Полный текст (2 505 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
- وقوله وخنساء بنت خذام: "ولم يخرج مسلمٌ عن خنساء شيئًا" (١).
- وقوله في ثابت بن قيس: "ولم يخرج مسلمٌ عن ثابت شيئًا، وخرَّج له البخاري حديثًا آخر" (٢).
- وقوله في حبيبة بنت سهل: "ولم يخرج في الصحيحين عن حبيبة هذه شيء" (٣).
• اعتناؤه بذكر الصحابة وبيان صحبتهم، وإن كان هناك خلاف ذَكرَه، ورجّح ما يراه راجحًا، وقد يبيّن أيضًا أسماء بعض الصحابة وإن لم يود لهم ذكر في المسند، وإنَّما ورد ذكر أسماء أبنائهم.
ومثال ذلك كلِّه: - قوله: "ولا خلاف أنَّ أبا بصرة من الصحابة" (٤).
- وقوله: "ورِفاعةُ هذا هو عمُّه، ورافعٌ وابناه رِفاعةُ وخلّادٌ كلُّهم من الصحابة" (٥).
- وقوله: "وهذا الرجلُ مجهولٌ، لا يُعرف بغبر هذا الحديثِ، وليس فيه ما يَدُلُّ على صحبتِه، وقد ذُكر في الصحابة، وفي ذلك نظرٌ" (٦).
_________
(١) انظر: (٤/ ٢٩٩).
(٢) انظر: (٤/ ٣٦٠).
(٣) انظر: (٤/ ٢٨٩).
(٤) انظر: (٢/ ١١٥).
(٥) انظر: (٢/ ١٥٩).
(٦) انظر: (٣/ ٥٨٤).
стр. 142
- وقوله أيضًا: "وذَكر ابنُ عبد البر في جملَةِ الصحابة ساعِدةَ بن حرام بن سعد بن محيّصة وقال: حديثُه في كسب الحجّام مرسل، ولا تَصِحُّ له صُحبة. ولم يَذكر حرامًا ولا سعدًا، وذِكْرُه في الصحابهْ غَلَطٌ، والله أعلم" (١). إلى غير ذلك من الفوائد والأمثلة الكثيرة.
• اعتناؤه بضبط أسماء الرواة وضبط أسماء آبائهم أو أجدادهم أو أنسابهم، مع بيان بعض الرواة الذين تشتبه أسماؤهم أو أنسابهم بالراوي المترجم له، فيذكرهم تمييزًا وإذ لم يرد لهم ذكرٌ في المسند، وقد يذكر الضبط عمّن سبقه من العلماء أو عن مشايخه الذين أخذ عنهم.
مثاله: - قوله: "وكُريز هذا بضمّ الكاف مصغّرا. وكَريز بفتح الكاف جدّ طلحة بن عبيد الله الخزاعي، مذكور في مرسله. قال ابن وضّاح: كَريز بفتح الكاف في خزاعة، وبضمّها في بني عبد شمس بن عبد مناف" (٢).
- وقوله: "قرأتُ على أبي داود المُقرِئ: يُحَنِّس بكسر النون، وعلى أبي عليّ الجيَّاني بفتحها، وعزاه إلى الدارقطني" (٣).
- وقوله: "جابر بن عبد الله من بني سَلِمة، بكسر اللَّام وفتح السين، يُقال فيه: سَلَمي بفتحها، حكاه أبو عبيد" (٤).
_________
(١) انظر: (٣/ ٥٩٢ - ٥٩٣).
(٢) انظر: (٢/ ٩٢).
(٣) انظر: (٢/ ٥١٤).
(٤) انظر: (٢/ ١٤٠).
стр. 143
- وقوله: "ومحمّد بن يحيى هذا من شيوخ مالك، روى عنه، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وجدُّه حَبَّان بفتح الحاء وبالباء المعجمة بواحدة" (١).
- وقوله: "وأُسَيد، وهو بضم الهمزة وفتح السين، مصغَّرًا مخفَّفًا" (٢).
- وقوله: "واسم أبي ذر جُندب بن جنادة، وقيل: بُرير، برائين مهملتين وضم الباء مصغرًا" (٣).
- وقوله: "وشتير: بالشين المعجمة مضمومة، والتاء المعجمة بنقطتين من فوقها مصغرًا" (٤).
• اعتناؤه ببيان الأسماء المبهمة في السند والمتن.
مثاله: - قوله: "وذكر عبد الغنيُّ بنُ سعيد في كتاب الغوامض والمبهمات له: أنَّ هذا الرجلَ الذي وَطِئَ امرأتَه في رمضان هو سَلمةُ بن صَخرٍ البَيَاضِي، وذَكَرَ شواهِدَه، وفي ذلك نَظرٌ؛ سَلمةُ بنُ صَخر هو الذي ظاهَر من امرأَتِه في رمضان احتياطًا على الصَّومِ … " (٥).
- وقوله: "والرجل السائل لابن عمر هو أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد" (٦).
_________
(١) انظر: (٢/ ١٥٧).
(٢) انظر: (٤/ ٤).
(٣) انظر: (٤/ ٣٩).
(٤) انظر: (٤/ ٧٩).
(٥) انظر: (٣/ ٣٤١).
(٦) انظر: (٢/ ٥١٨).
стр. 144
- وقوله في حديث أم سلمة: "أنَّ مخنَّثًا كان عند أم سلمة … "، قال: "واسم المخنَّث هِيت" (١).
• اعتناؤه ببيان المتفق والفترق، والأسماء المتشابهة، للتمييز وعدم الخلط بين الرواة.
مثاله: - قوله: "الأَغَرُّ لَقَبٌ، وقيل: هو اسمُ أبي مسلمٍ هذا الذي روى عنه السَّبيعي. هكذا أدخله البخاريُّ، وابنُ أبي حاتم في باب: مَن اسمه أَغَر. وأمَّا أبو عبد الله الأغَر المذكورُ في الموطأ فاسمُه: سَلمان، وهو مَولى جُهينَة، وهما رجلَان مَيَّز بينهما البخاري، ومسلمٌ، وعليُّ بنُ المديني، وغيرُهم. وقد قيل: هما رَجلٌ واحدٌ قاله ابنُ أبي خيثمة، وزَعَمَ أنَّ أبا إسحاق السَّبيعيَّ روى عنه فكنَّاه أبا مسلم. وظاهرُ قوله أنَّ أبا إسحاق انفرَدَ بتكنِيتِه أبا مسلم. وقد خَرَّج أبو داود حديثَ أبي هريرة: "الكِبرياءُ رِدائي" من طريقِ عطاء بن السائِب، عن الأغَر، عن أبي هريرة، وذَكَرَ أنَّ موسى بن إسماعيل شيخَه قال فيه: عن سَلمان الأغر، وأن هنَّادًا قال فيه: عن أبي مُسلمٍ الأغَر. وكأنَّه ذهب إلَى أنَّهما رَجلٌ واحدٌ اختُلِف في تَسميته، والأصَحُّ أنَّهما رجلان اشتَركا في الروايةِ عن أبي هريرة، والله أعلم" (٢).
• اعتناؤه ببيان الإخوة.
مثاله: - قوله: "وقال الذهلي: لعبد الله بن الحارث بن نوفل ثلاثة
_________
(١) انظر: (٤/ ٢١٥).
(٢) انظر: (٣/ ٣١٩ - ٣٢٠).
стр. 145
بنون: عبد الله وعبيد الله ومحمّد، روى الزهري عن جميعهم" (١).
- وقوله: "وبنو عتيك في الأنصار، وقد كَثُر الخلافُ فيهم وفي نسبةِ بعضهم من بعض، فقيل: جابر وجبر رجلٌ واحدٌ اختُلِف في اسمه، وقيل: هما أخوان، ابنا عتيك بن الحارث بن قيس بن هَيْشَةَ الأوسي من بني عمرو بن عوف، وسَهْل بن عتيك رجلٌ آخر، هو سهل بن عتيك بن النُّعمان بن عَمرو، خزرجيٌّ من بني مالك بن النَّجار، واختُلِف في الحارث بن عتيك، فقيل: هو أخو جابر أو جبر، وقيل: هو أخو سهل بن عتيك، وكذلك اختُلِف في عبد الله بنِ عتيك، فقيل: هو أخو جابر أو جبر" (٢).
• اعتناؤه بذكر أسماء من عُرف بالكنى، وكذا العكس، وكذا مَن لا يُعرف له اسم.
ومثاله: - قوله: وأبو طَيبة الحَجَّام مولى بني حارثة، قيل: اسمه دينار، وقيل: نافع، وقيل: مَيْسَرة" (٣).
- وقوله: "وقال أبو زُرعة وأبو حاتم في أبي عُبيدة هذا: لا يُسَمَّى، اسمه كنيتُه. وسمّاه مسلمٌ في كتاب الكنى عامِرًا" (٤).
- وقوله: "وهو مجاهد بن جبر، ويقال: ابن جبير، يُكنى أبا الحجاج" (٥).
_________
(١) انظر: (٣/ ٧٩).
(٢) انظر: (٢/ ١٤٣ - ١٤٥).
(٣) انظر: (٢/ ٦٤).
(٤) انظر: (٣/ ٣٩).
(٥) انظر: (٢/ ١٩٣).
стр. 146
- وقوله: "وأبو سُهيل اسمه: نافع بن مالك بن أبي عامِر، وأبوه مالك الراوي عن أبي هريرة يُكنى أبا أَنس، وقد قيل في سندِ هذا الحديثِ: نافع بن أبي أنس، وذلك سواء" (١).
- وقوله: "وأم علقمة هي مرجانة" (٢).
• اعتناؤه بالجرح والتعديل، وبيان درجة بعض الرواة، خاصة الذين يكون مدارُ كثيرٍ من الأحاديث عليهم.
