Полный текст (2 505 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
به رأسا (١) ، ولم يزل علي هذا حتى يعث مروان حرسيًّا من شرطه إلي بسرة يسألها عنه، فجاء الرسولُ بتصديقه وعروة حاضرٌ، ثم سألها عروة عنه فشافهته (٢) به وحدّث عروة بهذا كلّه، فكان أحيانا يحدِّثُ ببعض القصة دون بعض، ويُسند الحديث تارةً إلي بسرةَ، وتارة إلي مروان، وتارة إليه وإلي رسوله علي حال ما يخفّ عليه في وقته أو بحسب ما يطالب به (٣) ، وفعل أصحابه مثل ذلك، فنُقِلَ عنهم علي أربعة أوجه:
- قيل: عروة عن مروان وحده، عن بسرة، وهكذا قال فيه مالك ومن تابعه، ومحمد بن إسحاق وغيره عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة (٤) .
وكذلك رواه عبدُ الله بن إدريس الأَوْدي، ووُهيب بن خالد، وأنس بن عياض، وغيرُهم عن هشام بن عروة، عن أبيه (٥) . الحواشي
(١) انظر: شرح معاني الآثار (١/ ٧١).(٢) أخرج ابن الجارود في المنتقي (ص: ١٧) (رقم: ١٨)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان) (٣/ ٣٩٨ - ٣٩٩) (رقم: ١١١٤) حديث بسرة من طريق مروان عنها وفي آخره قول عروة: "فسألت بسرة فصدّقته".(٣) انظر: علل الدارقطني (٥ / ل: ١٩٦، ١٩٧).(٤) رواية مالك في الموطأ (١/ ٤٢) (رقم: ٤٢)، وأخرجه من طريقه أبو داود والنسائي كما تقدّم.
ورواية محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عند الدارمي في السنن (١/ ١٨٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٩٨) (رقم: ٥٠٢) وتابعهما:
- إسماعيل بن عليّة: عند ابن أبي شيبة (١/ ١٥٠)، وأحمد (٦/ ٤٠٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٩٧) (رقم: ٥٠٠).
- والزهري: عند النسائي (١/ ١٠٨) (رقم: ١٦٤) وأحمد (٦/ ٤٠٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٩٤ - ١٩٦) (رقم: ٤٩١ - ٤٩٥) كلهم من طرق عن الزهري به.
- وعمرو بن الحارث، أبو أمية البصري، والضحاك بن عثمان: عند الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٩٧) (رقم ٤٩٩، ٥٠١).(٥) طريق عمد الله بن إدريس عند: ابن ماجه في السنن (١/ ١٦١) (رقم: ٤٧٩)، وإسحاق في مسنده =стр. 1717
وهكذا رواه سفيانُ الثوري، عن هشام وعبد الله بن أبي بكر معا عن عروة (١) .
وخرّجه الترمذي وابن الجارود من طريق أبي أسامة، عن هشام كذلك (٢) .
- وقيل: عروة عن مروان ورسوله، عن بسرة. قاله جماعة، منهم: حماد بن زيد، وعلي بن مُسهر القاضي، عن هشام عن أبيه (٣) .
وهكذا قال فيه سفيان بن عيينة، عن عمد الله بن أبي بكر، عن عروة (٤) . الحواشي
(١) أخرجه الدارقطني في العلل (٥ / ل: ٢٠٤ / أ).(٢) انظر: السنن (١/ ١٢٩) (رقم: ٨٣)، والمنتقي (ص: ١٦) (رقم: ١٧).
وهذه الروايات كلها صحيحة ثابتة، ورواتها محتجّ بهم.(٣) طريق حماد عند: الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٩٩) (رقم: ٥٠٧)، والدارقطني في العلل (٥ / ل: ٢٠١)، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (١/ ١٣٦).
وطريق علي بن مسهر عند: الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٩٩) (رقم: ٥٠٦)، والدارقطني في العلل (٥ / ل: ٢٠٣ / ب).
وهكذا رواه هشام بن حسان، وحماد بن سلمة، ومعمر، أخرجه الدارقطني عنهم في العلل (٥ / ل: ٢٠٢ / أ، ب).
ومن طريق هشام بن حسان أخرجه أيضًا الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٠٠ - ٢٠١) (رقم: ٥١٢).(٤) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٤٠٦).стр. 1718
وخرّجه ابن الجارود من طريق ابن عيينة كذلك، وقال فيه: فأرسل حرسيًّا ورجلًا (١) ، وهذا الذي آثر أحمد بن حنبل من ساير طرقه، روي عنه أنه قال فيه: "هو صحيح؛ لأنَّ مروان حدّث به عن بسرة، ثم جاء الرسول عنها بذلك" (٢) ، فعضَّد ابنُ حنبل حديث مروان بتصديق الرسول إيّاه.
- وقيل: عروة عن بسرة -من غير واسطة مختصرًا-، قاله جماعة من أهل الحفظ والإتقان، منهم: أيوب السختياني، ويحيى بن سعيد القطان، وعليّ بن المبارك، وعبد العزيز بن أبي حازم، وأبو معشر البراء -وهو يوسف بن يزيد- وغيرهم رووه عن هشام، عن أبيه كذلك (٣) . الحواشي
(١) انظر: المنتقي (ص: ١٦) (رقم: ١٦)، وفيه: حرسيًا أو رجلًا علي الشك.(٢) مسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص: ٣٠٩).(٣) رواية أيوب عند: الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٠٠) (رقم: ٥١٠)، والدارقطني في السنن (١/ ١٤٨)، وفي العلل (٥ / ل: ٢٠٠ / أ)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٣٨).
ورواية يحيي القطان عند: الترمذي في السنن (١/ ١٢٦) (رقم: ٨٢)، والنسائي في السنن (١/ ٢٣٦) (رقم: ٤٤٦)، وأحمد في المسند (٦/ ٤٠٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٠٢) (رقم: ٥١٨)، والدارقطني في العلل (٥ / ل: ٢٠٠ / أ)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٢٣٨).
ورواية علي بن المبارك عند: الدارقطني في العلل (٥ / ل: ٢٠٠ / أ، ب)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان) (٣/ ٣٩٩) (رقم: ١١١٥)، والقطيعي في جزء الألف دينار (رقم: ١٣٨)، والشاموخي في أحاديثه عن شيوخه (رقم: ٢٣).
ورواية عبد العزيز بن أبي حازم، عند: الدارقطني في العلل (٥ / ل: ٢٠٠ / ب)، وابن سيد الناس في أجوبته (٢/ ١٣٧).
ورواية أبي معشر عمد: الدارقطني في العلل (٥ / ل: ٢٠٠ / ب).
وتابعهم: محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، وحماد بن سلمة، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وأبو علقمة العدوي، وهشام بن حسان وغيرهم ممن يزيد عددهم علي عشرين راويًا ذكرهم الدارقطني في العلل (٥ / ل: ١٩٥ / ب) وساق رواياتهم بإسناده في (٥ / ل: ٢٠٠، ٢٠١) وحكم علي صحّتها في (٥ / ل: ١٩٦). =стр. 1719
وهكذا خرّجه الترمذي من طريق يحيي القطان، عن هشام (١) .
ورواه الضحاك بن عثمان، وابنه عثمان بن الضحاك، وعمر بن محمد بن يزيد وغيرهم، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة كذلك (٢) .
وهكذا قال فيه عبد الوهاب بن عطاء، عن مالك، عن عبد الله (٣) .
ورواه الزهري عن أبي بكر بن محمد، عن عروة كذلك (٤) .
وهكذا رواه أبو الزناد، وأبو الأسود، عن عروة، وعلي هذا عَوَّل أهلُ النظر وكثيرٌ من رواة الأثر (٥) . الحواشي
(١) انظر: السنن (١/ ١٢٦) (رقم: ٨٢) وقد أخرجه غيره أيضًا كما تقدّم.(٢) العلل (٥ / ل: ٢٠٤ / ب).(٣) أخرجه الدارقطني في العلل (٥ / ل: ٢٠٤ / أ)، وقال في (٥ / ل: ١٩٧ / أ): "رواه القعنبي ومعن ويحيى بن يحيى وأصحاب الموطأ عنه، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة، وخالفهم عبد الوهاب بن عطاء، رواه عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن بسرة، ولم يذكر فيه مروان، والأول أصح".(٤) أخرجه الدارمي في السنن (١/ ١٨٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٩٣) (رقم: ٤٨٧)، كلهم من طريق الأوزاعي، عن الزهري به.(٥) طريق أبي الزناد عند: الترمذي في السنن (١/ ١٢٩) (رقم: ٨٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٩٨ / رقم: ٥٠٥).
وطريق أبي الأسود هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عند الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٣)، والدارقطني في العلل (٥ / ل: ٢٤٣ / أ).
وممن عوّل عليه ابن حبان حيث قال- بعد أن أخرج الحديث من طريق مالاث-: عائذ بالله أن نحتجّ بخبر رواه مروان بن الحكم وذووه في شيء من كتبنا؛ لأنّا لا نستحل الاحتجاج بغير =стр. 1720
- وقيل: عروة عن مروان، عن بسرة على الكمال، قاله جماعة من الثقات الحفاظ أيضًا منهم: شعيب بن إسحاق الدمشقي، والمنذر بن عبد الله الحزامي، وزهير بن معاوية الجُعفي، وعنبسة بن عبد الواحد، وحُميد بن الأسود أبو الأسود البصري (١) ، وغيرهم، رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، وذكروا في آخر الحديث أن عروة سأل بسرة بعد ذلك فحدّثته به، ساقوه علي نسق واحد (٢) . الحواشي
(١) في الأصل: وحميد بن الأسود وأبو الأسود بزيادة الواو، والصواب بدونها، فإن أبا الأسود كنية لحميد بن الأسود.(٢) أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ١٤٦) من طريق شعيب بن إسحاق ثم قال: هذا صحيح، تابعه ربيعة بن عثمان، والمنذر بن عبد الله الحزامي، وعنبسة بن عبد الواحد، وحميد بن الأسود، فرووه عن هشام هكذا عن أبيه، عن مروان، عن بسرة. قال عروة: فسألت بسرة بعد ذلك فصدّقته.
ومن طريق شعيب أخرجه أيضًا: ابن حبان في صحيحه (الإحسان) (٣/ ٣٩٧) (رقم: ١١١٣).
ومن طريق الجميع أخرجه: الحاكم في المستدرك (١/ ١٣٧)، والبيهقي في السنن (١/ ١٢٩ - ١٣٠).
وذكر الدارقطني في العلل (٥ / ل: ١٩٦ / ب) رواية هؤلاء ثم قال: "فدل ذلك من رواية هؤلاء النفر علي صحة الروايتين الأوليين جميعًا -وهما الوجه الأول والثالث- وزال الاختلاف والحمد لله، وصح الخبر، وثبت أن عروة سمعه من بسرة فشافهته به بعد أن أخبره مروان عنها وإرساله الشرطي إليها".
قال ابن سيد الناس: "فمعنى كلام الدارقطني أنّ هذا الخبر قد كان معيبًا بمروان من الطريق التي =стр. 1721
وخرجه ابن الجارود من طريق ربيعة بن عثمان التيمي، عن هشام كذلك (١) .
