة الحضر. وقد يكون معنى قول ابن عبّاس: "فُرِضت" يعني: قُدِّرت، والمقرُّ حكمُها، كما يقال: فَرَض القاضي نفقة اليتيم والزوجة كذا وكذا، بمعنى قَدَّرها وحكم بها، لا أنّه أوجبها، ومن أصحابنا وغيرهم مَن جعل قصر الصلاة في السفر فرضًا، والذي اختاره أبو الفرج أنّها سنّة لرواية أبي المصعب ذلك عن مالك فلا معنى للاشتغال بجعلها في حَيِّز الفروض، واحتجّ بالإجماع على جواز إتمامها خلف المقيم؛ قال: ولو كان القصر مفروضًا لمَا جاز للمسافر أن يُتِمَّ في حال سفره خَلْف مقيم ولا غيره، كما أنّ الإتمام لها لو كان على (المسافر) (٢) مفروضًا لم يَجُز له الاقتصار على صلاة المسافر، وهذا المعنى قد ذكرناه فيما سلف من هذا الباب. واحتجّ أبو الفرج - أيضًا - بحديث أنس: "سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمنَّا المفْطِرُ وَمنَّا المقَصِّرُ، فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدٌ مِنَّا عَلَى صَاحِبِهِ" (٣).

стр. 146

قال أبو عمر: وهذا حديث انفرد به العمّي (١) وليس بالقويّ، والصواب عندي في هذا الباب أنّ قصر الصلاة في السفر من السنن المؤكّدة التي لا ينبغي تَرْكُها ولا الرَّغْبَة عنها، وأنّ الفضل في إتيانها، وبالله التوفيق. ذكر عبد الرزّاق عن ابن جريج عن عطاء قال: "لا أعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ أتمّ الصلاة في السفر إلاّ سعد بن أبي وقّاص"، قال: وكانت عائشة تُوفي الصلاة في السفر وتصوم، قال: وسافر سعد بن أبي وقّاص ونفر من أصحاب النبيّ ﷺ فأتمّ سَعدٌ الصلاة وصام، وقصَر القوم وأفطروا، فقالوا لسعد: كيف نُفطِر ونَقصُر الصلاة وأنتَ تُتِمُّها وتصوم؟ فقال: دُونكُم أمركم، فإنّي أَعلَمُ بشأني. قال عطاء: فلم يُحرِّمْه عليهم سعد، ولم يَنْهَهُم عنه، قال ابن جريج: فقلت لعطاء: فأيُّ ذلك أحبُّ إليك؟ قال: قصرها، وكلّ ذلك قد فعل الصالحون" (٢). والاختيار عن الثوري عن عاصم عن أبي قلابة أنّه كان يقول: "إن صلّيت في السفر أربعًا فقد صلاّها مَن لا بأس به، وإن صلّيت ركعتين فقد صلاّها من لا بأس به" (٣).

стр. 147

قال أبو عمر: وسنّة رسول الله ﷺ في القصر أولى وأفضل إن شاء الله تعالى. حدّثني سعيد بن نصر قال: ثنا قاسم بن أصبغ قال: ثنا ابن وضّاح قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: ثنا ابن عُلَيَّة عن عليّ بن زيد عن أبي نضرة قال: "مرّ عمران بن حصين في مجلسنا، فقال: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يُصَلِّ إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى المدِينَةِ، وَشَهِدتُّ مَعَهُ الفَتْحَ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لاَ يُصَلِّي إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ لأَهْلِ الْبَلَدِ: "صَلُّوا أَرْبَعًا، فَإِئا سَفْرٌ"، وَاعْتَمَرْتُ مَعَهُ ثَلاَثَ عُمَر لاَ يُصَلِّي إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ" (١). فصل: ثمّ سألتَ كيف كان الإسراء: أَبِرُوحِه أو بجسده؟ فالجواب: إنّ الإسراء برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثمّ إلى السماء كان وهو مستيقظ غير نائم، أُسْرِي به على حاله بجسده ﷺ ، هذا هو الصحيح عندنا (٢)، ومِمّا يَدُلُّك على ذلك