وفي هذا الباب انتهج المصنِّف منهج الاختصار في ذلك، فلا يورد كلَّ ما قيل فيه، وإنَّما يشير إلى بعض أقوال أهل العلم في ذلك، أو قول أحدهم فقط، ولا يستقصي ذكر الأقوال، ويذكر ذلك غالبًا في آخر باب ذلك الراوي كأن يكون مكثرًا كترجمة أبي الزبير عن جابر، أو في آخر حديثه، وقد يعبِّر عن ذلك بقوله: "فصل"، ثم يذكر بعض ما قيل فيه، وقد يذكر معه من يشابهه في الاسم واسم الأب تمييزًا، كما أنَّه جرّح بعض الرواة، وأمثلة ذلك كثير جدًّا، منها:
- قوله آخر ترجمة أحاديث أبي الزبير عن جابر: "فصل: أبو الزُّبير هو محمد بن مسلم بنِ تدرس. أَكثرَ عنه مسلمٌ، واستشهد البخاريُّ به مقْرونًا. وذكر الساجيُّ عن ابن معين: "أنَّ شعبةَ استحلفَ أبا الزبير فحلف له بين الرُّكن والمقامِ ثلاثَ مرَّاتٍ أنَّه سَمِع مِن جابر". وقال النسائي في الجنائز: "كان شعبةُ سيِّءَ الرأي فيه، وأبو الزبير من الحفَّاظ، وروى عنه يحيى بن
_________
(١) انظر: (٣/ ٥٥٥).
(٢) انظر: (٤/ ١٣٧).
стр. 147
سعيد وأيّوب ومالك، وكان يدَلِّس، فإذا قال: سمعتُ جابرًا فهو صحيحٌ" (١).
- وقوله: "ومُسلم بن يَسار ليس بالبصريِّ ولَا المكيِّ، هو رجلٌ جُهَنِيٌّ مَدَنِيّ مجهولٍ. قال أحمد بن زُهَير: قرأتُ على يحيى بنِ معين حديث مالكٍ هذا عن زَيد بن أبي أُنَيسَةَ فكَتَبَ بيدِه على مُسلم بن يَسارٍ: لَا يُعرَف" (٢).
- وقوله: "فصل: خَرَّج مسلم عن سُهيل بن أبي صالح أحاديثَ، واستظْهَرَ به البخاري مقرونًا بغيرِه في الجهاد، وذَكَرَ في التاريخ عن علي بنِ المديني: أنَّ سُهيلًا مات له أخٌ فوَجَدَ عليه فنسِيَ كثيرًا، وخَرَّج أبو داود من طريق عبد العزيز الداروردي، عن ربيعة، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا حديثَ اليمين مع الشاهد. ثمّ ذَكَر بإسنادٍ آخَر أنَّ الدارورديَّ قال: قد ذكرتُ ذلك لسُهيل فقال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقةٌ أنِّي حدَّثتُه إيّاه ولا أحفظه. قال عبد العزيز: "وقد كان أصابت سُهيلا علّةٌ أذهبتْ بعضَ عَقلِه ونَسِيَ بعض حديثه. وقال الساجي في كتابِه: أصابه بِرسامٌ في آخِرِ عمرِه فذهب بعضُ حديثِه، وكان حدَّث ربيعةَ بحديثِ اليمين مع الشاهد ثم نَسيَه سُهيل فكان يحدِّث به عن ربيعةَ عن نفسه. ووثقه ابنُ معين، ولَم يَرَ حديثَه حُجَّة. وقال النسائي: لا بأس به. قال الشيخ: وسُهيل بنُ ذكوان المكي رجلٌ آخَر روى عن عائشة ووَصَفَها" (٣).
_________
(١) انظر: (٢/ ١٢٥).
(٢) انظر: (٢/ ٢٩٣).
(٣) انظر: (٣/ ٤٣٦ - ٤٣٨).
стр. 148
- وقوله. "الدمياطي ضعيف ليس من أهل الحديث" (١).
- وقوله: "والمسمى في حديث الموطأ معاذا أو سعدًا رجل مجهول" (٢).
- وقوله: "وعبد الكريم هذا ضعيف متروك" (٣).
- وقوله: "هذا حديث لا أصل له، وعبد الله بن المغيرة مجهول" (٤).
المطلب السادس: منهجه في إيراد المسائل الفقهية.
انتهج المصنف في إيراد المسائل الفقهية منهجًا مختصرًا، فلا يورد تلك المسائل إلَّا نادرًا، وإنَّما اكتفى في كتابه هذا بالصناعة الحديثية أكثر، مع أنَّ المصنِّف كان من فقهاء بلده، وكان من المفتين كما تقدّم في ترجمته، إلَّا أنَّه اعتنى في هذا المصنَّف ببيان حال الأحاديث، ويبيّن ذلك أنَّه ذكر حديث: "خَمْسُ صلواتٍ كتبهن الله تعالى على العِباد … "، واستطرد شيئًا ما في إيراد الأحاديث الموجبة لصلاة الوتر، ثم ذكر ما يعارضها ثم قال: "وللكلامِ في هذه القاعدةِ موضعٌ غير هذا، وإنَّما قَصدتُ ها هنا بيانَ حال الحديثِ" (٥).
ومن خلال دراستي للكتاب تبيّن لي أنَّ المصنِّف يورد المسائل إشارة إليها دون التصريح بها، وفي هذه النقاط بيان لمنهجه في ذلك:
_________
(١) انظر: (٤/ ٤٥٩).
(٢) انظر: (٤/ ٥٩٣).
(٣) انظر: (٤/ ٥٧).
(٤) انظر: (٥/ ٢٣).
(٥) انظر: (٣/ ٤٦ - ٥٥).
стр. 149
• أنَّه لا يصرِّح بالسائل، وإنَّما يذكر الأحاديث التي تدلُّ على المسألة التي يريد ذكرها، مثاله: أورد حديث أبي هريرة وفيه: "أنَّ النبي ﷺ سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، ثمَّ أورد بعده الأحاديث التي فيها أنَّ النبي ﷺ سجد في هذه السورة، وفي غيرها من سوَر المفصّل، ومرَادُه الردّ على مذهب المالكية القائل بأنْ لا سجود في سوَر المفصل (١).
• قد يورد بعض الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية دون التصريح بها، وإنَّما يكتفي بإيراد بعض طرق الحديث، وهذه الأحاديث قد تكون تخصيصًا لعامٍّ، أو تعميمًا لخاصٍّ، أو إطلاقًا لمقيَّدٍ، وهذا كثير في كتابه، وأكتفي هنا بذكر بعض الأمثلة التي يُستدلُّ بها على غيرها، فمن ذلك:
- أورد حديث الموطأ: "أهدى رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ راوِيَةَ خَمْر"، وفيه: "إنَّ الذي حَرَّم شُربَها حَرَّم بيعَها". ثم قال: "هذا خاصٌّ".
أي أنَّ الحديث خاصٌ بتحريم بيع الخمر فقط، وليس فيه تحريمُ بيع سائر المحرّمات، ثم أورد ما يبيّن أنَّ الحكم عامٌّ في كلِّ المحرَّمات فقال: "وجاء عن ابن عباس مرفوعًا: "إنَّ الله إذا حَرَّم شيئًا حَرَّم ثمنَه". خَرَّجه الدارقطني في السنن، وخَرَّج عن تميم الداري مرفوعًا: "لا يَحِل ثمنُ شيء لا يَحِلُّ أكلُه وشُربُه" (٢).
- ومنها: أنّه ذكر حديث جابر بن عتيك: "الشهداءُ سبعةٌ سِوى القتل"، وفيه: فصاح النِّسوةُ وبكين، وقوله ﷺ : "دَعْهُنَّ، فإذا وجبَ فلا
_________
(١) انظر: الحديث (٣/ ٣١٣ - ٣١٥).
(٢) انظر: الحديث (٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨).
стр. 150
تبكينَّ باكية". ثم تكلّم على الحديث من جهة الإسناد، وقال في آخره: "فصل: قال في هذا الحديث. "إذا وَجَبَ فلا تبْكِيَنَّ باكيةٌ"، وجاء عن ابن عباس أنه قال في حديث طويل ذكره: لما ماتت رُقَيَّةُ بنت النبي ﷺ بكى النساءُ عليها، فجعل عُمرُ يضربهنَّ بسوطِه، فأخذ النبيُّ ﷺ بيده وقال: "دَعْهنَّ يَبْكِينَ"، وقال: "ابْكِينَ، وإيّاكنَّ ونَعِيقَ الشيطان، فإنَّه مَهْمَا يَكنْ مِن القلبِ والعَينِ فَمِنَ الله الرَّحمة، ومَهْمَا يكنْ مِن اليَدِ والَلِّسانِ فمِنَ الشَّيطانِ"، وذَكَر سائرَه. خرّجه ابن أبي شيبة".
ومرادُ المصنِّف من إيراد هذا الحديث بيان أنَّ قوله "لا تبكينّ باكية" ليس على عمومه، وأنَّ الراد لا تبكين صياحًا ولا نياحًا، وأنَّ البكاء على الميت جائز ما لم يشب ذلك نياح وصياح وشق جيب (١).
- ومن ذلك أنَّه أورد حديث الجارية، وسؤالها: "أين الله"، وفيه الأمر بالعتق، قال أبو العباس الداني: "وفي هذا الحديثِ الأمْرُ بالعِتقِ مُطلَقًا، وغيرُ مالكٍ يقول فيه: "اعْتِقْها فإنَّها مُؤمِنَةٌ"، خرَّجه مسلمٌ في الصلاة".
ففي حديث مسلم تقييد لما أُطلق في حديث مالك (٢).
- ومنها: أنَّه ذكر حديث: "كان يأتِي قباءَ راكبًا وماشيًا". قال: "وليس فيه عند مالكٍ ذكرُ الصلاةِ، ولا وقتُ الإتيان. وقال فيه غيرُه من طريق ابن دينار: "كان يأتي قباءَ كلَّ سَبْتٍ". ومن طريق نافع: "فيصلي فيه ركعتين" (٣).
_________
(١) انظر: (٢/ ١٤٦).
(٢) انظر: (٢/ ٣٠٨).
(٣) انظر: (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩).