وقد حَدّث به جماعة علي الوجهين مفصّلًا في مجالسَ شتّى كفعل عروة، مرة يقولون: عروة، عن بسرة، ومرة يقولون: عروة عن مروان، عن بسرة، منهم: حماد بن سلمة (٢) ، وهشام بن حسان (٣) ، وشعيب بن إسحاق (٤) ، وعلي بن مسهر، وسعيد بن عبد الرحمن الجُمحي وغيرهم، حدّثوا به كذلك عن هشام عن عروة، مرة يذكرون فيه مروان، ومرة لا يذكرونه (٥) .
ورُوي هكذا من طُرق شتّي عن الزهري، وإسماعيل بن إبراهيم -هو ابن علية- وعبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة علي الوجهين (٦) .
وليس هذا بخلاف، ولا فيه تناقض، وإنما هو بحمسب نشاط المحدِّث وكَسَلِه أو علي ما يراه من أغراض سائليه (٧) .
وهذا الحديث لم يخرِّجه البخاري ولا مسلم في الصحيح (٨) ، وحكم الحواشي
(١) انظر: المنتقى (ص: ١٧) (رقم: ١٨)، وكذا أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٠٢) (رقم: ٥١٧)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان) (٣/ ٣٩٨) (رقم: ١١١٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٢٩) من طريق ربيعة به.(٢) انظر: علل الدارقطني (٥ / ل: ٢٠٠ / ب)، و (٥ / ل: ٢٠٢ / أ).(٣) انظر: علل الدارقطني (٥ / ل: ٢٠١ / أ)، وأخرجه له علي الوجهين أيضًا الحاكم في المستدرك (١/ ١٣٦).(٤) انظر: علل الدارقطني (٥ / ل: ٢٠٣ / أ).(٥) انظر: علل الدارقطني (٥ / ل: ١٩٧ / أ).(٦) انظر: علل الدارقطني (٥ / ل: ٢٠٤ - ٢٠٨).(٧) انظر: علل الدارقطني (٥ / ل: ١٩٧ / أ).(٨) قال ابن عبد البر: "كل من خرّج في الصحيح ذَكَر حديث بسرة في هذا الباب، وحديث طلق =стр. 1722
الترمذي بصحّته، وقال: "قال محمّد -يعني البخاري-: أصحُّ شيء في هذا الباب حديث بسرة" (١) .
وجاء عن يحيى بن معين نحوُ هذا (٢) ، وصحّحه أحمد بن حنبل (٣) الحسن الدارقطني (٤) ، وأبو علي بن السكن (٥) ، وغيرهم من الأئمة (٦) . الحواشي
(١) انظر: السنن (١/ ١٢٩).
قال ابن سيد الناس: "لا يقتضي هذا الكلام من البخاري تصحيح حديث بسرة، وإنما مراده هو علي علّاته أصح من غيره من أحاديث الباب". أجوبة ابن سيد الناس (ص: ١٣٧).(٢) انظر: التمهيد (١٧/ ١٩٠ - ١٩١)، والتلخيص الحبير (١/ ١٣٢).(٣) انظر: مسائل أبي داود أحمد بن حنبل (ص: ٣٠٩).(٤) انظر: السنن (١/ ١٤٦).(٥) انظر: التمهيد (١٧/ ١٩٣).(٦) كابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وعبد الحق، وابن العربي، والحازمي، وغيرهم.
قال البيهقي: "هو صحيح علي شرط البخاري بكل حال، وإذا ثبت سؤال عروة بسرةَ عن هذا الحديث كان الحديث صحيحًا علي شرط البخاري ومسلم جميعًا". معرفة السنن والآثار (١/ ٤١٤).
وقال البغوي: "هذا حديث حسن، ثم نقل قول البخاري". شرح السنة (١/ ٢٦٣).
وقال ابن الصلاح: "هذا حديث حسن ثابت من حديث بسرة بنت صفوان، أخرجه أصحاب كتب السنن والمسانيد، ولم يخرّج في الصحيحين". شرح مشكل الوسيط (ل: ٣١ / أ)
وقال ابن الملقن: "هذا الحديث صحيح، أخرجه الأئمة الإعلام أهل الحل والعقد والنقل والنقد.
ثم ذكر أقوال الأئمة فيه، وقال: فهذه أقوال الحفاظ قديمًا وحديثًا يشهد لما قلنا من صحته".
البدر المنير (٢/ ٨٧٨ - رسالة ماجستير-).
وانظر أيضًا: المستدرك (١/ ١٣٦)، والأحكام الصغرى (١/ ٢٠)، والاعتبار (ص: ٣٠)، والقبس (١/ ١٦٤)، والمجموع (٢/ ٣٥)، وتحفة المحتاج (١/ ١٥١)، وتحفة الأحبار بما في الوسيط من الأخبار (ل: ٢٥ / ب).стр. 1723
وقد طعن فيه قوم من ثلاثة أوجه:
أحدها: كثيرة الخلاف فيه (١) ، وقد بيّنا سبب ذلك (٢) ، ودلّلنا علي طريق المخرج منه (٣) .
والثاني: روايتُه عن مروان مع ما كان عليه، وما نُسب من المناكير إليه.
وهكذا رسوله؛ لأنَّه كان شرطيّا له مع كونه مجهولًا غير معروف (٤) . الحواشي
(١) مِمَّن أعلّه بالاضطراب وكثرة الخلاف الطحاوي في شرح المعاني (١/ ٧٦)، والعيني في البناية (١/ ٢٣٨)، وغيرهما من علماء الحنفية ممّن لا يرون الوضوء من مسّ الذَّكر.(٢) سبب الخلاف هو وروده عن هشام، وعن أبيه عروة علي وجوه مختلفة كما تقدّم.(٣) هو ما تقدّم من أنّ مروان حدّث في عروة عن بسرة في حين إمارته علي المدينة، فاستراب عروة لحديثه وأنكره عليه … ولم يزل علي هذا حتى بعث مروان شرطيه، إلي أن قال: فإن أحيانًا يحدِّث ببعض القصّة دون بعض، ويسند الحديث تارة إلي بسرة، وتارة إلي مروان، وتارة إليه وإلي رسوله … وفعل أصحابه مثل ذلك. انظر: (٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥).(٤) قال الطحاوي في معرض رده حديث بسرة: "وإنما ترك أن يرفع بذلك رأسًا (يعني عروة)؛ لأن مروان عنده ليس في حال من يجب القبول عن مثله فإن خبر شرطي مروان عن بسرة دون خبره عنها، فإن كان مروان خبره في نفسه عن عروة غير مقبول فخبر شرطيه إيّاه عنها كذلك أحري أن لا يكون مقبولًا". شرح معاني الآثار (١/ ٧١ - ٧٢).
قال الدارقطني: "حكم قوم من أهل العلم بضعف الحديث لطعنهم علي مروان". العلل (٥ / ل: ١٩٦ / ب).
وذكر ابن سيّد الناس الحديث الذي ورد فيه تحديث بسرة لعروة ثم قال: "أعلَّ قومٌ حديثَ بسرة هذا بالحرسي رسول مروان وما يحتمله من الجهالة، وقد سقط الحرسي من هذا الخبر، وتضمّنت هذه الرواية أن بسرة جاءت وحدّثت فزال الاعتلال بالحرسي، قال: وكذلك أعلّه آخرون بمروان، فممّن ذُكر ذلك عنه: يحيى بن معين، قال يحيي: أيُّ حديث حديث بسرة لولا قاتل طلحة في الطريق. أجوبة ابن سيّد الناس (٢/ ١٣٦).
وقال الذهبي في مروان بن الحكم: "له أعمال موبقة، نسأل الله السلامة، رمي طلحة بسهم وفعل وفعل". ميزان الاعتدال (٥/ ٢١٤). =стр. 1724
وقد ذكرنا أن عروة لم يقنع بقولهما حتى استكشف بسرة عنه فصدّقتهما وأخبرته به مشافهة (١) .
علي أنّه قد رُوي عن عروة أنه قال في حديث آخر: "أخبرني مروان بن الحكم ولا أخاله يُتهم"، ذَكَر هذا البخاري في التاريخ (٢) . الحواشي
(١) هذا جواب علي طريق القبول والتسليم، أي لو ثبت أن مروان مطعون في عدالته، وأنه فعل الأفاعيل كما قال الذهبي، فإن جماعة من الثقات الحفاظ رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة. ثم ذكروا في رواياتهم أن عروة قال: ثم لقيت بعد ذلك بسرة فحدّثتني بالحديث عن رسول الله ﷺ كما حدّثني مروان عنها، فدلّنا ذلك على صحّة الحديث وثبوته على شرط الشيخين كما قال البيهقي، وزال عنه الخلاف والشبهة وثبت سماع عروة من بسرة.
وجاء نحو هذا عن ابن حبان أيضًا حيث قال: عائذ بالله أن نحتجّ بخبر رواه مروان بن الحكم وذووه في شيء من كتبنا … وأما خبر بسرة الذي ذكرناه، فإن عروة بن الزبير سمعه من مروان بن الحكم عن بسرة فلم يقنعه ذلك حتى بعث مروان شرطيًّا له إلي بسرة فسألها، ثم أتاهم فأخبرهم بمثل ما قالت بسرة، فسمعه عروة ثانيًا عن الشرطي، عن بسرة، ثم لم يقنعه ذلك حتى ذهب إلي بسرة فسمع منها، فالخبر عن عروة عن بسرة متصل ليس منقطع، وصار مروان والشرطي كأنهما عاريتان يسقطان من الإسناد. الإحسان (٣/ ٣٩٧).(٢) انظر: التاريخ الكبير (٧/ ٣٦٨)، وانظر أيضًا العلل للإمام أحمد (٣/ ٢٠٧ - برواية ابنه عبد الله) وتاريخ ابن أبي خيثمة (ص: ٣٥٧) (رقم: ٤٩٩ - رسالة كمال).
قلت: بهذا يجاب عن اعتراض الطحاوي بأن عدم قبول عروة خبر مروان ليس لأن مروان عنده مجروح، بل لأن هذا الخبر لم يكن معلوما لديه مع دواعي نقله، ويدلّ علي ذلك قول عروة: "ما علمت هذا".
ومما يدل علي عدم كون مروان مجروحًا لدي عروة أنه روي عن مروان عدّة أحاديث -كما يذكره المؤلف-، فلو كان مجروحًا لما روي عنه. =стр. 1725
وكان مالك أيضًا يُحسن الظن بمروان لميله إلي بني أميّة (١) ، وخرج في الصحيح عن مروان أحاديث (٢) . الحواشي
(١) قال ابن حجر (ص: ٤٦٦): "وقد اعتمد مالك علي حديثه ورأيه والباقون سوى مسلم". هدي الساري (ص: ٤٦٦).(٢) أخرج البخاري له في صحيحه أربعة أحاديث:
الأول: في الأذان، باب: القراءة في المغرب (١/ ٢٤٨) (رقم: ٧٦٤).
الثاني: في الحج، باب: التمتع والقران (١/ ٤٨٣) (رقم: ١٥٦٣).
الثالث: في فرض الخمس، باب: ومن الدليل علي أن الخمس لنوائب المسلمين … (٣/ ٣٩٧) (رقم: ٣١٣١، ٣١٣٢).