стр. 148

[ما ذكره] (١) أهل السير: "أنّ أبا جهل وكفّار قريش أنكروا على رسول الله ﷺ ما ادّعاه في إتيانه تلك الليلة بيتَ المقدس من مكّة، وذهبوا إلى أبي بكر، فقالوا: يا أبا بكر؛ هل لك في صاحبك يزعم أنّه قد جاء هذه الليلة بيتَ المقدِس وصلّى فيه ورجع إلى مكّة؟ قال: فقال أبو بكر: إنّكم تكذبون عليه، فقالوا: بل هو ذاك في المسجد يحدثّ به الناس، فقال أبو بكر: والله لئن قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك، والله إنّه ليخبرني الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدّقه، فهذا أعجب مِمّا تعجبون منه، ثمّ أقبل حتّى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبيَّ الله؛ أحدَّثتَ هؤلاء أنّك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ فقال: نعم؛ قال: يا نبيّ الله؛ صِفْهُ لي، فإنّي قد جئته؟ قال رسول الله ﷺ : فرفع لي حتّى نظرت إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر: صدقتَ، أشهد أنّك رسول الله، كلّما وصف منه شيئًا قال: صدقتَ، أشهد أنّك رسول الله، أشهد أنّك رسول الله، حتّى إذا انتهى قال لأبي بكر: "وَأَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ"، فيومئذ سَمّاه الصدّيق" (٢).

стр. 149

ففي هذا الخبر، وهو مشهور مأثور ما يدلّك على أنّ الإسراء لم يكن بروحه في منامه، لأنّه ﷺ لو قال لهم: إنّي رأيت البارحة في المنام أنّي أتيت بيت المقدس، ما أنكر ذلك عليه أَحَد؛ لأنّ الرؤيا لا يُنكِر ذلك منها مؤمن ولا كافر، لكن يدفعها ويجعلها من الطبائع، ولا يقول فيها بقول أهل الإسلام، والرؤيا وعبارتها في الجاهلية معلوم عندهم.

стр. 150

ومِمّا يدلّك - أيضًا - على ذلك قول أبي بكر الصدّيق ﵁ في هذا الخبر لقريش حين قالوا له: إنّ صاحبك يزعم أنّه أتى بيت المقدس، فقال: إنّكم تكذبون عليه، وممكن عنده الرؤيا أكثر من ذلك من بلوغ خراسان وأقصى الأرض والصعود إلى الهواء ورؤية الله ﵎ وغير ذلك مِمّا يراه الكفّار في الرؤيا (١). وأبو بكر ﵁ كان من أبصر الناس بالرؤيا وأحسنهم لها تعبيرًا، فهذا كلّه يدلّك على أنّها لم تكن رؤيا، وإنّما أُسرِي به كما ذكرنا. وأمّا قوله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٦٠] فمختلف في تأويلها اختلافًا كثيرًا يطول ذكره؛ وإنكار عائشة ﵂ الإسراء بجسده لا يصحّ عنها، ولا يثبت قولها: "ما (فُقِدَ) (٢) جسد رسول الله ﷺ ، ولكن

стр. 151

أُسْرِي بروحه" (١). وقد قال بعضهم عنها: "ما فَقَدتُّ جسدَ رسول الله ﷺ في تلك الليلة"، وهذا من الكذب الواضح؛ لأنّ عائشة لم تكن وقت الإسراء معه، وإنّما ضمّها بعد ذلك بسنين كثيرة بالمدينة، ولو كانت رؤيا ما كان في ذلك شيء يقدح في الديانة ولا في الشريعة لأنّ رؤيا الأنبياء ﵈ وحي صحيح بدليل الكتاب والسنّة؛ قال الله حكاية عن إبراهيم ﵈ في ابنه لمّا بلغ معه السعي؛ ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ، وكان الوحي يأتيه نائمًا ويقظانًا، وكذلك كان يأتي الأنبياء قبله أيقاظًا ونيامًا.

стр. 152

قال ﷺ : "تَنَامُ عَيْنَايَ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي، وَتَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي يقظانٌ، وَإِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلاَ تَنَامُ قُلُوبُنَا" (١). وقالت عائشة ﵂: "أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ؛ كَانَ يَرَى الرُّؤْيَا فَتَأْتِي مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ" (٢). والذي عليه جمهور أهل الفقه و (الأكثرون) (٣) أنّ الإسراء به كان وهو يقظان أُسرِيَ بجسده وروحه على هيئته وحاله، فرأى ما رأى، ما كذب الفؤاد ما رأى ﷺ وشرَف وكرَم. * * *