стр. 151
والأمثلةُ في هذا كثيرة جدًّا في تخصيصِ عامٍّ، أو تقييدِ مطلقٍ، أو تعميمِ خاصٍّ، وغير ذلك ممّا يشير إليه المصنِّف إشارات دون تصريح.
• ومن منهجه أيضًا أنَّه لا يذكر المسائل والأحكام الفقهية مستوعبة بأدلّتها، وإنَّما يكتفي بالأشارة إلى الاختلاف الواقع في ذلك دون تحرير للأقوال ولا بسط للأدلة؛ وذلك أنَّه وضع هذا الكتاب مكتفيًا بالصناعة الحديثية دون الفقهية، ومن ذلك أنَّه ذكر حديث: "لَا يَحِلُّ لامرَأةٍ تؤمِن بالله واليومِ الآخِر تسافِرُ مَسيرَةَ يومٍ وليلةٍ إلَّا مع ذِي مَحْرَم منها". قال في آخره بعد أن تناوله من ناحية الإسناد: "واختَلَفَتِ الآثارُ في مسافَةِ السَّفرِ المُشتَرَطِ فيه وجودُ ذِي المَحرَم وفي ذِكرِ الزوج معه" (١).
- وقوله في حديث: "كانت - أي عائشة - إذا ذكرت أنَّ رسول الله ﷺ كان يقبّل وهو صائم تقول: وأيّكم أملك لنفسه من رسول الله ﷺ ": "حَمَل مالك ﵀ قول عائشة هذا على كراهة القبل للصائم والتحذير منه … وحمله غيره على إباحة القبل على الإطلاق … وكلا القولين محتمل، ولكل وجه" (٢).
• ومن منهجه أيضًا الردُّ على بعض أقوال المذاهب، خاصة المالكية منهم، إلَّا أنه يشير إلى ذلك بإشارات وتلويح دون إظهار وتصريح، ومن أمثلة ذلك:
أنَّه ذكر حديث: "كنا في زَمَن النبيِّ ﷺ نَبتاع الطعامَ فيبعَثُ علينَا من
_________
(١) انظر: (٣/ ٤٩٣).
(٢) انظر: (٤/ ١٧٠).
стр. 152
يَأمرُنا بانتِقَالِه". ثم قال المصنف. "وخَرَّج مسلم من طريق عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كنَّا نشتري الطعامَ مِن الرُّكبان جُزافًا فنهانا رسولُ الله ﷺ أنْ نَبيعه حتى نَنقلَه مِن مكانه". وعن سالم، عن أبيه: "أنهم كانوا يُضرَبون على عَهد رسولِ الله ﷺ إذا اشتروا طعامًا جُزافًا أنْ يبيعوه في مكانِه حتى يُحَوِّلوه".
ومراد المصنِّف من إيراد الحديثين -وفيهما ذكر الجزاف- الرد على المشهور من مذهب مالك القائل بالتفريق بين الجزاف والمكيل، وأن ما كان مكيلا وجب فيه القبض والنقل، بخلاف الجزاف يجوز بيعه قبل القبض والنقل (١).
ومنها: أنه أورد حديث "المُتبايعان كلُّ واحدٍ منهما بالخِيار على صاحبِه ما لم يَتَفَرَّقا إلَّا بَيعَ الخِيار" ثم قال المصنف: "وقال فيه اللَّيث، عن نافع: "ما لَم يَتفرَّقا وكانا جميعًا، أو يُخَيِّرُ أحدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحدُهما الآخَرَ فتبايعَا على ذلك فقد وَجَبَ البَيعُ، وإنْ تَفَرَّقَا بعد أنْ تبايعَا ولَم يَتركْ واحدٌ منهما البيعَ فقد وَجَبَ البَيعُ". وهذا فِي الصحيحين. وزاد البخاريُّ من طريق يحيى بن سعيد، عن نافع قال: "كان ابنُ عمر إذا اشتَرى شيئًا يعجبُه فارَقَ صاحِبَه".
ومراد المصنف من إيراد أثر ابن عمر الرد على مذهب من يقول إنَّما التفرّق بالأقوال دون الأبدان (٢).
_________
(١) انظر: (٢/ ٤١٤ - ٤١٥).
(٢) انظر: (٢/ ٤١٧).
стр. 153
ومنها أنَّه أورد حديث: "صلَّى الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوفٍ ولا سَفَرٍ". ثم قال المصنف: "ليس فيه ذكرُ المَطَرِ، وقال فيه سليمان الأعمش، عن حَبيب بن أبي ثابِت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: " .. بالمدينة في غيرِ خوفٍ ولا مَطر"، خَرَّجه مسلم".
ومراد المصنف من إيراد حديث مسلم الردَّ على قول مالك في الموطأ إثر الحديث: "أُرى ذلك كان في مطر" (١).
المطلب السابع: مصطلحاته في الكتاب.
ذكر المصنِّف عدَّة مصطلحات عبَّر بها في كتابه، ولم يبيّن ذلك في مقدَّمة كتابه، وبعض تلك الصطلحات جرت العادة على خلافها، وإن كانت طريقة بعض أهل العلم، كوصف الحديث المنقطع بالمقطوع وغير ذلك، وسأذكر في النقاط التالية تلك المصطلحات التي مشى عليها المصنِّف حتى يتضح للقارئ مراده في هذا الكتاب، ثم هي فوائد يستفيدها طالب الحديث، فمن تلك الصطلحات:
• إطلاقه على الحديث المنقطع لفظ المقطوع (٢).
وهذا استعمله في جميع الكتاب (٣)، وهو مصطلح اصطلحه بعض أهل العلم قبله.
_________
(١) انظر: (٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩).
(٢) والمقطوع في اصطلاح المحدّثين: هو الموقوف على التابعين.
(٣) انظر مثلا: (٢/ ٨٨، ٩٥، ٩٩، ١٠٥، ١٢٨، ١٣٦). وغيرها.
стр. 154
قال ابن الصلاح: "وقد وجدتُ التعبير بالمقطوع عن المنقطع غير الموصول في كلام الإمام الشافعي وأبي القاسم الطبراني وغيرهما" (١).
قال الحافظ ابن حجر: "قوله: وغيرهما، عنى به الدارقطني والحميدي، فقد وجد التعبير في كلامهما بالمقطوع في مقام المنقطع" (٢).
قلت: وممّن استعمل أيضًا لفظ المقطوع على المنقطع ابن الحصَّار (٣)، وابن عبد البر في بعض المواضع من التمهيد (٤).
• إطلاقه لفظ المرسل على المعلّق والمعضل.
كقول مالك: قال رسول الله ﷺ (٥).
وهذا الاصطلاح مشى عليه كثير من الأئمة فِي الحكم على الأحاديث، كالبخاري وأبي داود، والدارقطني، وأبي نعيم، والبيهقي، بل قال بعض الفقهاء والأصوليين إنَّ كلَّ ما كان منقطعًا يسمى مرسلًا.
_________
(١) علوم الحديث (ص: ٤٣)، وانظر: إرشاد طلاب الحقائق (ص: ٧٩)، اختصار علوم الحديث (ص: ٤٤)، فتح الغيث (١/ ١٢٦)، وتدريب الراوي (١/ ٧٤٠).
(٢) النكت (٢/ ٥١٤).
(٣) كما في فتح المغيث (١/ ١٢٦).
(٤) انظر: التمهيد (٢/ ٢٦)، (١٦/ ٢٥٣)، وفرّق بينهما في مقدّمة التمهيد، واستعمله في أغلب الأحيان على الاصطلاح المشهور عند المحدّثين.
(٥) انظر: (٢/ ٤٥). عند قول المولف: "وذَكَر مالكٌ هذا مرسلًا في باب: رفع الرأس قبل الإمام".
و (٢/ ٤٠٨) عند قوله: "واحتجَّ به مرسلًا في الأقضية".
و (٣/ ٣٠١) عند قوله: "واحتجَّ به مرسلًا في أبواب الجمعة".
و (٣/ ٤٩٩) عند قوله: "واحتجَّ به مرسلًا في الصيدِ".
стр. 155
قال الخطيب البغدادي: "وأما المرسل فهو ما انقطع إسناده بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممّن فوقه، إلَّا أنَّ أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي ﷺ " (١).
• إطلاقه على الحديث المعلَّل لفظ العلول.
قال المصنِّف في المقدّمة: "وأَذْكر المقطوعَ والموقوفَ اللَّاحِقِ بالمرفوع، وسائرَ الحديثَ العلولِ" (٢).
قال ابن الصلاح: "معرفة الحديث المعلل، ويسمّيه أهل الحديث العلول، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: العلة والعلول، مرذول عند أهل العربية واللغة" (٣).
والمعلول قد استعمله كثير من أهل الحديث كالترمذي والدارقطني والحاكم وغيرهم، والأفصح فيه أن يُقال: معلّ (٤).
• قد يطلق لفظ المجهول، ولا يعني به الجهالة المعروفة عند المحدّثين، وإنَّما يعني به المبهم.
مثال ذلك أنَّه ذكر حديث ابن شهاب عن ابن لكعب بن مالك
_________
(١) الكفاية (ص: ٢١)، وانظر: علوم الحديث لابن الصلاح (ص: ٥٣)، إرشاد طلاب الحقائق (ص: ٧٩)، اختصار علوم الحديث (ص: ٤٥)، النكت (٢/ ٥٤٤)، وفتح الغيث (١/ ١٥٨).
(٢) (٢/ ٨)، وانظر: (٢/ ٦٧، ٧٦، ١٩٦، ٢٩٣).
(٣) علوم الحديث (ص: ٨١).
(٤) انظر: التقييد والإيضاح (ص: ٩٦)، فتح المغيث (١/ ٢٥٦).
стр. 156
قال: "نَهى رسولُ الله ﷺ الَّذين قَتَلوا ابنَ أبي الحقيق عن قتل النِّساء والولدان قال: فكان رجل منهم يقول: برَّحتْ بنا امرأةُ ابن أبي الحقيق بالصِّياحِ … "، الحديث، قال المصنف: "وبهذا يُنسبُ الحديثُ إلى الرجلِ المجهولِ، وأظنُّه عبد الله بن عَتيك" (١).