والرابع: في الأدب، باب: ما يجوز من الشعر والزجر … (٤/ ١١٨) (رقم: ٦١٤٥).стр. 1726
ومن الناس من زعم أن له صحبة (١) ، ولم يثبت له ذلك (٢) ؛ لأنه وُلد بمكة بعد الهجرة (٣) ، وأسلم أبوه في الفتح، ولم يحسن حينئذ إسلامه، فطرده النبي ﷺ من المدينة، فنزل الطائف وهو معه، ولم يزل بها حتى وَلِيَ عثمانُ فردّهما إلي المدينة في خلافته، قاله الواقدي وغيره (٤) .
والثالث: انفرادُ بسرة به من بين سائر الصحابة علي كثرتهم إذ لم يأت عن غيرها من وجه لا مطعن فيه، وهو مما تعمّ به البلوي.
قالوا: وما كان كذلك لم تنفرد به امرأة لا سيما وهو من أحكام الرجال. الحواشي
(١) قال الحافظ ابن كثير: "هو صحابي عند طائفة كثيرة، لأنه ولد في حياة النبي ﷺ ، وروي عنه في حديث صلح الحديبية". البداية والنهاية (٨/ ٢٠٦).(٢) ولذا ذكره ابن سعد وعلي بن المديني والذهي وغير واحد من أهل العلم في عداد التابعين.
وقال المزي: لم يصح له سماع من النبي ﷺ .
وقال ابن حجر: "لا تثبت له صحبة".
انظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٢٦)، والعلل لعلي بن المديني (ص: ٥٦)، وتهذيب الكمال (٢٧/ ٣٨٨)، وتاريخ الإسلام (٥/ ٢٢٩)، والسير (٣/ ٤٧٦)، والتقريب (رقم: ٦٥٦٧).(٣) ترجم له ابن حجر في القسم الثاني من الإصابة (٩/ ٣١٨) فقال: "لو ثبت أن في تلك السنة مولده -يعني السنة الثانية من الهجرة- لكان حينئذ مميزًا فيكون من شرط القسم الأول -يعني الصحابة- لكن لم أر من جزم بصحبته فكأنه لم يكن حينئذ مميِّزًا، ومن بعد الفتح أُخرج أبوه إلي الطائف وهو معه فلم يثبت له أزيد من الرؤية".
هكذا جزم له هنا بالرؤية، وتردد في الهدي (ص: ٤٦٦) فقال: "يقال: له رؤية فإن ثبتت فلا يعرج علي من تكلّم فيه". وفي أطراف المسند (٥/ ٢٧١) جزم بخلاف ما قال في الإصابة حيث قال: "لا تصح له رؤية ولا سماع".
وممن نفي أن تكون له رؤية الإمام البخاري، وابن عبد البر، والذهبي.
انظر: الاستيعاب (١٠/ ٧٠)، والميزان (٥/ ٢١٤)، والإصابة (٩/ ٣١٩).(٤) انظر: المغازي للواقدي (ص: ٩٥)، والاستيعاب (١٠/ ٧٠، ٧١)، وأسد الغابة (٥/ ١٣٩)، والبداية والنهاية (٨/ ٢٠٦)، والسير (٣/ ٤٧٧)، ورجال البخاري للكلاباذي (٢/ ٧١٥).стр. 1727
وإلي هذا ذهب ربيعة الرأي (١) ، كان يُنكر حديث بُسرة ويقول: "وَيحَكم مثل هذا يأخذ به أحد ويعمل بحديث بسرة، والله لو أن بسرة شَهِدت علي هذا النعل لما أجزتُ شهادتها، وإنَّما قِوامُ الدين الصلاة، وقوام الصلاة الطهور، فلم يكن من صحابة رسول الله ﷺ من يقيم هذا الدين إلا بسرة". ذكره الطحاوي في معاني الآثار، وفيه غلو (٢) .
واحتج من نَصَر هذا القول بأنَّ عمر بن الخطاب ﵁ ردّ حديث فاطمة بنت قيس لانفرادها به، وقال: "لا نُجيز في ديننا قول امرأة" (٣) . الحواشي
(١) عدم جواز العمل بخبر الواحد فيما تعمّ به البلوي هو مذهب عامة الحنفية كما قال ابن الهمام، والمراد بـ (ما تعم به البلوي) هو أن يحتاج إليه الكل حاجة متأكّدة تقتضي السؤال عنه مع كثيرة تكرّره كما قال الأمير باشا والزرقاني.
وبهذا ردّوا حديث بسرة وقالوا: إن أمر النواقض مما يحتاج الخاص والعام إليه، وقد انفردت به بسرة من بين سائر الصحابة فلا يُقبل، لكن سيأتي أن بسرة لم تنفرد به.
انظر: الفقيه والمتفقه (١/ ١٦٥)، وأصول السرخسي (١/ ٣٦٨)، والمبسوط (١/ ٦٦)، والبدائع (١/ ١٤٩).(٢) انظر شرح معاني الآثار (١/ ٧١).
وحقًّا ففيه غلو وإسراف من القول لا ينبغي أن يُقال في شأن صحابية لها سابقة قديمة وهجرة كما قال الشافعي، بل كانت من المبايعات كما قاله مصعب الزبيري، هذا علي فرض ثبوته عن ربيعة، والظاهر عدم ثبوته؛ لأن الطحاوي أورده من طريق ابن وهب عن زيد، عن ربيعة، وزيدٌ مجهول، قال أبوالتراب رشد الله السندي: "إن لم يكن زيد بن الحباب المذكور فلا أعرفه".
قلت: زيد بن الحباب وإن كان المزي ذكره في شيوخ ابن وهب، لكن لم يذكر ربيعة الرأي في شيوخه، وعلي هذا فهو مجهول لا يُعرف.
انظر: تاريخ ابن أبي خيثمة (ص: ١٦٢ - رسالة كمال)، وطبقات ابن سعد (٨/ ١٩٣)، ومعرفة السنن والآثار (١/ ٣٩٥)، والاستيعاب (١٢/ ٢٢٦)، وتهذيب الكمال (١٠/ ٤١)، و (١٦/ ٢٧٧)، وكشف الأستار تلخيص مغاني الأخيار عن رجال معاني الآثار (ص: ٣٨).(٣) روي مسلم في صحيحه كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثا لا نفقة لها (٢/ ١١١٨) (رقم: ٤٦)، وأبو داود في السنن كتاب: الطلاق، باب: من أنكر علي فاطمة بنت قيس (٢/ ٧١٧) =стр. 1728
والجواب عن هذا أن يُقال: إن الصحابة كلّهم ذَكَرهم وأنثاهم محمولون على العدالة والصدق: لاختيار الله تعالى إيّاهم، وثناءه عليهم، وقول النَّبِيّ ﷺ : "أصحابي كالنجوم فبأيّهم اقتديتم اهتديتم" (١) . الحواشي
(١) النصوص الدَّالة على عدالة الصحابة وثناء الله تعالى عليهم كثيرة مستفيضة، ذكرها البيهقي في كتابه الاعتقاد (ص: ٣١٧)، والخطب البغدادي في الكفاية (ص: ٦٣)، والعلائي في كتابه نحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة (ص: ٦٠)، وأبوالعز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية (ص: ٤٦٧ - ٤٦٨)، وغيرهم.
والحديث الذي ذكره المؤلف قد ورد من طرق كثيرة وبألفاظ مختلفة لكن لم يصح منها شيء إلى النَّبِيّ ﷺ .
فقد روى الدارقطني في المؤتلف والمختلف (٤/ ٧٧٨)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٩٠ - ٩١)، وابن حزم في الإحكام (٦/ ٨٢) من طريق سلّام بن سليمان المدائني، عن الحارث بن غصين، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم".
وسنده ضعيف جدًّا، فيه سلّام بن سليمان الطويل، قال فيه علي بن المديني: "كانت له أحاديث منكرة"، وقال البخاري: "تركوه"، وقال النسائي: "متروك الحديث".
لذا قال الإمام أحمد: "لا يصح هذا الحديث". المنتخب لابن قدامة (١٠ / ل: ٢٠٠ / ب).
وأعله ابن عبد البر بالحارث بن غصين قال: "هذا إسناد لا تقوم به حجة: لأنّ الحارث بن غصين =стр. 1729
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = مجهول)، وتعليله بشيخه أولى، لذا تعقبه الحافظ بقوله: "الآفة فيه من الراوي عنه، وإلا فالحارث قد ذكره ابن حبان في الثقات". موافقة الخبر الخبر (١/ ١٤٦).
انظر ترجمة سلّام بن سليمان في: سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني (ص: ١٦٧) (رقم: ٢٤١)، والضعفاء الصغير (ص: ٥٧) (رقم: ١٥٢)، والضعفاء للدارقطني (ص: ٢٣٣) (رقم: ٢٦٥).
ولحديث جابر هذا طريق آخر لكنه ضعيف أيضًا، فقد روى الدارقطني في غرائب مالك من طريق جميل بن زيد، عن مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ذكره الحافظ في التلخيص (٤/ ٢٠٩) ثم قال: "جميل لا يُعرف، ولا أصل له في حديث مالك، ولا من فوقه".
وروى البيهقي في المدخل (ص: ١٢٦) (رقم: ١٥١)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٥٦٣) (رقم: ٧٠٠)، والخطيب في الكفاية (ص: ٦٦) من طريق نعيم بن حماد، عن عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن عمر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "سألت ربي فيما يختلف فيه أصحابي فأوصى إليّ: يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء … ". سنده ساقط، آفته عبد الرحيم بن زيد العمي قال فيه الذهبي في الميزان (٢/ ٢٩٢): "تركوه". وقال الحافظ في التلخيص (٤/ ٢١٠): "كذّاب".
لذا حكم غير واحد من النقاد عليه أنّه لا يصح، فقد قال البزار فيما رواه عنه ابن عبد البر: "هذا الكلام لا يصح عن النَّبيّ ﷺ … قال: وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم بن زيد: لأن أهل العلم قد سكتوا عن الرواية لحديثه، والكلام أيضًا منكر"، ثم بيَّن وجه نكارته. جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٠).
وقال ابن الجوزي: "هذا لا يصح". العلل المتناهية (١/ ٢٨٣):
وقال ابن كثير: "هذا الحديث لم يروه أحد من أهل الكتب الستة، وهو -يعني عبد الرحيم بن زيد- ضعيف، قال: وأبوه ضعيف، ومع هذا كله فهو منقطع: لأنّ سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر شيئًا". تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب (ص: ١٦٦ - ١٦٨).
وروى البيهقي في المدخل (ص: ١٦٢) (رقم: ١٥٢)، والخطيب في الكفاية (ص: ٦٦، ٦٥) من طريق سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس نحوه.
وسنده ضعيف جدًّا، فيه جويبر بن سعيد الأزدي، قال فيه ابن معين: "ليس بشيء". وقال النسائي والدارقطني: "متروك الحديث".
وقال الحافظ: "جويبر ضعيف جدا، والضحاك عن ابن عباس منقطع". موافقة الخبر (١/ ١٤٦).
وفيه أيضًا سليمان بن أبي كريمة، قال ابن أبي حاتم: "ضعيف الحديث"، وقال ابن عدي: =стр. 1730
وهذا قول عام للجنس، يدخل فيه الرجال والنساء، فما نقله واحد منهم عنه ﷺ وجب قبوله، وعلى هذا جمهورُ السلف إلَّا من شذّ (١) ، ولسنا نتنزّل في الحواشي
(١) اختلف أهل العلم فيما يفيده خبر الواحد العدل الضابط عن مثله إلى رسول الله ﷺ على أقوال:
١ - إِنَّهُ لا يفيد إلَّا الظن، وهذا مذهب جمهور الأصوليين.