стр. 153

الحديث السابع عن النبيّ ﷺ : "لاَ تَسْتَقْبلُوا الْقِبْلَةَ ولاَ تَسْتَدْبرُوهَا بغَائِطِ وَلاَ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا" (١). وقلتَ: ما معنى: "شرّقوا أو غرّبوا"؟ فالجواب: إنّ هذا القول منه ﷺ كان بموضع (تكون) (٢) القبلة منه في ناحية الجنوب، فمن قبلته في ناحية الجنوب؛ قيل له: "شرّق أو غرّب"، وكذلك من كانت القبلة منه في ناحية الشمال أيضًا، لئلاّ يَستقبِل القبلة ولا يستدبرَها، ومحُال أن يُقال لمن كانت القبلة منه إلى مطلع الشمس أو مغربها: "لا تَستقبِل القبلة، ولكن شرّق أو غرّب"؛ لأنّ هذا كان يقتضى الأمر بالشيء والنهي عنه في حالة واحدة، وهذا محُال، والكلام في هذا ليس

стр. 154

يكاد يُحتاج إليه، وهذا الحديث من حديث "الموطّأ" (١) وقد ذكرناه في كتابنا (٢)، وذكرنا ما للعلماء فيه من المعاني والفقه، والله المعين لا شريك له. * * *

стр. 155

الحديث الثامن حديث ابن عمر: "بَيْنَمَا النَّاسُ بقُبَاءَ فِي الصَّلاَةِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَاَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ قُرآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ" (١). وقلتَ: وكأنّه لم يرَ عليهم إعادةَ ما كانوا صَلوا قبل أن يستديروا إلى الكعبة؟ (٢). فالجواب: إنّ هذا حديث صحيح، وهو أصل فيمن فعل ما أُمِر به ثمّ طرأ عليه ما يدخل عليه فيه أنّه لا ينقض فعله، وهو أصلنا فيمن طلب الماء واجتهد ولم يجده فتيمّم؛ وأحرم بالصلاة ثمّ طرأ عليه الماء؛ أنّه يتمادى ولا شيء عليه؛ لأنّه فعل مما أُمِر به، ولم يكن عليه غير ذلك (٣).

стр. 156

وكذلك من اجتهد في طلب القبلة يَمْنة ويَسْرة أنّه يميل إليها ويتمادى في صلاته، لأنّه لم يكن عليه أكثر مِمّا فعل، وكذلك إذا استدبرها أيضًا ثمّ بان له ذلك في صلاته استدار وبنى؛ وفي هذا اختلاف، والصحيح أنّه لا فرق بين التشريق والتغريب وبين الاستدبار، وحديث ابن عمر كان بالمدينة، ومن استقبل بيت المقدس بالمدينة استدبر الكعبة، والصحابة ﵁ استداروا في ذلك وبَنَوا، فلا وجه لمِا خالف ذلك. وأمّا الإعادة على مَن صلّى إلى غير القبلة مجتهدًا فغير واجبة عند أكثر العلماء، ومن قال بوجوبها في الوقت فهو مُسقِطُها أيضًا لكنّه يَستحِبّ الإعادة؛ لأنّ الإعادة لو كانت واجبة ما أسقطها خروج الوقت، وأمّا مَن صلّى إلى غير القبلة متعمّدًا أو غير مجتهد؛ فالإعادة عليه عند العلماء أَبّدًا، لانَّه ترك فرضًا من فروض الصلاة عامدًا فلا صلاة له، وهذا الحديث أصل في معان كثيرة من الفقه (١).

стр. 157

الحديث التاسع حديث ابن عُلَية عن خالد الحَذّاء عن أبي قلابة عن أنس قال: "أُمِرَ بلاَلُ أَنْ يَشْفَعَ اْلأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ"، قال إسماعيل: فذكرتُه لأيّوب فقال له: إلاّ [الإقامة] (١). وقلتَ: ما معنى استثناء هذه اللفظة؟ وإن كانت من الحديث أم لا؟ وما معنى ترك مالكـ ﵀ تكرار قوله: "قد قامت الصلاة"؟

стр. 158

فالجواب: إنّ هذه اللفظة صحيحة رواها حمّاد بن زيد (١) وإسماعيل، وهما أثبت أصحاب أيّوب (٢)، رويا عنه عن أبي قلابة عن أنس قال: "أُمِرَ بِلاَل أنْ يَشْفَعَ الأذَانَ ويُوتِرَ الإِقَامَةَ [إلاّ الإقامة] (٣) "، هكذا رواية أيّوب لهذا الحديث، وهو أثبت مِن كلّ [مَن] (٤) روى هذا الحديث لا يقاس به خالد ولا غيره (٥)، وزيادة مثله مقبولة عند الجميع. وأمّا قوله: "إلاّ الإقامة" (فلا) (٦) يختلف العلماء من أهل الفقه والأثر مِمّن يقول بهذا الحديث وبما في معناه من الأحاديث أنّ معنى قوله: "قد قامت الصلاة" تثنّى مرّتين. والناس في هذا على وجهين؛ طائفة تقول بإفراد الإقامة إلاّ قوله: "قد قامت الصلاة" فإنّهم يثبتونها مرّتين [لـ]ـهذا (٧) الحديث وغيره (٨)، منهم الشافعي والأوزاعي

