← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 127660

الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ

أبو العباس الداني

Полный текст (2 505 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد أثنى على أبي العباس الدانى كلُّ من ترجم له، وسأذكر أقوالهم مرتّبة على حسب وفيات القائلين، فممَّا قيل فيه: قال القاضي عياض: "مِن كبراء أصحابنا، وممّن عني بالحديث والرواية، ورحل فيه، وفهِم الطريقة (١)، وأتقن الضبط، واتَّسَع في الأخذ والسماع". وقال أيضًا: "كان فاضلًا، خيّرًا، صيِّنًا، أخذ عنه الناس" (٢). وقال أبو الوليد ابن الدبّاغ: "الفقيه المشاور الفاضل" (٣). وقال ابن بشكوال: "كانت له عنايةٌ بالحديث ولقاء الرجال والجمع" (٤). وقال الضبي: "فقيه مشهور" (٥). وقال ابن الأبّار: "كان عالمًا بالمسائل، محدّثًا، ضابطًا، حَسَن التقييد، معتنيًا بلقاء الرجال، ورِعًا فاضلًا" (٦). وقال: "هو من كبار أصحابه (أي الصدفي) وجلّتهم" (٧). _________ (١) أي طريقة أهل الحديث في نقد الأحاديث، ومعرفة العلل، والتنبيه لها، وسير الطرق، وغير ذلك. (٢) الغنية (ص: ١١٨). (٣) التكملة (١/ ٤٤). (٤) الصلة (١/ ٧٩). (٥) بغية الملتمس (ص: ١٨٠). (٦) التكملة (١/ ٤٣). (٧) المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥).

стр. 72

وقال أيضًا: "وكان أبو محمد القليني يعظِّمه ويثني عليه" (١). وقال المراكشي: "كان محدّثًا ضابطًا، حسن التقييد، ذا أصول عتيقة، وعناية بلقاء المشايخ، ورعًا، فاضلًا، عالمًا بالمسائل) (٢). وقال الذهبي: "أحمد بن طاهر .. الداني الفقيه" (٣). ووصفه مغلطاي بالحافظ، والعلَّامة (٤). المبحث الرابع عشر: عقيدته. كان أبو العباس الداني على عقيدة السلف ﵏، في كلِّ مسائل الاعتقاد، فقد ذكر في هذا الكتاب جُملًا من المسائل أثبت فيها عقيدته ومنهجه في الاعتقاد، وردَّ من خلال ذلك على بعض الطوائف وإن كان كلّ ذلك على سبيل الاختصار، وأذكر في هذا البحث تلك المسائل التي يتبيّن من خلالها اعتقاده الذي سار عليه، فمن ذلك: المسألة الأولى: هل يجب النظر والاستدلال على كلِّ مكلَّف. أورد المصنِّف ﵀ حديث طلحة بن عبيد الله في الرجل الذي جاء _________ (١) التكملة (١/ ٤٣). ووقع في الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١): "كان أبو محمد بن [-] القلن". قلت: لعلّه عبد الله بن عيسى الشيباني أبو محمد، من أهل قُلِنّة عمل سَرَقُسْطَة (ت: ٥٣٠ هـ) له ترجمة في الصلة لابن بشكوال (١/ ٢٨٥). (٢) الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣١). (٣) تاريخ الإسلام (وفيات ٥٣١ - ٥٤٠/ ص: ٢٦٣). (٤) الإعلام بسنته عليه¬ السلام (٣ /ل: ٣٠/ أ)، و (٣/ ١٥٥/ أ).

стр. 73

يسأل عن شرائع الإسلام، فسأل عن الصلاة، والزكاة، والصيام، وغيرها ثم شهد أن لا إله إلا الله ثم قال: "لا أزيد على هذا ولا أنقص"، وفي آخره قال النبي ﷺ : "أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ". ثم أورده من طريق ابن عباس وهو أَكْمَلُ الطُّرُق فيه، وأَوْعَبُها مَتْنًا، ثم قال: "وليس في شيءٍ من طُرُقِه أنه سأل النبي ﷺ زَيادةَ بَيانٍ، ولا إِظهارَ مُعجِزَةٍ، ولا إِقَامَةَ بُرهانٍ. وقد قَبلَ منه النبيُّ ﷺ تصديقَه، وشَهِدَ له بمُقْتضَى حقيقةِ الإيمان، كما شَهِدَ للأَمَةِ السوداء التي قال لها: "أين الله؟ " قالت: في السمَاء، وفي هذا دليلٌ على أن مُجَرَّدَ اعتقادِ العَوَامِّ كافٍ لمن هداه اللهُ سبحانَه، وشَرَحَ صدرَه للإسلام" (١). قلت: وهذا معتقد السلف ﵏، ومعرفة الخالق ﵎ كائن في فطرة الإنسان، فكلُّ مولود يولد على الفطرة، ولا يوجد إنسان إلَّا وهو يعرف ربَّه ، إلَّا مَن عرض له من أفسد فطرته ابتداءً فهذا يحتاج إلى النظر. قال ابن الصلاح في معرض كلامه على حديث ضمام بن ثعلبة (أي الذي ذكره المصنِّف): "في هذا الحديث دلالة على صحة ما ذهب إليه أئمة العلماء في أنَّ العوام المقلِّدين مؤمنون، وأنَّه يُكتفى منهم بمجرّد اعتقادهم الحق جزمًا من غير شك وتزلزُلٍ، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنّه ﷺ قرَّر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعرّف رسالته وصدْقه ﷺ من مناشدته ومجرّد إخباره بذلك، ولم يُنكر عليه قائلًا: إنَّ _________ (١) انظر: (٢/ ١٧٩).

стр. 74

الواجب عليك أن تستدرك ذلك من النظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية التي تفيدك العلم، والله أعلم" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًّا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك قد تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغيّر الفطرة وأحوال تعرض لها" (٢). قلت: وإيجاب النظر والاستدلال على وجود الله أوجبه المعتزلة والأشاعرة على جميع الخلق (٣). وما استدل به المصنف ﵀ ومن بعده ابن الصلاح يردّ على هؤلاء المتكلّمين مذهبهم، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ما ينقض هذا المذهب ويبيّن بطلانه، ثم قال: "فتبيّن أنَّ هذا النظر والاستدلال الذي أوجبه هؤلاء وجعلوه أصلَ الدين ليس ممّا أوجبه الله ورسوله، ولو قُدِّر أنه صحيح في نفسه، وأنَّ الرسول أخبر بصحته لم يلزم من ذلك وجوبه؛ إذ قد يكون للمطلوب أدلّة كثيرة … وأما أكابر أهل العلم من السلف والخلف فعلموا أنها طريقة باطلة في نفسها مخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول، وأنه لا يحصل بها العلم بالصانع ولا بغير ذلك، بل يوجب سلوكها اعتقادات باطلة توجب مخالفة كثير ممّا جاء به الرسول مع مخالفة صريح المعقول، كما _________ (١) صيانة صحيح مسلم (ص: ١٤٤، ١٤٣). (٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٧٣). (٣) انظر: الإرشاد (ص: ٣) لأبي المعالي الجويني.

стр. 75

أصاب من سلكها من الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية ومن تبعهم من الطوائف … "، إلى آخر كلامه ﵀ (١). المسألة الثانية: إثبات الكلام لله تعالى. صرّح في موضع واحد من كتابه بأنَّ القرآن المنزّل من كلام الله سبحانه فقال عند ذكره لحكم القراءة التي قرأ بها الصحابة ولم تثبت في المصحف: "وليس عندنا من القرآن الثابت غيرِ المنسُوخ إلَّا ما عُلِمَ ضرورة أنه مِن كلامِ الرَّب سبحانه" (٢). وصفة الكلام صفة ثابتة لله أثبتها في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، وأثبتها السلف الصالح رضوان الله عليهم، فكلامه سبحانه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأنَّه سبحانه يتكلّم إذا شاء بما شاء، وأنَّ كلامَه يُسمع ويُتلى، وأنّه بحرف وصوت (٣). المسألة الثالثة: إثبات صفات الله تعالى. ذكر المصنِّف رحمه الله تعالى مسألة صفات الله تعالى عند ذكره لحديث الجارية وفيه سؤالها: "أين الله؟ "، وقولها: "في السماء"، وهذا إشارة إلى مسألة العلو، وعند حديث أبي هريرة في نزول الله ﵎ إلى سماء الدنيا، فأوجز الكلام في الموضع الأول، وأفاض في الموضع الثاني بذكر مذهب أهل الحق والمذاهب المخالفة لهم والردِّ عليهم. _________ (١) انظر: النبوات (ص: ٥٩ - ٦٣). (٢) انظر: (٢/ ٩٤). (٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص: ١٧٩، وما بعدها)، مختصر الصواعق المرسلة (ص: ٤١٢).

