← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 127660

الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ

أبو العباس الداني

Полный текст (2 505 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المبحث الثالث: ثناء العلماء على الكتاب، ومنزلته العلمية. أثنى على كتاب أبي العباس الداني ابنُ الأبَّار ومِن قبله شيخُ أبي العباس أبو عليٍّ الصدفي، قال ابن الأبَّار: "كتاب الإيماء ضَاهَى به كتابَ أطراف الصحيحين لأبي مسعود الدِّمشقي، وعَرَضَه على شيخِه أبي عليٍّ الصدفي فاستَحسَنَه وَأَمَر بِبَسْطِه، فزاد فيه" (١). وحكى المراكشي هذا القول، وزاد: "وَقفتُ عليه وكان في كتبي، ثمَّ خرجت عنه" (٢). ومن النَّص الذي ذكره ابن الأبّار نستخلص أنَّ المصنِّف ضاهى في تصنيفه أطراف الصحيحين لأبي مسعود الدِّمشقي، والناظر في كتاب أبي مسعود يجده لا يقتصر على إيراد الأحاديث وبيان مواضعها في الصحيحين فحسب؛ بل يذكر بعضَ عِلَل الأحاديث، ببيان المحفوظ منها والشاذ، وإن كانت تعليقاتُه يسيرة. وأمّا المصنِّف فقد علَّق على أحاديث الموطأ، ببيان علَلِها وفوائدِها الإسنادية والمتنية (٣). ثم إنَّ أبا العباس الداني صنَّف هذا الكتاب، وعَرضه على شيخِه المحدِّث أبي علي الصدفي - وهي عادة مَن سلَفه كما فعل مسلم بصحيحه _________ (١) التكملة (١/ ٤٣). (٢) الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١)، وممّن وقف على الكتاب أيضًا ابنُ فرحون كما في الديباج (ص: ٤٥). (٣) سيأتي ذكر ذلك في البحث الخاص ببيان منهج المصنف في الكتاب.

стр. 107

مع أبي زرعة الرازي - فلما رآه شيخُه استحسنَ عمَلَه، وأمره أن يبسطه بين الناس ويحدِّث به، فزاد فيه المصنِّف بعد وصية شيخِه، فخرج في هذه الحُلّة، وفيه من الفوائد والعوائد الشيء الكثير. ويمكن أن نستخلص تلك الفوائد في النقاط التالية: ١ - ترتيب الكتاب على الأطراف - مسانيد الصحابة - يسهّل الرجوع إلى أحاديث الموطأ بيسر وسهولة. ٢ - أنَّ الكتاب يُعتبر نسخةً موثَّقة مِن نسخ موطأ مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي، على اختلاف الروايتين عنه، وخاصة من ناحية الأسانيد. ٣ - يُعدُّ الكتابُ جامعًا لروايات الموطأ المختلفة، وذلك ببيان أوجه الفرق بين رواية يحيى بن يحيى الليثي، والروايات الأخرى، سواء كان الاختلاف في السند أو المتن. ٤ - ويُعتبر أيضًا نسخة من الروايات الأخرى، خاصة ما اندثر منها وفُقد، وذلك بالنظر إلى القسم الرابع من هذا الكتاب، حيث ذكر فيه المؤلف الأحاديث الزائدة على رواية يحيى بن يحيى الليثي من الموطآت الأخرى، وقد وقعت له أربع عشرة رواية نقل منها مباشرة، وروايات أخرى نقل منها بالواسطة، كما ذكره في بداية القسم الرابع. ٥ - ذكر المصنّف الكثير من أقوال أهل العلم ممّا لا وجود له إلَّا في هذا الكتاب، وذلك واضح في نقولاته عن الإمام الدارقطني والبزار وأبي مسعود الدمشقي وغيرهم، كما سيأتي ذكرهم في مصادر المصنف، وكثير من هذه الأقوال المنقولة لا توجد إلا في هذا الكتاب، وذلك إمّا لفقدان

стр. 108

كتب هؤلاء الأئمة أو للنقص في نسخ كتبهم الموجودة بين أيدينا المطبوعة والمخطوطة. ٦ - تجرّد المصنِّف من التقليد واستعمل منهج النقد، ممّا جعل كتابه ينال منزلةً ساميةً، خاصة في نقله لرواية يحيى بن يحيى الليثي، وردّه على إمام الأئمة في هذا الشأن وهو ابن عبد البر، ومثال ذلك الحديث الأول من هذا الكتاب، وغيره (١). المبحث الرابع: منهج المصنِّف في الكتاب. إنَّ الناظر في كتب الأئمة المتقدّمين يجد أنَّهم نهجوا ثلاتة مناهج في التأليف، فبعضُهم يذكر في ديباجة كتابه منهجَه الذي يسير عليه في تأليفه مستوعبًا، كفعل الإمام مسلم ﵀، وبعضهم يذكر منهجًا متوسطًا لا يُسهب في ذكر كلِّ ما اشتمل عليه كتابه، كفعل الترمذي في السنن، وآخرون يدخلون في صلب الكتاب مباشرة دون ذِكر مقدِّمةٍ يشرح فيها منهجه الذي يسير عليه، وإنَّما يتركه لفطنة القارئ وحُسن فهمه، كفعل الإمام البخاري ﵀ في صحيحه. وأمَّا أبو العباس الداني فقد ذكر في مقدِّمة كتابه منهجه الذي يسير عليه، ولم يستوعب ذكرَ كلِّ الجزئيات والتفاصيل، وإنَّما اكتفى بذكر أهمِّ النقاط في ذلك فقال رحمه الله تعالى: "الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمّد خاتَم النّبيّين، وعلى آله _________ (١) انظر مثال ذلك: (٢/ ٢١، ٦٠ - ٦١، ١١٩)، (٣/ ٤٣٠)، (٣/ ٥٩٢ - ٥٩٣).

стр. 109

الطيّبين، والسلام عليهم أجمعين، أما بعد: فإنِّي أُوميء في هذا الكتاب إلى أحاديث مالكِ بنِ أنس في مُوَطَّئِه، أُترجمُ عنها بذكرِ أطرافِها، وما يدلُّ عليها من مشهورِ ألفاظِها ومعانِيها، وأَذكَرُ أسانيدَها، مختصرًا ما دَلَّ على مواقِعِها فيه، بذِكرِ الكتاب أو تَرجمةِ الباب، وأُشيرُ إلى مواضع الخُلْفِ منهَا؛ بتَعيين النُّكتِ المختلَفِ فيها، وأُنَبِّهُ على القَصَصِ المَنُوطَةِ بها، وأُبَيِّنُ ما أُبْهِمَ من أَسماءِ ناقليها، وأُسْنِدُ مراسِلَها وأَصِلُ مَقْطُوعَها، وأَرفَعُ موقوفَها، وأَتَقَصَّى عِلَلَها وأَجْبُرُ خَلَلَها، وأُوَضِّح ما أَشْكَلَ معناه، وأَنْفِي عنها طُرُقَ التعارضِ والاشتِبَاهِ، وأُذَيِّلُها بنكتٍ لا يستغني المحدِّثُ عنها، وأُحِيلُ في هذا كلِّه إلى الكتبِ المُستَخْرَج ذلك منها، وأَبْنِيهِ على رواية يحيى بن يحيى اللَّيْثي الأندلسي القُرطبي عنه، أُقَدِّم ما رواه مِمَّا انفرَدَ به أو شُورِك فيه، ثم أُتْبِعُ ذلك ما شَذَّ من سائر الرِوايات الواصِلَةِ إلينا، وأَذْكُر رواتَه أو بعضَ رواتِه عن مالك ليَتَّصِلَ سنَدُه بذلك، وأرتِّب الكلَّ على حروف المعجم فيما اشتهرَ به من أسْندَ الحديث إليه من اسْمٍ أو كُنيةٍ، وأُقسِّمه على خمسةِ أقسامٍ: الأول: في الأسماء خاصة. الثاني: في الكنى والأنسابِ وسائرِ الألقاب. الثالث: في النساء. الرابع: في الزيادات على رواية يحيى بن يحيى الليتي لسائر رواة الموطأ. الخامس: في الراسل، وأُرَتِّب المراسل على أسماء المرسِلِين في الموطأ من التابعين فمن دونهم، وأنسبُها إلى من أمكن من رواتِها من الصحابةِ في

стр. 110

غير الموطأ، وأَدُلُّ على بعض من أسندَها من أئمّة الحديث في التواليف المشهورة. وأَذْكرُ المقطوعَ والموقوفَ اللَّاحِقِ بالمرفوع، وسائرَ الحديثَ المعلولِ المضاف إلى الصحابة، مع المسند المتَّصِلِ الرفوع الصحيحِ، وأنبِّه على ذلك كلِّه، وأميِّز بعضَه من بعض، وأحِيلُ على مظانّ وجوده إن شاء الله تعالى، وبه أستعينُ، وهو حسبي ونِعم الوكيل". ومن خلال هذا الكلام الموجز من المصنف يتبيّن لنا أهمُّ النقاط والمواضيع التي سيتناولها كتابُه، وسيأتي ذكرُها مفصَّلةً بذكر يعض الأمثلة لكلِّ فقرة من فقرات المنهج، فمن خلال تتبعي لمنهج المصنف وطريقته في التأليف تبيّن لي أن أقسِّم ذلك إلى عدة مطالب: المطلب الأول: منهج الصنف في ترتيب الكتاب. اتَّبع المصنف في ترتيب الكتاب ترتيبًا مفيدًا، فبدأ بحمد لله تعالى، ثم ذكر منهجه في التأليف، وذكر بعد ذلك أسانيده للموطأ رواية يحيى بن يحيى الليثي، وبعدها ذكر نسب النبي ﷺ ، ولعل الناسبة في ذكر نسب النبي ﷺ أول الكتاب أمران: ١ - أنَّ مدار الأحاديث كلّها عليه، والأسانيد كلّها تتصل به ﷺ ، وهو الأصل في الكتاب. ٢ - أنَّ المصنِّف يذكر أنساب الصحابة في آخر مسانيدهم، فإذا اجتمع أحدُهم في جدِّ من أجداد النبي ﷺ قال: "وفيه يجتمع مع النبي ﷺ "، وتوقّف عند ذلك الجدِّ ولم يذكر مَن بعده، اكتفاءًا بذكرهم يما نسبه ﷺ ، وهذا تجنُّبًا للتكرار، والله أعلم.