стр. 159

وأحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى النيسابوري صاحب مالك وأبو ثور، وهو مذهب الحسن البصري ومكحول والزهري، وعلى هذا وَلَدُ أبي مَحْذورة ومؤذّنوا مكّة إلى اليوم كما ذكروا كلّهم؛ يقول: قد قامت الصلاة مرّتين وتفرد دون سائر الإقامة (١)، واختلف في تربيعه في الأذان، وأمّا التهليل المختوم به في الأذان والإقامة فلا خلاف أنّه لا يثنّى في أذان ولا إقامة. وطائفة أخرى تقول: "قد قامت الصلاة" مرّتين؛ لأنّها (تُثنِّي) (٢) الأذان كلّه إلاّ التكبير، فإنّها تربّعه والإقامة تثنّيها كلّها من أوّلها إلى آخرها حاشى التهليل؛ وهذا قول الكوفيين (٣).

стр. 160

وقال مالك: لا يقول المؤذّنون "قد قامت الصلاة" إلاّ مرّة واحدة، وذكروا أنّ وَلَد سَعْد القرظ مؤذِّن رسولِ الله ﷺ وأبي بكر وعمر يؤذّنون بالمدينة حتّى الآن، يقولون: "قد قامت الصلاة" مرّة واحدة، وأهل الحجاز والشام على تثنية الأذان ووتر الإقامة إلاّ مالكًا، فإنّه يقول "قد قامت الصلاة" مرّة واحدة (١)، وغيره يقولها مرّتين. وقد كان الشافعي يقول ببغداد "قد قامت الصلاة" في الإقامة مرّة واحدة؛ ذكره الزعفراني عنه، وقال: إنّ بني محذورة يقولونها مرّتين؛ ثمّ رجع بمصر إلى قولها مرّتين (٢). ومن حجّة من قال "قد قامت الصلاة" مرّتين - أيضًا - ما رواه شعبة عن أبي جعفر مؤذّن مسجد العريان قال: سمعت أبا المثنّى مسلم بن المثنّى (٣) يقول: سمعت ابن عمر يقول: "إِنَّما كَانَ اْلأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غيرَ أنَهُ يَقُولُ: "قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ "مَرَّتَيْنِ" (٤). هذا قاطع في موضع الخلاف، فأمّا ترك مالك ﵁ لتكرير "قد قامت الصلاة" مرّتين لأنّ الأذان والإقامة عنده مِمّا لا يحتاج فيه إلى أخبار الخاصّة العدول، لأنّه مِمّا يقع

стр. 161

في اليوم والليلة خمس مرّات، وليست من الأشياء التي تقع نوادر يحتاج فيها إلى نقل الخاصّة الآحاد العدول. والأذان والإقامة عنده مأخوذان عن العمل المتواتر بدار الهجرة والسنّة (١)، وأصل مالك في الأخبار ألاّ يَقْبَل ما عارضه مثل هذا وشبهه (٢). ولَعَمْرِي؛ لقد تُدفَع (كثير) (٣) من أخبار الخاصّة بأضعف من هذا العمل، على

стр. 162

أنّ خبر أبي قلابة عن أنس انفرد به - أيضًا - أهل البصرة، وقد يجوز أن لا يسمع مالك به، ولا يسمع برواية أيّوب وزيادته (١)، وإن قال: كان سمعه وعلّه. فالجواب عندي على أصله ما ذكرت لك، والله أعلم. * * *

стр. 163

الحديث العاشر حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَن النبيَّ ﷺ قَالَ لَمَّا رَجَعَ مِنَ اْلأحْزَابِ: "لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ"، فَأَدْرَكَهُمُ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّيهَا حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُصَلِّيهَا، [لَمْ يُرِدْ] (١) مِنَّا ذَلِك (٢)، فَذُكِر ذَلِك لِلنَّبيِّ ﷺ فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدًا مِنْهُمْ" (٣).