- وقوله: "امرأة مجهولة في الموطأ، وهي أم معقل الأنصارية" (٢).
- وقوله: "لعمة حصين بن محصن مجهولة غير مسماة حديث واحد" (٣).
- وقوله: "رجل من الأنصار مجهول، له حديث استقبال القبلة" (٤).
ولا شك أنَّه يعني بالجهالة هنا جهالة اسمه ونسبه، أي أنَّه مبهم؛ لأنَّ مَن ذُكر من الصحابة.
وكذلك قال في آخر القسم الثاني، وهو في الكنى والألقاب والمبهمين: "وهكذا كلُّ حديث يَذكره الصحابيُّ عن غير معروفٍ مِن الصحابة على طريق الحكايةِ فلا يَقصِد بها الروايةَ عنه، فإنَّه يُنسب إلى المعروفِ دون المجهولِ" (٥).
فمراده بالمجهول، المبهم في الحديث الذي لم يُعرف اسمه، لا جهالة عينه وحاله المعتبرة عند المحدّثين، والله أعلم.
_________
(١) انظر: (٣/ ٦٠٨).
(٢) انظر: (٤/ ٣٤١).
(٣) انظر: (٤/ ٤٧٨).
(٤) انظر: (٥/ ٣٥٤).
(٥) انظر: (٣/ ٦١٤).
стр. 157
• إطلاقه لفظة "وبه"، ومراده بالإسناد السابق.
استعمل المصنف لفظة "وبه" إذا أورد حديثًا بإسناد، ثم أتبعه بأحاديث كثيرة بذلك الإسناد الواحد، فلا يكرّره، وإنَّما يكتفي بقوله: "وبه"، أي بذلك الإسناد (١).
• إطلاقه على كتاب الصلاة الواقع في الموطأ كتاب: الصلاة الثاني.
وذلك أنَّ مالكًا ﵀ وضع في الموطأ للصلاة كتابين، أحدهما كتاب: وقوت الصلاة، ويقع في أوَّل الكتاب قبل الطهارة، والثاني هو كتاب: الصلاة، ويقع بعد الطهارة، فلِكَيْ يميّز المصنف بينهما اصطلح أن يسمي كتاب: الصلاة، بقوله: كتاب الصلاة الثاني (٢).
• قول الصحابي: "هذا واجب"، أو قوله: "هذا سنة"، يُلحق بالمرفوع.
وقد نص المصنف على ذلك في عدّة مواضع من كتابه، وألحق تلك الأحاديث بأطراف أحاديث الموطأ؛ وقال في ديباجة الكتاب: "وأَذْكرُ المقطوعَ والموقوفَ اللَّاحِقِ بالمرفوع"، ومن ذلك أنَّه ذكر قول ابن عمر: "إنَّما سنةُ الصلاةِ أن تَنْصِبَ … "، الحديث ثم قال: "ظاهرُه الوَقفُ، وخرَّجه البخاري في المسند الصحيح؛ إذ معناه الرَّفعُ لقوله فيه: "إنَّما سُنَّةُ الصلاةَ"، والصلاةُ إنَّما تُلقِيَتْ مِن النبيِّ ﷺ وهو بَيَّنها وسَنَّ سُنَنَها … "، إلى آخر كلامه ﵀ (٣).
_________
(١) انظر مثاله: (٢/ ١٢٣ - ١٢٥).
(٢) انظر مثلًا: (٢/ ٢٦٩، ٣٠٢، ٣١٤، ٣٧٦)، وغيرها.
(٣) انظر: (٢/ ٣٥٤).
стр. 158
- وذكر أيضًا حديث عبادة: " خمس صلوات … "، وفيه: قول أبي محمد الصحابي: "إنَّ الوترَ واجبٌ"، ثم قال المصنف: "وقوله: "إنَّ الوترَ واجبٌ" خَبَرٌ قد يُلحقُ بالمرفوع؛ لأنَّ الواجبَ هو ما أوجَبَه الله تعالى في كتابه أو على لسانِ نَبيِّه ﷺ ، فقوله: "واجبٌ"، معناه الإخبارُ بإيجابِ الله تعاَلى إيَّاه على لسانِ الرَّسول ﷺ ، إذ ليس في القرآن، وإذا قال الصحابيُّ: "أوجب رسول الله ﷺ "، لَم يُطَالَب بنَقْلِ اللَّفظِ وتُلُقِّيَ بالقَبولِ" (١).
• قول الصحابي: "قال رسول الله ﷺ " وإن لم يسمعه منه حجّة، ومراسيلهم مقبولة.
- فمن ذلك أنَّ المصنِّف ذكر حديث ابن عمر: "يُهِلُّ أهلُ المدينةِ مِن ذي الحُليفة … ". وفيه: أنَّه بَلَغَه قولُه: "ويُهِلُّ أهلُ اليَمن من يَلَمْلَم".
ثم قال: "لم يُسَمِّ ابنُ عمر ها هنا من أخبَرَه بيَلَمْلَم، ومراسِلُ الصحابةِ مقبولةٌ، لأنَّ بعضَهم كان يأخذُ مِن بعض، وكلُّهم مَحمولون على العدالةِ، وقد كان ابنُ عباس يُكثِرُ الحديث ويَرفعُه من غيرِ واسطةٍ، ولَم يَسمع منه إلَّا يسيرًا لِصِغَر سِنِّه، ورُوي عنه أنَّه قال: "ما كُلُّ ما نحدِّثُكم به عن رسول الله ﷺ سمعناه منه، ولكن كان بعضُنا يحدّثُ بعضًا ويُصدِّق بعضُنا بعضًا، ولا خلافَ أنَّ قولَ الصحابي: "قال رسولُ الله ﷺ " حُجّةٌ، وأنَّه داخلٌ في المسند، وإنْ احتَمَل أن يكون لَم يَسمعْه (٢).
_________
(١) انظر: (٣/ ٤٧)، وذكر نحو هذا الكلام (٣/ ١٩٨، ٤٩٥).
(٢) انظر: (٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨).
стр. 159
- وذكر أيضًا حديث ابن عمر: "أنَّ النبي ﷺ خَطَبَ النَّاسَ في بعض مغازِيه … "، وفيه: فسألتُ ماذا قال؟ فقيل لي: "نَهَى أن يُنبَذَ في الدُّبَّاءَ أو في المُزَفَّت"، ثم قال. "لم يَذكر ابنُ عمر مَن أَخبَرَه، فهو داخلٌ في مسنَدِه، وليس بمعدودٍ في المرسَلِ اصطلاحًا؛ لأنَّ أخبارَ الصحابةِ ﵃ مُتَلَقَّاةٌ بالقَبولِ لعدالَتِهم، وفائدةُ الإسنادِ معرفةُ العدالَةِ" (١).
• حكم القراءة التي قرأ بها الصحابة الرفع وإن لم تثبت في المصحف.
وصرّح بذلك المصنف في عدّة مواضع، وأدرج تلك القراءات في حكم المرفوع فأوردها في كتابه هذا، وعلّل ذلك بأنّها مأخوذة من النبي ﷺ وطريقها النقل، والصحابة ﵃ شهدوا التنزيل.
- فمن ذلك قوله بعد أن ذكر قراءة أُبَيّ بن كعب: "ثلاثة أيَّامٍ متتابعات"، قال: "وهذا الحديث معناه الرفع؛ لأنَّ القراءة مأخوذةٌ عن رسول الله ﷺ ، وطريقُها النَّقل، لا مدخلَ للمقاييس فيها، فما قرأ به الصحابةُ حُمل على الرَّفع إنْ لم يُصَرِّحوا برفعه؛ إذ لا يُظنُّ بأحدٍ منهم أنَّه قَرَأَ. مما لم يُقْرَأ، هم المُقَدَّسون عن ذلك، وبِمِثل هذا تُلُقِّيَت سائرُ القراءات … ومِن حُكم هذه القراءة وما كان مثلها، ما لم يَثْبُتْ في المُصحفِ، ولا أُجْمِعَ عليه أَنْ تُحْكَى وتُروى، ولا يُقرأ بها في صلاةٍ، ولا فيما يُتلَى من القرآنِ، إذا لم تَنْقُلها الكافةُ نَقْلَ تواترٍ، وإنَّما تُقرأ كذلك ما ثَبَتَ في المصاحفِ وما نُقِلَ تواترًا؛ لأنَّ نَقْلَ التواتر يُوجبُ العلمَ ضرورةً وقطعًا، وليس عندنا من القرآن الثابِتِ غيرِ المنسُوخِ إَلَّا ما عُلِمَ ضرورةً أنَّه مِن
_________
(١) انظر: (٢/ ٤٣٣).
стр. 160
كلامِ الرَّبِّ سبحانه، وما لم يَنقلْه إلَّا الآحادُ ولم يَبلغْ حَدَّ التواترَ فلا يَقَعِ العِلمُ الضروريُّ به، ولا يُطلقُ القولُ بأنَّه من القرآن المنزَّل، وإنْ احتَمَل عندنا أن يكون اللهُ تعالى قد أنزله على رسولِه ﷺ ثم نَسَخَه، لكنه يُحكى ويُروى، وإن تضَمَّنَ حُكْمًا لَزِمَ العملُ به، وكان حُجّةً إن اتَّصَلَ سَندُه، وثبتَتْ عدالةُ ناقِلِيهِ، ولم يُعارِضْه ما يَدْفَعُه، وللكلامِ على هذه القاعدةِ مَوضعٌ غير هذا" (١).