стр. 111

ثم بدأ بذكر أقسام كتابه، فذكر القسم الأول وهو في الأسماء، ورتّب ذلك على حروف المعجم عند المغاربة، وهي كالتالي: أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، فى، ذ، ر، ز، ط، ظ، ل، م، ن، ع، ف، ع، غ، ف، ق، س، ش، هـ، و، ي (١). فبدأ بحرف الألف، ثم الباء وهكذا. ولم يراع الصنف في الحروف إلَّا الحرف الأول فقط، فذكر أسامة بن زيد، ثم أنس بن مالك، ثم أبيّ بن كعب، وهكذا سار في جميع الحروف، حيث لم يراع في ذلك إلَّا الحرف الأول، وربّما راعى أفضلية الصحابة مثلا، كما فعل بحرف العين، حيث بدأ بعُمر بن الخطاب ﵁، وفي الكنى بدأ بأبي بكر الصديق، وبعده ذكر أبا أيوب وغيره ﵃، وفي النساء بدأ بعائشة، ثم سار أزواج النبي ﷺ ، ثم سائر النسوان مرتِّبًا لهن على حروف المعجم. فإذا كان الصحابيُّ مكثرًا رتَّب الرواة عنه، فذكر ما لكلِّ راوٍ من الحديث عن ذلك الصحابي، كما فعل في مسند أنس بن مالك، فذكر عدة تراجم: - إسحاق بن أبي طلحة عن أنس. - الزهري عن أنس. - حميد الطويل عن أنس. _________ (١) انظر: الذيل والتكملة (١/ ٩/١).

стр. 112

وفي مسند عبد الله بن عمر، ذكر عدة تراجم: - أولاد عبد الله بن عمر منهم سالم، وحمزة، وعبد الله، وابن ابنه أبو بكر بن عبيد الله. ولم يراع في ذلك الترتيب على الحروف، والذي ظهر لي أنَّه راعى في ذلك عدّة أمور، منها: - القرابة بين الصحابي والتابعي (أي الراوي عنه) كما فعل بمسند أنس، فقدّم إسحاق بن أبي طلحة على الزهري، وحميد وغيرهما، وكما فعل في مسند ابن عمر حيث قدّم أولاده على نافع مثلا. - العلو، كما فعل في مسند ابن عمر، فبعد أن ذكر أحاديث أولاده، وذكر حديث نافع وابن دينار وغيرهما من شيوخ مالك ممّن يروي عن ابن عمر مباشرة، ذكر الأحاديث النازلة، فقال: "الرجلان والثلاثة من مالك إلى ابن عمر"، فذكر عدَّة تراجم، منها: - يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن واسع بن حبَّان، عن ابن عمر. - ومحمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمران الأنصاري، عن أبيه، عن ابن عمر. وقد يراعى أيضًا اشتراك أكثر من راو عن الصحابي، فيبدأ بترجمة المشتركين، ثم يردفها بما انفرد كلٌّ منهم بالرواية عن ذلك الصحابي، وفي مسند أبي هريرة عدة أمثلة، فمن ذلك أنَّه بدأ بترجمة: سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة، ثم ذكر ما انفرد به

стр. 113

سعيد، وبعده ما انفرد به أبو سلمة، ثم ما اشترك فيه أبو سلمة مع ابن ثوبان، ومع الأغر. ومنها أيضًا ترجمة الأعرج وعطاء وبسر، ثلاثتهم عن أبي هريرة، ثم ذكر ما انفرد به الأعرج وحده. وإن كان الراوي عن الصحابي مكثرًا فإنّه يرتّب أحاديثه بحسب الرواة عنه، ولا يراعي يا ذلك أن يرتب الرواة عن التابعي على حروف المعجم، بل قد يراعي مثلًا كثرة الرواية عنه، كما فعل في مسند أبي هريرة ترجمة الأعرج عنه، فذكر أحاديث أبي الزناد عن الأعرج، وهي أكثر أحاديث الترجمة، حيث بلغت ستين حديثًا، ثم ذكر أحاديث محمد بن يحيى بن حبان مع أبي الزناد، عن الأعرج، وهو حديث واحد، وذكره هنا لاشتراك ابن حَبَّان مع أبي الزناد، وبعده ذكر أحاديث محمد بن يحيى بن حبان وحده عن الأعرج، وبعده ذكر أحاديث الزهري عن الأعرج، وهكذا. فنجد منهج المصنّف يتغيّر من موضع إلى آخر، وذلك بسبب المناسبات واللطائف الإسنادية التي يراعيها، ولا شك أنَّ هذا قد يتعحب القارئ والناظر في كتابه، إلَّا أنَّ مما ييسِّر ذلك أنَّ أحاديث الموطأ قليلة بالنظر إلى كتب الأطراف الأخرى التي جمعت الكثير من الكتب. ومن الأشياء التي راعاها المصنِّف يما ترتجما كتابه أنَّه يبدأ بالأحاديث المتصلة، وبالأحاديث الصريحة في الرفع، وأمَّا الأحاديث المنقطعة مثلًا فإنَّه يجعلها في آخر مسند الصحابي إن كان مقلًّا، أو يفرد بابًا في ذكر الأحاديث المنقطعة في مسند ذلك الصحابي، كما فعل في مسند عمر بن الخطاب ﵁، وفي مسند ابنه عبد الله، فبعد أن ذكر الأحاديث

стр. 114

المتصلة، قال: "المقطوع عن عمر"، "المقطوع عن ابن عمر"، ثم سرد الأحاديث المنقطعة. وكذا بالنسبة للأحاديث التي ليست صريحة في الرفع، أو أنَّها عند يحيى الليثي موقوفة، وقد رويت مرفوعة من طرق أخرى، فإنَّه يؤخِّر ذكرها، أو يجعل لها بابًا خاصًّا في آخر مسند الصحابي، كما قال في آخر مسند أبي هريرة: "من الموقوف على أبي هريرة"، وفي مسند عائشة، فبعد أن ذكر أحاديثه المتصلة قال: "من المقطوع والموقوف لعائشة"، وقد يذكرها في آخر ترجمة التابعي المكثر كما فعل في ترجمة أبي صالح، عن أبي هريرة، فبعد أن ذكر أحاديثه المرفوعة قال: "الموقوف لأبي صالح عن أبي هريرة". ومن منهج المصنّف أيضًا في كتابه أنَّه يرتِّب الأحاديث في مسند الصحابي على حسب ورودها في الموطأ، فجمع بين ترتيب أحاديث الموطأ على المسانيد، وفي داخل المسند على الأبواب الفقهية، وهي طريقة نافعة، سبقه إليها بعض من صنَّف في المسانيد كبقي بن مخلد الأندلسي. ومن خلال دراستي للكتاب تبيّن لي عدّة أشياء اتّبعها المصنف في كتابه عمومًا أذكرها في النقاط التالية دون إطالة: - قسَّم كتابه على الأبواب، وهذه الأبواب تمثِّل حروف المعجم، فيقول مثلًا: بابُ الألف، باب: الباء، وهكذا، ويذكر فيه عددَ الصحابة الذين سيسند أحاديثهم. - بعد ذِكر صاحب المسند يذكر عدد الأحاديث التي رواها في الموطأ، وإن كانت له أحاديث يرويها عن غيره في الموطأ نبّه عليها، وكذا إن كانت له أحاديث في قسم الزيادات على رواية يحيى الليثي.

стр. 115

- وإن أفرد أيضًا للتابعي المكثر ترحمةً عن ذلك الصحابي فإنَّه يذكر عدد الأحاديث التي يرويها عنه. - يرمز للحديث بحرف الحاء (ح) اختصارًا، وهو في النسخة بمداد أحمر عريض (١). - ثم يذكر طرَفًا منه، ثم يذكر الكتاب الذي ورد فيه حديث الموطأ، أو يذكر الباب، وقد يجمع بينهما، ثم يذكر الإسناد. - وقد يبدأ بذكر الإسناد بالنسبة للمكثرين من التابعين أو من دونهم، كترجمة لتلك الأحاديث الواردة. - وإن كانت عدّة أحاديث بسند واحد فقد يشير لذلك الاسناد بقوله: "وبه"، أي بنفس السند المتقدّم في الحديث السابق (٢). - إذا ورد الحديث بإسنادٍ واحدٍ، وهو مركبٌ من حديثين، بعضه لابن عمر مثلًا، وبعضه لبلال، فإنه يذكره في موضعين، مثالُه حديث الصلاة في الكعبة (٢/ ٩٣)، ذكره في مسند بلال، ومسند ابن عمر. - ينبّه في آخر كلِّ باب (الحرف) على أسماء الصحابة الذين يبتدئ _________ (١) وقد يكون هذا الاختصار من الناسخ، واستبدلت حرف الحاء بكلمة "حديث"، وجعلتها بخط مميّز عريض لتتضح وتظهر. (٢) تنبيه: وقع في حاشية الورقة (١٥٧/ أ) ما نصه: "ح: حيث ما وقع قوله وبه كذا فإنما يعني في هذا الباب، أو في هذا الحديث، الباء بمعنى في لغة أندلسية". اهـ. قلت: لعل الناسخ يقصد بقوله في هذا الباب: أي الإسناد السابق، وهو كالباب للأحاديث الواردة تحته، أما قوله في هذا الحديث فلم يتبيّن لي وجهه، والأظهر ما قدّمت، والله أعلم.