стр. 164

وقلتَ: إدخال البخاري هذا الحديث، ينقض بعضُهم به قولَ الشافعي: إنّ الطالب لا يصلّي صلاة الخوف إلّا صلاة كاملة؛ لأنّ الله لم يشترط أن تصلّى صلاة الخوف إلاّ مع مقاتلته، خوف الفتنة؛ لأنّ الخوف يرتفع عن الطالب، وقلتَ: فانظر رحمك الله: إن كان هذا الحديث الذي أدخل البخاري حجّة على الشافعي أم لا؟ لأنّه اعترض معترِض فقال: أمّا الذين صلّوا في الطريق فأتَمّوا: والذين صَلّوا في بني قريظة بعد فوات الوقت، فلا خوف عليهم؟ هذا كلّه لفظ كتابك. فالجواب: إنّ حديث ابن عمر هذا ليس فيه شيء مِمّا ذكرتَ، فلا يقتضي معنًى من المعاني التي إليها أَشَرْتَ، وإنّما فيه إباحة الاجتهاد على الأصول (١)، وجواز فعل المجتهد إذا

стр. 165

كان الاجتهاد منه على أصل صحيح؛ لأنّه ﷺ أمرهم أن يصلّوا العصر في بني قريظة واستعجالاً منه لهم وحبًّا لإدراك الناس من اليهود الناقضين لعهده؛ المُعِينِين على الأحزاب، وقد كان عند أصحابه أنّه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها حتّى يَفوت، فلما أدركتهم الصلاة وخشَوا فَوْتَها، من خشي ذاك منهم بدر إلى أدائها على أصله في فرض وقتها واحتمال قول رسول الله ﷺ عنده مثل ذكر الآية (١)، قد يجوز أن يكون ﷺ لو روجع بالسؤال، فقيل له: أرأيت لو خشينا فوت العصر أنصلّي أم نُتِمّ؟ (٢) كان يقول: لا تفرّطوا في صلاتكم، فإنّي طَمِعْتُ لكم أن تدركوا بني قريظة في بقية من الوقت، وكان قولي ما قلتُه استعجالاً لكم وهذا وجه احتمال. والطائفة التي أخّرت الصلاة حتّى تأتي بني قريظة، استعملت ظاهر لفظه، ووقفت عنده، فعذرهم رسول الله ﷺ كلّهم باجتهادهم، كما عذر الله داود وسليمان، إذ حكما في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم (٣)، فأثنى على سلمان أن فَهِمَها، وعَذَر داود ولم يَذُمَّه لاجتهاده، وهذا الاجتهاد عند العلماء على الأصول؛ لأنّ ظاهر لفظه ﷺ أصله مِمّا كانوا عليه من معرفة الوقت، فافهم هذا ترشد إن شاء الله تعالى.

стр. 166

وأمّا قولك: (إدخال) (١) البخاري هذا الباب ينقض به قول الشافعي إنّ الطالب لا يصلّي صلاة الخوف (٢)، فهذا قول من لا علم له بالآثار ولا بمقصد المصنِّفين لها؛ وما بقي في هذا الحديث مِمّا يدلّ على أنّ القوم كانوا مبتدئين للعدوّ أو ممّا يدلّ على أنّ القوم قصَروا الصلاة أو أتمّوا أو ما فيه ما يكون حجّة على مَن قال: إنّ الطالب لا يصلّي صلاة الخوف، أو على من قال: إنه يصلّيها، ما فيه شيء يدلّ على شيء مِمّا ذكرتَ، ولم يكن أحد من بني قريظة (٣) هاربًا فيُتَّبَع، وإنّما كانوا في حصونهم لم يَبْرَحوا منه، وكانوا قد أعانوا أبا سفيان والأحزاب بالرأي والسلاح، ونقضوا العهد (٤)، وقد رامهم أبو سفيان وقريش أن يخرجوا فيقاتلوا معهم، فأبَوا عليهم، إلاّ أن يُعطوهم رهنًا يكون بأيديهم وثيقة، قالوا: فإنّا نخشى إن ضرستكم (٥) الحرب،