٢ - إِنَّهُ يفيد العلم إذا احتفت به قرائن أخرى، وهذا اختيار الآمدي وابن الحاجب وإمام الحرمين.
٣ - إِنَّهُ يفيد العلم ويجب قبوله والعمل به في العقائد والأحكام على السواء، وإليه ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، واختاره جماعة من أصحابه، وهو قول جمهور أهل الظاهر وجمهور أهل الحديث.
قال ابن القيّم: فممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم مالك، والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة، وداود بن علي وأصحابه، كأبي محمد بن حزم، ونصّ عليه الحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي.
وقال الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني ﵀: التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه قبول خبر الآحاد في الأصول والفروع على حد سواء، وأن عدم قبولها يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النَّبيِّ ﷺ .
والأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد كثيرة جدًّا، ذكر الشافعي جملة منها في الرسالة، وجمعها =стр. 1731
هذا منزِلة عمر حيث ردّ حديث فاطمة: لأنَّ عمر آثر علم نفسه على علم غيره ممن لم يلحق به، ونحن فما ندّعي علمَ مشاهدة، ولا يجوز أن نُنَزّل خبر من اصطفاه الله تعالى، وخصّه بصحبة نبيّه ﷺ لآرائنا (١) .
وأما قولهم: إن هذا مما تَعُمُّ به البلوى فكيف تنفرد به امرأة (٢) ! فلعلّه قد الحواشي
(١) هذا مسلّم لكن تقدَّم أن عمر لم يردّ حديث فاطمة لمجرد انفرادها به، وإنما ردّها بعرضه إيَّاه على الكتاب.(٢) قال ابن حزم: "قال بعضهم: هذا مما تعظم به البلوى، فلو كان لما جهله ابن مسعود ولا غيره من العلماء، قال: وهذه حماقة، وقد غاب عن جمهور الصحابة ﵃ الغسل من الإيلاج الذي لا إنزال معه وهو مما تكثر به البلوى، ورأى أبو حنيفة الوضوء من الرعاف وهو مما تكثر به البلوى ولم يعرف ذلك جمهور العلماء، ورأى الوضوء من ملء الفم من القلس ولم يره من أقل من ذلك، وهذا تعظم به البلوى، ولم يعرف ذلك أحد من ولد آدم قبله، ومثل هذا لهم كثير =стр. 1732
كان مستفيضًا عند الصحابة إذ كانوا متوافرين، واكتفوا بشهرته عندهم عن نقله، وإنَّما وقع الخلاف فيه بعد أن ذَهب معظمُهم فاحتيج فيه إلى بسرة لتأخُّر وفاتها (١) ، ولمّا أخبرتْ به لم يُنكر ذلك عليها أحد من سائر الصحابة (٢) .
وأيضًا فإنها كانت تولّت السؤال عما يُضاهيه، فكانت أخصّ به من غيرها.
ورُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: دخلت بسرة بنت صفوان على أم سلمة، فدخل النَّبيّ ﷺ فقالت بسرة: يا نبي الله! المرأة تضرب بيدها على فرجها: قال: "تتوضأ (٣) يا بسرة". الحواشي
(١) لم أقف على سنة وفاتها لكن ذكر الحافظ أنها عاشت إلى خلافة معاوية. انظر: تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٣٣).(٢) بل قبلوا حديثها وعملوا به، قال الشافعي: "وحدَّثت بهذا في دار المهاجرين والأنصار وهم متوافرون، فلم يدفعه منهم أحد، بل علمنا بعضهم صار إليه عن روايتها منهم: عروة بن الزبير وقد دفغ وأنكر الوضوء من مسّ الذكر قبل أن يسمع الخبر، فلما علم أن بسرة روته قال به وترك قوله، وسمعها ابن عمر تحدث به فلم يزل يتوضأ من مس الذكر حتى مات، وهذه طريقة أهل الفقه والعلم". انظر: معرفة السنن والآثار (١/ ٣٩٥، ٣٩٦)، والاعتبار (ص: ٩٠، ٩١).(٣) كذا في الأصل، وفي علل الدارقطني: "توضئي يا بسرة" بصيغة الخطاب، والوجهان صحيحان.стр. 1733
وعن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن بسرة أنها قالت. يا رسول الله! كيف ترى بإحدانا إذا مسَّتْ مْرجَها بعدما تتوضأ؟ فقال: "توضّأُ يا بسرة إذا مسّته"، قال: فأرسل إليها مروان يسألها عن ذلك، فقالت. نعم، سألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك، وعنده فلان وفلان، وعبد الله بن عمرو فأمرني بالوضوء. خرَّجهما الدارقطني (١) .
مع أنّ حديثها في مسّ الذكر قد رُوي عن جماعة من الصحابة ﵃ مرفوعًا، منهم: أبو هريرة، وأبو أيوب، وزيد بن خالد، وابن عمر، وجابر، وعاثشة، وأروى بنت أنيس، خرّجه الدارقطني في العلل عن جميعهم (٢) . الحواشي
(١) أخرجهما في العلل (٥ / ل: ٢٠٩) من طريق عبد الله بن المؤمل عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. ومن طريق المثنى بن الصبّاح عنه عن سعيد بن المسيب به.
والإسنادان ضعيفان: لأن عبد الله بن المؤمل المكي ضعفه ابن معين في رواية أكثر أصحابه عنه، وأبو زرعة، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم.
انظر: تهذيب الكمال (١٦/ ١٨٧)، وتهذيب التهذيب (٦/ ٤٢)، التقريب (رقم: ٣٦٤٨).
ومن طريق عبد الله بن المؤمل أخرجه أيضًا الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٥)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٩٢) (رقم: ٤٨٤).
وأما المثنى بن الصبّاح فهو ضعيف عندهم أيضًا. انظر: تهذيب الكمال (٢٧/ ٢٠٣)، والميزان (٤/ ٣٥٥)، التقريب (رقم: ١٦٤٧١).
ومن طريقه أخرجه أيضًا إسحاق في مسنده (٥/ ٦٨، ٦٩) (رقم: ٢١٧٤)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٠٣) (رقم: ٥٢١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٣٣).
فالإسنادان ضعيفان لكن الحديث حسن بشواهده.(٢) - حديث أبي هريرة: ذكره الدارقطني في العلل (٨/ ١٣١)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٤)، والبزار في مسنده (١/ ١٤٩) (رقم: ٢٨٦ - كشف الأستار -)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٤)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان) (٣/ ٤٠١) (رقم: ١١١٨)، والطبراني في المعجم الأوسط (٢/ ٥٠٥، ١٥٠٦ رقم: ١٨٧١)، وفي الصغير (ص: ٥٨) (رقم: ١١٠)، والدارقطني في =стр. 1734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٤٠١٤) (رقم: ٣٩٢٨)، والشاشي في مسنده (٣/ ٩٨) (رقم: ١١٥٦)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (ص: ١٠٩) (رقم: ١١٤) من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن الزهري عن عبد الله بن عبد القاري، عن أبي أيوب به.
وسنده ضعيف جدًّا: لأن مداره على إسحاق بن أبي فروة. قال الذهبي في الكاشف (١/ ٦٣): تركوه. وقال الحافظ في التقريب (رقم: ٣٦٨): متروك.
قال البوصيري: "هذا إسناد فيه إسحاق بن أبي فروة، وقد اتفقوا على تضعيفه". مصباح الزجاجة (١/ ١٩١). =стр. 1735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = - وحديث زيد بن خالد: أخرجه وأحمد في المسند (٥/ ١٩٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٦٣)، والبزار (١/ ١٤٨) (رقم: ٢٨٣ - كشف الأستار -)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٣)، والطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٢٧٩) (رقم: ٥٢٢٢)، والدارقطني في العلل (٥ / ل: ٢٠٨ / ب) كلهم من طرق عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن زيد بن خالد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مس فرجه فليتوضأ".
قال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٤٤): "رواه أحمد والبزار والطبراني في المعجم الكبير ورجاله رجال الصحيح إلَّا أن ابن إسحاق مدلس، وقد قال: حدَّثني -أي عند أحمد والطحاوي -".
قلت: مع تصريحه بالتحديث فقد دلس تدليس التسوية: لأن الزهري لم يسمعه من عروة، وإنما رواه عن عبد الله بن أبي بكر عنه. فقد أخرج إسحاق في مسنده كما في المطالب العالية (١/ ٩٦ - ٩٧) رقم: ١٣٨) عن محمد بن بكر البرساني، أنا ابن جريج، حدثني الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة قال -يعني الزهري-: ولم أسمعه منه - أنه كان يحدث عن بسرة بنت صفوان، وعن زيد بن خالد الجهني عن رسول الله ﷺ قال: "إذا مسّ أحدكم ذكره فليتوضأ".
ثم أورد الحافظ طرقًا أخرى للحديث وقال: "أما الإسناد الأول فصحيح متصل، وحديث بسرة في السنن الأربعة. وأخرجه أحمد من حديث زيد بن خالد، لكنه من رواية ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن زيد بن خالد، وقد تبيَّن في الإسناد الذي سقناه أن الزهري لم يسمعه من عروة، فكأن ابن إسحاق دلَّسه تدليس التسوية: لأنه صرَّح فيه بسماعه من الزهري، فأخرجتُه من هذا الوجه للفائدة". المطالب العالية (١/ ٩٨، ٩٩).
وسأل الترمذي الإمام البخاري عنه فقال: "إنما روى هذا الزهري عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة، عن بسرة، ولم يعد حديث زيد بن خالد محفوظًا". العلل الكبير (١/ ١٥٧).
وسأل مضر بن محمد يحيى بن معين عنه فقال: "خطأ أخطأ فيه محمد بن إسحاق، وخطأه أيضًا علي بن المديني". انظر: أجوبة ابن سيد الناس (٢/ ١٤٩، ١٥٠)، والتلخيص الحبير (١/ ١٣٣).
فالراجح من حديث زيد بن خالد هو ما رواه ابن جريج، وهو وإن كان مدلِّسًا مثل ابن إسحاق إلَّا أنه صرّح بالتحديث عند إسحاق كما تقدَّم، ومن طريق ابن جريج أخرجه أيضًا الدارقطني في العلل (٥ / ل: ٢٠٨ / أ).
- وحديث ابن عمر: أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ١٤٧)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٦) من طريق عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عنه.
وسنده ضعيف لأجل العمري، وورد من طرق أيضًا كلها ضعيفة. انظرها في: التلخيص الحبير (١/ ١٣٣). =стр. 1736
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = - أما حديث جابر: فرواه ابن ماجة في السنن كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من مس الذكر (١/ ١٦٢) (رقم: ٤٨٠)، والشافعي في المسند (١/ ٣٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٣٤)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (ص: ١٠١) (رقم: ١٠٥) من طريق عقبة بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه.
وسنده ضعيف لجهالة عقبة بن عبد الرحمن. قال علي بن المديني: "شيخ مجهول". وقال ابن عبد البر: "غير مشهور بحمل العلم". وجهّله أيضًا الذهبي وابن حجر.