стр. 116

اسمهم بذلك الحرف، إذا كانوا مذكورين في قسم من أقسام الكتاب كالكنى، أو المنسوبين، وغير ذلك. وقد يكون ذلك الصحابي واردًا في قسم الزيادات فينبِّه على ذلك قي باب الحرف الذي يبتدئ به اسم ذلك الصحابي. - إذا لم يكن في الموطأ من الصحابة من يبتدئ بحرف من الحروف يبيّن ذلك في موضعه اللائق به، وقد يذكر القعسم الوارد فيه ذلك الحرف، فيقول مثلًا: "فصل: ليس في الموطأ من الصحابة من له حديثٌ مرفوعٌ أوّلُ اسمِه ظاءٌ معجمة". "ليس في الموطأ من رجال الصحابة من له حديث مرفوع أوّل اسمه حاءٌ صُرِّح باسمه فيه، وانظر الحاء في الكنى وفي أسماء النساء". ومن فائدته أن يكون المعتني بالموطأ عالمًا بأسماء الصحابة الذين أخرج لهم الإمام مالك في كتابه. - يبيِّن في المراسيل عدد أصحابها تحت كلِّ حرف، ويشير إلى ما تقدَّم لهم من الأحاديث المسندة، كقوله: "حرف الألف فيه رجل واحد … وتقدَّم له مسند عن أبي هريرة". - في آخر القسم الأول وهو في الأسماء ذكر عدد الصحابة الذين ترجم لهم، وعدد ما لهم من الأحاديث، وكذا في آخر قسم النساء ذكر عدد أحاديثهنَّ في الموطأ، ثم ذكر عدد أحاديث الموطأ الموصولة، فالمصنِّف بهذا اعتنى بتعداد أحاديث الموطأ، لذا نجده يذكر بعض الأحاديث المركّبة من إسنادين مثلًا، فيقول: "فيُعدُّ بحديثين". وهناك بعض النقاط الأخرى اتَّبعها المصنِّف في كتابه، قد تلتحق

стр. 117

بترتيب الكتاب، وهي كالتالي: - إذا اشترك صحابيان في حديث أو أحاديث، فإنَّه يذكر تلك الأحاديث والكلام عليها في مسند أحدهما، ويشير إليها في مسند الآخر منهما. - أكثرَ المصنِّف من ذكر الفصول في آخر كلِّ مسند أو ترجمة، وهذه الفصول تختلف في سياقها، ففي بعض الأحيان يذكر مناقبَ ذلك الصحابي المترجَم له، أو شيئًا من سيرته، وقد يذكر حديثًا قاله النبي ﷺ في شأنه، وفي بعضها الآخر يذكر كلامًا حول راوٍ من الرواة، وهذا بحسب الفائدة التي يراها أولى بالذكر في ذلك الموضع. - بعد أن يورد المصنِّفُ حديثًا من الأحاديث يجمع في آخره كلَّ الأحاديث ذات الموضوع الواحد الواردة في كتابه، سواء كانت من المسندات أو المراسيل، فيقول: "انظر حديث فلان"، ويذكر الصحابي، أو: "انظره في مرسل فلان"، أو يقول: "تقدّم معناه لفلان"، وهكذا، وبهذا جمع بين بيان أطراف أحاديث الموطأ وجمع أحاديث الموضوع الواحد في مكان واحد. - إذا كان الصحابي مشهورًا بكنيته دون اسمه، فإنَّه يشير إليه في آخر باب كلِّ حرف يبدأ اسم ذلك الصحابي بذلك الحرف، مثاله أن يقول في آخر حرف الجيم: "أبو ثعلبة اسمه جرهم، ويقال: جُرثوم". - اعتنى الداني أيضًا ببيان مطابقة الأحاديث للأبواب التي يوردها مالك في الموطأ أو عدم مطابقتها (١). _________ (١) انظر الأحاديث: (٢/ ٣٠، ٣٤ - ٣٥)، (٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، (٣/ ٤٤١ - ٤٤٢)، وغيرها.

стр. 118

المطلب الثاني: منهج المصنف من حيث التطويل والاختصار. ذكر المصنِّف في ديباجة كتابه أنَّه سيومئ فِي هذا الكتاب إلى أحاديث الموطأ، وسمّى كتابه الإيماء، والإيماء هو الإشارة، يُقال: ومأتُ إليه وَمأً وأومأتُ إيماءً أومئ، إذا أشرتُ (١)، والإشارة تقتضي الاختصار دون التطويل والإسهاب. ونصَّ المصنف في مواضع عدّة أنَّه راعى في كتابه هذا الاختصار، وذلك إذا أسهب في شرح حديث أو في ذكر علله أو فوائده، كما قال في حديث عمر ﵁: "إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية … "، بعد أن تناوله من جهة الإسناد قال: "وهو مذهب أهل السنة، وإنما تكلمنا فيه من طريق الإسناد خاصة، ولولا شرط الاختصار لذكرنا ما روي في معناه من صحيح الآثار" (٢). وذكر أيضًا حديث أبي هريرة في مسألة نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا، وذكر بعض الآثار المؤيّدة لمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات، ثم قال: "ولولا شرط الاختصار لعضدنا هذا المذهب بصحيح الآثار" (٣). وذكر أيضًا حديث "كل مولود يولد على الفطرة"، وفيه مسألة مآل أولاد الكافرين وأولاد المؤمنين، ثم قال: "ولولا شرط الاختصار _________ (١) معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٦/ ١٤٥). (٢) انظر: (٢/ ٢٩٨). (٣) انظر: (٣/ ٣٢٩).

стр. 119

لتقصَّينا تلك الأخبار، والأصل ما ذكرناه وما صح من الآثار، وقلَّ ما يخالف معناه" (١). وسمّاه في بعض المواضع بالمختصر، فقال تحت حديثٍ بعد أن أورد كلامَ بعض الأئمة في عكرمة: "وفي كراهيةِ مالكٍ له، وإدخالِ حديثِه نظرٌ وكلامٌ لا يتَّسِع لبَسْطِه هذا المختصر" (٢). ولم يخرج المصنِّف عن هذا المنهج الذي، رسَمَه لنفسه، وذلك واضح جدًّا في كتابه، إلَّا أنَّه اختصار دون إخلال، فكلُّ حديث في الموطأ تُكلّم فيه من جهة إسناده، أو اختلف فيه رواتُه وغير ذلك فإنَّه يذكر ذلك ولا يُهمله، ففي إيراد روايات الموطأ قد يذكر من تابع يحيى مثلًا ويسمِّي بعضَهم، ثم يقول: "وطائفة"، أو "وجماعة"، أو "وغيره"، أو "في آخرين"، إلى غير ذلك من العبارات الدالة على المتابعة والموافقة، وقد لا يذكر إلَّا روايةً واحدة وينبّه أنَّه قد توبع من جماعة، وقد يُبهم الرواة فلا يذكر أحدًا منهم، وإنَّما يكتفي بقوله: "رواه آخرون"، أو "من الناس من يرويه"، أو "عند بعض رواة الموطأ"، وهكذا، كما قال في حديث زيد بن خالد: "ألا أُخبركم بخير الشهداء" قال: "هكذا عند يحيى بن يحيى وطائفة من رواة الموطأ عن أبي عمرة، وقال القعنبي وابن بُكير ومعن في آخرين: عن ابن أبي عمرة" (٣). _________ (١) انظر: (٣/ ٣٨٤). (٢) انظر: (٢/ ٥٦٠). (٣) انظر: (٢/ ١٦٦).

стр. 120

وقال تحت حديث آخر: "وهذا في الموطأ موقوف عن أبي هريرة، ومن الناس من رفعه عن مالك" (١)، وأمثلةُ هذا الباب كثيرة جدًّا في كتابه. وفي إيراد الطُّرُق مثلًا قد يورد طريقًا بذكر اسم الراوي، ولا يذكر من تابعه بأسمائهم، وإنَّما يكتفي بقوله: "وغيرُ مالك يرويه كذا"، أو يقول: "هكذا قال مالك وغيره"، أو: "وهكذا قال فلانٌ وغيره". وأمثلة هذا الباب أيضًا كثيرة، مثاله قوله في حديث "لا تُعمل المطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد … "، قال: "هكذا قال مالك وغيرُه عن يزيد. والمحفوظ عن أبي هريرة: فلقيت أبا بصرة صاحب النبي ﷺ … هكذا قال فيه يحيى بن أبي كثير وغيرُه عن أبي سلمة عن أبي هريرة" (٢). ذكر حديث يحيى بن سعيد أنَّ أبا قتادة قال لرسول الله ﷺ : "إنَّ لي جمّة أفأرجلّها"، ثم قال: "هكذا هو عند ابن يحيى وجماعة عن مالك مرسلًا. وقال فيه القعنبي وطائفة: يحيى بن سعيد عن أبي قتادة. ولفظه عند قراد أبي نوح: قدت: "يا رسول الله، إن لي جمّة … ". والحديث مع هذا مقطوع، وصله عصر بن علي المقدّمي وغيره عن يحيى بن سعيد عن محمد بن المنكدر عن أبي قتادة، وقال فيه: "فأمره أن يحسن إليها وأن يترجّل كل يوم". خرّجه النسائي، وقال ابن عيينة _________ (١) انظر: (٣/ ٥٥٦). (٢) انظر: (٢/ ١١١ - ١١٢).