стр. 167

واشتدّ عليكم القتال أن تنشمروا (١) إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا، فأبت قريش وغطفان أن يعطوهم رهنًا (٢) وحرّك الله بينهم وبعث عليهم الريح الشديدة في ليال شديدة البرد، فجعلت تكْفَؤُ قُدورَهم، وتَطْرَح أَبْنِيَتَهم حتّى فَرُّوا ليلاً (٣)، فلمّا أصبح رسول الله ﷺ وأيقن بفرارهم، انصرف عن الخندق راجعًا إلى المدينة هو والمسلمون ووضعوا السلاح (٤)، فلمّا كان الظهر، أتى جبريل ﵇ رسولَ الله ﷺ وهو في صفة دِحْيَةَ بنِ خليفة الكلبي، قال الزهري: معتجرًا بعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة ديباج، فقال لرسول الله ﷺ : "قد وضعت السلاح؟ قال: نعم، قال جبريل: ما وَضعَت الملائكةُ السلاحَ بعدُ، وما رجعتُ الآن إلاّ مِن طلب

стр. 168

القوم، إنّ الله يأمرك يا محمّد، بالمسير إلى بني قريظة، فإنّي عامدٌ إليهم، فمُزَلْزِلٌ عليهم، فأمر رسول الله ﷺ مؤذّنًا، وأذّن: من كان سامعًا ومطيعًا فلا يُصَلِّيَنَّ العصرَ إلاّ في بني قريظة" (١)، واستعمل على المدينة ابن أمِّ مكتوم (٢)، وقَدِمَ عليُّ بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة وابتدرها النّاس، فهل في هذا الحديث، أو حديث ابن عبّاس في شيء من الآثار؛ أنّ القوم كانوا ذلك الوقت طالبين العدوّ وكان بين أيديهم وهل فيها ما يدلّ على أنّ المسافة بين المدينة وبين قريظة يجب فيها التقصير في ذلك الحديث، أو في غيره ذكر؛ و (هل) (٣) دعوى ذلك من مدّعيه إلاّ تَظَنُّنًا وتَخَرُّصًا؟ ولا يجوز القول في دين الله إلاّ باليقين. وأمّا قولُك، أو قول مَن حكيتَ قولَه: "وأمّا اذين صلّوا في الطريق وأتَمّوا"؛ فمَن هذا الذي نَقَل إليكم أنّهم أتَمّوا أو قَصَروا، وأنّ الآخرين أمنوا الخوف؛ وما أدري ما الخوف الذي أَمِنوا منه؟ لأنّه لم يذكر في خبر، وهذا علم لا يُدرَى إلاّ بخبر، والله المستعان. وأمّا الشافعي ﵀ فقوله: "إنّه لا يجوز لأحد أن يصلّي صلاة الخوف إلاّ أن يعاين عدوّا قريبًا غير مأمون أن يحمل عليه "في كلام طويل له في كتابه (٤)، وقال في صفة الخوف الذي للرجل أن يصلّي فيه راجلاً وراكبًا، للقبلة وغيرها: "إطلال العدوّ على العسكر، فيتراءون ويتقاربون حتّى ينالهم الرمي في غير حصْن، وربما نالهم الطعن والضرب.

стр. 169

فإذا كان هذا صفةُ صلاةِ شدّةِ الخوف، وإن كانوا يستقبلون بالعدوّ والعدد قليل، يقوم بكلّ طائفة منه مَن يليها ولم يُحِطِ العدوُّ بهم؛ صَلَّوا صلاة غير شدّة الخوف، قال: ولا بأس في شدّة الخوف بالطعنة والضربة الخفيفة، وإن تابع الطعن أو الضرب، لم تُجْزِهِ صلاتُه" (١)، هذا كلّه قول الشافعي. وقال الثوري: إذا كنتَ خائفًا وكنتَ راكبًا أو قائمًا أو (ماشيًا) (٢) أو حيث كان وجهك، تجعل السجود أخفض من الركوع، وذلك عند المسايفة كقول مالك وسائر الفقهاء، وذلك متقارب كلّه لا يختلف معناه، إلاّ الأوزاعي؛ فإنّه أجاز للطالب أن يصلّي راكبًا على ظهره، ورواه عن شرحبيل بن حسنة، والفقهاء على خلافه في ذلك، وظاهر القرآن لا يُطلِق الصلاة راكبًا وراجلاً إلاّ مع شدّة الخوف، وكذلك السُّنَّة (٣).