ورواه بعضهم عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلًا، وبه أعلّ البخاري في التاريخ (٦/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٤) الرواية الموصولة لكن مدار الروايتين على عقبة بن عبد الرحمن وهو مجهول، وتفرّد ابن حبان بذكره في الثقات. انظر: ثقات ابن حبان (٧/ ٢٤٤)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٢١٨)، والميزان (٤/ ٦)، التقريب (رقم: ٤٦٤٣).
- أما حديث عائشة: فرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٣)، والحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في بغية الباحث (١/ ٢٢٠ - ٢٢١) (رقم: ٨٥)، والدارقطني في العلل (٥ / ل: ٢٣) من طريق يحيى بن أبي كثير عن عروة، عنها. ويحيى بن أبي كثير مدلس، وقد عنعنه في رواية الحارث والدارقطني، وصرّح بالتحديث عند الطحاوي والدارقطني لكن عن مجهول.
ورواه البيهقي في الخلافيات (٢/ ٢٦٨) من طريق حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر بن عكرمة، عن الزهري عن عروة عنها.
قال أبو حاتم: هذا حديث ضعيف لم يسمعه يحيى من الزهري، وأدخل بينهم (كذا) رجلًا لَيس بالمشهور، ولا أعلم أحدًا رواه عنه إلَّا يحيى، وإنما يرويه الزهري عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة عن مروان عن بسرة، ولو أن عروة سمع من عائشة لم يدخل بينهم أحد، وهذا يدل على وهن الحديث. العلل (١/ ٣٦).
وأخرحه إسحاق في مسنده (٣/ ٩٩) (رقم: ٧١٦) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٤)، والدارقطني في العلل (٥ / ل: ٢٢ / ب)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٨)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (ص:) (رقم: ١١٥) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي عن عمر بن سريج عن ابن شهاب عن عروة عنها.
وهذا سند ضعيف أيضًا، فإن إبراهيم قال عنه الحافظ في التقريب (رقم: ١٤٦): "ضعيف".
وشيخه عمر بن سريج قال عنه الذهبي في الميزان (٤/ ١٢٠): "ليّن".
وله عنها طريق أخرى عند أبي نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٣٩)، وفيها إبرهيم بن فهد البصري، وهو ضعيف، وقد كذبه البرذعي. اللسان (١/ ٩١ - ٩٢). =стр. 1737
وخرّجه ابنُ الجارود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو (١) .
وذكره الترمذي عن أمّ حبيبة زوج النَّبِيّ ﷺ ، وحديثُها يرويه العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان عنها (٢) .
وقال الترمذي: "قال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح، الحواشي
(١) أخرجه في المنتقى (ص: ١٧) (رقم: ١٩)، وكذلك أحمد في المسند (٢/ ٢٢٣)، والطحاوي في
شرح معاني الآثار (١/ ٧٥)، والدارقطني في السنن (١/ ١٤٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٣٢)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (ص: ١٠٤) (رقم: ١٠٨) من طرق عن بقية قال: حدثنا محمد بن الوليد الزبيدي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عن النَّبِيّ ﷺ قال: "أيَّما رجل مس فرجه فليتوَضأ" سنده حسن، وصححه البخاري كما حكاه الترمذي في العلل (١/ ١٦١)، والحافظ في التلخيص (١/ ١٣٣).(٢) انظر: السنن (١/ ١٢٨)، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٦٣)، ومن طريقه ابن ماجة في السنن كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من مس الذكر (١/ ١٦٢) (رقم: ٤٨١)، وأبو يعلى في المسند (١٣/ ٦٥) (رقم: ٧١٤٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٢٣٥) (رقم: ٤٥٠ - ٤٥١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٣٠)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (ص: ٤٤٤) (رقم: ٥٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٧٣) كلهم من طرق عن الهيثم بن حميد عن العلاء به.стр. 1738
قال: وقال محمد (يعني البخاري): لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، قال وروى مكحول عن رجل عن عنبسة غيرَ هذا الحديث.
قال أبو عيسى: وكأنّه لم ير هذا الحديث صحيحًا" (١) .
وقال أبو عمر بن عبد البر: "قد صحّ عند أهل العلم سماع مكحول من عنبسة، ذكر ذلك دُحيم وغيرهط (٢) ، وقال أيضًا: ذكر أبو زرعة أنّ أحمد بن حنبل كان يعجبه حديث أمّ حبيبة في مس الذكر ويقول: هو حسن الإسناد، وذكر غيره عنه أنه كان يُصحّحُه (٣) .
قال الشيخ أبو العباس ﵁: وقد عُورض حديثُ الوضوء من مس الذكر بحديث قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي الحنفي أن الحواشي
(١) انظر: السنن (١/ ١٣٠).
قلت: وممن أعله بالانقطاع: يحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، والطحاوي.
انظر: تاريخ ابن معين - رواية الدوري - (٤/ ٤٣٩)، ومراسيل ابن أبي حاتم (ص: ٢١، ٢١٢١) (رقم: ٧٩٠، ٧٩٨)، وسنن النسائي (٣/ ٢٩٦) عقب حديث(١٨١٤) ، وشرح معاني الآثار (١/ ٧٥)، والتلخيص الحبير (١/ ١٣٣).(٢) قلت: دُحيم وإن كان أعرف بحديث الشاميين كما قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٣٣) لكن خالفه أبو مسهر، فنفى سماع مكحول من عنبسة، بل شكك في إدراكه له كما قال ابن معين في التاريخ - رواية الدوري - (٤/ ٤٣٩)، وهو أيضًا من ثقات الشاميين، فيترجّح قول الجمهور، ولو ثبت سماع مكحول منه فإن هناك علة أخرى تقدح في صحة الإسناد، وهي التدليس.
قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٩١): "هذا إسناد فيه مقال: مكحول الدمشقي مدلّس، وقد رواه بالعنعنة فوجب ترك حديثه، لا سيما وقد قال البخاري وأبو زرعة وهشام بن عمار وأبو مسهر وغيرهم أنّه لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان، فالإسناد منقطع".(٣) انظر: التمهيد (١٧/ ١٩٢ - ١٩٤)، وعارضة الأحوذي (١/ ١١٨)، والتلخيص الحبير (١/ ١٣٣). قال ابن سيد الناس: ومما صح في هذا الباب حديث أم حبيبة، ونقل تصحيحه أيضًا عن الإمام أحمد والبيهقي. أجوبة ابن سيد الناس على أسئلة ابن أبيك (٢/ ١٤٠ - ١٤١).стр. 1739
رسول الله ﷺ سُئل عن الوضوء من مسّ الذكر، فقال: "وهَل هو إلَّا بُضعة منك".
وهذا حديث مشهور، خرّجه النسائي، والترمذي، وأبو داود، وابن الجارود وغيرهم (١) . الحواشي
(١) حديث طلق بن علي ورد من عدة طرق:
الأولى: طريق عبد الله بن بدر: أخرجه أبو داود في السنن كتاب: الطهارة، باب: الرخصة في الوضوء من مس الذكر (١/ ١٢٧) (رقم: ١٨٢)، والترمذي في السنن كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر (١/ ١٣١) (رقم: ٨٥)، والنسائي في السنن كتاب: الطهارة، باب: ترك الوضوء من مس الذكر (١/ ١٠٩) (رقم: ١٦٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٦٥)، وابن الجارود في المنتقى (ص: ١٧) (رقم: ٢١)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان) (٣/ ٤٠٢) (رقم: ١١١٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٥)، والدارقطني في السنن (١/ ١٤٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٣٤)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (ص: ٩٩) (رقم: ١٠٣) كلهم من طرق عن ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، به.
قال الترمذي: "حديث ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر أصح وأحسن".
قلت: هذه الطريق صحيحة إلى قيس بن طلق، فهي أقوى الطرق كلها كما قال الترمذي.
الثانية: طريق محمد بن جابر اليمامي: أخرجه أبو داود في السنن (١/ ١٢٨) (رقم: ١٨٣)، وابن ماجة في السنن (١/ ١٦٣) (رقم: ٤٨٣)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٣) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٣٩٦) (رقم: ٨٢٣٣، ٨٢٣٤)، والدارقطني في السنن (١/ ١٤٩)، والبيهقي في معرفة السنن (١/ ٤٠٩)، والقطعي في جزء الألف دينار (رقم: ٨٠) كلهم من طرق، عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق به.
وهذا إسناد حسن إلى قيس بن طلق، لأنّ محمد بن جابر هذا قال فيه أبو حاتم وأبو زرعة: "إن من كتب عنه باليمامة وبمكة فهو صدوق، إلَّا أن في أحاديثه تخاليط، أي سيء الحفظ".
ومن الرواة عنه ابن عيينة كما ذكره أبو داود وهو مكي، وقد توبع من جهة الرواة الآخرين.
الثالثة: طريق أيوب بن عتبة: أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٢)، والطيالسي في المسند (ص: ١٤٧) (رقم: ١٠٩٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٥ - ٧٦)، والطبراني في المعجم الكبير (١/ ٤٠١) رقم: ٨٢٤٩)، وابن الجعد في مسنده (٢/ ١١٤٩) (رقم: ٣٤٢٢)، وابن شاهين في =стр. 1740
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الناسخ والمنسوخ (ص: ٩٨) (رقم: ١٠٢) من طرق عن أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق به.
وهذا إسناد ضعيف إلى قيس بن طلق: لأنّ أيوب بن عتبة ضعيف، وقد ذكروا فيه أن أحاديثه باليمامة أصح، لكن الرواة عنه في هذا الحديث ليسوا من أهل اليمامة.
الرابعة: طريق عكرمة بن عمار: أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان) (٣/ ٤٠٤) (رقم: ١١٢١)، والبيهقي في معرفة السنن (١/ ٤١١) من طريق حسين بن الوليد، عن عكرمة بن عمار، عن قيس بن طلق، عن أبيه: أنه سأل النَّبيَّ ﷺ عن الرجل يمسّ ذكره وهو في الصلاة: قال: "لا بأس به إِنَّهُ لبعض جسدك".
إسناده لا بأس به إلى قيس بن طلق، وعكرمة بن عمار وإن كان صدوقًا يغلط لكنه توبع من قبل الآخرين.
الخامسة: طريق أيوب بن محمد العجلي: أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٤٤) من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن أيوب بن محمد العجلي، عن قيس بن طلق به.
إسناده ضعيف إلى قيس بن طلق، فيه أيوب العجلي، ضعفه ابن معين، وقال الدارقطني: مجهول.
انظر: الميزان (١/ ٢٩٢)، واللسان (١/ ٤٧٨).
فهذه خمسة طرق لهذا الحديث ما بين صحيح وحسن وضعيف، وقد يعضد بعضها بعضًا، إلَّا أنّ مدار هذه الطرق كلها على قيس بن طلق، واختلفوا فيه:
فضعَّفه الشافعي بقوله: قد سألنا عن قيس بن طلق، فلم نجد من يعرفه. مما يكون لنا قبول خبره.
كما ضعّفه ابن معين في قصة المناظرة فقال: لقد أكثر الناس في قيس بن طلق وأنه لا يحتج به، لكن في ثبوت القصة نظر.
وضعفه أيضًا أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان والدارقطني.