стр. 121

وجماعة عن يحيى بن سعيد عن ابن المنكدر أن أبا قتادة، مرسلًا" (١). وهذا المثال جمع فيه المصنف المنهج الذي اتبعه في بيان الطرق والروايات باختصار. وهو المنهج الذي سار عليه المصنف في كلِّ موضوعات الكتاب، سواء ما كان منها في التخريج، أم في ذكر الطرق، أو التعليل، أو ذكر فقه الحديث، وسيأتي بيان ذلك كلٌّ في موضعه إن شاء الله، وفي بعض الأحيان يكتفي بذكر طرف الحديث وإسناده وموضعه في الموطأ، وهذا يكثر إذا لم يكن في الحديث أدنى كلام، أو متنه واضح لا تحتاج ألفاظه إلى شرح وبيان (٢). وفي بعض المواضع استطرد في شرح الحديث، سواء كان من الناحية الإسنادية أم المتنية، ومن ذلك حديث بسرة بنت صفوان (ل: ١٨٢ / أ - ١٨٦/ ب)، فقد أكثر المصنف في ذكر علله ومسألة الوضوء من مسِّ الذَّكر، وأقوال أهل العلم في الحديث، وما خالفه، وبلغ ذلك (خمس ورقات ذات وجهين) ثم قال في آخره: "وقد أرخَينا في هذا الحديثِ زِمامَ العنان (٣)، وأطلقنا في ميدانه قَلَم البيان، على أنَّا لم نخرج في ذلك عن طريق الاقتصاد، ولا بلغنا في مدِّ أطنابه كُنْهَ المراد، بَيْدَ أنَّ الكلامَ إذا قَلَّ ودَلَّ اكْتُفي به كيْ لا يُمَلّ". _________ (١) انظر: (٣/ ٢١٥ - ٢١٧). (٢) انظر الأحاديث: (٣/ ٣٩١ - ٣٩٢). (٣) الزِّمام والعِنان، معنى واحد.

стр. 122

المطلب الثالث: منهجه في إيراد الأحاديت، والحكم عليها وتعليلها. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: التخريج: انتهج المصنِّف في إيراد الأحاديث منهجًا مختصرًا، فالكتاب أصله بيان أحاديث الموطأ، بذكر أطرافها والإحالة إلى مواضعها، ثم قد يُتبعها بأحاديث قد تكون مقيّدةً لحديث الباب، أو مخصِّصةً له، أو تبيّن مجملَه، أو تخالفه، وقد يذكر حديث الباب لكن من طرق أخرى مخالفة لطريق مالك أو متفقة معه، وهكذا، وقد انتهج المصنف في ذلك منهجًا أبيّنه في النقاط التالية: • يذكر طرف حديث الموطأ ويرمز له بحرف الحاء. • ثم يذكر إسناده، وقد يكون الإسناد مذكورًا في بداية الباب، وهذا في مسانيد المكثرين خاصة، كمالك، عن نافع، عن ابن عمر، أو مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ولا يعيد ذكرَه بعد ذلك. • يحيل على موضعه في الموطأ، إمَّا بذكر الكتاب والباب، أو بذكر الباب إن كان موضوع الحديث معروفَ الكتاب، أو بذكر الكتاب فقط دون الباب، وإن توالى أكثر من حديث في باب واحد فلا يعيد ذكره، بل يقول: "في الباب"، وهكذا. • بالنسبة للأحاديث التي يوردها المصنِّف من خارج الموطأ، فإنَّه يعزوها إلى بعض مخرّجيها، ولا يكثر من ذكر من خرّجها، بل يكتفي في ذلك على مصدر أو اثنين، وقد يزيد، فيقول: "وخرّج البزار"، "خرّج

стр. 123

في الصحيح، أو الصحيحين"، "خرّجه البخاري"، "خرّجه الترمذي وأبو داود"، وهكذا. • من الأشياء المُلاحظة في منهج المصنِّف أنَّه يعزو في كثير من الأحيان الأحاديث إلى مصادر نازلة، وهي في العالية، كأن يعزو الحديثَ إلى البزار أو غيره كأصحاب السنن، وهو مخرّج في أحد الصحيحين بالسند والمتن المذكور، ومن خلال تتّبعي لتلك الأحاديث تبيّنت لي عدّةُ أسباب، أجْمِلُها فيما يأتي مع ذكر أمثلة عليها. أ- قد يعزو للكتاب النازل دون العالي إذا كان في النازل فائدة، كأن يقترن بالحديث كلامٌ لصاحب الكتاب أو غيره، فيه تعليل، أو زيادة بيان، أو إيضاح إشكال، وغير ذلك، ومثال ذلك أنَّه ذكر أحاديث سجود النبي ﷺ في المفصّل، وأورد حديث أبي هريرة من رواية عطاء فقال: "وقال في روايةِ عطاء بن مِيناء: "سجدنا مع رسولِ الله ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. خَرَّجه أبو داود، ثم قال: "أَسلَمَ أبو هريرة سنةَ ستٍّ عامَ خيبر"، قال: "وهذا السُّجود من النبيِّ ﷺ هو آخِرُ فعلِه". وحديث عطاء بن ميناء عند مسلم في صحيحه (١). ومثاله أيضًا في إزالة الإشكال حديث: "إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاثة"، عزاه للطحاوي في شرح الشكل، وهو في صحيح مسلم _________ (١) انظر: (٣/ ٣١٤).

стр. 124

بإسناده ومتنه (١)، إلَّا أنَّ كتاب الطحاوي تميَّز برفع الإشكال عن الأحاديث التي ظاهرها التعارض. ب- قد يذكر حديثًا قبل هذا الحديث المعزو للنازل، ويكونان في موضوع واحد ومصدر واحد، فيكتفي بذكر ذاك المصدر، ولا يعزوه للعالي، مثال ذلك قوله: "وروى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر بمعنى حديث الموطأ مشكوكًا في رفعه. خرّجه أبو داود. وخرّج أيضًا من طريق عكرمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا صلى أحدكم في ثوب فليخالف بطرفيه على عاتقيه"". فالحديث الثاني - حديث أبي هريرة - عند البخاري في صحيحه (٢). ج- أنَّه قد يذكر جملة من الأحاديث، ثم يجمل تخريجها ويعزوها إلى كتاب واحد، وبعض هذه الأحاديث مخرّج في الصحيح، ومثال ذلك قوله: "روى ابن عباس: "أنَّ النبي ﷺ نهى أن يتنفّس في الإناء أو ينفخ فيه"، وفي حديث أنس: "أنَّ النبي ﷺ كان يتنفّس في الإناء ثلاثا، ويقول: هو أمرأ، وأروى"، ومعناه أنه كان يقطع شربه، وفي حديث ابن عباس مرفوعًا: "لا تشربوا واحدًا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث". والكلُّ في كتاب الترمذي". قلت: وحديث أنس عند مسلم (٣). _________ (١) انظر: (٢/ ٣٥٢). (٢) انطر: (٢/ ١٣١ - ١٣٢). (٣) انظر: (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣).

стр. 125

د- أنَّه قد يخرّج الحديث من حفظه، فيعزوه للنازل دون العالي، ومثال ذلك قوله: "وقوله: "فاتحة الكتاب هي السبع المثاني والقرآن العظيم"، خرّجه البزار من طريق شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلّى". قلت: والحديث عند البخاري في صحيحه (١). وقوله أيضًا: "وروى عروة عق عائشة أنها قالت: أهللت مع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع بعمرة فكنت ممّن تمتّع ولم يسق الهدي. قال: فزعمت أنها حاضت ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة فقالت للنبي ﷺ : هذا يوم عرفة ولم أطهر بعد، وكنت تمتّعت بالعمرة فقال لها: "أَهِلّي بالحج واسكتي عن العمرة. خرّجه قاسم من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عنه". قلت: والحديث عند البخاري في صحيحه (٢). ولا يُستبعد أن يَرِد هذا من المصنِّف أعني تخريجه الأحاديث من حفظه، فقد قال في ديباجة كتابه: "ولم أذكر أسانيدي في الموطأ عن سائر الروايات غير رواية يحيى، ولا أسانيد الكتب التي خرّجت منها ما أَحلْتُ في هذا الكتاب عليه اختصارًا واكتفاء بشهرتها، ولأنِّي إنما ذكرت ذلك على طريق الاستشهاد، وأكثره على المعنى على حال ما تذكّرته، وبالله تعالى التوفيق". _________ (١) انظر: (٢/ ٩١). (٢) انظر: (٣/ ٨٣).