- وذكر أيضًا قراءة عمر يَقرأ: ﴿فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ الله﴾، ثم قال: "وهي قراءةٌ تُؤثَر عن ابنِ مسعود، وهذا الحديث معناه الرَّفعَ؛ لأنَّ القراءةَ مأخوذةٌ عن رسولِ الله ﷺ مُتَلَقَّاةٌ مِن الصحابة ﵃ فما قَرؤوا به تُلُقِّيَ بالقَبول، ولم يُظَنَّ بأَحَدٍ منهم أنَّه قَرَأَ إلَّا بِمَا أُقْرِئَ، لا سِيَمَا عُمر ﵁، مع ما عُلِمَ من تَحَرِّيه وإنكارِه على من قَرَأَ بما لم يَسْمَعْه، أو رَوَى عن رسولِ الله ﷺ ما لم يَبْلُغْه، وقد كان يَسمَع مِن رسولِ الله ﷺ سورةَ الجُمعة في كلِّ جُمعةٍ" (٢).
- وذكر أيضًا حديث عبد الله بن عمر قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ عدّتهنّ، ثم قال: "معناه الرفع؛ لأنّ القراءةَ كالآيةِ، والكلُّ مِن عند الله تعالى، تلقّاه الصحابةُ من الرسولِ ﷺ فما نَطَقوا به منه فقد شَهِدوا تنزيله" (٣).
_________
(١) انظر: (٢/ ٩٣ - ٩٤).
(٢) انظر: (٢/ ٢٨٥).
(٣) انظر: (٢/ ٤٨٨).
стр. 161
• قول الصحابي: "هذا عهد نبيّنا إلينا"، ولم يشهد الواقعة يريد بذلك جنس الصحابة وهو منهم.
فمن ذلك أنَّه ذكر حديث ابن عمر "الدِّينارُ بالدِّينارِ والدِّرهمُ بالدِّرهمِ، لا فضلَ بينهما".
ثم قال: "وقال فيه ابن عمر: "هذا عَهْدُ نبِيِّنا إلينا"، وذلك يُوهِم سماعَه منه، وهو لَم يسمعْ العهدَ، وإنَّما أخبرَه به أبو سعيد الخُدري … ولعلَّ ابنَ عمر إنَّما أراد بقوله: "هذا عَهْد نبيّنا إلينا"، أنَّه عَهِدَ به إلى جُملةِ أصحابِه، وهو منهم، فيتناولُه العهدَ وإن كان غائبًا في حينِ الأَمر" (١).
• طرق معرفة الصحابي.
ذكر المصنِّف ﵀ حديث الرجلٍ من بني أَسد الذي قال: "نَزلتُ أنا وأهلِي ببقِيع الغَرقَد، فقال لي أهلي: اذهبْ إلى رسولِ الله ﷺ فتَسأله لنا شيئًا نأكلُه … ". ثم قال المصنِّف: "هذا وما أشبَهَه قد يُلحَقُ بالمسند، وإنْ لَمْ يُسَمَّ الصَّاحبُ، ولا عُرِفَ، ولا عَلمنا صُحبتَه إلَّا مِن لفظِ حديثِه؛ إذا كان التابعيُّ الراوي عنه مِن العلمِ والعدالَةِ والثقَةِ والأمانَةِ بحيث يُؤمَنُ التدلِيسُ منه، وإشكالُ الصحبةِ عليه، والتباسُ حالِ المرويِّ عنه، وهذا كقولِ التابعيِّ المَرضِيِّ: "حدَّثني رجلٌ من أصحابِ النبي ﷺ ، فإنَّه مقبولٌ وإنْ لم يُعَيِّنه؛ لأنَّ فائدةَ التَّعيينِ معرفةُ العدالة، والصحابةُ كلُّهم عدولٌ" (٢).
_________
(١) انظر: (٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩)، وتعليق المصنف على قول الإمام الدارقطني: "ولعلَّه أراد هذا عَهدُ صاحبنا إلينا، يعني عمر".
(٢) انظر: (٣/ ٥٧٤).
стр. 162
وذكر أيضًا حديث صالح بن خَوَّات، عن مَن صلَّى مع رسول الله ﷺ يومَ ذاتِ الرِّقاع صلاةَ الخوف، ثم قال: " لم يُسَمِّ صالِحٌ في هذه الرواية مَن حدَّثه بالحديثِ، وخُرِّج هكذا في الصحيحين من طريق مالك، وهو حديث مسنَدٌ صحيحٌ؛ لأنَّ صالحًا تابعيٌّ، سَمع سَهلَ بنَ أبي حثمة وغيرَه من الصحابة، ولا يَخفى عليه من صَحِبَ النبيَّ ﷺ وشَهِدَ معه المشاهدَ، مِمَّن يَدَّعِي ذلك كاذبًا، ولو اتُّهِم في مثلِ هذا لاتُّهِمَ في حديثِه. قال الأثرمُ: قلتُ لأحمد بن حنبل: " إذا قال رجلٌ من التابعين: حدَّثني رجلٌ مِن أصحابِ النبي ﷺ ولَم يُسَمِّه فالحديثُ صحيحٌ؟ قال: نعم" (١).
هذا ما تبيّن لي من منهج المصنف في كتابه، وقد راعيتُ في ذكر ذلك إيرادَ بعض الأمثلة فقط خشيةَ التطويل، وعلى العموم فالمصنِّف تكلّم على كلِّ حديث بما رآه مناسبًا مراعيًا في ذلك ذكرَ فوائده الحديثية مِن اختلافٍ في الروايات، أو الأسانيد، أو تعليلِ روايةٍ وتصويبِ أخرى، أو بيانِ حال الرواة، وغير ذلك من أنواع علوم الحديث المبثوثة في كتابه، كما أنَّه لم يخلِ كتابَه من الفوائد الفقهية والعقدية، وكذا شرح الكلمات الغريبة وغير ذلك، فالكتاب موسوعة مختصرة فيه فوائدُ علمية جمَّة يجتنيها الباحث، فكلُّ حديث تناول المصنِّفُ فيه علمًا من العلوم، فالقارئ لا يملُّ من قراءته، والباحث يجد فيه بغيته، نسأل الله أن يجزيَ مصنِّفَه خير المجزاء، والله أعلى وأعلم.
_________
(١) انظر: (٣/ ٥٩٨).
стр. 163
المبحث الخامس: وصف النسخة المعتمدة في التحقيق
- هي نسخة فريدة فيما أعلم، أصلها محفوظ بمكتبة كوبريلي بتركيا (١)، (برقم: ٢٥٣) (٢)، صورت نسخة منها عن طريق الشيخ الفاضل د- عبد الصمد بن بكر عابد حفظه الله تعالى.
- وعدد لوحاتها: (٢٧٩) لوحة ذات وجهين، إلَّا اللوحة الأولى والأخيرة فهما من وجه واحد، وفي كلِّ لوحة (١٩) سطرًا.
- الخط: تعدّدت خطوط الناسخين في هذه النسخة إلى ثلاثة خطوط:
فالأوراق الأولى منها مكتوبة بالخط المشرقي، وهذا يمثِّل بداية الكتاب إلى اللوحة التاسعة (أ)، وكذا اللوحة الأخيرة من الكتاب.
وفي اللوحة التاسعة (ب) يبدأ الخط الأندلسي إلى ما قبل اللوحة الأخيرة من الكتاب.
وتخلل ذلك في اللوحة (١٨٢/ ب)، و (١٨٣/ أ) خط آخر يخالف هذا الخط.
وأما الخط المشرقي فالذي يظهر أنَّه حديث، بخلاف الخط الأندلسي،
_________
(١) تقع في إستانبول - تركيا -، جعلت في مدرسة صغيرة تشرف على الشارع العام، خلفتها أسرة كوبريلي ومحمد عاصم بك والسلطان أحمد، وتبلغ عدد نسخها (٢٥٠٠) مخطوطة، ولها فهرس مطبوع، وقاعة للمراجعة يحجب بينها وبين جدران الخزانة فاصل خشبي. انظر: الخزائن العامة في إستانبول وأشهر مخطوطاتها لسامي الدهان (ص: ١٩٥ - مجلة المجمع العلمي العربي).
(٢) فهرس مخطوطات مكتبة كوبريلي (١/ ١٣٩)، تاريخ التراث العربي (١/ ٣/ ١٤٠).
стр. 164
ولعلَّ النسخة كانت كلّها بخط واحد، ثم حدث أن بدأت تتلاشى أوراقها الأولى بسبب الرطوبة أو غير ذلك، محفاظًا عليها من الضياع أُعيد كتابة الأوراق الأولى، والورقة الأخيرة حفاظًا عليها؛ ولذا صار لها أكثر من خط، والله أعلم.
- تاريخ النسخ: ليس في النسخة ما يدل على تاريخ النسخ، وأشار فؤاد سزكين، ورمضان ششن أنَّها كُتبت في القرن السابع الهجري، والله أعلم.
- اسم الناسخ: لم يُذكر اسم الناسخ، إلَّا أنَّ ثمة تعليقات تدل على أنَّه كانت له عناية بالحديث، وإن كان لا يُوافق على بعضها (١).
- استعمل الناسخ في الكتاب المداد الأسود، إلَّا في مواضع فاستعمل المداد الأحمر، كقوله: قال الشيخ أبو العباس ﵁، وإشارته للحديث بقوله: ح، رمزًا للحديث، وكذا كلمة فصل، وكذا بداية المسانيد، كقوله مسند أبي هريرة، وعند ذكر الرواة عن الصحابة إن كان من المكثرين، كسعيد بن المسيب عن أبي هريرة، مثلًا، وهكذا (٢).
وصف النسخة من حيث الجودة والعناية بها وضبطها:
الكتاب كما أسلفت مكتوب بخطّين، وإن كان الخط المشرقي عدد
_________
(١) انظر مثال ذلك: (٢/ ٥١٧، حاشية ٢)، (٣/ ٣٠ - ٣١، حاشية ٥)، (٣/ ١٦٠، حاشية ٧)، (٣/ ٥٧٩، حاشية ١).
(٢) المداد الأحمر في المصورة ظهر بالأسود العريض، ويدل على أنَّه في الأصل بالحمرة قول الناسخ في اللوحة (٢٢٥/ أ): " … هذا الموضع المعلم بالحمرة … ".