стр. 76

قال في الموضع الأول: "وفي هذا الحديث (أي حديث الجارية) أنَّ اللهَ ﷻ في السَّماءِ كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، والله تعالى مَوْصوفٌ بذلك من غَيرِ تَكْييفٍ ولا تَحْدِيدٍ ولا تَشبيهٍ؛ إذْ ليس كمِثله شيءٌ، وقد ذكرنَا في حديثَ التَّنَزُّل طريقَ العِصْمَةِ في هذا الباب، والله المُوَفِّقُ للصواب" (١). وقال في الموضع الثاني -حديث النزول-: "وهذا حديثٌ صحيحٌ لا مَطْعَنَ فيه، خَرَّجه البخاريُّ ومسلمٌ وسائرُ أئمَّةِ الحديثِ وتَلَقَّوْه بالقَبولِ. قال ابنُ وضَّاح: أخبرني زهيرُ بنُ عَبَّاد قال: "كلُّ مَن أدرَكتُ من المشايِخ، مالكُ بنُ أنس، وسفيان بن عيينة، وفضيلُ بن عِياض، وعيسى بنُ يونس، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بنُ الجراح يقولون: التنزُّلُ حقٌّ". وقيل لشَريك بن عبد الله القاضي: "إن عندنا قومًا يُنكِرون هذه الأحاديث: إنَّ الله سبحانه يَتَنزَّل إلى السماء الدنيا، وما أشبَهَها. فقال: إنَّما جاءنا بهذه الأحاديثِ مَن جاءنا بالسُّننِ عن رسولِ الله ﷺ كالصَّلاةِ، والزَّكاة، والصيام، والحج، وبِهم عَرَفْنا اللهَ ". قال الشيخ أبو العبّاس ﵁: وهذا الحديثُ وما أشبَهُه كحديثِ: "مَن تقرَّبَ إليّ شِبرًا تَقرَّبتُ إليه ذِراعًا، ومَن تقَرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ مِنه باعًا، ومَن أتانِي يَمشِي أتيتُه هَروَلةً"، وحديثِ الحَشْرِ: يَأتيهم اللهُ في غير الصورَةِ التي يعرفونَها وفي الصورةِ التي يعرفونها، وسائرِ الأحاديثِ التي ظاهِرُها التَّشبِيهُ كثيرةٌ مستفيضةٌ _________ (١) انظر: (٢/ ٣٠٨).

стр. 77

نُقِلَتْ إلينا بِمجموعِها نقلَ تواتُرٍ كنَقلِ الشريعةِ التي تُعُبِّدْنَا بها، ومِصداقُها مِن كتابِ الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ومِثلُ هذا كثيرٌ غيرُ مَنكورٍ، امْتحَنَ الله تعالى به عبادَه كما امتَحَنَهم بعِدَّة أصحابِ النَّارِ، وبِضربِ الأمثالِ بالبعوضَة ونحوِها، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ ". ففي كلامه هذا بيّن أنَّ مسألة صفات الله تعالى ومنها النزول حق، جاء بها القرآن والسنة الصحيحة، وتلقّاها سلف الأمة بالقبول، وهي بمجموعها منقولة نقل تواتر تعبّدنا الله تعالى بها. ثم ذكر انقسام الناس في أحاديث الصفات إلى ثلاثة أقسام فقال: "والناسُ في هذه الأحاديث ثلاثُ فرقٍ كلُّ حِزْبٍ بما لَديهم فَرِحُون: قومٌ تعاطَوا معرفةَ حقائقِ الأشياءِ وكيفيّاتِها، فما لَم تَتَصوَّرْه أوهامُهم ولا اتّسَعَتْ له أفهامُهم نَفَوْه وأبعَدُوه وكذّبوا به وقالوا: هذا تشبِيهٌ، والرَّب تعالى مُنَزَّه عنه. وهيهاتَ أنتُم أعلمُ أم الله؟! كيف يُنزَّه اللهُ ﷻ عمَّا أخبَر به رسولُه وما هو مُطابِقٌ لِمَا وصفَ به نفسَه في كتابِه، وأنّى يكون ذلك تشبِيهًا، وإنَّما التشبيهُ أن تُشبَّه صفةٌ بصِفةٍ، أو يُوصَفَ الفعلُ بِصفةٍ تقتَضِي الحدُوثَ، تعالى الله عن ذلك علُوًا كبِيرًا. ولو رَجَعَ أَحدٌ مِن هؤلاءِ إلى نفسِه، وعَلِم قُصُورَ عِلمِه، وعَجْزَه عن

стр. 78

إدراكِ ذاتِه بأنْ يطالِبَها بتَصَوُّرِ حقيقَةِ الرُّوح وصِفةِ الإدراكِ في النَّومِ؛ إذ يَرَى نفسَه في البلادِ الثانِيةِ، وفي صُعُودٍ وهُبوطٍ، ويَرَى أنّه يُبصِرُ ويَسمَعُ ويَتكلَّمُ، لأَذعَنَ ويَئسَ مِن تصوُّرِ أفعالِ الإلهِ الذي لا شَبِيهَ له ولا نَظير، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ". وهذا القسم الأول هم المأوِّلة من المعتزلة والأشاعرة النافون لصفات الله تعالى مستدلّين بشبه كالتي ذكر المصنِّف من أنَّ إثبات الصفات يقتضي التشبيه والله منَزّه عن التشبيه، وأَحسَنَ المصنِّف الردّ عليهم، وهذا يشمله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ثم وصف الفرقة الثانية فقال: "وقَومٌ تَلَقَّوا ذلك بالقَبولِ، إلَّا أنَّهم ادّعَوا فَهْمَ ذلك الكلامِ المنقولِ، وزَعَمُوا أنه لا يَعزُب عنهم معرِفةُ حقائِقِه ولا ما أُريدَ به، وتَعاطَوا تفسيرَه، فتكلَّفوا مِن ذلك ما لَم يُكلّفوه، وشَغَلوا أنفسَهم بما لَم يُتعبَّدوا به، فَسَلَكُوا مع مَن ساواهم في العِلمِ بزَعمِه طريقَ الجِدَالِ والمِراءِ، وعَرَّضُوا العامَّةَ والمُتَعلِّمينَ للحَيْرَةِ والفِتنَةِ العَمياءِ؛ إِذ قد يَسمعُ أحدُهم كلامَ الفريقين، ويريدُ بزعمِه تَقلُّدَ أحْسَنَ القولَين، فإنْ قَصُرَ عِلمُه أو عَزَبَ فهمُه ارتابَ أو مالَ إلى قولِ المُخالفِ فَضَلَّ وغَوَى، وشَقِيَ باتّباع الهَوَى". ثم ذكر المصنِّف الفرقة الثالثة فقال: "والفرقةُ الثالثةُ، وهي النَّاجيةُ؛ قومٌ آمنوا بالغَيبِ، ولَم يُداخِلْهم شَكٌّ ولا رَيبٌ، تَركُوا الخَوضَ في الجِدالِ، واشتَغَلُوا بصالِح الأعمال،

стр. 79

وتَأسَّوا بالصحابةِ والتابعين وسائِرِ الأئمَّةِ المهتدِين الذين سلَّمُوا فسَلِمُوا، وكَفُّوا فعُصِموا، ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. قال الوليدُ بنُ مسلم: سألنا الأوزاعي وسفيانَ الثوري ومالكَ بنَ أنس واللّيثَ بنَ سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات؟ فكلُّهم قال: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف"، وهكذا حَكى الأوزاعيُّ عن مكحولٍ والزهريِّ أنَّهما قالا: "أمِرُّوا الأحاديثَ كما جاءت"، وحكى الترمذيُّ عن مالكٍ، وسفيانَ بنِ عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنّهم قالوا: "أمِرُّوها بلا كيف"، وجاء نحوُ هذا عن الشافعي وغيره. وقيل لمالك: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ كيف استَوَى؟ فعَلَاه الرُّحَضاءُ ثم سُرِّيَ عنه فقال: "الاستواءُ غيرُ مجهول، والكَيْفُ غيرُ معقول، والإيمان به واجبٌ، والسؤالُ عنه بدعةٌ، والكلامُ فيه ضَلَالَةٌ". وقال الأوزاعيُّ لِمَن أوصاه: "اصْبِرْ نفسَك على السُّنَّة، وقِفْ حيثُ وقَفَ القومُ، وقُلْ فيما قالوا، وكُفَّ عمَّا كَفُّوا، واسلُكْ سبيلَ سلَفِك الصالح، فإنَّك يَسَعُكَ ما يَسَعُهم". وهذا هو الاعتقادُ السليمُ والمنهجُ القويمُ، وهو الذي كان عليه السلفُ القديمُ، وكفى بالصحابَةِ رضوان الله عليهم، فَهُمْ القدوةُ، ولنا فيهم أُسْوَةٌ، لَم يبلغْنا أن أحدًا منهم خاضَ في مِثلِ هذا بنوعٍ مِن الجدالِ أو التأويلِ، ولا أنه أباح فيه تَصرّفَ القالِ والقيل، ولَهُم كانواَ أَولَى بالبيان وأَعلَمَ بالسُّنّةِ وباللِّسانِ، وأجدَرَ بتحصينِ قواعِدِ الإيمانِ، فحَسْبُنا أن نتأسّى بهم ونهتَدِيَ بهَديهِم، وأن يُعلَم أنَّ صفاتَ الرَّبِّ سبحانه لا