стр. 126

فمن هذا يتبيّن أنَّ المصنّف كان من الحفاظ، وما وقع فيه من عزوٍ للنازل دون العالي قليل بالنسبة لمادة الكتاب، وهذا يزيد في بيان منزلته ورفعة مكانته، والله أعلم. المسألة الثانية: الحكم على الأحاديث وتعليلها: اعتنى أبو العباس الداني ﵀ في هذا الكتاب بذكر العلل، ودراستها، وذكر أقوال أهل العلم في ذلك. والناظر في كتابه هذا يُلاحظ أنَّ الكتاب وُضع لهذا الشأن، فلا يكاد يمرُّ حديث من الأحاديث فيه علّة ما، قادحة أو غير قادحة إلَّا ويذكر المصنِّف تحته ما خالفه، وقول أهل العلم في الترجيح بين ذلك، وقد ذكر في ديباجة كتابه أنَّه سيعتني بذكر العلل فقال: "وأَتَقَصَّى عِلَلَها وأَجْبُرُ خَلَلَها"، وقد استفاد المصنِّف في ذلك من الإمام في علم العلل الإمام الدارقطني ﵀، فكثيرًا ما ينتهج منهجه في ذلك -مع الاختصار- ويحذو حذوه في ذكر العلّة، وبيان الراجح من الأحاديث والطرق، ومع ذلك لم يَخل كتابه من الردِّ عليه في بعض المواضع، كما أنَّه ذكر تعليل الأحاديث عن أئمة آخرين غير الإمام الدارقطني، ولم يكتف أيضًا بذكر الطرق المخالفة لحديث مالك، بل ذكر أيضًا الاختلاف بين أصحاب مالك، وسأذكر في هذه النقاط منهج المصنِّف في كلِّ ذلك بشيء من الاختصار؛ لوضوحه وبروزه في الكتاب. • يورد الأحاديث التي خولف فيها مالك ﵀، فيذكر المخالفين، مع عدم إهماله ذكر الموافقين له في روايته، ويبيّن الراجح من هذه

стр. 127

الروايات، سواء رواية مالك أم غيره، مثال ذلك: - ذكر حديث أبي بَصرة الغفاري ﵁: "لا تعمل المطي إلَّا إلى ثلاثة مساجد وفيه: "فلَقِيتُ بَصرةَ بن أبي بَصرةَ الغِفاريِّ فقال: من أينَ أقبلتَ؟ ". قال: "هكذا قال مالك وغيرُه عن يزيد. والمحفوظ عن أبي هريرة: "فلقيتُ أبا بصرة صاحبَ النبيِّ ﷺ "، هكذا قال فيه يحيى بن أبي كثير وغيرُه عن أبي سلمة عن أبي هريرة" (١). - وأورد حديث: "أفضلُ الصلاةِ صلاتكم في بيوتِكُم إلَّا المكتوبة". ثم قال: "أوقفه مالكٌ في الموطأ، ورفَعَه أبو مُسهر عبد الأعلى بنُ مُسهر، عنه، ورواه موسى بن عقبة، وجماعةٌ عن أبي النضر مرفوعًا. قال الدارقطني: "وهو أصح"، خُرِّج في الصحيحين مرفوعًا مطوّلًا" (٢). • اعتنى المصنِّف أيضًا ببيان علل رواية يحيى بن يحيى الليثي، وبيّن أيضًا التصحيفات التي وقع فيها، ومخالفته للرواة، وذَكَر الراجح من الروايات سواء كان ذلك في المتون أم في الأسانيد، وأمثلة ذلك كثيرة، ومنها: - ذكر حديث زيد بن خالد في كيفية صلاة النبي ﷺ صلاة الليل، وفيه: "فقام رسولُ الله ﷺ فصَلَّى ركعتين طويلَتين طويلتين طويلتين". _________ (١) انظر: (٢/ ١١١ - ١١٢). (٢) انظر: (٢/ ١٦١ - ١٦٢).

стр. 128

ثم قال: "خالفَ يحيى الجماعةَ في مساقه، والابتداءُ عند سائر رواة الموطأ بركعتين خفيفتين، وهو المحفوظُ في هذا الحديث" (١). - أورد حديثًا في إسناده مجاهد بن جبر ثم قال: "قال يحيى بن يحيى في سنده: "مجاهد بن الحَجَّاج"، وهو تصحيفٌ؛ وإنَّما هو مجاهد بنُ أبي الحَجاج مُكَنًّى غير منسوبٍ، وهكذا عند سائرِ الرواة. وهو مجاهد بن جَبر، ويُقال: ابن جُبير، يُكنى أبا الحجاج" (٢). - أورد حديث زيد بن خالد في الرجل الذي غلَّ يوم خيبر فقال: "عن يحيى بن سعيد، عن محمّد بن يحيى بن حَبَّان: أنَّ زَيدَ بنَ خالد قال: "تُوفي رجُلٌ … "، وذكره. هذا مقطوعٌ عند يحيى بنِ يحيى، لَم يَذْكر فيه بين محمّد بنِ يحيى، وبين زيد بنِ خالد أَحدًا، ووصَله سائرُ رواةِ الموطأ، إلَّا أنَّهم اختَلفوا في أبي عَمْرَةَ، وابنِ أبي عَمْرة … وقال يحيى بنُ يحيى في متنِه: يومَ حُنَيْن، وعند جمهورِ الرواة: خَيْبَر، وهو الصواب، يؤيّدُه ما جاء فيه من ذِكْرِ خَرَزَات اليهودِ، وهم أهلُ خيبر" (٣). - أورد حديث: "إذا أصاب ثوب أحداكنَّ الدم … "، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير، عن أسماء بنت أبي بكر، ثم قال: "هكذا وقع في كتاب يحيى بن يحيى: هشام بن عروة، عن أبيه، وقوله فيه: عن أبيه، وهَم انفرد به، ولم يُتابَع عليه، وإنما رواه هشام عن _________ (١) انظر: (٢/ ١٦٤ - ١٦٥). (٢) انظر: (٢/ ١٩٢ - ١٩٣). (٣) انظر: (٢/ ١٦٨ - ١٧٠).

стр. 129

فاطمة، وهي زوجته وابنة عمِّه المنذر" (١). - ذكر حديث. "قدم رجلان من المشرق فخطبا … "، ثم قال: "انفرد يحيى بن يحيى بإرسال هذا الحديث، وهو عند القعنبي وسائر الرواة لزيد بن أسلم، عن ابن عمر، أسنده البخاري عن التنيسي، عن مالك" (٢). • اعتنى المصنِّف أيضًا بوصل الأحاديث المنقطعة في الموطأ والمرسلة والموقوفة من طرق صحيحة، تنجبر بها أحاديث الإمام مالك ﵀، ومن ذلك: - ذكر حديث سالم عن جدِّه عمر بن الخطاب: "أنَّ رسولَ الله ﷺ كان وأمرُ بالغُسل". ثم قال: "وهذا مقطوعٌ في الموطأ، ووَصَلَه خَارِجَهُ جماعة عن مالك، قالوا فيه: سالم، عن أبيه، عن عمر. خرّجه البخاري هكذا عن جُوَيْرِيَة، عن مالك. قال الدارقطني: وهو الصواب" (٣). - ذكر أيضًا حديث عمر بن أبي سلمة وقول النبي ﷺ له: "سَمِّ الله وكُلْ مِمَّا يَليكَ". ثم قال: "عن أبي نُعيم وَهْب بن كَيسان قال: "أُتيَ رسولُ الله ﷺ بطعامٍ ومعه رَبيبُه عمر بن أبي سلمة … ظاهرُه الإرسالُ في الموطأ، وهكذا خَرَّجَه البخارَيُّ من طريق عبد الله بن يوسف عن مالك، وانتَقَدَ ذلك الدارقطني في كتاب الاستدراكات، وقال: أَرْسَلَه مالكٌ في الموطأ، ووَصَلَه عنه خالدُ بنُ مَخلد ويحيى بن صالح وهو صحيحٌ متَّصِلٌ. _________ (١) انظر: (٤/ ٢٤١). (٢) انظر: (٤/ ٥٤٦)، وانظر أمثلة أخرى في: (٢/ ٢٤٣، ٣٢١، ٣٥٧، ٤٤٣، ٤٨٧، ٥٠٣)، (٣/ ٦١، ٦٥، ٩٧، ١٤٣، ١٥٦، ١٨٨، ٢٠٤، ٥٢٥)، وغيرها. (٣) انظر: (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤).

стр. 130

قال الشيخ أبو العبّاس ﵁. وخَرَّجه الجَوهَرِيُّ في المسند والطحاوي في المُشكل من طريق خالد بن نحلد وقالا فيه: عن مالك، عن أبي نُعيم، عن عمر، وقال ابن عيينة، عن الوليد بن كثير، عن وهب سمعه من عمر، خُرِّج في الصحيح" (١) - ذكر حديث: عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة: أنَّ امرأة كانت تُهراق الدماء … "، ثم قال: "هذا مقطوع، رواه الليث وجماعة عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن رجل، عن أم سلمة" (٢). • وإذا لم يكن في الموطأ تصريح بالسماع فإنَّه يورد الطرق الأخرى المصرّح بها بالسماع، ومن ذلك: - أورد حديث: "إذا جاء أحدُكم الجمعةَ فليغتَسِل"، ثم قال: "ليس في هذا الحديث أنَّ ابنَ عمر سَمِعَه من النبيِّ ﷺ ، وهكذا خَرَّجه البخاري عن مالك. وذَكَرَ فيه اللَّيثُ، عن نافع، عنه سَماعَه منه، خَرَّجه مسلم" (٣). - وأورد أيضًا حديث: "خَمْسٌ من الدَّوابِّ ليس على المُحرِمِ في قتلهِنَّ خنَاحٌ"، ثم قال: "لَم يَذكر مالكٌ في هذا الحديثِ أنَّ ابن عمر سَمعه مِن رسولِ الله ﷺ ، وتابعه حماعةٌ. وذَكَرَ السَّماعَ ابن جريج، عن نافع، وتابعَه محمّد بن إسحاق، خَرَّجه مسلم عنهما. والحديث محفوظٌ لابن عمر" (٤). _________ (١) انظر: (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٤). (٢) انظر: (٤/ ٢٠٧). (٣) انظر: (٢/ ٣٧٤). (٤) انظر: (٢/ ٣٩١).