стр. 165
أوراقه قليلة جدًّا بالنسبة لما كتب بالخط الأندلسي، إلَّا أنَّ الأخطاء في أوَّل الكتاب كانت ظاهرة مع قلة الأوراق، فوقع الناسخ في تصحيفات وتحريفات لا تحتاج إلى كبير جهد في معرفتها (١)، ومن ذلك أنَّه وقع سقط في اللوحة الثامنة عند قول المصنف: "وحَكَى (٢) أنَّه قولُ الحسن، وقتادة. ثم قال: "أحسب أنهم ذهبوا إلى ما روي عن رسول الله ﷺ من قوله: اطلبوها لسبع يبقين. ورأى أنَّ ذلك غَلَطٌ من التأويل" (٣).
كذا وقع في النسخة، ويظهر أنَّ فيها سقطًا، ولم أهتد لصاحب هذا الكلام، والله أعلم.
هذا مجمل ما في بداية المخطوط المكتوب بالخط المشرقي، وهو قليل.
ثم إنَّ النسخة نُقلت من نسختين، أولاهما نسخة متقنة جيّدة، والأخرى وصفها الناسخ بأنَّها نسخة فيها خلل، وكان بدء النقل منها من اللوحة: (٢٢٥/ أ) إلى آخر الكتاب، وعليه فسوف أصف المخطوط على قسميه.
أما القسم المكتوب بالخط الأندلسي والمنقول من نسخة متقنة فقد اعتُني به كثيرًا، ويدل على ذلك عدّة أمور:
١ - أنَّها نُقلت من نسخة منقولة من نسخة قُرأت على المؤلف أبي العباس ﵀، كما جاء في هامش اللوحة (٢٢٥) عند قول المصنِّف:
_________
(١) انظر على سبيل المثال: (٢/ ٧، ٢٢، ٢٥، ٣١، ٣٣).
(٢) ضبطها الناسخ بضم الحاء على البناء للمجهول، وهو خطأ، وما بعده يدل عليه.
(٣) انظر: (٢/ ٦٩).
стр. 166
عن زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة * " ما نصُّه: "حاشية: شاهدتُ في حاشية الأصل المعارض به قبالة هذا الموضع المعلم بالحمرة ما مثاله: انتهى ما كان عند القاضي أبي بكر بن عبد الحليم من النسخة التي قرأها وقيّد فيها على الشيخ المؤلف، ومن العلامة إلى آخره من نسخة أخرى فيها خلل".
٢ - أنَّ النسخة مقابلة، وفيها تصحيحات في الهامش، ولَحَق، وضرب على بعض الكلمات والجمل الزائدة في النص، وقد قال الإمام الشافعي: "إذا رأيتم الكتاب فيه إلحاق وإصلاح فاشهدوا له بالصحة" (١)، كما أنَّه ذكرت كلمة: "بلغت عرضًا"، أو "بلغ العرض"، أو "بلغ"، أو "بلغت المقابلة"، التي تدل على المقابلة في عدة مواضع من الكتاب (٢).
٣ - أنَّ الناسخ إذا لم يجزم بخطأ ما في النسخة كتب كلمة: "كذا" في هامش الكتاب، أي أنَّه كذا وجده (٣)، وفي بعض الأحيان يصوِّب ما يراه خطأ فيقول: "صوابه كذا" (٤)، أو "سقط من الأصل ولا بد منه" (٥)، أو "ليس في الأصل كذا" (٦)، أو "في الأصل كذا" (٧)، وقد يكون
_________
(١) آداب الشافعي ومناقبه (ص: ١٣٤).
(٢) انظر مثلًا: (ل: ١٧، ٢٠، ٣٠، ٣٥، ٤٣، ١٠٨)، وغيرها.
(٣) انظر مثلًا" (ل: ٥٢/ أ)، (ل: ٨٤/ أ)، (١٨٥/ أ)
(٤) انظر مثلًا: (ل: ٩/ ب)، (١٩٢/ ب).
(٥) انظر مثلًا: (ل: ١٧٦/ ب).
(٦) انظر مثلًا: (ل: ٢٣/ ب)،
(٧) انظر مثلًا: (ل: ١٠٩/ ب)، (ل: ١٤٩/ أ)، (ل: ١٦٣/ ب).
стр. 167
النسخ سيّئًا في بعض الكلمات فيخرج الناسخ لَحَقًا يبيّن فيه تلك الكلمة ويقول: "بيان، أو بيانه كذا" (١).
٣ - أنَّ الناسخ قد يعلّق على بعض المواضع ممّا يرى ويظنّ أنَّ المصنِّف أخطأ في ذلك (٢)، أو يوضِّح كلامه (٣)، وقد يذكر بعض أقوال أهل العلم للفائدة (٤).
٤ - كما أنَّه اعتنى بنقل الحواشي الموجودة في النسخة التي نقل منها، ومثاله أنَّ أبا العباس الداني ذكر عدد الأحاديث التي مضت في الأقسام الثلاثة الأولى (الأسماء، والكنى، والنساء) فقال: "وجميع حديثهم ستمائة حديث"، علّق الناسخ عليه بقوله: "حاشية في الأصل: هذا نقص عدد، وهكذا وقع في الأصل، والعدد في الأحاديث مائة حديث وستة وثلاثون حديثًا" (٥).
٥ - كما تميّزت النسخة أيضًا بنظام التعقيبة، والتعقيبة هي الكلمة التي تكتب أسفل الصفحة اليمنى غالبا لتدلّ على بدء الصفحة التي تليها (٦). وكانوا يفعلون هذا وصلًا للجمل بعضها ببعض، وتفاديًا لاضطراب أوراق النسخة إذا تداخلت فيما بينها.
_________
(١) انظر مثلًا: (ل: ٣٢ / أ)، (ل: ٥٢ / ب)، (ل: ٥٨/ أ)، (ل: ٨٨ / أ).
(٢) انظر: (٢/ ٢٠٥، حاشية ١)، (٢/ ٥١٧، حاشية ٢).
(٣) انظر مثلًا: (ل: ٩٨/ أ)، (ل: ١٠٣/ ب)، (ل: ١٣٩/ أ)
(٤) انظر مثلًا: (ل: ٦٩/ ب)، (ل: ١٧٢/ أ)
(٥) (ل: ١٩٦/ أ).
(٦) انظر: تحقيق النصوص ونشرها (ص: ٤١).
стр. 168
٦ - أنَّ الناسخ كان ينقل من الأصل، وكانت عنده نسخة أخرى أشار في مواضع إلى الفرق بينها وبين الأصل الذي ينقل منه، مشيرًا إليها في الهامش بحرف الخاء (١).
هذا وصف مجمل للقسم المنقول من النسخة المنقولة عن نسخة القاضي أبي بكر بن عبد الحليم التي قرأها وقيّدها على المصنف، وهي موثوقة يُعتمد على مثلها في تحقيق الكتاب لشدّة عناية الناسخ بها وتصحيحها ومقابلتها، ومع هذا الاعتناء والضبط وقعت في النسخة بعض الأخطاء القليلة بالنسبة لحجم الكتاب، من تقديم وتأخير، أو تصحيف وتحريف، يأتي بيانه في قسم التحقيق (٢).
أما القسم الثاني، وهو الموصوف بأنَّه منقول من نسخة فيها خلل كما تقدّم، وهي تمثّل (٥٣) لوحة من آخر الكتاب، فالأخطاء فيه واضحة، والنقص ظاهر في كثير من مواضعها، ومع ذلك اعتنى الناسخ بتصويبها، وكثر فيه قوله: "كذا"، "لعله كذا"، "أظنه كذا"، "صوابه كذا" (٣)، وسقط من النسخة بعض الكلمات ممّا أدى إلى عدم استقامة الكلام، مثل قوله: "وروي عن أبي قتادة أنَّ النبي ﷺ أمر أن يُجعلا معًا في قبر واحد، خرّجه، وجاء"، كذا ولم يذكر مخرّجه ووضع الناسخ فوقه ضبّة (٤).
_________
(١) انظر: (ل: ٥٥/ أ).
(٢) انظر مثاله: (٢/ ١٧١، حاشية ١، ٢)، (٢/ ١٨١، حاشية ١). (٢/ ٢٠٧، حاشية ٥).
(٣) انظر: (ل: ٢٢٦/ ب)، (٢٢٧/ ب)، (٢٣٣/ أ، ب)، (٢٥٤/ أ، ب)، (٢٥٥/ أ)، وفي ها كثير.
(٤) انظر: (ل: ٢٣٤/ ب)، ومثله أيضًا في (ل: ٢٣٥/ أ).
стр. 169
وسقط أيضًا من النسخة مرسل القاسم، وقد أحال عليه المصنف في قسم الأسماء، مسند عبد الله بن عباس (٢/ ٥٣١)، ولم أقف عليه في النسخة، وموضعه في (ل: ٢٤٦) من هذا الكتاب قبل حرف السين، وكذا نقل الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (٦/ ٢٢٠) عن الداني أنَّه قال في عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري: "هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرة"، وهذا النقل موضعه مرسل القاسم بن محمد؛ لأنَّ عبد الرحمن يروي عن القاسم بن محمد، وعنه مالك في الموطأ فقط. ونقْلُ الحافظ لا وجود له في النسخة ممّا يدل على وجوده في أصل المصنف وسقوطه من النسخة التي بين أيدينا، ويدل أيضًا أنَّ ابن حجر ﵀ كان يمتلك نسخة غير هذه النسخة.
стр. 170
الفصل الرابع: موارد المؤلِّف في الكتاب
ويشتمل على تمهيد وأربعة مباحث
المبحث الأول: ذكر رواية يحيى بن يحيى للموطأ، فهي الأصل في الباب.
المبحث الثاني: ذكر روايات الموطأ الأخرى التي اعتمدها المصنف.
المبحث الثالث: ما صرح فيه المصنف باسم الكتاب.
المبحث الرابع: ما نقله المصنِّف أبهم في نقله أسماء المصنفات.