ووثقه ابن معين في رواية الدارمي عنه (وهذه أصح من رواية التضعيف)، كما وثقه أحمد بقوله: ما أعلم به بأسًا (وتوثيقه هذا في أدنى مراتب التعديل).
ووثّقه أيضًا العجلي وابن حبان (وهما متساهلان)، وقال ابن القطان: ينبغي أن يكون حديثه حسنًا لا صحيحًا. وهذا مبني على قاعدته أن كل من اختلف فيه فحديثه عنده حسن.
فالذي يدل عليه قول أكثرهم أنه صدوق، وهذا الذي توصل إليه الحافظ في التقريب (رقم: ٥٥٨٠)، فالحديث حسن، وقد صححه غير واحد من أهل العلم كالطحاوي، وابن حبان، والطبراني، وابن حزم، والفلاس، والحازمي، والهيثمي، والمباركفوري، والألباني.
انظر: الحلى لابن حزم (١/ ٢٢٣)، والتلخيص الحبير (١/ ١٣٤)، وصحيح سنن الترمذي =стр. 1741
وبه يقول أهل الكوفة (١) ، وإليه ذهب علي بن المديني، واحتج به على يحيى بن معين في مناظرة جرت بينهما، وقال: كيف تتقلد إسناد بسرة، ومروان أرسل شرطيًّا حتى ردّ جوابها إليه؟ فقال له ابن معين: وقد أكثر الناس في قيس بن طلق (٢) ، ولا يُحتج بحديثه، ورُوي أن أحمد بن حنبل حضر مناظرتهما فقال: كلا الأمرين على ما قلتما، فتركا الأحاديث المرفوعة واحتجَّا بأقوال الصحابة، فصوّب ابن حنبل ذلك، ذكر مناظرتهم على وجهها أبو الحسن الدارقطني في كتاب السنن (٣) . الحواشي
(١٥٩) ، وصحيح سنن ابن ماجة (رقم: ٣٩٢)، وأجوبة ابن سيد الناس (٢/ ١٥٦)، وتحفة الأحوذي (١/ ٢٣٤).
وانظر أقوال الأئمة في قيس بن طلق في: معرفة السنن والآثار (١/ ٤٠٨)، وتاريخ عثمان بن سعيد الدارمي (رقم: ٤٨٦)، والعلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٨)، وسؤالات أبي داود للإمام أحمد (ص: ٣٥٥) (رقم: ٥٥١)، وثقات ابن حبان (٥/ ٣١٣)، ومعرفة الثقات للعجلي (٢/ ٢٢١)، والجرح والتعديل (٧/ ١٠٠ - ١٠١)، وبيان الوهم والإيهام (٤/ ١٤٤) وتهذيب التهذيب (٨/ ٨٥٦).(١) أورد الحازمي حديث طلق بن علي من طريق أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر ثم قال: اختلف أهل العلم في هذا الباب، فذهب بعضهم إلى هذه الأحاديث، ورأوا ترك الوضوء من مس الذكر، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين وأبي الدرداء وسعد بن أبي وقاص في إحدى الروايتين وسعيد بن المسيب في إحدى الروايتين وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وربيعة بن أبي عبد الرحمن وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ويحيى بن معين وأهل الكوفة.
انظر: الاعتبار (ص: ٧٩ - ٨٢)، وكذا شرح معاني الآثار (١/ ٧٩)، والمبسوط (١/ ٦٦)، وفتح القدير (١/ ٥٤، ٥٥)، وتبيين الحقائق (١/ ٧ - ١٢)، واللباب (١/ ١٨، ١٩)، مراقي الفلاح (ص: ١٤).(٢) في الأصل: "قيس بن طلحة"، وهو خطأ، وقد نبّه عليه الناسخ بقوله: "كذا".(٣) أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ١٥٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٣٩) من طريق عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي، عن رجاء بن مرجي الحافظ قال: اجتمعنا في مسجد الخيف أنا وأحمد بن حنبل فذكره. =стр. 1742
وقد ذكرنا عن أحمد بن حنبل أنه صحح رواية عروة، عن مروان ورسوله عن بسرة وحديث أم حبيبة (١) ، ولعله انتقل على أحد المذهبين (٢) ، والله أعلم.
وقال أبو محمد بن شراحيل في توجيه الموطأ (٣) : "سألتُ النسائي ما الذي تأخذ به في مسّ الذكر؟ فقال: ترك الوضوء، وحديث قيس بن طلق عن أبيه أحب إليّ قلت له: وقيس تقوم به حجة؟ قال: لا، ولكنه خير من الشيخ الذي قتل طلحةَ بن عُبيد الله -يعني مروان بن الحكم-، قتله يوم الجمل". الحواشي
(١) انظر: (٤/ ٢٦١).(٢) ما قاله المصنف محتمل لكن بشرط ثبوت القصة وقد تقدم أنها غير ثابتة فمذهب أحمد هو الوضوء من مس الذكر، روى أبو داود عن أحمد قال: من مس الذكر يعيد الوضوء.
وقال ابن هانئ: سمعته يقول: إذا مس فرجه ثم صلى يعيد الصلاة.
وذكر ابن المنذر عن أحمد بن علي الورّاق أنه سمع أحمد قال: وقد روي عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "من مس ذكره فليتوضأ"، وروي عنه أنه قال: "إنما هو بضعة منك" وكلا الحديثين فيهما شيء إلَّا أنِّي أذهب إلى الوضوء.
انظر: مسائل أحمد لأبي داود (ص: ١٢)، ولابن هانئ (١/ ٩)، ولابنه عبد الله (ص: ١٦).(٣) لم أقف على ترجمته، لكن ذكر ابن الفرضي هذا الكتاب ليحيى بن شراحيل، وقال: "يُكنَّى أبا زكريا، كان حافظًا للمسائل على مذهب مالك، عاقدًا للشروط، ولم تكن له رواية تُشتهر عنه، وكان موصوفًا بالعلم، معدودًا من أهله". انظر: تاريخ علماء الأندلس (٢/ ١٩٠ - ١٩١).
فلا أدري هل هو يحيى بن شراحيل هذا أو غيره، والله أعلم. وانظر أيضًا: الأعلام للزركلي (٨/ ١٤٩).стр. 1743
قال الشيخ أبو العباس ﵁: وكأنَّ هؤلاء لم يثبت عندهم حديث الوضوء من مسّ الذكر من غير رواية بسرة، ولا صحَّ عندهم سماع عروة منها.
ولو ثبت الحكمان معًا لقُضي بحديث بسرة على حديث طلق ولحمل على النسخ، لأن حديث طلق جارٍ على معهود الأصل وهو الحكم المتقدم، وحديث بسرة حكم طار عليه، ألا ترى أن قوله: "وهل هو إلَّا بضعة منك" إنكار على السائل، فلو تقدم الأمر بالوضوء منه لما أنكر السؤال عنه، ولصرّح بنسخه والله أعلم (١) .
وقال ابن السكن في صيحه: "يقال: إن حديث بسرة ناسخ لحديث طلق بن علي؛ لأنَّ طلقًا قدم المدينةَ والمسجد يُبنى ثم رجع إلى بلاد قومه، وبسرة ومن تابعها تأخر إسلامهم" (٢) . الحواشي
(١) انظر نحو هذا الكلام لابن حزم في المحلّى (١/ ٢٢٣).(٢) انظر: الاستذكار (٣/ ٣١).
قال ابن حبان: خبر طلق بن علي الذي ذكرناه خبر منسوخ: لأنّ طلق بن علي كان قدومه على النَّبيّ ﷺ أول سنة من سني الهجرة، حيث كان المسلمون يبنون مسجدَ رسول الله ﷺ بالمدينة، وقد روى أبو هريرة إيجاب الوضوء من مسّ الذَّكر على حسب ما ذكرناه قبل، وأبو هريرة أسلم سنة سبع من الهجرة، فدل ذلك على أنّ خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بن علي بسبع سنين. الإحسان (٣/ ٤٠٥).
وهذا الذي نقله المصنف عن ابن السكن، وذكرتُه عن ابن حبان هو ما قرّره أيضًا ابن حزم في المحلى (١/ ٢٢٣)، والكلوذاني في الانتصار (١/ ٣٣٥)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢٦٤)، وابن العربي في العارضة (١/ ١١٨)، وابن شداد في دلائل الأحكام (١/ ١٠٣)، والجعبري في رسوخ الأخبار (ص: ١٩٤)، وابن القيم في تهذيب السنن (١/ ١٣٥)، وغيرهم.
واستندوا في ذلك بما رواه الدارقطني في السنن (١/ ١٤٨ - ١٤٩)، وابن حبان في صحيحه =стр. 1744
قال الشيخ أبو العباس ﵁: وقد أرخينَا في هذا الحديث زمام العنان، وأطلقنا في ميدانه قلم البيان، على أنَّا لم نخرج في ذلك عن طريق الاقتصاد، ولا بلغنا في مدّ أطنابه كُنْه المراد، بَيدَ أن الكلامَ إذا قلّ ودَلَّ اكتفي به كي لا يُملّ.
الحواشي
(١) = (الإحسان) (٣/ ٤٠٤) (رقم: ١١٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٣٥)، والحازمي في الاعتبار (ص: ٩٣) بإسناد حسن من حديث طلق بن علي أنه قال: أتيتُ رسول الله ﷺ وهم يؤسِّسون مسجد المدينة.
قالوا: وأبو هريرة أسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة، والمتأخر يقضي على المتقدّم.
قلت: يؤيِّد القول بنسخ حديث طلق ما ذكره المؤلف من كون حديث طلق على البراءة الأصلية، وأما حديث بسرة فقد أنشأ حكمًا مستقلًا، فلا شك أنّه متأخر على حديث طلق، والمتأخر يقضي على المتقدم، والله أعلم.
وتعقَّب الطيبي في شرح المشكاة (٣/ ٧٦٣) القول بالنسخ، فقال: ادّعاء النسخ فيه قولٌ مبني على الاحتمال، وهو خارج عن الاحتياط إلَّا أن يثبت أن طلقًا توفي قبل إسلام أبي هريرة أو رجع إلى أرضه ولم يبق له صحبة بعد ذلك، وما يدري هذا القائل أن طلقًا سمع هذا الحديث بعد إسلام أبي هريرة. اهـ.
لكن ردّ اللكنوي قول الطيبي وقال: هذا القول فيه ما فيه، ولم يثبت أنه قدم مرة ثانية، ثم ذكر وجه الإنصاف في ذلك فقال: والإنصاف في هذا المبحث أنه إن اختير طريق النسخ، فالظاهر انتساخ حديث طلق لا العكس، وإن اختير طريق الترجيح ففي أحاديث النقض كثرة وقوة، وإن اختير طريق الجمع فالأولى أن يُحمل الأمر على العزيمة وعدم النقض على الضرورة. التعليق الممجّد (١/ ٢٠٢، ٢١٦).
قلت: وهذا الأخير أعني حمل حديث الأمر بالوضوء على الندب هو قول أبي حنيفة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: وأمره بالوضوء من مسّ الذَكر إنما هو استحباب إما مطلقًا، وإما إذا حرّك الشهوة، وليس في النصوص ما يدل أنه منسوخ، بل النصوص تدل على أنه ليس بواجب، واستحباب الوضوء منه أعدل الأقوال من قول من يوجبه وقول من يراه منسوخا، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. انظر: المبسوط (١/ ٦٦)، وحقيقة الصيام (ص: ٤٥، ٤٦).стр. 1745
١٠١ - مسند جُدامة بنت وهب الأسدية
حديث واحد.