стр. 170

روى ابن عمر عن رسول الله ﷺ صفة صلاة الخوف وحكمَها، وقالوا في الحديث: "وإن كان خوفٌ أشدُّ من ذلك صلّوا رِجالاً ورُكْبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها" (١)، فلم يُطلِق هذه الصلاة للخائف إلاّ في حال شدّة الخوف، هذه حال لا يُصلَّى فيها جماعة لحال شدّة الخوف، وفي النظر معلوم أنّ الطالب غير خائف، فكيف يصلّي صلاة الخوف؟ وهل يجوز صلاة الخوف لغير خائف؟ هذا ما لا يُفهَم في لسان ولا سنّة ولا بيان، والله المستعان. فإن قال قائل: إنّ عبد الله بن أُنَيس (٢) صلّى وهو طالب؛ يومئ برأسه حين بعثه

стр. 171

رسول الله ﷺ إلى قتل الهذلي الذي كان أجمع لغزو رسول الله ﷺ ؟ (١). قيل له: لم تتدبّر حديث عبد الله بن أنيس، ولو تدبّرتَه لعلمتَ أنّه كان خائفًا، لأنّه قد كان اجتمع به وعاينه، حين صنع ذلك، ولفظ حديثه: " فأقبلت نحوه وخشيتُ أن يكون بيني وبينه مجاولة (٢) تشغلني عن الصلاة، فصلّيتُ وأنا أمشي نحوه". ألا ترى إلى قوله: "فخشيتُ"، وهو الخوف الصحيح؟ على أنّه ليس في هذا الحديث أنّ رسول الله ﷺ جوّز ذلك له ولا كرهه ولا علم به، وفيما ذكرناه مقنع لمن وُفِّق لفهمِه.

стр. 172

الحديث الحادي عشر (١) حَدِيثُ ابْنِ عبَّاسٍ إِذْ بَاتَ عَنْدَ مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلّى، فَذَكَرَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً (٢)، قلتَ: وَرَوَتْ عَائِشَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فِيهَا الْوِتْرُ وَرَكعَتَا الْفَجْرِ (٣)، وسألت التعريف بالصحيح من هذا؟

стр. 173

فالجواب: إنّها آثار ثابتة كلُّها من جهة النقل، نقلها مالك وغيره من الثقات، وليس منها شيء متعارض، ولا يخلو الأمر فيها من أحد وجهين؛ إمّا أن تكون الركعتان الزائدتان على الإحدى عشرة ركعتي الفجر على ما في حديث عائشة، فيكون حديث عائشة مفسّرًا لمِا أجْمَلَه ابن عبّاس، وتكون الزيادة على ذلك مقبولة، كما يقبل الأثر المنفرد، وإمّا أن يكون رسول الله ﷺ صلّى ثلاث عشرة ركعة مرّات وإحدى عشرة مرّة، وكان يصلّي كذا، كذا أبدًا، فيكون ذلك دليلاً على ما عليه جماعة الفقهاء من أنّ صلاة الليل ليست مقدَّرة محدودة بعدد معلوم (١)، وأنّ للمرء أن يزيد فيها وينقص، والصلاة كما قال رسول الله ﷺ في حديث أبي ذرّ: "خَيْرُ مَوْضُوعٍ؛ فَمَنْ شَاءَ اسْتكْثَرَ، وَمَنْ شَاءَ

стр. 174

اسْتَقَلَّ" (١). وكذلك أعمال البرّ كلّها. وأيّ الأمرين كان فليس فيه حكم، وإنّما هي إباحة وفعل خير. وفى أحاديث عائشة ﵂ في صلاة الليل للنقلة من الحجازيين والعراقيين اختلاف واضطراب، وللعلماء فيها مذاهب (٢).

стр. 175

وكلّ حديث لها في ذلك ليس فيه جلوس في اثنتين ولا سلام، فهو مجمل يقضي عنه حديث ابن عمر عن النبيّ ﷺ : "صَلَاةُ اللّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى"، وقوله: "مثنى" يقتضي الجلوس والسلام في كلّ ركعتين (١)، إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.

стр. 176

الحديث الثاني عشر حَدِيثُ طَلْحَةَ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ، ثُمَّ قَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّمَا هِيَ سُنَّةٌ" (١). قُلْتَ: وَرَوَى الْبُخَارِي عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى جنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ اْلأنْصَارِ، فَكَانَ مِمَّا حَفِظْتُ: اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُ ارْحَمْهُ،