стр. 131

• عند ذكر المخالفة لا يكثر من إيراد الطرق، وإنَّما يشير إليها إشارة، كأن يقول: "وتابعه جماعة"، أو "رواه فلان وغيره"، أو "وغير مالك يرويه كذا"، وهكذا، كما تقدّم في حديث أبي بصرة الغفاري (١). • وقد يشير إلى الاختلاف ولا يذكر أوجه الخلاف ولا الطرق، ومثال ذلك: - قوله: "هذا الاسنادُ هو الصحيحُ، واختُلِف فيه على الزهري" (٢). - وقوله: "وذَكَرَ الطيالسيُّ خلافًا في سَنَدِه" (٣). • وقد يذكر في حديث أنه معلول ويسكت عن ذكر العلَّة، ومثاله: قوله: "خرَّجه قاسم والبزار بإسناد معلول" (٤). - وقوله: "وقد رُوي عن أنس وابن عبّاس: "خمس وستون"، خرَّجه ابنُ أبي خيثمة عن أنس، والبزار عن ابن عبّاس، وكل ذلك معلولٌ" (٥). • وقد يذكر العلّة ويبيّن وجهها، ومثال ذلك: - قوله: "قولُ مالك في عَبَّاد بن زِياد: وهو من وَلَدِ المغيرة بن شعبة، وَهَمٌ انفَرَدَ به، وقد انتُقِدَ عليه، وإنَّما هو عَبَّاد بن زِياد بنِ أبي سُفيان، معروفُ النَّسَبِ، وليس بوَلَدِ المغيرة، قاله مسلمٌ وغيرُه. وقولُه: عن _________ (١) وانظر أيضًا: (٢/ ٩٩). (٢) انظر: (٢/ ١٩٩). (٣) انظر: (٢/ ٣١٨). (٤) انظر: (٢/ ٦٧). (٥) انظر: (٢/ ٧٦).

стр. 132

أبيه، زيادةُ وَهَمٍ انفَرَدَ بها يحيى بنُ يحيى والموطأ، وتابَعَه خَارِجَهُ طائفةٌ، منهم: ابنُ مهدي قال فيه عن مالك: عبَّاد بن زِياد رَجُلٌ من وَلد المغيرة بن شعبة، عن أبيه المغيرة. وأَظُنُّ الوَهَمَ دخلَ فيه بِأَنْ سَقَطَ لمالكٍ من الإسنادِ كلمةُ "عن" بين عَبَّاد ورَجُل، فحَدَّثَ به كذلك. والحديثُ على هذا مقطوعٌ. وقد ثَبتت كلمةُ عن عند رَوْح بنِ عُبادة قال فيه: عن مالك، عن الزهري، عن عَبَّاد، عن رجل من ولد المغيرة، عن أبيه المغيرة. وقال الدارقطني: إِنْ كان رَوْحٌ حَفِظَهُ عن مالك هكذا فقد أَتَى بالصواب عن الزهري، والصحيحُ عنه: عَبَّاد، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه المغيرة، هكذا قال أبو الحسن" (١). - وقوله: "وهذا السند معلولٌ؛ لأنَّ الشيخَ مجهولٌ" (٢). - وذكر حديث ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد اللّيثي، عن أبي أيوب. ثم قال: "سَمِعَه عطاءٌ من أبي أيوب في غَزوة يزيد بن معاوية، قاله مسلم في التمييز، وذَكَرَ أنَّ عُقيلًا وَهِم فيه عن الزهري فقال: عطاء، عن أُبَيِّ بن كعب، وأَبعَدَ ذلك؛ لأنَّ أُبَيًّا مات في أوّلِ خلافةِ عُثمان، ولم يُدرِكه عطاءٌ. ولعلَّ عُقيلا سَقَطَ من كتابِه أيوب فصحَّف كلمةَ أَبِي بأُبَيٍّ، ثم نَسَبَه" (٣). • وإذا روي الحديث من عدّة أوجه، فإنَّه قد يذكر تلك الأوجه _________ (١) انظر: (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٤). (٢) انظر: (٢/ ١٩٦). (٣) انظر: (٣/ ١٤٥ - ١٤٦).

стр. 133

ويشير إلى رواتها، ومثال ذلك: - أنَّه أورد حديث البراء بن عازب في ما لا يجوز من الضحايا ثم قال: "عن عَمرو بن الحارث بن يعقوب، عن عُبيد بن فَيْروز، عن البراء. هذا مقطوع. رواه عَمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن عبد الرحمنِ الدّمشقي، عن القاسم مولى خالد بن يزيد بن معاوية، عن عُبَيد بن فيْروز قال: سألت البراء. ورواه اللَّيثُ بن سعد، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم مولى خالد، عن عبيد. وقيل لليث: إنَّ شعبة يروي عن سليمان أنَّه حمع هذا الحديث من عبيد بن فيروز. فقال الليث: لا؛ إنما حدّثنا به سليمان، عن القاسم مولى خالد بن يزيد، عن عبيد. ذكره عليُّ بن المديني في العلل بشواهده وقال: الحديث حديث الليث. وخرّج الترمذي هذا الحديثَ من طريق محمّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن عبيد. ومن طريق شعبة عن سليمان، عن عُبيد، ولم يذكر فيه القاسم وقال: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، لا نعرفه إلَّا مِن حديث عُبيد بن فيروز، عن البراء" (١). • اعتنى أبو العباس الداني ﵀ بنقل كلام أهل العلم في تعليل الأحاديث، وأكثر في ذلك عن الإمام الدارقطني الإمام في علم العلل، ونقل عنه في مواضع كثيرة جدًّا، وكان النقل من كتب مختلفة، كالعلل، والأحاديث التي خولف فيها مالك، والتتبع، والإلزامات، وكذا نقل عن غيره وتقدّمت بعض الأمثلة في ذلك، كعلي بن المديني، والذهلي، _________ (١) انظر: (٢/ ١٠٤ - ١٠٨).

стр. 134

والبخاري، ومسلم، والترمذي والبزار، والساجي وغيرهم، في كتبهم المصنَّفة في العلل والسنن وغير ذلك، وكان يوافقهم في كثير من الأحيان. • ومع نقله عن هؤلاء الأئمة الأعلام، إلَّا أنَّه كان في نقله ناقدًا في بعض المواضع، وردَّ بعض أحكامهم إن كانت مخالفة للصواب، وأمثلة ذلك كثيرة جدًّا، ومنها: - ذكر حديث أنس: "نهى عن بيع الثمار حتى تُزهي … "، ثم قال: "قال أبو مسعود الدِّمشقي: قال فيه مالك: فقيل: يا رسول الله وما تُزهي؟ ويُروى أنه غلط. وذكر الدارقطني أنَّ جماعةً خالفوا مالكًا فقالوا فيه: قال أنس: أرأيت إن منع الله الثمرة … ، جَعَلُوه مِن كلام أنس. قال أبو الحسن: وهذا هو الصواب، قال: ومالكٌ جعل هذا الكلامَ من قول النبي ﷺ ولا يَثبت". ثم قال أبو العباس الداني: "انتهى قولُه، ولا يَلزَمُ قَبُوله مِن أَصْلِهم: إنَّ زيادةَ العدلِ الحافظِ مقبولةٌ، وكفى بمالك" (١). - ذكر أيضًا حديث: "مثل العائد في هبته"، ثم قال: "ذَكَر البزار أنَّ جماعةً رووه عن زيد بنِ أسلم، عن أبيه، ولم يَذكُر أَحَدٌ منهم المَثَلَ غيرُ مالك. وليس كما قال البزار، قد تابَع مالكًا في ذلك خارجةُ بنُ مُصعَب، خَرَّجه الطيالسيُّ" (٢). _________ (١) انظر: (٢/ ٥٨ - ٦١). (٢) انظر: (٢/ ٢٧٣).

стр. 135

- ذكر حديث ابن عمر: "الدينار بالدينار .. "، ثم قال: "وقال فيه ابن عمر: "هذا عَهْدُ نبِيِّنا إلينا"، وذلك يُوهِم سماعَه منه، وهو لَم يسمعْ العهدَ، وإنَّما أخبرَه به أبو سعيد الخُدري … ولعلَّ ابنَ عمر إنَّما أراد بقوله: "هذا عَهْد نبيّنا إلينا"، أنَّه عَهِدَ به إلى جُملةِ أصحابِه، وهو منهم، فيتناولُه العهدُ وإن كان غائبًا في حينِ الأَمر. وقال الدارقطني: ليس هذا القول بِمحفوظٍ. قال: ولعلَّه أراد هذا عَهدُ صاحبِنا إلينا، يعني عمر. وذَكَرَ أنّ نافعًا رواه عن ابن عمر عن عمرَ قولَه موقوفًا عليه. وهذا في الموطأ. وقولُ أبي الحسن تَعَسُّفٌ" (١). - وذكر حديثًا من طريق أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا: "رأى رجلًا يسوقُ بدنةً فقال: ارْكبها … ". ثم قال: "خرّج في الصحيح عن مالك بهذا الإسناد. وقال زكريا بنُ يحيى الساجي في كتاب الضعفاء: "وهِمَ مالكٌ فيه، إنَّما هو أبو الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، كذلك رواه الثوري وابنُ عيينة وعبد الرحمن بن أبي الزناد وغيرُهم"، قال: "ولا يَعْرَى أحدٌ من الخطأ". انتهى قولُه. وقال الدارقطني في العلل: "يُشبه أن يكون القولان محفوظَين عن أبي الزِّناد. قال: وزَعَمَ الواقديُّ أنَّ مالكًا وَهِم في إسنادِه، وقد تابعه جماعةٌ ثقاتٌ منهم موسى بنُ عقبة وغيرُه". قال الشيخ أبو العبّاس ﵁: وخَرَّج البخاري في الصحيح _________ (١) انظر: (٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩).