٦٠٩ / حديث: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلة (١) … ".
في آخر الرضاع.
عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل -هو أبو الأسود-، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين، عن جُدامة رفعته (٢) .
مِن النَّاس من جعل هذا الحديث لعائشة، ولم يذكر فيه جُدامة (٣) ، الحواشي
(١) قال الوقَّشي: الغيلة: المصدر، والغِيلة بكسر الغين الهيئة كالجِلسة والجلسة، ومعناه أن ترضع المرأة الصبيّ وهي حامل، أو يطأها الرجل وهي تُرضع. التعليق على الموطأ (ل: ٨٧ / ب).(٢) الموطأ كتاب: الرضاع، باب: جامع ما جاء في الرضاعة (٢/ ٤٧٤) (رقم: ١٦).
وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب: النكاح، باب: جواز الغيلة (٢/ ١٠٦٦) (رقم: ١٤٠) من طريق خلف بن هشام ويحيى النيسابوري.
وأبو داود في السنن كتاب: الطب، باب: في الغيل (٤/ ٢٢١) (رقم: ٣٨٨٢) من طريق القعنبي.
والترمذي في السنن كتاب: الطب، باب: ما جاء في الغيلة (٤/ ٣٥٤) (رقم: ٢٠٧٧) من طريق ابن وهب، وإسحاق الطباع.
والنسائي في السنن كتاب: النكاح، باب: الغيلة (٦/ ٤١٦) (رقم: ٣٣٢٦) من طريق عبد الرحمن بن مهدي.
وأحمد في المسند (٦/ ٣٦١) من طريق عبد الرحمن بن مهدي.
والدارمي في السنن كتاب: النكاح، باب: في الغيلة (٢/ ١٤٦) من طريق خالد بن مخلد، كلهم عن مالك به.(٣) الذي جعله لعاثشة هو أبو عامر العقدي، ذكره الدارقطني وقال: "خالفه أصحاب مالك فأسندوه عن عائشة، عن جُدامة بنت وهب، عن النَّبيّ ﷺ ، وهو الصواب". العلل (٥ / ل: ١٢٨ / أ).
وزاد ابن عبد البر: القعنبي في سماعه من مالك في غير الموطأ، وأخرجه من طريقه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٩/ ٢٨٩) (رقم: ٣٦٦٥). انظر: التمهيد (١٣/ ٩٠)، والاستذكار (١٨/ ٢٨١).стр. 1746
والأصح أنه لجدامة، خرّجه مسلم عنها من طريق مالك (١) .
ولم يخرِّج البخاري لجُدامة شيئًا (٢) .
وجُدامة: بالدَّال المهملة، وقيل بالذَّال المعجمة، وهكذا قال فيها خلف بن هشام البزار عن مالك، رواه مسلم عنه، وذَكَر أن الصحيح بالدال المهملة (٣) .
قال أبو مسعود الدمشقي: "يريد عن مالك، وزعم أن غيره يقول فيها: جذامة بالذال المعجمة" (٤) .
وذكر مسلم في الصحيح أن جُدامة هذه هي أخت عكاشة بن محصن (٥) . الحواشي
(١) سبق تخريجه، ورجّح هذا الوجه الحافظ المزي أيضًا فقال: "رُوي عن عروة، عن عائشة، عن النَّبيّ ﷺ ليس فيه جدامة، ورُوي عن عروة، عن جُدامة، ليس فيه عائشة، والصحيح: عن عروة، عن عائشة، عن جدامة". تهذيب الكمال (٣٥/ ١٤٣).(٢) قال ابن طاهر: "روت عنها عائشة عند مسلم وحده"، وقال المزي: "روى لها الجماعة سوى البخاري". انظر: الجمع بين رجال الصحيحين (٢/ ٦٠٣)، وتهذيب الكمال (٣٥/ ١٤٢).(٣) بل قال الدارقطني والعسكري: إن من ذكرها بالذال المعجمة فقد صحّف.
وذكر النووي والسيوطي أن الرواية بالدال المهملة هو قول جمهور العلماء بلا خلاف.
انظر: صحيح مسلم (٢/ ١٠٦٦)، والمؤتلف والمختلف للدارقطني (٢/ ٨٩٩)، ومشارق الأنوار (١/ ١٧٢)، وشرح النووي على صحيح مسلم (١٠/ ١٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٣٥)، وتهذيب التهذيب (١٢/ ٤٣٤)، وتنوير الحوالك (٢/ ٤٥)، وإسعاف المبطأ (ص: ٣٤٠).(٤) انظر: تحفة الأشراف (١١/ ٢٧٤)، ومراده من غير مالك سعيد بن أبي أيوب ويحيى بن أيوب إلَّا أن روايتهما في صحيح مسلم جاءت بالدال المهملة أيضًا كرواية يحيى النيسابوري عن مالك.(٥) أي لأمِّه كما قاله النووي والمزي والذهبي، وغيرهم: لأنّ جدامة هي بنت وهب الأسدية، وعكاشة هو ابن محصن الأسدي.
انظر: صحيح مسلم (٢/ ١٠٦٧)، وشرح النووي (٤/ ١٦)، وتهذيب الأسماء له (٣/ ٣٣٥)، وتحفة الأشراف (١١/ ٢٧٣)، وتهذيب الكمال (٣٥/ ١٤١)، والكاشف (٣/ ٤٢٢) وتهذيب التهذيب (١٢/ ٤٣٤)، والتقريب (رقم: ٨٥٥٠)، وإسعاف المبطأ (ص: ٣٤).стр. 1747
وزعم ابن عبد البر أنَّها أم قيس بنت وهب بن مِحصن (١) ؛ وفي ذلك نظر، مَيَّز عامة المؤرخين وجامعي أسماء المحدّثين بينهما، ذكروا جُدامة في حرف الجيم من الأسماء ولم يكنوها، وذكروا أم قيس في حرف القاف من الكنى، ولم يسمُّوها (٢) .
على أن أبا الأسود قد روى عن عروة حديثًا في نزع المخيط قبل الإفاضة، فقال فيه مرة: عن جُدامة بنت وهب، وهي أخت عُكَّاشة بن وهب: أن عُكاشة بن وهب وأخًا له أخبراها به.
وقال فيه مرّة أخرى: عن أم قيس بنت محصن قالت: دخل عليَّ عُكاشة الحواشي
(١) هكذا قال في التمهيد، وفرّق بينهما في الاستيعاب، فذكر جدامة في حرف الجيم ولم يكنّها، وترجم لأم قيس بنت محصن في حرف الميم من الكنى ولم يسمّها، وهكذا فعل غيره كما قال المؤلف، وهو الراجح.(٢) انظر: الطبقات الكبرى (٨/ ١٩٢)، وتاريخ ابن أبي خيثمة (ص: ٢٥١ - رسالة كمال)، والمستدرك للحاكم (٤/ ٦٨)، والتمهيد (٩/ ١٠٨)، والاستيعاب (١٢/ ٢٣٥)، و (١٣/ ٢٦٧)، وأسد الغابة (٧/ ٤٩، ٣٦٨)، وتحفة الأشراف (١١/ ٢٧٣)، (١٣/ ٩٦)، وتهذيب الكمال (٣٥/ ١٤١، ٣٧٩)، والكاشف (٣/ ٤٢٢، ٣٤٣)، والإصابة (١٢/ ١٧١)، (١٣/ ٢٦٩)، وتهذيب التهذيب (١٢/ ٤٣٤، ٥٠٣)، التقريب (رقم: ٨٥٥٠، ٨٧٥٦)، وإسعاف المبطأ (ص: ٣٤، ٣٦).
وهناك قرائن أخرى، منها:
- أن أم قيس من رواة الجماعة، وأما جدامة فلم يخرج لها البخاري.
- ما ذكره أبو القاسم الجوهري في مسند الموطأ (ل: ٣٠ / أ) من أنّ اسم أم قيس آمنة بنت محصن.
- أنّ بقي بن مخلد ذكر أم قيس بنت محصن في عداد أصحاب العشرات ممّن لها أربعة وعشرون حديثًا، وذكر جدامة فيمن له حديثان فقط.
انظر: عدد ما لكل واحد من الصحابة من الحديث لبقي بن مخلد - ترتيب ابن حزم - ضمن بقي بن مخلد القرطبي ومقدمة مسنده للدكتور أكرم العمري (ص: ٩٠، ١٢٧).стр. 1748
ابن محصن وأخي بمنى، وساقه. خرّجه الطحاوي في معاني الآثار على الوجهين معا (١) .
وهذا ينحو إلى ما قاله أبو عمر؛ لأنَّها قصة واحدة بإسناد واحد، والله أعلم (٢) .
وعُكَّاشة بضم العين، وأما الكاف فتُشَدَّد وتُخَفَّف لغتان (٣) ، والعُكَّاش اسم العنكبوت (٤) . الحواشي
(١) شرح معاني الآثار (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨).(٢) ما قاله المؤلف محتمل لو لم يكن مدار رواية الطحاوي محلى ابن لهيعة، فيُخشى أن يكون هذا من تخاليطه، لا سيما وقد اختُلف عليه، فقال ابن أبي مريم في روايته عنه: عن جدامة بنت وهب أخت عكّاشة بن وهب، وقال عبد الله بن يوسف في روايته عنه: عن أم قيس بنت محصن، وكلاهما ثقة حافظ يصعب ترجيح أحدهما على الآخر إلَّا أنّ الحديث جاء من وجه آخر عند ابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٣٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٣٧) من طريق ابن إسحاق، عن أبي عبيدة أنه قال: حدّثتني أم قيس بنت محصن قالت: خرج من عندي عكاشة بن محصن فذكرته.
ولأجل هذه الرواية رجَّح الحافظ طريق عبد الله بن يوسف على ابن أبي مريم، وقال: "كأنَّ هذا أصح". "الإصابة (٧/ ٣٣).(٣) ذكرهما ابن عبد البر وابن الأثير وغيرها، قال النووي: "والتشديد أفصح وأشهر".
انظر: الاستيعاب (٨/ ١١٤)، وأسد الغابة (٤/ ٦٥)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١٠/ ٢٤)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٨)، والإصابة (٧/ ٣٢).(٤) انظر: لسان العرب (٦/ ٣١٩) (باب: الشين، فصل العين).стр. 1749
١٠٢ - مسند حبيبة بنت سهل الأنصاريّة
حديث واحد
٦١٠ / حديث: "قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس (١) لزوجها … ".
فيه: ذكر الخلع.
في الطلاق.
عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن حبيبة بنت سهل أنَّها كانت تحت ثابت بن قيس، ووصفت القصة (٢) .
لم تصرِّح عمرة ها هنا بالإخبار، وقال فيه الشافعي عن مالك: يحيى عن عمرة أن حبيبة أخبرتها (٣) . الحواشي
(١) قال السندي: "يُحتمل أن (لا) الثانية مزيدة، والخبر محذوف بعدهما، أي: مجتمعان، أي لا يمكن لنا اجتماع، ويُحتمل أنها غير زائدة، وأن خبر كل محدوف، أي: لا أنا مجتمعة مع ثابت، ولا ثابت مجتمع معي". حاشية السندي على سنن النسائي (٦/ ٤٨١).(٢) الموطأ كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الخلع (٦/ ٤٤٢) (رقم: ٣١).