стр. 171
تَمهيد
إنّ علم الحديث علمٌ مبناه على الرواية والسماع والتلقي، والطريقة المتبعة عند سلفنا الصالح هي بالطلَّاب على الشيوخ، أو بإجازة الشيوخ لهم تلك المرويات إما بقراءتها عليهم كاملة أو غير ذلك من أنواع الإجازات المنصوص عليها في علم مصطلح الحديث، والمصنف ﵀ كانت طريقته في ذلك كطريقة من تقدّمه، فقرأ الكثيرَ من الكتب على مشايخه، بل كان هو القارئ لبعض الكتب على محدّث المغرب أبي عليٍّ الصدفي وعلى غيره (١).
وذكر المصنِّف بعض أسانيده لموطأ مالك برواية يحيى بن يحيى، ولم يذكر أسانيده إلى الموطآت الأخرى، ولا الكتب التي ذكرها في كتابه اختصارًا واكتفاءًا بشهرتها، فقال: "ولم أذكر أسانيدي في الموطأ عن سائر الروايات غير رواية يحيى، ولا أسانيد الكتب التي خرّجت منها ما أَحَلْت في هذا الكتاب عليه اختصارًا واكتفاءًا بشهرتها؛ ولأنِّي إنما ذكرت ذلك على طريق الاستشهاد، وأكثره على المعنى على حال ما تذكّرته، وبالله تعالى التوفيق" (٢).
_________
(١) انظر: مثال ذلك في معجم أصحاب أبي علي الصدفي (ص: ٢٠٨)، وأسانيده للموطأ في مقدمته لهذا الكتاب.
(٢) انظر: (٢/ ١٣).
والذي يظهر أنَّ كلَّ الكتب التي ذكرها المصنف يرويها بإسناده إما سماعًا أو قراءة على شيوخه، ويدل عليه قوله في كتاب ذكره لابن شعبان المالكي في مسألة إتيان المرأة من الدبر (٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦)، قال: "أُجيز لي هذا الكتاب ولم أقرأه".
стр. 172
ومن هذا النص يتبيّن أنَّ المصنِّف ذكر أقوال أهل العلم من كتبهم على حال ما تذكّره وحفظه، وقد يذكر الكتاب المنقول منه، وقد لا يذكره، وإنما يعزو الكلام إلى صاحمب الكتاب دون التنبيه من أيّ كتبه نقل، وذلك لشهرة الكتاب المنقول منه مثلًا.
فتبيّن لي أن أقسّم هذا الفصل إلى عدّة مباحث:
المبحث الأول: ذكر رواية يحيى بن يحيى للموطأ، فهي الأصل في الباب.
ويكون البحث فيه على النحو التالي:
- ترجمة موجزة ليحيى بن يحيى الليثي.
- ثناء العلماء عليه.
- سماعه للموطأ.
- منزلته في الرواية عن مالك.
- الرواة عنه، وفيه ذكر الفرق بين رواية عبيد الله بن يحيى عن أبيه، ورواية محمد بن وضاح القرطي، عن يحيى بن يحيى.
- النسخ الخطية للموطأ برواية يحيى بن يحيى الليثي، وفيه وصف للنسخ المعتمدة في التحقيق.
- المطبوع من رواية يحيى، وفيه ذكر الطبعة المشهورة، وهي طبعة محمد فؤاد عبد الباقي، وأهم المآخذ عليها.
стр. 173
المبحث الثاني: ذكر روايات الموطأ الأخرى التي اعتمدها المصنف.
ويكون البحث فيه على النحو التالي:
- ترجة موجزة لصاحب الرواية.
- ثناء العلماء عليه.
- سماعه للموطأ.
- منزلته في الرواية عن مالك.
- نسخ الرواية المطبوع منها والخطوط إنْ وُجد، وقد يُذكر أهم المآخذ على المطبوع.
المبحث الثالث: ما صرح فيه المصنَّف باسم الكتاب.
وذكرت فيه اسم الكتاب كما ذكره المصنف، والمواضع التي ذُكر فيها الكتاب، أو بعضها إن أكثر منها المصنِّف، وذكرتُ من ذكر الكتاب من العلماء إن لم يكن مشهورًا، وكذا نبّهت على وجوده إمَّا مطبوعًا أو مخطوطًا، وإن سكتُّ فيعني أنَّني لم أقف عليه لا مطبوعًا ولا مخطوطًا، وقد أنبِّه أيضًا على بعض طبعات الكتاب من حيث رداءتها، والتصحيف والتحريف الواقع فيها، وكذا صحة نسبته للمؤلف.
المبحث الرابع: ما نقله المصنِّف وأبهم في نقله أسماء المصنَّفات.
وذكرت فيه اسم المؤلِّف، واسم كتابه إن كان النقل منه ظاهرًا، فإن لم يتبيّن لي ذكرتُ أقرب كتاب له صلة بالكلام المنقول، ونبّهت على وجوده إمَّا مطبوعًا أو مخطوطًا، على نحو ما قدّمته في المبحث الثالث.
стр. 174
المبحث الأول: رواية يحيى بن يحيى الليثي (١).
وهي الرواية التي اعتمدها المصنف في كتابه هذا، وذكر أسانيده إليها
_________
(١) من الدراسات المعاصرة ليحيى بن يحيى الليثي وروايته للموطأ: دراسة قام بها الطالب محمد بن حسن شُرحبيلي قدّمها رسالة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإسلامية بجامعة القرويين بالمغرب، بعنوان: يحيى بن يحيى الليثي وروايته للموطأ، ونوقشت الرسالة سنة (١٩٧٨ م) أي قبل عشرين سنة، وطُبعت سنة (١٤١٦ هـ) (١٩٩٥ م).
وقدّم لها بمقدمة ثم ذكر الباب الأول في ترجمة يحيى بن يحيى، وقسّمه عدة فصول، ثم الباب الثاني وهو الخاص برواية يحيى بن يحيى، وقسّمه عدة فصول أيضًا، الأول في ترجمة الإمام مالك، والثاني في الموازنة بين رواية يحيى الليثي، وثلاث روايات أخر، والثالث في أسانيد رواية يحيى وخصائصها وأسباب انتشارها في الغرب والمشرق، والفصل الرابع في المآخذ على رواية يحيى الليثي، ثم خاتمة.
ولا شك أنَّه تناول موضوعات مهمة في رسالته، إلا أنني عند قراءتها تبيّن لي شدة القصور في المعلومات، والاكتفاء بالنقل عمّن تقدّم وتأخّر، وعدم الرجوع إلى المصادر الأصلية في البحث خاصة رواية يحيى، إذ اعتمد على ما في تنوير الحوالك للسيوطي، وكذا على طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (وسيأتي بيان رداءتها، وأنها غُيّرت عما كانت عليه رواية يحيى)، مع أنَّه ذكر في المقدمة نسخة نفيسة من رواية يحيى برواية عبيد الله عنه، نسخت سنة (٧٢٦ هـ)، وكذا عند ذكره للمآخذ اكتفى بالعزو إلى ابن عبد البر في التمهيد، أو السيوطي، واعتمد أصالة على ما كتبه محمد بن حارث الخشني في كتابه القيم أخبار الفقهاء والمحدّثين، حيث ذكر فصلا كاملا في الأخطاء التي وقع فيها يحيى بن يحيى، وتبعه الباحث في كل ما قال، وبعض تلك الأخطاء ليست من يحيى، فهي إما من مالك، أو من دونه، وبعضها مما توبع عليها يحيى، ولم يدرس الباحث تلك العلل دراسة مستوفية تؤدي إلى نتائج جيدة، وأهم من ذلك كلّه لم يبيّن ما هي الفروقات بين رواية عبيد الله عن أبيه يحيى، وبين رواية محمد بن وضاح، عن يحيى، وهي مسألة اعتنى بها شرّاح الموطأ، وسيأتي تفصيل الكلام فيها إن شاء الله تعالى.
стр. 175
في مقدمة الكتاب، وقال: "وأَبْنِيه على رواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي القرطبي عنه، أقدّم ما رواه ممّا انفرد به أو شورك فيه، ثم أُتبع ذلك ما شذّ من سائر الروايات الواصلة إلينا" (١).
• التعريف بصاحب الرواية:
هو الإمام يحيى بن يحيى بن كثير بن وَسْلاس، وقيل: وَسْلاسن بن شَمْلَل بن مَنْقايا المصمودي القرطبي أبو محمّد الليثي، أصله من البربر تولى بني ليث فنُسب إليهم، صاحب الرواية المشهورة عن مالك، ولد سنة (١٥٢ هـ)، وتوفي سنة (٢٣٣ هـ)، وقيل: (٢٣٤ هـ).
تقييد بعض الأسماء الواردة:
وَسْلاس: بالواو مفتوحة، والسين الغفل ساكنة، ولام ألف، وآخره سين غُفل.
وشَمْلَل: بالضين معجمة مفتوحة، وميم ساكنة، ولامين أولهما مفتوح.
ومَنْقَايا: بميم مفتوحة، ونون ساكنة، وقاف معقودة، وألف بعده ياء مسفولة وألف (٢).
_________
(١) انظر: (ص: ٣ - قسم التحقيق).
(٢) انظر: الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٨٨) ترجة: أحمد بن عبد الله بن يحيى بن يحيى بن يحيى بن كثير.
وفي وفيات الأعيان (٢٨٧/ ٢) "وِسلاس: بكسر الواو وسينين مهملتين، الأولى منهما ساكنة، وبينهما لام ألف، ويزاد فيه نون فيقال: وسلاسن، ومعناه بالبربرية: سبقهم.
وشَمّال: بفتح الشين العجمة، وتشديد الميم، وبعد الألف لام.
ومنغايا: بفتح الميم، وسكون النون، وفتح الغين العجمة، وبعد الألف ياء معجمة باثنتين من تحتها، وبعدها ألف مقصورة، ومعناه عندهم: قاتل.".
стр. 176
• ثناء العلماء عليه:
قال ابن الفرضي: "قدم الأندلسَ بعلم كثير، فعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى رأيه وقوله".
وقال أيضًا: "كالت إمامَ وقته، واحدَ بلده، وكان رجلًا عاقلًا" (١).