стр. 80

تُشَبَّه بصفاتِ المخلوقين، وأن أفعالَه ﷻ مقدَّسَةٌ عن اعتِراض المُبطلين، وأن نُقابِلَ جميع ما ورد مِن ذلك مُجمَلًا بالقَبول والتَّسلِيمِ، وأن نَقولَ عندَ سَماع كلامِ أهلِ الزَّيغ ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (١). هذا آخر ما ذكره المصنِّف من اعتقاده في الصفات، وهو اعتقاد سليم، إلَّا أنَّ كلامَه فيه إجمال في بعض المواضع، قد يُفهم منه غير ما أراد المصنِّف. الموضع الأول: فمن ذلك قوله: "وسائرِ الأحاديثِ التي ظاهِرُها التَّشبِيهُ كثيرةٌ مستفيضةٌ". فأحاديث الصفات ليس ظاهرها التشبيه عند ذوي الفطر السليمة والعقول المستقيمة، وإنما ظاهرها التشبيه عند من ساء فهمه، وتغيّرت فطرته، ولعل المصنِّف يقصد بكلامه هذا المصنف من الناس الذي تغيّرت فطرته، ويدلُّ عليه ردُّه بعدها على المأوِّلة الذين شبّهوا صفات الربِّ بصفات المخلوقين، ثم نفوا عن الربِّ الصفات التي وصف بها نفسه. الموضع الثاني: قوله في وصف الفرقة الثانية: "وقَومٌ تَلَقَّوا ذلك بالقَبولِ، إلَّا أنَّهم ادّعَوا فَهْمَ ذلك الكلامِ المنقول، وزَعَمُوا أنه لا يَعزُب عنهم معرِفةُ حقائِقِه ولا ما أُريدَ به، وتَعاطَوَا تفسيرَه، فتكلَّفوا مِن ذلك ما لَم _________ (١) انظر: (٣/ ٣٢١ - ٣٢٩).

стр. 81

يُكلَّفوه، وشَغَلوا أنفسَهم بِما لَم يُتعبَّدوا به". فلعلَّ مراد المصنِّف من هذه الفرقة المشبِّهة، الذين شبّهوا صفات الربِّ بصفات المخلوقين، وفسّروها على غير المراد منها، وشبّهوا صفة بصفة، أما السلف رضوان الله عليهم فإنهم أثبتوها على مراد الله تعالى، ولم يشبِّهوا صفة بصفة، يقول الخطيب البغدادي ﵀: "أما الكلام في الصفات، فإنَّ ما روي منها في السنن الصحاح، مذهبُ السلف رضوان الله عليهم إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفيُ الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله سبحانه، وحققها قوم من المثبتين، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصدُ إنما هو سلوك الطريقة المتوسّطة بين الأمرين، ودينُ الله تعالى بين الغالي فيه والمقصِّر عنه، والأصلُ في هذا أنَّ الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، ويُحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أنَّ إثبات ربِّ العالمين إنّما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنَّما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا: لله تعالى يدٌ وسمعٌ وبصرٌ، فإنَّما هي إثباتُ صفاتٌ أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إنَّ معنى اليد القدرة، ولا إنَّ معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: إنَّها جوارح أو أدوات، ولا نشبّهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارحُ وأدوات للفعل، ونقول: إنَّما وجب إثباتها؛ لأنَّ التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (١). _________ (١) جواب أبي بكر الخطيب عن سؤال بعض أهل دمشق (ص: ٦٤ - ٦٥). وانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٨٤).

стр. 82

الموضع الثالث: قوله في وصف الفرقة الثالثة: "الفرقةُ الثالثةُ، وهي النَّاجِيةُ؛ قومٌ آمنوا بالغَيبِ، ولَم يُداخِلْهم شَكّ ولا رَيبٌ، تَركُوا الخَوضَ في الجِدالِ، واشتَغَلُوا بصالح الأعمالِ، وتَأسَّوا بالصحابةِ والتَّابعين وسائِرِ الأئمَّة المهتدِين الذين سلَّمُوا فسَلِمُوا، وكَفُّوا فعُصِموا … "، ثم قال في آخر كلامه: "أن يُعلَم أنَ صفاتَ الرَّبِّ سبحانه لا تُشَبَّه بصفاتِ المخلوقين، وأنَّ أفعالَه ﷻ مقدَّسَةٌ عن اعتِراض المُبطلين، وأن نُقابِلَ جميع ما ورد مِن ذلك مُجمَلًا بالقَبول والتَّسلِيمِ". فقد يُفهم من كلامه ﵀ تفويض المعنى إلى الله تعالى فى دون فهم لها، ولا أظن أنَّ هذا مراد المصنِّف بدليل أنه أورد بعد كلامه الأول آثار السلف في الصفات وأنّهم قالوا: "أمرِّوها كما جاءت بلا كيف"، وكذا أثر الإمام مالك في صفة الاستواء، وفيه: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"، وأثبت في كتابه صفة اليد لله ، فقال عند ذكرِه لحديث ذي اليدين في سجود السهو، فقال: "ووجه قول النبي ﷺ ذو اليدين على قول من زعم أنَّ ذا الشمالين هو المخاطَب أنَّ ذلك على طريق التأدّب. قالت عائشة ﵂ عنه: كان إذا سمع الاسم القبيح غيّره. ولم يقل له ذو اليمين؛ لأنَّهما صفة مدح اختص بها الله ، قال ﷺ : "كلتا يديه يمين" (١). _________ (١) انظر: (٥/ ٢٩٠).

стр. 83

فالسلف ﵃ إنَّما نفوا كيفية الصفة وأثبتوا حقيقتها من غير تشبيه ولا تمثيل، بخلاف المعطِّلة من المأوِّلة والمفوِّضة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فقول ربيعة ومالك. "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب" موافقٌ لقول الباقين: "أمرُّوها كما جاءت بلا كيف" فإنَّما نفوا علْمَ الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرّد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول"، ولما قالوا: "أمرُّوها كما جاءت بلا كيف"؛ فإنَّ الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل مجهول بمنزلة حروف المعجم وأيضًا فإنَّه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، إنّما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات، وأيضًا فإنَّ من ينفي الصفات الجزئية -أو الصفات مطلقًا- لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف" فمن قال: إنَّ الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف. وأيضًا فقولهم: "أمرُّوها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنّها جاءت ألفاظًا دالّة على معاني، فلو كانت دلالتُها منتفية لكان الواجب أن يُقال: أمرّوا لفظها مع اعتقاد أنَّ المفهوم منها غير مراد، أو أمرّوا لفظها مع اعتقاد أنَّ الله لا يوصف بما دلّت عليه حقيقة، وحينئذ تكون قد أُمِرَّت كما جاءت، ولا يُقال حينئذ: "بلا كيف"؛ إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغوٌ من القول" (١). _________ (١) الفتوى الحموية (ص: ٢٥).

стр. 84

وقال ابن القيم ﵀: "ومراد السلف بقولهم: "بلا كيف" هو نفي التأويل، فإنّه التكييف الذي يزعمه أهل التأويل، فإنَّهم هم الذين يثبتون كيفية تخالف الحقيقة فيقعون في ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة، وإثبات التكييف بالتأويل، وتعطيل الرب تعالى عن صفته التي أثبتها لنفسه، وأما أهل الإثبات فليس أحد منهم يكيِّف ما أثبته الله تعالى لنفسه، ويقول: كيفية كذا وكذا، حتى يكون قول السلف "بلا كيف" ردًّا عليه، وإنّما ردّوا على أهل التأويل الذي يتضمّن التحريف والتعطيل، تحريف اللفظ وتعطيل معناه" (١). وقال أيضًا: "إنَّ العقل قد يئس من تعرّف كُنه الصفة وكيفيتها، فإنّه لا يعلم كيف الله إلّا الله، وهذا معنى قول السلف "بلا كيف" أي: بلا كيف يعقله البشر، فإنَّ من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعَجْزُنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم. فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كلّه، والجمال كلّه، والعلم كله، والقدرة كلّها، والعظمة كلّها، والكبرياء كلّها، مَن لو كُشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاتُه السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وما وراء ذلك، الذي يقبض _________ (١) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص: ١٩٩).

стр. 85

سمواته بيده فتغيب كما تغيب الخردلة في كفِّ أحدنا، الذي نسبة علوم الخلائق كلّها إلى علمه أقلَّ من نسبة نقْرة عصفور من بحار العلم الذي لو أدتَّ البحر يمدُّه من بعده سبعة أبحر مداد وأشجار الأرض من حين خلقت إلى قيام الساعة أقلام، لفَنِيَ المداد وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلماته، الذي لو أنَّ الخلق من أول الدنيا إلى آخرها، إنسهم وجِنّهم، وناطقهم وأعجمهم، جُعلوا صفًّا واحدًا ما أحاطوا به سبحانه، الذي يضع السموات على إصبع من أصابعه، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والأشجار على إصبع، ثمّ يهزّهنَّ، ثم يقول: أنا الملك. فقاتل الله الجهمية والمعطّلة! أين التشبيه ها هنا؟ وأين التمثيل؟ لقد اضمحلَّ ها هنا كلُّ موجود سواه، فضلًا عن أن يكون له ما يماثله في ذلك الكمال، ويشابهه فيه، فسبحان من حجب عقول هؤلاء عن معرفته، وولّاها ما تولّت من وقوفها مع الألفاظ التي لا حرمة لها، والمعاني التي لا حقائق لها. ولما فهمت هذه الطائفة من الصفات الإلهية ما تفهمه من صفات المخلوقين، فرَّت إلى إنكار حقائقها، وابتغاء تحريفها، وسمَّته تأويلًا، فشبّهت أوَّلًا، وعطّلت ثانيًا، وأساءت الظنَّ بربِّها وبكتابه وبنبيه، وبأتباعه" (١). المسألة الخامسة: هل يطلق على الله اسم الدهر. أورد المصنِّف حديث: "لا يقولَنَّ أحدُكم: يا خيبةَ الدَّهرِ، فإنَّ الله هو الدَّهر"، ثم قال: "كان أهلُ الجاهليةِ إذا أصابَتهم سَنَةٌ أو شِدَّةٌ ذَمُّوا _________ (١) مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧).