стр. 177

إِلَى آخِرِ الْدُّعَاء ... " (١)، وَلَمْ يَذْكُرْ فَاتِحَةَ الكِتَابِ؟ فالجواب: إنّ طلحةَ؛ هذا الذي روى عن ابن عبّاس، أحدُ الثقات الأثبات الأشراف، وهو طلحة بن عبد الله بن عوف بن أخي عبد الرحمن بن عوف، يُكنّي أبا محمّد، من علماء أهل المدينة، وكان من سروات قريش وأجوادهم، وكان قد وَلِيَ المدينة، فكان سعيد ابن المسيِّب يقول إذا ذكره: "ما وَلِيَنا مثله"، تُوفِّي سنة سبع وتسعين. وإسناد حديثه هذا أصحّ من إسناد حديث عوف بن مالك، ولو كان حديث عوف بن مالك ثابتًا (٢) ما كان فيه شيء يعارض حديث ابن عبّاس هذا. لأنّ عوفًا إنّما قال: فكان ما حَفِظتُ من دعاء رسول الله ﷺ خاصّة دون القراءة التي هي محفوظة على كلّ لسان عنده، أو يكون لم يسمع من ذلك إلّا ما ذكر، وليس من قال: لم أسمع ولم أحضر ولم أعلم، بشاهد؛ لأنّ الشاهد مَن أثبت لا مَن نفى. وليس يعارض قولُ المثبِت بقول النافي، وقد أخبر ابن عبّاس أنّ قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة سُنّة، وقال هذا القول ليُثْبِت الحجّة فيها.

стр. 178

ولفظ ما أوردتَه من حديث ابن عبّاس في سؤالك ناقص، وإنّما الحديث: "أنّ ابن عبّاس قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب فجهر بها، ثمّ لمّا انصرف قال: إنّما جهرتُ بها لتعلموا أنّ قراءتَها سُنّة" (١). وإنّما كان يكون حديث عوف معارضًا لمِا قال ابن عبّاس، لو قال عوف: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقرؤوا على الجنازة بفاتحة الكتاب"، فحينئذ كان يصحّ التعارض، فيطلب الدليل على الناسخ منهما من المنسوخ، على أنّ كلّ مَن قال بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة من الفقهاء لا يمنع ولا يَدفع أن يُدعى للميّت مع قراءتها بما في حديث عوف بن مالك من الدعاء، وبأكثر وبأقلّ، وكلّهم يستعمل حديث عوف بن مالك، ومثله في ذلك ولا يأباه؛ مع قراءة فاتحة الكتاب. والذين يقولون بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، يختلفون على قولين، فطائفة منهم تقول بقراءة فاتحة الكتاب عقيب كلّ تكبيرة وتدعو بإثرها؛ لأنّ التكبيرة في الصلاة مقام ركعة في غيرها؛ روي ذلك عن أبي هريرة (٢) والمِسْوَر بن مَخْرَمة. وبعض المحدّثين يرفع حديثهما أيضًا؛ وهو قول الحسن بن عليّ والحسن البصري (٣)، ومحمّد بن سيرين، وشَهْر بن حَوْشَب، وفِرْقة من أهل الظاهر.

стр. 179

وقال آخرون: لا يُقرأُ عليها بفاتحة الكتاب إلّا مرّة واحدة عقيب التكبيرة الأولى، وهذا قول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود بن عليّ، وروي ذلك عن ابن عبّاس من وجوه، وعن ابن مسعود وعثمان بن حنيف وابن الزبير و (عبيد) (١) ابن عمير وأبي أمامة بن سهل بن حنيف. وقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة مشهور معلوم بالمدينة، والاختلاف في هذه المسألة بالمدينة معروف (٢)، ومِمَّن قال: ليس في الصلاة على الجنازة قراءة، وإنّما هو دعاء، مالك وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابهم، وروي ذلك عن ابن عمر (٣) وفَضالة ابن عُبَيد، وقد روي - أيضًا - عن أبي هريرة خلاف الرواية الأولى، وهو قول عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيّب والشعبي والحكم وحمّاد. وروي - أيضًا - عن ابن سيرين خلاف الرواية الأولى (٤)، ومن طريق النظر أنّها

стр. 180

كسائر الصلوات؛ لأنّها لا ركوع فيها ولا سجود ولا تشهّد، فغير نكير أن تكون خارجة من عموم قول رسول الله ﷺ : "لاَ صَلاة لمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ"، لكنّهم قد أجمعوا على أنّها لا تُصلَّى على غير طهارة، ولا إلى غير القبلة، إلّا الشعبي وحده، فإنّه شذّ عن العلماء في هذه المسألة وأجازها بغير وضوء ولا تيمّم، وقال: "إنّما هو دعاء" (١)، ومسائل الخلاف يطول الكلام فيها، فلا وجه للتعريض بذلك، وفيما أتينا به بيان ما سألت عنه إن شاء الله تعالى. * * *
следующие страницы →