وقال أحمد بن خالد: "لم يُعط أحد من أهل العلم بالأندلس منذ دخلها الإسلام من الحظوة، وعظم القدر، وجلالة الذكر ما أُعطيه يحيى بن يحيى، وسمع منه مشايخ الأندلس في وقته" (٢).
وقال أيضًا: "كان يحيى ﵀ من العقلاء … وكان عالمًا فاضلًا" (٣).
وقال محمد بن عمر بن لبابة: "عاقلُ الأندلس من العلماء يحيى بن يحيى، وفقيهُها عيسى بن دينار، وعالمُها عبد الملك بن حبيب" (٤).
وقال ابن عبد البر: "كان إمامَ أهل بلده، والمُقتدَى به فيهم، والمنظورَ إليه والمُعوَّلَ عليه، وكالت ثقةً عاقلًا، حسنَ الهَدي والسَّمت، كان يُشبَّه في سَمْتِه بسَمت مالك بن أنس ﵀، ولم يكن له بصرٌ بالحديث" (٥).
وقال الحميدي: "إليه انتهت الرياسةُ بالفقه بالأندلس، وبه انتشر مذهبُ مالك هناك" (٦).
_________
(١) تاريخ العلماء (٢/ ١٧٦، ١٧٧).
(٢) تاريخ العلماء (٢/ ١٧٦، ١٧٧).
(٣) أخبار الفقهاء والمحدثين (ص: ٣٥٨).
(٤) أخبار الفقهاء والمحدثين (ص: ٣٥٨).
(٥) الانتقاء (ص: ١٠٩).
(٦) جذوة المقتبس (ص: ٣٦٠).
стр. 177
وقال الخليلي: "ثقة" (١).
وأخبار يحيى كثيرة، وذكر جملةً منها محمد بن حارث الخشني في كتابه أخبار الفقهاء والمحدّثين، ثم قال في آخر ترجمته: "وأخبارُ يحيى بن يحيى كثيرة غزيرةٌ، لو ذهبتُ إلى تقصِّيها واستيعابها لطال بها الكتاب طولًا يخرج عن حَدِّ ما بُني عليه من معرفة العلماء" (٢).
• سماعه للموطأ:
طلب يحيى بن يحيى الليثي العلمَ بالأندلس عند زياد بن عبد الرحمن شبطون، راوية مالك بن أنس، ثم رحل إلى المشرق وهو ابن ثمان وعشرين سنة، فسمع من مالك بن أنس الموطأ، غير أبواب من كتاب الاعتكاف، شك في سماعها فأثبت روايتَه فيها من زياد بن عبد الرحمن شبطون.
ثم التقى يحيى بعبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك، فسمع منه المسائل التي دوّنها ابن القاسم عن مالك، فنشط يحيى للرجوع إلى مالك ليسمع منه تلك المسائل، فرحل إليه رحلة ثانية، فألفى مالكًا عليلًا، فأقام عنده إلى أن توفي ﵀، وحضر جنازته (٣).
وقال القاضي عياض: "كان لقاؤه لمالك سنة تسع وسبعين (أي ومائة)، السنة التي مات فيها مالك" (٤).
_________
(١) الإرشاد (١/ ٢٦٥).
(٢) أخبار الفقهاء والمحدّثين (ص: ٣٦٧).
(٣) انظر: أخبار الفقهاء والمحدّثين للخشني (ص: ٣٥٩، ٣٦٥)، تاريخ العلماء (٢/ ١٧٦)، الانتقاء (ص: ١٠٦).
(٤) ترتيب المدارك (٣/ ٣٨٠).
стр. 178
وعليه يكون يحيى بن يحيى سمع من مالك في أواخر حياته ﵀، وقد كتب الله لروايته القبول، وعكف عليها العلماء شرحًا لمعانيها وفقهها، وتعريفًا برجالها وأسانيدها، وغير ذلك مما صُنِّف حول الموطأ، وعوَّل عليها كثير من علماء السلمين في دراستهم لموطأ مالك، خاصة المغاربة منهم، كابن عبد البر والباجي وابن الحذاء وابن العربي، وغيرهم، فصارت روايته أشهر الروايات، وأصبحت في وقتنا المعتمدة عند الإطلاق.
وكان ليحيى بن يحيى في روايته فوت أبواب من كتاب الاعتكاف، وهذا هو الشهور، وذكر ابن ناصر الدين عن هبة الله بن الأكفاني أنه ذكر في كتابه تسمية رواة الموطأ عن مالك أنَّه بقي عليه كتاب أو كتابان.
قال ابن ناصر الدين: "وذكر غير ابن الأكفاني أن يحيى الليثي شك في أيوب (كذا، والصواب: أبواب) من كتاب الاعتكاف، وهي خروج المعتكف إلى العيد، وباب: قضاء الاعتكاف، وباب: النكاح في الاعتكاف، هل سمع ذلك من مالك أم لا؟ فأخذه عن زياد بن عبد الرحمن شبطون عن مالك" (١).
_________
(١) انظر: إتحاف السالك (ص: ١٣٧).
وقال أحمد بن خالد المعروف بابن الجباب: "وقع في باب من تلك الأبواب غلط من إسناد حديث رواه يحيى بن يحيى عن زياد بن عبد الرحمن عن مالك بن أنس عن الزهري، ورواه أصحاب مالك كلهم عن يحيى بن سعيد عن عمرة.
قال أحمد: فأردت أن أتثبّت وأعرف إن كان الغلط من زياد بن عبد الرحمن أو من يحيى بن يحيى، فسألت بعض آل زياد فأخرج إليَّ الكتاب الدي رواه زياد عن مالك، فوجدت الورقة التي فيها تلك الأبواب قد نُزعت من كتاب زياد، فتأوّلتُ أن زيادًا فعل ذلك إعظامًا ليحيى بن يحيى لئلا يشركه أحد في روايته عنه". أخبار الفقهاء والمحدّثين (ص: ٣٤٨، ٣٤٩).
стр. 179
• منزلته في الرواية عن مالك:
تقدّم قول ابن عبد البر ﵀: "ولم يكن له بصر بالحديث".
قال الذهبي: "نعم، ما كان من فرسان هذا الشأن، بل كان متوسِّطًا فيه ﵀" (١).
قلت: فلذا أُخذ عليه في روايته للموطأ أوهام نبّه عليها كثيرٌ من العلماء كابن عبد البر، وابن الحذاء، وأبي العباس الداني، وغيرهم.
وقال محمد بن حارت الخشني: "وذكر بعضُ الناس أنّه كان ليحيى بن يحيى في موطأ مالك بن أنس ﵀، وفي غيره تصحيف، فأما إبراهيم بن محمد بن باز (٢) فكان يُكثر على يحيى في ذلك ويقول: غلط يحيى في الموطأ في نحو من ثلاثمائة موضع، فذُكر ذلك لأحمد بن خالد فقال: لا ولا، هذا كلّه الذي صح من ذلك نحو ثلاثين موضعًا.
قال محمد (أي الخشني): قال لي يعلى بن سعيد: حصَّل محمد بن وضاح ذلك الغلط كله فأصاب ستة وثلاثين موضعًا.
قال محمد: وقرأت تلك المواضع كلها في كتاب محمد بن عبد الملك بن أيمن، وإنَّما هي في الإسناد ليس في متون الأحاديث". اهـ.
ثم ذكرها محمد بن حارث الخشني حديثًا حديثًا، وتكلَّم على غلط يحيى ووهمه، وبعضها مما توبع عليه يحيى، وسيأتي ذكر بعضها في هذا الكتاب (٣).
_________
(١) السير (١٠/ ٥٢٣).
(٢) هو أحد رواة الموطأ عن يحيى بن يحيى عن مالك، كما سيأتي.
(٣) انظر: أخبار الفقهاء والمحدثين (ص: ٣٤٩ - ٣٥٨)، وقد جمعتها في جزء مفرد، يسَّر الله إخراجه.
стр. 180
وبالرغم من تلك الأوهام كان يحيى الليثي من أحسن أصحاب مالك نقلا لموطئه، قال ابن عبد البر: "ولعمري لقد حصلت نقله عن مالك، وألفيته من أحسن أصحابه نقلًا، ومن أشدّهم تخلّصًا في المواضع التي اختلف فيها رواة الموطأ، إلا أنَّ له وهمًا وتصحيفًا في مواضع فيها سماجة" (١).
وقال أيضًا: "وأُخذ عليه في روايته في الموطأ، وحديث الليث أوهام نُقلت، وكُلّم فيها فلم يغيّر ما في كتابه، واتَبعه الرواة عنه، وقد عرفها الناس، وبيّنوا صوابها، وأما ابن وضاح فإنَّه أصلحها ورواها الناس عنه على الإصلاح" (٢).
هذه مكانة يحيى الليثي في الرواية عن مالك، فروايته رواية متقنة إلا في مواضع يسيرة - إن شاء الله - سيأتي التنبيه عليها في ثنايا هذا الكتاب (٣).
• الرواة عن يحيى بن يحيى الليثي:
أخذ الموطأ عن يحيى بن يحيى الليثي أكثر من واحد، واشتهرت رواية رجلين، وهما ابنه عبيد الله، وكان آخر من أخذ عن يحيى الليثي، والثاني محمد بن وضاح، وروى عن يحيى غيرهما (٤)، إلَّا أنَّ روايتهما أشهر
_________
(١) التمهيد (٧/ ١٠٢).
(٢) ترتيب المدارك (٣/ ٣٨١)
(٣) وقد تقدَّم ذكر بعض أوهامه ومواضعها (١/ ١٣٦ - ١٣٨).
(٤) وممّن روى أيضًا عن يحيى بن يحيى: إبراهيم بن محمد بن باز يُعرف بابن القزاز، أبو إسحاق القرطبي، توفي سنة (٢٧٤ هـ)، كان فقيها عالمًا زاهدًا ورعًا.
انظر: تاريخ العلماء (١/ ١٨)، وروايته للموطأ في فهرست ابن خير (ص: ٧٧، ٧٩، ٨٠).
следующие страницы →