стр. 86

الفاعلَ لذلك، واعتقَدوا أنه الدَّهرُ كقولِهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، فأخبَرَ النبي ﷺ أن الله سبحانه هو الفاعِلُ لذلكَ، الذي تُسمُّونَه الدَّهرَ جهلًا وإِلحادًا، فكأنّه يقول: لا تَسبُّوا الدَّهرَ لفعلِ يظهرُ فيه تأسِيًا بأهلِ الجاهلية، فإن السَّبَّ يعود إلى الفاعِلِ بمقتضَى المَقصِدِ المذكورِ، والفاعلُ هو الله سبحانه، أيْ أنَّ الله ﷻ هو المعني بهذا الاسمِ في هذه الحالِ، لا أنه يقعُ عليه حقيقةً" (١). وما ذكره المصنِّف هو اعتقاد السلف ﵏، وأنَّهم لا يذكرون اسم الدهر من أسمائه الحسنى سبحانه، قال الحافظ ابن كثير ﵀: "قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله ﷺ : "لا تسبّوا الدهر فإنَّ الله هو الدهر": كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدّة وبلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر، فيُسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبّونه، وإنَّما فاعلها هو الله، فكأنهم سبّوا الله ؛ لأنَّه فاعل ذلك على الحقيقة، فلهذا نهى عن سبِّ الدهر بهذا الاعتبار؛ لأنَّ الله هو الدهر الذي يعنونه ويُسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد، والله أعلم، وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدِّهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذًا من هذا الحديث" (٢). المسألة السادسة: إثبات القدر وأنَّه من فعل الله سبحانه. ذكر المصنف حديث: "تحاجَّ آدمُ وموسى، فحَجَّ آدمُ موسَى … "، _________ (١) انظر: (٣/ ٣٩٦). (٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١٣٦).

стр. 87

وفيه قولُه: "أنتَ آدمُ الذي أغويتَ الناسَ، وأخرجتَهم من الجَنّةِ"، وقولُ آدم: "أَفَتَلُومُنِي على أَمرٍ قد قُدِّرَ عَليَّ قبلَ أنْ أُخْلَقَ". قال المصنِّف: "خَرَجَ اللَّومُ على مآلِ الذنْبِ، فلِذلك احتجَّ آدمُ بالقدَرِ الذي هو فِعلُ الله سبحانه" (١). وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فآدم ﵇ إنَّما حجَّ موسى؛ لأنَّ موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لهم من المصيبة بسبب أكله من الشجرة، لم يكن لومه له لأجل حق الله في الذنب، فإنَّ آدم كان قد تاب من الذنب، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾، وموسى -ومن هو دون موسى ﵇ يعلم أنّه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب، وآدم أعلم بالله من أن يحتجَّ بالقدر على الذنب، وموسى ﵇ أعلم بالله تعالى من أن يقبل هذه الحجّة، فإنَّ هذه لو كانت حجّة على الذنب لكانت حجّة لإبليس عدوّ آدم، وحجّة لفرعون عدوّ موسى، وحجّة لكلِّ كافر فاجر، وبطل أمر الله ونهيه، بل إنَّما كان القدر حجّة لآدم على موسى؛ لأنّه لام غيره لأجل المصيبة التي حصلت له بفعل ذلك، وتلك المصيبة كانت مكتوبة عليه .. ثم أورد شيخ الإسلام الآيات والأحاديث الدالة أنَّ المصيبة تكون بإذن الله وقدره، ثم قال: فهذا سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصّديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وهذا واجب فيما قدر من _________ (١) انظر: (٣/ ٣٩٠).

стр. 88

المصائب بغير فعل آدمي كالمصائب السماوية، أو بفعل لا سبيل فيه إلى العقوبة كفعل آدم ﵇ فإنه لا سبيل إلى لومه شرعًا؛ لأجل التوبة، ولا قدرًا؛ لأجل القضاء والقدر، وأما إذا ظلم رجل رجلًا فله أن يستوفي مظلمته على وجه العدل، وإن عفا عنه كان أفضل له، كما قال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ " (١). والكلام في هذا المعنى كثير متشعّب، وما أوردته من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية جامع لشرح هذا الحديث وكلام المصنِّف، والله أعلم. المسألة السابعة عشر: معنى الفطرة الواردة في حديث أبي هريرة: "كلُّ مولود يولد على الفطرة". قال المصنِّف ﵀: "والفطرةُ ابتداءُ الخَلقِ، وقيل: المرادُ بها في هذا الموضعِ العهدُ الذي ذَكَر الله سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، وهدا يَتَضَمَّنُ الإقرارَ بالربوبيَّة، فكلُّ مولودٍ مَفطورٌ على ذلك الإقرارِ، ولا يزالُ على حكمِه حتى يبلغَ الحُلُمَ ويعقِلَ، فإنْ مات قبلَ ذلك كفاه الإقرارُ الأوَّلُ؛ إذ لَم يُتَعبَّدْ بغيرِه، ولا وَقَعَ منه عصيانٌ، كما قال ابن عباس: "قد أقَرُّوا بالميثاقِ الأوَّلِ، ولَم يعملوا عملًا ينقُضُ ذلك"، وإن بَلَغَ عاقلًا كُلِّف الإقرارَ بالوحدانيَّةِ، وهذا تكليفٌ عامٌّ يَعُمُّ الأديانَ كلَّها قديمًا وحديثًا، ومَن أباه كان مشركًا على الإطلاقِ، ويَتَركَّبُ على هذا الإقرارُ بالرِّسالةِ، ثمَّ قَبولُ الشرعِ الذي جاء به _________ (١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٨، ١٠٩).

стр. 89

الرسولُ ﷺ ، وبهذا تَختلِفُ الأديان والمِلَلُ. وأمَّا الإقرارُ الأوّلُ فعامٌّ، قال الله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، روى عِياضُ بنُ حمارٍ المُجاشِعي أن رسولَ الله ﷺ قال ذاتَ يومٍ في خطبتِه: "ألَا إن ربي أمرَنِي أن أعَلِّمكم ما جَهِلتُم مِمَّا علَّمَنِي يومِي هذا، أَنِّي خلقتُ عبادِي حُنفاءَ كلَّهم، وأنَّهم أَتتْهم الشياطينُ فاجتَالَتْهم عن دِينهم فحَرَّمتْ عليهم ما أَحْلَلْتُ لهم، وأَمَرَتْهم أن يشرِكوا بي ما لَم أنَزِّل به سلطانًا … ". الحديث خَرَّجه مسلم" (١). وما ذكره المصنِّف مِن تفسير الفطرة بابتداء الخلق هو أحد الأقوال المحكية عن السلف (٢)، أو بالعهد الذي أخذه الله على بني آدم، وهو قول حماد بن سلمة كما أخرجه عنه أبو داود (٣)، وغيره من السلف (٤). والقول المشهور عن السلف أنَّ المراد بالفطرة هنا هو الإسلام (٥)، وليس المراد أنَّه يولد يعلم الدين، ولكن المراد أنَّ فطرته مقتضية لمعرفة دين _________ (١) انظر: (٣/ ٣٧٨ - ٣٧٩). (٢) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٨). (٣) السنن كتاب: السنة، باب: ذراري المشركين (٥/ ٨٩ / رقم: ٤٧١٦). (٤) انظر: التمهيد (١٨/ ٨٣)، الفتح (٣/ ٢٩٣). (٥) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٢)، تهذيب السنن لابن القيم (٧/ ٨١)، الفتح (٣/ ٢٩٢). تنبيه: لم يرتض ابن عبد البر القول بأنَّ معنى الفطرة الإسلام، خلافا لما يشير إليه كلام الحافظ ابن حجر في الفتح، واختار ابن عبد البر قول من يقول إنَّ المراد بالفطرة هنا السلامة والاستقامة في الخِلقة التي يخلق عليه المولود في المعرفة بربّه، بخلاف خِلقة البهائم.