стр. 136

حديثَ: "لا تصوم المرأةُ بغير إِذن زوجِها … " لأبي الزِّناد من الطريقين معًا، وهذا يؤيِّدُ ما ذهب إليه أبو الحسن، والله أعلم" (١). والأمثلة في هذا كثيرة، وإنّما اكتفيت ببعضها خشية الإطالة (٢). • كما أنَّ المصنِّف ﵀ اعتنى ببيان أوجه الترجيح، كأن يكون الحديث مخرَّجًا في الصحيحين، أو أنَّ الرواية الراجحة هي رواية الأكثر أو الأحفظ، أو أنَّها رواية القريب عن قريبه، ومثال ذلك: - أورد حديث ابن عمر ﵁: "دَعْهُ فإنَّ الحَيَاءَ من الإِيمان"، ثم قال: "أَرْسَله بعضُ الرُّواة، والأَصَحُّ إسنادُه عن الزهري، وقد خُرِّج في الصحيح" (٣). - ذكر حديث ابن عمر: أنَّ عمر كانت تصيبه الجنابة … "، ثم أورد الاختلاف فيه على ذلك وغيره، ثم قال: "والصحيحُ قول من قال فيه: أنَّ عمر، ولم يُسنِده إليه، قاله الدارقطني، وهكذا خُرِّج في الصحيح" (٤). - ذكر حديث: "لا تَبْقَيَنَّ في رَقَبَةِ بعيرٍ قِلادةٌ … ". ثم قال: "عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزم، عن عَبَّاد بن تَمِيم، عن أبي بَشير. هكذا خُرّج في الصحيحين، وزعم محمد بن عمر الواقدي اْنَّ مالكًا وَهِم فيه، _________ (١) انظر: (٣/ ٤٠٠ - ٤٠١). (٢) انظر أمثلة أخرى في: (٢/ ٢١، ١١٩، ١٢٩، ١٣٨، ١٨٧، ٢٢٢، ٣٤٣ - ٣٤٤)، وغيرها مِمَّا سيأتي في ثنايا الكتاب. (٣) انظر: (٢/ ٣٤٥). (٤) انظر: (٢/ ٤٦٧ - ٤٧١).

стр. 137

وأنَّ عبد الله بن أبي بكر رواه عن أبيه، عن أبي بَشير. قاله الدارقطني، ولَم يُصَوِّبه ولَا خَطَّأَه، ولا احتجَّ لَه ولَا عليه" (١). - أورد حديث: "ما بَينَ بَيتِي ومِنبَرِي"، وحديث: "سَبعةٌ يُظلُّهم اللهُ يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه … ". من طريق مالك عن خُبَيب بن عبد الرّحمن الأنصاري، عن حَفص بن عاصِم، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد، على الشك ثم قال: "ورَوى الحَديثَينِ معًا عُبيد الله بن عمر العُمري، عن خالِه خُبيب بن عبد الرّحمن المذكورِ، عن جَدِّه حَفص بنِ عاصم بن عمر، عن أبي هريرة وحده. خُرِّج هذا في الصحيح، وهو المحفوظُ، تابع العُمريَ في ذلك جماعة" (٢). • واعتنى المصنِّف أيضًا بالجمع بين الطرق التي ظاهرها التعارض والاختلاف، كأن يكون الحديث مرويًّا من طرق عدة، وكلّها صحيحة، خاصة إذا كانت في الصحيحين أو أحدهما، ومثال ذلك: - ذكر حديث ابن عمر: "إنَّما سنةُ الصلاةِ أن تَنْصِبَ رِجلَكَ اليُمنى وتُثنِيَ رِجلَكَ اليُسرى"، من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عنِ عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. ثم قال: "ظاهرُه الوَقفُ، وخرَّجه البخاري في المسند الصحيح … وقال اللَّيثُ، والثوري، وابن عيينة، وغيرُهم في هذا الحديث عن يحيى، عن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله: أنَّ أباه قال: "مِن سنَّة الصلاةِ"، وساقَه، ذكره الدارقطني. _________ (١) انظر: (٣/ ١٥١ - ١٥٢). (٢) انظر: (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٨).

стр. 138

فالحديت على هذا مرويٌّ من طريقين" (١). - أورد حديث أبي هريرة: إذا صلّى أحدُكم ثمَّ جَلَسَ فِي مصلَّاه لَم تزلِ الملائكة تُصَلِّي عليه"، ثم قال: "هكذا هو في الموطأ موقوفٌ، ورَفَعَه الوليد بنُ مسلم، وإسماعيل بنُ جعفر وغيرُهما خارِجَه، عن مالك. قال الدارقطني: ورَفْعُه صحيحٌ، إلَّا أنَّ مالكًا وقَفَه فى الموطأ" (٢). وأمثلة هذا الباب كثيرة أيضًا. • ومن منهج المصنِّف أنه أطلق على الوجه الراجح عدَّة إطلاقات، فمرة يقول: "وهو المحفوظ"، أو "وهذا أصح"، أو "وهو الصواب"، أو "هذا الإسناد هو الصحيح"، وغير ذلك (٣). • كما أنَّه أطلق على الوجه المرجوح عدَّة إطلاقات، كقوله: "لم يُتابع على ذلك"، أو "فيه نظر"، "وهذا غير ثابت"، "ليس بمحفوظ"، "غلط انفرد به ولم يتابعه عليه أحد"، "وهو غلط لم يُتابع عليه"، وغير ذلك (٤). _________ (١) انظر: (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٦). (٢) انظر: (٣/ ٤٨٨ - ٤٨٩). (٣) انظر مثلًا: (٢/ ١١٢، ١٣٠، ١٦٥، ١٦٦، ١٧٠، ١٩٩، ٣٤٥، ٣٦٤)، (٣/ ٢٣٢، ٥٢٥)، (٤/ ١٧٧). (٤) انظر مثلًا: (٢/ ١٨٢، ٣١١، ٤٧٨)، (٣/ ١٤٣، ٢٠٤).

стр. 139

المطلب الرابع: منهجه في بيان غريب ألفاظ الحديث، وضبط مفرداتها، وبيان معانيها: اعتنى الداني ببيان الألفاظ الغريبة بإيضاحها وذكر معانيها أو ضبط ألفاظها، وانتهج لى ذلك منهجين، فإمَّا يشرحها بنفسه، أو يذكر شرح من سبقه من علماء العربية والغريب، ولم يكتف في ذلك بذكر مفردات الموطأ فقط، بل يشرح الألفاظ في الأحاديث التي يوردها من مصادر أخرى غير الموطأ إن احتاجت إلى شرح وبيان، ومن أمثلة ذلك قوله: - "قال أبو ذر عبد بن أحمد: بَيْرَحاء اسمان جُعلا اسمًا واحدًا وبُنيَا على الفتح، مثل رام هرمز. أخبرني به أبو عليّ الجيّاني والصدفي عن أبي الوليد الباجي عنه" (١). - وقوله: "قباء من جملة العوالي. وقال مالك في المدوّنة: العوالي من المدينة على ثلاثة أميال. وحكى البخاري عن الليث عن يونس قال: بُعد العوالي أربعة أميال أو ثلاثة. وقال ابن وضاح: بين قباء والمدينة نحو ممن ثلاثة أميال" (٢). - وقوله: "البياضي اسمُه: فَروة بن عَمرو بن وَدْقَة بالدال المهملة، والوَدْقة: الروضَةُ النَّاعمة" (٣). - وقوله: "قال الخليل وغيرُه: النَّاضِحُ: الجمل يُسقَى عليه" (٤). _________ (١) انظر: (٢/ ٣٩). (٢) انظر: (٢/ ٥٦). (٣) انظر: (٣/ ٥٧١). (٤) انظر: (٣/ ٥٩٢).

стр. 140

- وقوله: "والسَّوِيق: الحبُّ يُقلَى ثمَّ يُطحَنُ وقد يُلَتُّ بالسَّمنِ وغيرِه" (١). إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة قي هذا الباب. المطلب الخامس: منهجه في علم الرجال والجرح والتعديل. اعتنى المصنِّف ﵀ بعلم الرجال، والجرح والتعديل، وأورد في كتابه هذا فوائد عدّة، وتكلّم على رواة كثيرين، في مختلف أبواب علم الرجال، فبيّن المتفق والمفترق، والكنى، والأنساب، والصحابة، وغير ذلك، فكان كتابه هذا شاملًا لعدّة أنواع من العلوم، كما أنَّه نقل كلام أئمة في الرواة مِن كتُبٍ تُعدُّ ممّا فُقد من تراث المسلمين، كالتاريخ للنسائي، والضعفاء للساجي، وغير ذلك، وسأذكر في هذا الفصل عدّة نقاط تميّز بها كتاب أبي العباس الداني، فمنها: • اعتناؤه ببيان من أخرج لهم البخاري ومسلم، أو انفرد به أحدهما، ومَن لم يخرجا له في صحيحيهما. مثاله: قوله في عمرو بن أبي عمرو: "وخُرِّج عنه في الصحيحين" (٢). - وقوله في العلاء بن عبد الرحمن: "وخَرَّج عنه مسلم دون البخاري" (٣). - وقوله في أبي بَصرة: "ولم يُخرِّج البخاريُّ في الصحيح لأبي بصرة شيئًا، وخَرَّج له مسلمٌ غيرَ هذا" (٤). _________ (١) انظر: (٣/ ١٢٧). (٢) انظر: (٢/ ٨٢). (٣) انظر: (٢/ ٨٧). (٤) انظر: (٢/ ١١٤).