стр. 90

الإسلام ومحبّته، فهي تستلزم الإقرار والمحبة، فكل مولود يولد على الإقرار بالوحدانية، ثم إذا بلغ فالتفصيل ما ذكره المصنِّف. المسألة الثامنة: مآل أولاد المسلمين وأولاد المشركين. ذكر المصنِّف هذه المسألة إثر المسألة السابقة فقال: "واختَلَفت الآثارُ في مَن يَموت صغيرًا قبل بلوغِ حَدِّ التَّكليفِ، فَفِي هذا الحديث أنه قيل له: "أرأيتَ الذي يموتُ وهو صغيرٌ؟ ". وفي بعض طرقِه: "أرأيتَ مَن مات قبلَ ذلك؟ -أي قبلَ أنْ يُضِلَّه أبوه-"، فقال: "اللهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِين"، وليس في هذا إِخبارٌ بمآلِ حالِهم، وإنَّما فيه العلمُ إلى الله سبحانه، أيْ أنَّ الله تعالى عالِمٌ بماَ كانوا يعملون لو بَلَغوا حَدَّ التَّكليفِ، فلَه أنْ يُجازِيَهم بذلك إن شاء. ونحوُ هذا ما رُوي عن عائشةَ قالت: "دُعِيَ رسولُ الله ﷺ إلى جنازةِ صَبِيٍّ مِن الأنصار، فقلتُ: يا رسولَ الله طوبَى لهذا، عصفورٌ من عصافِيرِ الجَنَّةِ لَم يعملْ السوءَ ولَم يُدرِكْهُ، قال: أَوَ غيرَ ذلك يا عائشة، إن الله تعالى خَلَقَ للجَنّة أهلًا، خَلَقَهم لَها وهم في أَصلابِ آبائِهم، وخَلَقَ للنّارِ أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" خَرَّجه مسلم، ولَعلَّ هذا القولَ كان قبلَ أن يُوحَى إليه فِيهِم، وقد أُمِرَ أن يقول: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، ولَمَّا أُعلِمَ بعد ذلك بِمآلِهم أَخْبَرَ به. فمِن ذلك ما رواه سمرة بنُ جُندب أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أتاني اللّيلةَ آتيان، فقالا لي: انطَلِق! انطلق! … "، وذَكَرَ الحديثَ، وقال فيه: "فأَتَينَا على رَوضَةٍ -وَصَفَها- وإذا بَين ظهراني الروضة رجلٌ طويلٌ

стр. 91

وإذا حولَه مِن أكثرِ وِلدان رأيتُهم قطُّ وأحسنِه، قال: قلت: ما هذا وما هؤلاء؟ … "، -وذكرَ كلامًا- ثمَّ قال في تفسيرِ ذلك: "وأمَّا الرَّجلُ الطويلُ الذي في الروضةِ فإنه إبراهيمُ ﵇، وأمَّا الولدان الذين حولَه فهو كلُّ مولودٍ مات على الفِطرة. فقيل: يا رسول الله! وأولادُ المشركين؟ فقال ﷺ : وأولادُ المشركين" خرَّجه البخاري، وهذا كحديثِ الإسراء، ومُقتضاه أن الولدان في الجَنَّةِ مع النَّبِيِّين. وفي حديثِ خَنساءَ بنتِ معاوية، عن عمِّها قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "النبي في الجَنَّةِ، والشهيدُ في الجنة، والمولودُ في الجَنّةِ، والوَئِيدُ في الجنة" خَرَّجه أبو داود، وقاسِمُ بنُ أصبغ، وابنُ أبي شيبة. وهذه أَخبارٌ تَعُمُّ جميعَ الأطفالِ، أولادُ المؤمنين وأولادُ الكافرِين، وأمَّا ما يَخُصُّ أولادَ المؤمنين فكثيرٌ، مِن ذلك حديثُ أنسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما مِن الناسِ مسلمٌ يموتُ له ثلاثةٌ من الولَدِ لَم يبلُغُوا الحِنثَ إلَّا أدخله الله الجَنَّةَ بفضلِ رحمتِه إيّاهم"، خَرَّجه البخاري، وخَرَّج النسائي عن أبي هريرةَ نحوَه وزاد فيه: "قال: يُقال لهم: ادخُلُوا الجَنَّةَ، فيقولون: لا، حتى يَدخلَ أبوانا. فيُقال لهم: ادخلُوا الجَنّةَ أنتم وآباؤكم". وقد وَرَدَ في أولادِ الكفارِ أنّهم خَدَمٌ لأَهلِ الجنة. وجاء أنّهم يُمتَحنون يومَ القيامةِ بالأمرِ بدخول النار، ورُويَ أنَّهم مع آبائِهم، وهذا في أحكام الدنيا خاصَّة، ولولَا شرط الاخَتصارِ لتَقَصَّينا تلكَ الأخبار، والأصلُ ما ذكرناه وما صحَّ مِن الآثارِ، وقَلَّ ما يُخالِفُ معناه" (١). _________ (١) انظر: (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٤).

стр. 92

ففي كلامه ﵀ قسَّم الأولاد قسمين، فأمَّا أولاد المسلمين استدلَّ لهم بأنهم في الجنَّة، وهذا قول الأكثر من أهل العلم، وقال النووي: "أجمع من يُعتدُّ به من علماء المسلمين على أنَّ من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة" (١). وأمَّا أولاد المشركين فالذي يظهر أنه اختار القول بأنهم في الجنة؛ وذلك أنَّه أورد بعض الأحاديث التي يستدل بها من ذهب إلى هذا القول كحديث خنساء وغيرها، ثم قال: "وهذه أَخبارٌ تَعُمُّ جميعَ الأطفالِ، أولادُ المؤمنين وأولادُ الكافرِين"، ثم ذكر الأقوال الأخرى في المسألة ولم يستدلَّ لها، ثم قال: "والأصلُ ما ذكرناه وما صح مِن الآثارِ، وقَلَّ ما يُخالِف معناه". وهذا القول الذي ذهب إليه المصنف هو قول بعض أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وهو ظاهر اختيار الإمام البخاري في صحيحه (٢)، والأدلة تعضد هذا المذهب والله أعلم، وقال النووي: "وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحقِّقون" (٣). هذا آخر ما يمكن تلخيصه من المسائل العقدية التي ذكرها المصنِّف في كتابه، وهي تعطينا دلالة واضحة أنه كان على منهج السلف الصالح في _________ (١) انظر: التمهيد (١٨/ ٩٦)، شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ٢٠٧)، تهذيب السنن لابن القيم (٧/ ٨٣)، الفتح (٣/ ٢٩١). (٢) انظر: الفتح (٣/ ٢٩٠). (٣) شرح صحيح مسلم (١٦/ ٢٠٨)، وانظر (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٤) من هذا الكتاب.

стр. 93

عقيدتهم، وأنَّه كان متَّبعًا للكتاب والسنة في ذلك، ﵀ وأجزل له المثوبة. المبحث الخامس عشر: مذهبه الفقهي. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: "يميل في فقهه إلى الظاهر" (١). قلت: لم يتكلَّم المصنِّف في كتابه هذا عن المسائل الفقهية وترجيحاته إلا نادراً، بل كان يضير إلى اختياراته إشارة وتلويحًا دون التصريح (٢)، ومن خلال تتَبُّعي لما أشار إليه من المسائل الفقهية في كتابه تبيّن لي أنَّ المصنِّف كان يميل في فقهه إلى الأخذ بالدليل سواء خالف ما كان عليه المذهب في الديار الأندلسية وهو المذهب المالكي أو وافقه، وصرّح المصنِّف بهذا المنهج الذي اتَّبعه فقال بعد أن رجّح القول بقراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام وهو خلاف ما عليه المالكية كما سيأتي، قال: "والحُجَّةُ قول النبيِّ ﷺ لَا في قولِ مَن سِواه، ومَن انتَهى إلى قولِه وأَمْرِه فقد كَفاه" (٣). وهذا المنهج الذي كان عليه المصنِّف تبعه عليه تلامذته، وسأذكر قصة طريفة وقعت لأحد تلامذته مع بعض المتعصّبين لمذهب مالك في الأندلس، قد تعطي لنا تصوّرًا عمَّا كان يجري من خلافات بين القلّدة وبين من كان سبيله وديدنه اتِّباع الدليل، والأخذ. مما كان عليه رسول الله ﷺ دون التقيّد والتقليد لأحد سواه ﷺ . _________ (١) الغنية (ص: ١١٨). (٢) انظر أمثلة ذلك في مبحث: منهجه في الكتاب (١/ ١٥٧). (٣) انظر: (٣/ ٥١٩).

стр. 94

روى المراكشي بإسناده إلى أبي الحسن بن أحمد بن أبي القوة، عن أبيه قال: "صليتُ وأنا شابٌّ صغير بالناس في قيام رمضان، فسجدتُ بهم لى سورة الحج سجدتين (١)، فلما سلّمت قال لي رجل من القوم: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. قال: فقلت له: لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين. فلما كان من الغد ذكرتُ هذا الجواب لأبي العباس بن طاهر الفقيه، وكنتُ حينئذ أقرأ عليه، فأعجبَه واستظرفه وضحك عليه" (٢). وسأعرض في هذا البحث بعضَ المسائل التي تكلّم عليها المصنِّف، وأشار فيها إلى مذهبه، لعلّ ذلك ممّا ييسِّر الوقوف على مذهبه الفقهي، علمًا بأنَّ المصنِّف كان من المفتين والفقهاء المشاورين في بلده، وتولى خطّة الشورى، وعُرض عليه القضاء فأبى، كما تقدّم، وكذلك لم يقع لنا من تصانيفه إلَّا هذا الكتاب، وكان له غيره، فلذلك لا يستطيع الباحث الجزم بفقهه ومذهبه الذي كان عليه، إلَّا أنَّ كلامه السابق، وما سيأتي يعطينا صورة واضحة أنَّه كان متجرِّدًا من التمذهب والتعصّب بغير دليل ﵀. المسألة الأولى: قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية والسرية. رجّح فيها أنَّ المأموم يقرأ الفاتحة خلف إمامه في القراءة الجهرية، واستدلَّ لذلك بعدّة أدلة، وردَّ على قول مالك في ذلك، ثم ذكر أنَّه قول عمر بن الخطاب ومكحول، وختم ذلك بقوله: "والحجَّةُ في قولِ النبيِّ ﷺ _________ (١) وهو خلاف مذهب المالكية. (٢) الذيل والتكملة (١/ ١/ ٧٠).

стр. 95

لَا في قولِ مَن سِواه، ومَن انتَهى إلى قولِه وأَمْرِه فقد كَفاه، وإنَّما ذيَّلتُه بقولِ عمرَ ومكحولٍ لأُبيِّنَ أنَّه مُتَلقًى بالعمَلِ والقَبول". وما ذهب إليه المصنف في هذه المسألة هو قول الشافعي والظاهرية وغيرهم (١). المسألة الثانية: وجوب التعوّذ من الأربع في التشهد. ذكر المصنِّف حديت ابن عباس: "كان يُعلِّمهم هذا الدعاءَ كما يُعلِّمهم السورةَ من القرآن يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذابِ جَهَنَّم، وعذابِ القبر، وفِتنةِ الدَّجَّال، وفِتنةِ المحيا والممات"، ثم قال: "خَرَّجه مسلم من طريق قتيبة عن مالك، وقال في آخره: بلغني أنَّ طاوسًا قال لابنِه: "أَدَعَوْتَ بها في صلاتِك؟ ". قال: "لا". قال: "أَعِدْ صَلاتَك"، وليس في هذا الحديث الأمرُ بها في الصلاة، وإنَّما جاء ذلك في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فَرَغَ أحدُكم من التشهّد الأخِيرِ فليتَعَوَّذ من أَربع … "، وذكرها، خَرَّجه مسلم أيضًا". فكلام المصنِّف ﵀ يشير إلى أنَّه يرى وجوب التعوّذ من هذه الأربع في الصلاة، وهذا مذهب الظاهرية وطاوس (٢). المسألة الثالثة: سجود التلاوة في سور المفصَّل. ذكر هذه المسألة إثر حديث أبي هريرة: "أنَّ رسول الله ﷺ سجدَ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ". _________ (١) انظر: (٣/ ٥١٥، ٥٢٠). (٢) انظر: (٢/ ٥٥٠).

стр. 96

ثم أورد طرقًا عن أبي هريرة فيه شهوده أنَّ النبي ﷺ سجد فيها. ثم ذكر رواية عطاء بن مِيناء عن أبي هريرة: "سجدنا مع رِسول الله ﷺ : ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وقال: "خَرَّجه أَبو داود، ثم قال: "أَسلَمَ أبو هريرة سنة ست عامَ خيبر"، قال: "وهذا السُّجود من النبيِّ ﷺ هو آخِرُ فعلِه"، قاله بعد أنْ ذَكَرَ حديثَ عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: "أنَّ رسولَ الله ﷺ لَم يَسجُدْ في شيءٍ من المُفَصَّلِ منذ تَحَوَّلَ إلى المدينة"، وهاتان السُّورتَان من الفَصَّلِ، وكذلِك النَّجم، وخَرَّج أيضًا عن عَمرو بن العاصي: "أنَّ رسولَ الله ﷺ أَقْرَأَه خَمسَ عشرةَ سَجدة في القرآن، ثلاثٌ في المفصَّلِ، وفي سورَةِ الحجِّ سجدتان". وإيراد المصنف لكلام أبي داود ورواية عمرو بن العاص فيه إشارة للرد على مذهب المالكية القائل بأن لا سجود في سور المفصل، وحديث أبي هريرة ظاهر في مشروعيته ووروده في سور المفصل، وهو عمل الخلفاء الراشدين (١). المسألة الرابعة: وجوب القبض قبل البيع، وأنَّه لا فرق بين الجُزاف والكيل. ذكر المصنِّف هذه المسألة إثر حديث: "كنا في زِمَن النبيِّ ﷺ نَبتاع الطعامَ فيبعَثُ علينَا من يَأمرُنا بانتِقَالِه"، ثم قال: "وخَرَّج مسلم من طريق عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كنَّا نشتري الطعامَ مِن الرُّكبان جُزافًا فنهانا رسولُ الله ﷺ أنْ نَبيعه حتى نَنقلَه مِن مكانه"، وعن سالم، _________ (١) انظر: (٣/ ٣١٣ - ٣١٦).

стр. 97

عن أبيه: "أنهم كانوا يُضرَبون على عَهد رسولِ الله ﷺ إذا اشتروا طعامًا جُزافًا أنْ يبيعوه ومكانِه حتى يُحَوِّلوه". وذِكر المصنِّف لهذه الطرق فيه إثبات لوجوب القبض في الجُزاف والمكيل كما ذهب إليه الجمهور، وفيه رد على المشهور من مذهب المالكية الذين يفرِّقون في القبض بين الجُزاف والمكيل، وأنَّه ما كان مكيلًا وبا فيه القبض، وما كان موزونا لم يجب (١). المسألة الخامسة: كلامه في الصرف. ذكر حديث عمر بن الخطاب ﷺ : "الذهب بالوَرِق ربًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ"، وذَكَر البُرَّ، والتَّمرَ، والشَّعير. ثم قال المصنِّف: "وذَكَرَ فِى هذا الحديث خمسةَ أصنافٍ، ولم يَذكر المِلْحَ، وشَرَط التأخيرَ في الكُلِّ، ولَم يَذكُر المساواةَ، وهي مُعتبَرَةٌ في كلِّ صِنفٍ منها إذا بِيعَ بعضُه ببعض، والمحفوظ عن الزهري في هذا الحديث: "الذَّهَب بالوَرِق" كما قاَل مالك، وخرَّجه ابن أبي شَيبة عن ابنِ عيينة، عنه ثمَّ قال في آخرِه: شهادتي على ابنِ عيينة أنَّه قال: "الذَّهَب بالوَرِق"، ولَم يَقُل الذَّهَب بالذَّهَب، وهذا هو الصحيحُ في هذا الحديث؛ لأنَّ عمرَ إنَّما أنكَرَ التأخيرَ في بيع الذَّهب بالوَرِق، وإذا لَم يَجُزِ التَّفاضلُ في الصِّنفِ الواحِدِ من هذه الأشياءِ، فبَيْعُ بَعضِها ببَعض مُتساويًا يدًا بيدٍ راجعٌ إلى مَعنى البَدَلِ، وإنَّما التَّأخيرُ مع المساواةِ، فإن قَصَدَ به البيعَ لم يَجُز، وإن كان على وَجْه القَرْضِ جاز" (٢). _________ (١) انظر: (٢/ ٤١٤ - ٤١٥). (٢) انظر: (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٨).

стр. 98

هذه بعض المسائل التي تكلّم عنها أو أشار إليها المصنِّف في كتابه، وفي غالبها رجّح المصنِّف قول الظاهرية، مع نصِّه على الدليل المؤيّد لا ذهب إليه، ولم يقلّد في ذلك الذهب المشهور في الأندلس، وهو مذهب مالك، وهذا ما يفسّر قول القاضي عياض المتقدّم، والله تعالى أعلم. المبحث السادس عشر: وفاته. بعد حياة حافلة بالأخذ والتلقي والسماع، ثم التحديث والإلقاء والإفتاء، اخترمت المنيةُ أبا العباس الدافي ببلده دانية رحمه الله تعالى. وقد اختلف العلماء في تحديد سنة وفاته على قولين. القول الأول: أنه توفي في نحو العشرين وخمسمائة. وبه قال القاضى عياض، وتبعه ابن بشكوال (١). القول الثاني: أنه توفي لسبع خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. وهو قول ابن أخيه أحمد بن سليمان، وابن الأبّار، والضبي، وابن خبيش، والمراكشي، بل هو قول غير واحد من أهل دانية، وهو الصواب (٢). وجاء في حاشية (١) من كتاب الصلة (١/ ٧٩) تعليقا على قول ابن بشكوال في وفاته ما نصّه: "هذا غلط كبير، نقلت من خط أبيه قي _________ (١) انظر: الغنية (ص: ١١٨)، والصلة (١/ ٧٩). (٢) انظر: التكملة (١/ ٤٤)، وبغية الملتمس (ص: ١٨٠)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣١)، وتاريخ الإسلام (وفيات ٥٣١ - ٥٤٠/ ص: ٢٦٤).

стр. 99

مصحفه: وُلد أحمد طاهر بن علي بن عيسى في آخر الساعة الرابعة من يوم السبت اليوم التاسع من شوال سنة سبع وستين وأربع مائة، ووافق ذلك اليوم السادس من يونيه، ونقلت من خطِّ ابن أخيه الفقيه أبي جعفر أحمد بن سليمان بن طاهر كاتب القاضي الحسيب أبي الشرف بن أسود تحت مولده: اثنتين وثلاثين وخمس مائة، وهو ثامن عشر من فبراير، قلت: وهكذا أخبرني غير واحد من أهل دانية. من هامش الأصل المعتمد عليه". اهـ. وقال ابن الأبّار: "وغلِط (أي ابن بشكوال) غلطًا لا خفاء به، فجعلها في نحو العشرين وخمسمائة كما جعلها القاضي عياض، وعنه نقل ذلك فيما أحسب. وأنا قرأت السماع منه لصحيح مسلم بدانية يا جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وتوفي يما سابع من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين، بعد عام كامل من تاريخ هذا السماع، وكذا قال ابن حبيش فِي وفاته" (١). قلت: وقد تقدّم في مبحمث تلاميذ المصنِّف أنَّ عبد الرحمن بن محمد بن تقي الحضرمي حمع من أبي العباس الداني صحيح مسلم سنة (٥٣١ هـ). ومحمد بن علي بن عطية العبدري له سماع من أبي العباس الداني سنة (٥٣١ هـ) أيضًا. وعلي بن محمد بن أحمد الأزدي، أبو الحسن الداني، روى عن أبي العباس الداني، وسمع منه السنن سنة (٥٢٩ هـ). _________ (١) التكملة (١/ ٤٤)، وانظر: الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١).