стр. 141

- وقوله وخنساء بنت خذام: "ولم يخرج مسلمٌ عن خنساء شيئًا" (١). - وقوله في ثابت بن قيس: "ولم يخرج مسلمٌ عن ثابت شيئًا، وخرَّج له البخاري حديثًا آخر" (٢). - وقوله في حبيبة بنت سهل: "ولم يخرج في الصحيحين عن حبيبة هذه شيء" (٣). • اعتناؤه بذكر الصحابة وبيان صحبتهم، وإن كان هناك خلاف ذَكرَه، ورجّح ما يراه راجحًا، وقد يبيّن أيضًا أسماء بعض الصحابة وإن لم يود لهم ذكر في المسند، وإنَّما ورد ذكر أسماء أبنائهم. ومثال ذلك كلِّه: - قوله: "ولا خلاف أنَّ أبا بصرة من الصحابة" (٤). - وقوله: "ورِفاعةُ هذا هو عمُّه، ورافعٌ وابناه رِفاعةُ وخلّادٌ كلُّهم من الصحابة" (٥). - وقوله: "وهذا الرجلُ مجهولٌ، لا يُعرف بغبر هذا الحديثِ، وليس فيه ما يَدُلُّ على صحبتِه، وقد ذُكر في الصحابة، وفي ذلك نظرٌ" (٦). _________ (١) انظر: (٤/ ٢٩٩). (٢) انظر: (٤/ ٣٦٠). (٣) انظر: (٤/ ٢٨٩). (٤) انظر: (٢/ ١١٥). (٥) انظر: (٢/ ١٥٩). (٦) انظر: (٣/ ٥٨٤).

стр. 142

- وقوله أيضًا: "وذَكر ابنُ عبد البر في جملَةِ الصحابة ساعِدةَ بن حرام بن سعد بن محيّصة وقال: حديثُه في كسب الحجّام مرسل، ولا تَصِحُّ له صُحبة. ولم يَذكر حرامًا ولا سعدًا، وذِكْرُه في الصحابهْ غَلَطٌ، والله أعلم" (١). إلى غير ذلك من الفوائد والأمثلة الكثيرة. • اعتناؤه بضبط أسماء الرواة وضبط أسماء آبائهم أو أجدادهم أو أنسابهم، مع بيان بعض الرواة الذين تشتبه أسماؤهم أو أنسابهم بالراوي المترجم له، فيذكرهم تمييزًا وإذ لم يرد لهم ذكرٌ في المسند، وقد يذكر الضبط عمّن سبقه من العلماء أو عن مشايخه الذين أخذ عنهم. مثاله: - قوله: "وكُريز هذا بضمّ الكاف مصغّرا. وكَريز بفتح الكاف جدّ طلحة بن عبيد الله الخزاعي، مذكور في مرسله. قال ابن وضّاح: كَريز بفتح الكاف في خزاعة، وبضمّها في بني عبد شمس بن عبد مناف" (٢). - وقوله: "قرأتُ على أبي داود المُقرِئ: يُحَنِّس بكسر النون، وعلى أبي عليّ الجيَّاني بفتحها، وعزاه إلى الدارقطني" (٣). - وقوله: "جابر بن عبد الله من بني سَلِمة، بكسر اللَّام وفتح السين، يُقال فيه: سَلَمي بفتحها، حكاه أبو عبيد" (٤). _________ (١) انظر: (٣/ ٥٩٢ - ٥٩٣). (٢) انظر: (٢/ ٩٢). (٣) انظر: (٢/ ٥١٤). (٤) انظر: (٢/ ١٤٠).

стр. 143

- وقوله: "ومحمّد بن يحيى هذا من شيوخ مالك، روى عنه، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وجدُّه حَبَّان بفتح الحاء وبالباء المعجمة بواحدة" (١). - وقوله: "وأُسَيد، وهو بضم الهمزة وفتح السين، مصغَّرًا مخفَّفًا" (٢). - وقوله: "واسم أبي ذر جُندب بن جنادة، وقيل: بُرير، برائين مهملتين وضم الباء مصغرًا" (٣). - وقوله: "وشتير: بالشين المعجمة مضمومة، والتاء المعجمة بنقطتين من فوقها مصغرًا" (٤). • اعتناؤه ببيان الأسماء المبهمة في السند والمتن. مثاله: - قوله: "وذكر عبد الغنيُّ بنُ سعيد في كتاب الغوامض والمبهمات له: أنَّ هذا الرجلَ الذي وَطِئَ امرأتَه في رمضان هو سَلمةُ بن صَخرٍ البَيَاضِي، وذَكَرَ شواهِدَه، وفي ذلك نَظرٌ؛ سَلمةُ بنُ صَخر هو الذي ظاهَر من امرأَتِه في رمضان احتياطًا على الصَّومِ … " (٥). - وقوله: "والرجل السائل لابن عمر هو أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد" (٦). _________ (١) انظر: (٢/ ١٥٧). (٢) انظر: (٤/ ٤). (٣) انظر: (٤/ ٣٩). (٤) انظر: (٤/ ٧٩). (٥) انظر: (٣/ ٣٤١). (٦) انظر: (٢/ ٥١٨).

стр. 144

- وقوله في حديث أم سلمة: "أنَّ مخنَّثًا كان عند أم سلمة … "، قال: "واسم المخنَّث هِيت" (١). • اعتناؤه ببيان المتفق والفترق، والأسماء المتشابهة، للتمييز وعدم الخلط بين الرواة. مثاله: - قوله: "الأَغَرُّ لَقَبٌ، وقيل: هو اسمُ أبي مسلمٍ هذا الذي روى عنه السَّبيعي. هكذا أدخله البخاريُّ، وابنُ أبي حاتم في باب: مَن اسمه أَغَر. وأمَّا أبو عبد الله الأغَر المذكورُ في الموطأ فاسمُه: سَلمان، وهو مَولى جُهينَة، وهما رجلَان مَيَّز بينهما البخاري، ومسلمٌ، وعليُّ بنُ المديني، وغيرُهم. وقد قيل: هما رَجلٌ واحدٌ قاله ابنُ أبي خيثمة، وزَعَمَ أنَّ أبا إسحاق السَّبيعيَّ روى عنه فكنَّاه أبا مسلم. وظاهرُ قوله أنَّ أبا إسحاق انفرَدَ بتكنِيتِه أبا مسلم. وقد خَرَّج أبو داود حديثَ أبي هريرة: "الكِبرياءُ رِدائي" من طريقِ عطاء بن السائِب، عن الأغَر، عن أبي هريرة، وذَكَرَ أنَّ موسى بن إسماعيل شيخَه قال فيه: عن سَلمان الأغر، وأن هنَّادًا قال فيه: عن أبي مُسلمٍ الأغَر. وكأنَّه ذهب إلَى أنَّهما رَجلٌ واحدٌ اختُلِف في تَسميته، والأصَحُّ أنَّهما رجلان اشتَركا في الروايةِ عن أبي هريرة، والله أعلم" (٢). • اعتناؤه ببيان الإخوة. مثاله: - قوله: "وقال الذهلي: لعبد الله بن الحارث بن نوفل ثلاثة _________ (١) انظر: (٤/ ٢١٥). (٢) انظر: (٣/ ٣١٩ - ٣٢٠).

стр. 145

بنون: عبد الله وعبيد الله ومحمّد، روى الزهري عن جميعهم" (١). - وقوله: "وبنو عتيك في الأنصار، وقد كَثُر الخلافُ فيهم وفي نسبةِ بعضهم من بعض، فقيل: جابر وجبر رجلٌ واحدٌ اختُلِف في اسمه، وقيل: هما أخوان، ابنا عتيك بن الحارث بن قيس بن هَيْشَةَ الأوسي من بني عمرو بن عوف، وسَهْل بن عتيك رجلٌ آخر، هو سهل بن عتيك بن النُّعمان بن عَمرو، خزرجيٌّ من بني مالك بن النَّجار، واختُلِف في الحارث بن عتيك، فقيل: هو أخو جابر أو جبر، وقيل: هو أخو سهل بن عتيك، وكذلك اختُلِف في عبد الله بنِ عتيك، فقيل: هو أخو جابر أو جبر" (٢). • اعتناؤه بذكر أسماء من عُرف بالكنى، وكذا العكس، وكذا مَن لا يُعرف له اسم. ومثاله: - قوله: وأبو طَيبة الحَجَّام مولى بني حارثة، قيل: اسمه دينار، وقيل: نافع، وقيل: مَيْسَرة" (٣). - وقوله: "وقال أبو زُرعة وأبو حاتم في أبي عُبيدة هذا: لا يُسَمَّى، اسمه كنيتُه. وسمّاه مسلمٌ في كتاب الكنى عامِرًا" (٤). - وقوله: "وهو مجاهد بن جبر، ويقال: ابن جبير، يُكنى أبا الحجاج" (٥). _________ (١) انظر: (٣/ ٧٩). (٢) انظر: (٢/ ١٤٣ - ١٤٥). (٣) انظر: (٢/ ٦٤). (٤) انظر: (٣/ ٣٩). (٥) انظر: (٢/ ١٩٣).
следующие страницы →