стр. 100

ثم إنَّ القاضي عياضًا وابن بشكوال لم يحدِّدَا السنة التي توفي فيها تحديدًا دقيقًا، وحدّدها آخرون باليوم والشهر والسنة. فهذه أدلةٌ واضحة تدل على غلط القاضي عياض ومن تبعه في وفاة أبي العباس الداني، والصواب أنَّه توفي سنة (٥٣٢ هـ) ﵀ رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.

стр. 101

الفصل الثالث: دراسة الكتاب وفيه خمسة مباحث المبحث الأول: إثبات اسم الكتاب. المبحث الثاني: نسبه الكتاب للمؤلف. المبحث الثالث: ثناء العلماء على الكتاب ومنزلته العلمية. المبحث الرابع: منهج المؤلف في الكتاب. المبحث الخامس: وصف النسخة المعتمدة في التحقيق.

стр. 102

المبحث الأول: إثبات اسم الكتاب. ورد اسم الكتاب في طُرَّة النسخة الخطية بعنوان: كتاب الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ صنعة (١) الشيخ الجليل العالم أبي العباس أحمد بن طاهر بن علي بن عيسى الداني رحمة الله عليه واختلفت عبارات مَن ذكر كتاب أبي العباس في تسميته، وذلك راجع إلى الاختصار أو ذكر اسم الكتاب بموضوعه الذي تناوله. قال القاضي عياض: "له تصانيف يما الحديث منها أطراف الموطأ" (٢). وقال ابن الأبار والمراكشي: "له تصنيف على الموطأ سمّاه: كتاب الإيماء" (٣). _________ (١) ضُبطت في النسخة: "صَنَعَهُ"، وهو خطأ، ويدل عليه قوله: "أبي العباس"، فلو كان كما ذكر لرفع الفاعل، وكلمة: "صَنعَةُ" معروفة في استعمال المؤلفين، خاصة المغاربة منهم، والله أعلم. (٢) الغنية (ص: ١١٨). (٣) التكملة (١/ ٤٣)، الذيل والتكملة (١/ ١٣١/١). ووقع في الديباج المذهب (ص: ٤٥)، ومعجم المؤلفين (١/ ٢٥٥): "الإنباء"، وهو تصحيف.

стр. 103

وسمّاه الحافظ الراقي وابن حجر والعيني ومغلطاي: "أطراف الموطأ" (١). وبالنظر إلى ما ذكره القاضي عياض والراقي وابن حجر، يتبيّن أنهم راعوا في تسميته ذكر ما اشتمل عليه موضوع الكتاب، وما ذكره ابن الأبار والمراكشي إنما هو اختصار لاسم الكتاب الكامل. وما جاء في النسخة الخطية موافق لما ذكروه، بل إنَّ المصنِّف أشار في مقدّمته إلى هذه التسمية فقال: "فإنِّي أُوميء في هذا الكتاب إلى أحاديث مالكِ بنِ أنس في مُوَطَّئِه". المبحث الثاني: إثبات نسبه الكتاب لأبي العباس الداني. هناك أدلة واضحة بيّنة تُثبت نسبة الكتاب لمؤلّفه أبي العباس الداني، ومنها: ١ - أنَّ الكثيرين مِمَّن ترجموا له ذكروا في تصانيفه هذا الكتاب، ومنهم القاضي عياض، وابن الأبار، والمراكشي، وتقدّم في البحث السابق تسميتهم لهذا الكتاب. كما أنَّ الذين صنّفوا كتبًا في الأطراف نسبوا لأبي العباس الداني كتاب أطراف الموطأ، كالحافظ ابن حجر في مقدمة إتحاف الهرة (٢). _________ (١) انظر: طرح التثريب (١/ ١٢٠)، وفتح الباري (٢/ ٢٦٢)، (٣/ ٣٤٨)، عمدة القاري (١٠/ ٢٠٧)، الإعلام بسنته عليه¬ السلام (٣ / ل: ١٥٥ / أ) لمغلطاي. (٢) انظر: إتحاف المهرة (١/ ١٥٨).

стр. 104

٢ - نقولات العلماء منه، ونسبتهم الكتاب لأبي العباس الداني. وممّن نقل من كتاب أطراف الموطأ: • الحافظ العراقي: في كتابه طرح التثريب. قال: "وذكر أبو العباس بن طاهر الداني في أطراف الموطأ أنَّ أبا علي الحنفي رواه عن مالك بلفظ: ولغ" (١). • الحافظ ابن حجر، في ثلاثة مواضع من فتح الباري (٢): قال في الموضع الأول: "واعترض الداني في أطراف الموطأ فقال: هذا معلول، لأنَّه ظن من أبي حازم" (٣). وقال في الموضع الثاني: "ادّعى أبو العباسِ الداني في أطراف الموطأ أنَّ التفسير مدرج في الحديث ولم يذكر مستَنَدًا لذلك، ثم وجدت في كتاب العسكري في الصحابة … " (٤). وقال في الموضع الثالث: "قال الداني في أطرافه: رواه يحيى بن يحيى الأندلسي بالموحّدة وتابعه جماعة، ورواه يحيى بن يحيى النيسابوري بالمثناة وتابعه إسماعيل وابن وهب، ورواه القعنبي بالشك" (٥). ونقل عنه أيضًا في كتابه تهذيب التهذيب، فقال: "وقال الداني _________ (١) انظر: طرح التثريب (١/ ١٢٠)، وهذا النقل موجود في (٣/ ٣٥٤ / حاشية ١). (٢) انظر: فتح الباري (٢/ ٢٦٢)، (٣/ ٣٤٨)، (٣/ ٣٨٢). (٣) انظر هذا النقل (٣/ ١٠٨/ حاشية ٤). (٤) انظر هذا النقل (٢/ ٤٤٨/ حاشية ١). (٥) انظر هذا النقل (٢/ ٤٠/ حاشية ٣).

стр. 105

في أطراف الوطأ: هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرة" (١). • بدر الدين العيني في شرحه على صحيح البخاري، قال: "وذكر أبو العباس أحمد بن وطاهر الداني في كتابه أطراف الموطأ: لعلَّ المغفر كان تحت العمامة" (٢). • الحافظ مغلطاي في كتابه الإعلام بسنّته عليه¬ السلام (شرح سنن ابن ماجه) في موضعين قال: "وفي كتاب الأطراف لأبي العباس أحمد بن محمد بن عيسى الداني الحافظ: ورواه عمرو بن مرزوق عن مالك عن الزهري عن أنس وذلك وهم" (٣). وفي الموضع الثاني قال: "قال العلّامة أبو العباس أحمد بن طاهر الداني في كتابه أطراف الموطأ هذا حديث معدول، لأنَّه ظنٌّ" (٤). • الزرقاني، ونقل منه في عدة مواضع من شرحه على الموطأ (٥). ٣ - أسانيده للموطأ، ونقله عن بعض شيوخه كأبي علي الجيّاني، والصدفي، وأبي داود المقرئ. فهذه أدلة كافية تفيد صحة نسبة هذا الكتاب لمؤلِّفه، والله أعلم. _________ (١) تهذيب التهذيب (٦/ ٢٢٠). (٢) عمدة القاري (١٠/ ٢٠٧)، وانظر هذا النقل (٢/ ٥١ / حاشية ٢). (٣) الإعلام بسنته عليه¬ السلام (٣ / ل: ٣٠ / أ)، وانظر هذا النقل (٣/ ٢٣٣ / حاشية ١). (٤) الإعلام بسنته عليه¬ السلام (٣ / ل: ١٥٥/ أ)، وانظر هذا النقل (٣/ ١٠٨ / حاشية ٤). (٥) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٧٧)، (٢/ ٧٦).

стр. 106

المبحث الثالث: ثناء العلماء على الكتاب، ومنزلته العلمية. أثنى على كتاب أبي العباس الداني ابنُ الأبَّار ومِن قبله شيخُ أبي العباس أبو عليٍّ الصدفي، قال ابن الأبَّار: "كتاب الإيماء ضَاهَى به كتابَ أطراف الصحيحين لأبي مسعود الدِّمشقي، وعَرَضَه على شيخِه أبي عليٍّ الصدفي فاستَحسَنَه وَأَمَر بِبَسْطِه، فزاد فيه" (١). وحكى المراكشي هذا القول، وزاد: "وَقفتُ عليه وكان في كتبي، ثمَّ خرجت عنه" (٢). ومن النَّص الذي ذكره ابن الأبّار نستخلص أنَّ المصنِّف ضاهى في تصنيفه أطراف الصحيحين لأبي مسعود الدِّمشقي، والناظر في كتاب أبي مسعود يجده لا يقتصر على إيراد الأحاديث وبيان مواضعها في الصحيحين فحسب؛ بل يذكر بعضَ عِلَل الأحاديث، ببيان المحفوظ منها والشاذ، وإن كانت تعليقاتُه يسيرة. وأمّا المصنِّف فقد علَّق على أحاديث الموطأ، ببيان علَلِها وفوائدِها الإسنادية والمتنية (٣). ثم إنَّ أبا العباس الداني صنَّف هذا الكتاب، وعَرضه على شيخِه المحدِّث أبي علي الصدفي - وهي عادة مَن سلَفه كما فعل مسلم بصحيحه _________ (١) التكملة (١/ ٤٣). (٢) الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١)، وممّن وقف على الكتاب أيضًا ابنُ فرحون كما في الديباج (ص: ٤٥). (٣) سيأتي ذكر ذلك في البحث الخاص ببيان منهج المصنف في الكتاب.

стр. 107

مع أبي زرعة الرازي - فلما رآه شيخُه استحسنَ عمَلَه، وأمره أن يبسطه بين الناس ويحدِّث به، فزاد فيه المصنِّف بعد وصية شيخِه، فخرج في هذه الحُلّة، وفيه من الفوائد والعوائد الشيء الكثير. ويمكن أن نستخلص تلك الفوائد في النقاط التالية: ١ - ترتيب الكتاب على الأطراف - مسانيد الصحابة - يسهّل الرجوع إلى أحاديث الموطأ بيسر وسهولة. ٢ - أنَّ الكتاب يُعتبر نسخةً موثَّقة مِن نسخ موطأ مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي، على اختلاف الروايتين عنه، وخاصة من ناحية الأسانيد. ٣ - يُعدُّ الكتابُ جامعًا لروايات الموطأ المختلفة، وذلك ببيان أوجه الفرق بين رواية يحيى بن يحيى الليثي، والروايات الأخرى، سواء كان الاختلاف في السند أو المتن. ٤ - ويُعتبر أيضًا نسخة من الروايات الأخرى، خاصة ما اندثر منها وفُقد، وذلك بالنظر إلى القسم الرابع من هذا الكتاب، حيث ذكر فيه المؤلف الأحاديث الزائدة على رواية يحيى بن يحيى الليثي من الموطآت الأخرى، وقد وقعت له أربع عشرة رواية نقل منها مباشرة، وروايات أخرى نقل منها بالواسطة، كما ذكره في بداية القسم الرابع. ٥ - ذكر المصنّف الكثير من أقوال أهل العلم ممّا لا وجود له إلَّا في هذا الكتاب، وذلك واضح في نقولاته عن الإمام الدارقطني والبزار وأبي مسعود الدمشقي وغيرهم، كما سيأتي ذكرهم في مصادر المصنف، وكثير من هذه الأقوال المنقولة لا توجد إلا في هذا الكتاب، وذلك إمّا لفقدان

стр. 108

كتب هؤلاء الأئمة أو للنقص في نسخ كتبهم الموجودة بين أيدينا المطبوعة والمخطوطة. ٦ - تجرّد المصنِّف من التقليد واستعمل منهج النقد، ممّا جعل كتابه ينال منزلةً ساميةً، خاصة في نقله لرواية يحيى بن يحيى الليثي، وردّه على إمام الأئمة في هذا الشأن وهو ابن عبد البر، ومثال ذلك الحديث الأول من هذا الكتاب، وغيره (١). المبحث الرابع: منهج المصنِّف في الكتاب. إنَّ الناظر في كتب الأئمة المتقدّمين يجد أنَّهم نهجوا ثلاتة مناهج في التأليف، فبعضُهم يذكر في ديباجة كتابه منهجَه الذي يسير عليه في تأليفه مستوعبًا، كفعل الإمام مسلم ﵀، وبعضهم يذكر منهجًا متوسطًا لا يُسهب في ذكر كلِّ ما اشتمل عليه كتابه، كفعل الترمذي في السنن، وآخرون يدخلون في صلب الكتاب مباشرة دون ذِكر مقدِّمةٍ يشرح فيها منهجه الذي يسير عليه، وإنَّما يتركه لفطنة القارئ وحُسن فهمه، كفعل الإمام البخاري ﵀ في صحيحه. وأمَّا أبو العباس الداني فقد ذكر في مقدِّمة كتابه منهجه الذي يسير عليه، ولم يستوعب ذكرَ كلِّ الجزئيات والتفاصيل، وإنَّما اكتفى بذكر أهمِّ النقاط في ذلك فقال رحمه الله تعالى: "الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمّد خاتَم النّبيّين، وعلى آله _________ (١) انظر مثال ذلك: (٢/ ٢١، ٦٠ - ٦١، ١١٩)، (٣/ ٤٣٠)، (٣/ ٥٩٢ - ٥٩٣).

стр. 109

الطيّبين، والسلام عليهم أجمعين، أما بعد: فإنِّي أُوميء في هذا الكتاب إلى أحاديث مالكِ بنِ أنس في مُوَطَّئِه، أُترجمُ عنها بذكرِ أطرافِها، وما يدلُّ عليها من مشهورِ ألفاظِها ومعانِيها، وأَذكَرُ أسانيدَها، مختصرًا ما دَلَّ على مواقِعِها فيه، بذِكرِ الكتاب أو تَرجمةِ الباب، وأُشيرُ إلى مواضع الخُلْفِ منهَا؛ بتَعيين النُّكتِ المختلَفِ فيها، وأُنَبِّهُ على القَصَصِ المَنُوطَةِ بها، وأُبَيِّنُ ما أُبْهِمَ من أَسماءِ ناقليها، وأُسْنِدُ مراسِلَها وأَصِلُ مَقْطُوعَها، وأَرفَعُ موقوفَها، وأَتَقَصَّى عِلَلَها وأَجْبُرُ خَلَلَها، وأُوَضِّح ما أَشْكَلَ معناه، وأَنْفِي عنها طُرُقَ التعارضِ والاشتِبَاهِ، وأُذَيِّلُها بنكتٍ لا يستغني المحدِّثُ عنها، وأُحِيلُ في هذا كلِّه إلى الكتبِ المُستَخْرَج ذلك منها، وأَبْنِيهِ على رواية يحيى بن يحيى اللَّيْثي الأندلسي القُرطبي عنه، أُقَدِّم ما رواه مِمَّا انفرَدَ به أو شُورِك فيه، ثم أُتْبِعُ ذلك ما شَذَّ من سائر الرِوايات الواصِلَةِ إلينا، وأَذْكُر رواتَه أو بعضَ رواتِه عن مالك ليَتَّصِلَ سنَدُه بذلك، وأرتِّب الكلَّ على حروف المعجم فيما اشتهرَ به من أسْندَ الحديث إليه من اسْمٍ أو كُنيةٍ، وأُقسِّمه على خمسةِ أقسامٍ: الأول: في الأسماء خاصة. الثاني: في الكنى والأنسابِ وسائرِ الألقاب. الثالث: في النساء. الرابع: في الزيادات على رواية يحيى بن يحيى الليتي لسائر رواة الموطأ. الخامس: في الراسل، وأُرَتِّب المراسل على أسماء المرسِلِين في الموطأ من التابعين فمن دونهم، وأنسبُها إلى من أمكن من رواتِها من الصحابةِ في

стр. 110

غير الموطأ، وأَدُلُّ على بعض من أسندَها من أئمّة الحديث في التواليف المشهورة. وأَذْكرُ المقطوعَ والموقوفَ اللَّاحِقِ بالمرفوع، وسائرَ الحديثَ المعلولِ المضاف إلى الصحابة، مع المسند المتَّصِلِ الرفوع الصحيحِ، وأنبِّه على ذلك كلِّه، وأميِّز بعضَه من بعض، وأحِيلُ على مظانّ وجوده إن شاء الله تعالى، وبه أستعينُ، وهو حسبي ونِعم الوكيل". ومن خلال هذا الكلام الموجز من المصنف يتبيّن لنا أهمُّ النقاط والمواضيع التي سيتناولها كتابُه، وسيأتي ذكرُها مفصَّلةً بذكر يعض الأمثلة لكلِّ فقرة من فقرات المنهج، فمن خلال تتبعي لمنهج المصنف وطريقته في التأليف تبيّن لي أن أقسِّم ذلك إلى عدة مطالب: المطلب الأول: منهج الصنف في ترتيب الكتاب. اتَّبع المصنف في ترتيب الكتاب ترتيبًا مفيدًا، فبدأ بحمد لله تعالى، ثم ذكر منهجه في التأليف، وذكر بعد ذلك أسانيده للموطأ رواية يحيى بن يحيى الليثي، وبعدها ذكر نسب النبي ﷺ ، ولعل الناسبة في ذكر نسب النبي ﷺ أول الكتاب أمران: ١ - أنَّ مدار الأحاديث كلّها عليه، والأسانيد كلّها تتصل به ﷺ ، وهو الأصل في الكتاب. ٢ - أنَّ المصنِّف يذكر أنساب الصحابة في آخر مسانيدهم، فإذا اجتمع أحدُهم في جدِّ من أجداد النبي ﷺ قال: "وفيه يجتمع مع النبي ﷺ "، وتوقّف عند ذلك الجدِّ ولم يذكر مَن بعده، اكتفاءًا بذكرهم يما نسبه ﷺ ، وهذا تجنُّبًا للتكرار، والله أعلم.
следующие страницы →