وأخرجه أبو داود في السنن كتاب: الطلاق، باب: في الخلع (٢/ ٦٦٧) (رقم: ٢٢٢٧) من طريق القعنبي. والنسائي في السنن كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الخلع (٦/ ٤٨١) (رقم: ٣٤٦٢) من طريق ابن القاسم.
وأحمد في المسند (٦/ ٤٤٣) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، ثلاثتهم عن مالك به.(٣) انظر: مسند الإمام الشافعي (٢/ ٥٠) (رقم: ١٦٣ - بترتيب السندي -).
وروى عبد الرزاق أيضًا في المصنف (٦/ ٤٨٤) (رقم: ١١٧٦٢) عن ابن جريج أنَّه قال: أخبرني يحيى بن سعيد: أن عمرة بنت عبد الرحمن حدّثته أن حبيبة بنت سهل حدَّثتها أن ثابت بن قيس، فذكره.
وعليه يصح الحديث، وقد صححه ابن حبان (الإحسان) (١٠/ ١١٠) (رقم: ٤٢٨٠)، وكذا ابن خزيمة كما حكاه الحافظ في الفتح (٩/ ٣١٠). =стр. 1750
ولم يُخَرَّج في الصحيحين عن حبيبة هذه شيء (١) .
وقد رُوي هذا الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "أوّلُ مختلعة في الإسلام حبيبة بنت سهل، كانت تحت ثابت بن قيس"، وذكره بأتم ألفاظ، خرّجه البزار عنه (٢) .
وجاء أن المختلعة من ثابت كانت جميلة بنت عبد الله بن أُبَي بن سَلول (٣) ، وقيل: زينب بنت عبد الله بن أُبيّ (٤) ، وقيل: أخت الحواشي
(١) روى لها أبو داود والنسائي فقط. انظر: تهذيب الكمال (٣٥/ ١٤٧)، وتهذيب التهذيب (١٢/ ٤٣٧)، التقريب (رقم: ٨٥٥٦).(٢) أخرجه في مسنده (١/ ٤٢٢) (رقم: ١٩٨ - البحر الزخار -) وفيه ابن لهيعة، وليس الراوي عنه أحد العبادلة لكن يشهد له حديث سهل بن أبي حثمة عند أحمد في المسند (٤/ ٣)، وأبي نعيم في المعرفة (٢ / ل: ٣٤٢ / ب) وفيه: "من ذلك أول خلع في الإسلام".
وحديث ابن عباس عند أبي نعيم في المعرفة كما ذكر الحافظ في التلخيص (٣/ ٢٣١).(٣) جاء ذلك عند البخاري في صحيحه كتاب: الطلاق، باب: الخلع وكيف الطلاق فيه (٣/ ٤٠٧) (رقم: ٥٢٧٧) من حديث عكرمة مرسلًا.
ورواه النسائي في السنن كتاب: الطلاق، باب: عدة المختلعة (٦/ ٤٩٧) (رقم: ٣٤٩٧) من حديث الرُّبَيع بنت معوذ بن عفراء، وفيه: شاذان بن عثمان، قال عنه الحافظ في التقريب (رقم: ٤١١٢): "مقبول"، وبقية رجاله ثقات.
ورواه ابن ماجة في الطلاق، باب: المختلعة تأخذ ما أعطاها (١/ ٦٦٣) (رقم: ٢٠٥٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣١٣)، وأبو نعيم في المعرفة (٣ / ل: ٣٤٠ / ب) من حديث ابن عباس، وفيه: أن جميلة بنت سلول أتت النَّبِيّ ﷺ فذكره، وصحح العراقي إسناده كما نقله تلميذه العيني في عمدة القاري (٢٠/ ٢٦٣).(٤) رواه عبد الرزاق في المصنف (٦/ ٥٠٢ - ٥٠٣) (رقم: ١١٨٤٣)، والدارقطني في السنن (٣/ ٢٥٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣١٤) من طريق أبي الزبير مرسلًا. =стр. 1751
عبد الله (١) ، ولعلَّها قَصَصٌ مفرّقة في زوجات شَتَّى (٢) . الحواشي
(١) وقع هذا عند البخاري في الطلاق، باب: الخلع وكيف الطلاق (٣/ ٤٠٦) (رقم: ٥٢٧٤) من حديث عكرمة مرسلًا.
وذكر الحافظ أنها لا تعارض الرواية السابقة من أنها بنت عبد الله، لأن عبد الله هذا أخوها لكن نُسب إلى جدّه أُبي. فتح الباري (٩/ ٣١٠).
وقيل: إن المختلعة من ثابت مريم المغالية، أخرجه النسائي في السنن، كتاب: الطلاق، باب: عدة المختلعة (٦/ ٤٩٨) (رقم: ٣٤٩٨)، وابن ماجة في السنن كتاب: الطلاق، باب: عدة المختلعة (١/ ٦٦٣) رقم: ٢٠٥٨) من حديث الربيّع بنت معوّذ أيضًا.
قال الحافظ: "إسناده جيّد، وتسميته مريم يمكن ردّه للأول … أو يكون اسمًا ثالثًا، أو بعضها لقب لها". فتح الباري (٩/ ٣١٠).
وذكر هذه الأقوال العراقي أيضًا في المستفاد (٢/ ١٠٠١).(٢) هذا ما قاله أيضًا البيهقي، والمزي، والذهبي، وغيرهم. انظر: تهذيب الكمال (٣٥/ ١٤٧)، وتجريد أسماء الصحابة (٢/ ٢٥٨، ٢٧٣)، وفتح الباري (٩/ ٣١٠).
ونقل العيني في عمدة القاري (٢٠/ ٢٦٣)، والمباركفوري في تحفة الأحوذي (٤/ ٣٠٦) عن العراقي أن أصح طرق الحديث حديث حبيبة بنت سهل، على أنه يجوز أن يكون الخلع قد تعدّد غير مرة من ثابت بن قيس لهذه وهذه … وقد صح كونها حبيبة، وصح كونها جميلة، وصح كونها مريم، فأما تسميتها زينب فلم يصح.
قال ابن حجر: "والذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين، وصحة الطريقين، واختلاف السياقين". فتح الباري (٩/ ٣١٠).стр. 1752
وليس في حديث الموطأ ذكر عدّة المختلعة، وروى محمد بن عبد الرحمن، عن الرُّبيِّع بنت معوِّذ بن عفراء أن ثابت بن قيس بن شَمَّاس ضرب امرأته فكسر يَدَها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي، فأتى أخوها يشتكيه .. وذكر الحديث، وفيه: "فأمرها رسول الله أن تَتَربَّصَ حيضةً واحدةً وتلحق بأهلها"، خرّجه النسائي (١) .
وخرّج الترمذي وأبو داود من طريق هشام بن يوسف (٢) ، عن معمر عن عمرو بن مسلم (٣) ، عن عكرمة عن ابن عباس: "أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي ﷺ فأمرها أن تعتدَّ بحيضة". لفظ الترمذي (٤) . الحواشي
(١) أخرجه النسائي في السنن كتاب: الطلاق، باب: عدة المختلعة (٦/ ٤٩٧) (رقم: ٣٤٩٧) من طريق شاذان بن عثمان، عن أبيه، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن به.
ورواته ثقات ما عدا شاذان، فقد قال الحافظ عنه في التقريب (رقم: ٤١١٢): "مقبول".
لكن للحديث طرق أخرى أوردها المؤلف بعد هذا، فهو صحيح بمجموعها.
وقد أخرجه من هذا الوجه أيضًا الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٦٥) (رقم: ٦٧١) لكن في إسناده ابن لهيعة.(٢) تصحّف في الأصل إلى هاشم، والصواب ما أثبته كما ورد عند أبي داود والترمذي وغيرهما من كتب التراجم والرجال. انظر: تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٦٥)، وتهذيب التهذيب (١١/ ٥١)، والتقريب (رقم: ٧٣٠٩).(٣) تصحّف في الأصل إلى سُليم، والصواب ما أثبته، وهو عمرو بن مسلم الجَنَدي اليماني، كما ورد عند أبي داود والترمذي والتقريب وأصوله.(٤) أخرجه الترمذي في السنن كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الخلع (٣/ ٤٩١) (رقم: ١١٨٥) وأبو داود في السنن كتاب: الطلاق، باب: في الخلع (٢/ ٦٦٩) (رقم: ٢٢٢٩)، والدارقطني في =стр. 1753
وقال أبو داود: "رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة عن النَّبِيّ ﷺ ـ مرسلًا (١) . الحواشي
(١) انظر: السنن (٢/ ٦٧٠)، وهو في المصنف (٦/ ٥٠٦) (رقم: ١١٨٥٨).
قال ابن حزم في المحلى (٩/ ٥١٦): "هذا ساقط: لأنه مرسل، وفيه عمرو بن مسلم وليس بشيء".
قلت: قوله ليس بشيء قاله ابن خراش أيضًا كما ذكره ابن حجر، وضعّفه أيضًا الإمام أحمد، واختلفت فيه أقوال ابن معين، لكنه من رجال مسلم، وقد قال فيه الذهبي: صالح الحديث، وذكره في كتابه من تُكلم فيه وهو موثق وقال: "صدوق، ضعّفه أحمد". وقال ابن حجر: "صدوق له أوهام".
ثم اعتضد هذا المرسل بطرق أخرى موصولة، منها:
- حديث أنس، عند البزار (٢/ ٢٠٠) (رقم: ١٥١٥ - كشف الأستار -).
- وحديث الربيّع، كما تقدّم.
- ومرسل سعيد بن المسيب عند أبي داود في المراسيل (ص: ١٢٩، ١٥٠) (رقم: ٢٠٧)، فهو حسن لغيره.
وانظر ترجمة عمرو بن مسلم في: تهذيب الكمال (٢٢/ ٢٤٠)، وميزان الاعتدال (٤/ ٢٠٩)، وذكر من تكلّم فيه وهو موثّق (ص: ١٤٧)، وتهذيب التهذيب (٨/ ٩٢).стр. 1754
قال: وحدّثنا القعنبي عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "عدّة المختلعة عدّة المطلّقة"، قال أبو داود: والعمل عندنا على هذا" (١) .
* * * الحواشي
(١) انظر: السنن - رواية أبي بكر بن داسة -كتاب: الطلاق، باب: في الخلع (ل: ١٣٧ / أ)، وفي رواية اللؤلؤي المطبوعة (٢/ ٦٧٠) (رقم: ٢٢٣٠): "عدّة المختلعة حيضة"، وليس فيه أيضًا قول أبي داود: والعمل …
لكن أخرج البيهقي في السنن (٧/ ٤٥٠) من طريق أبي بكر بن داسة عنه بلفظ: عدة المختلعة عدة الطلقة.
فكأن ابن عمر له في هذا روايتان، إحداهما أن عدة المختلعة حيضة كما ورد في السنن من رواية اللؤلؤي، والأخرى أنّ عدّتها عدة المطلقة، كما هي رواية أبي بكر بن داسة عنه، وقد ذكرهما ابن القيم أيضًا في تهذيب السنن (٣/ ١٤٥).
والمسألة كما ترى مما اختلف فيها أهل العلم، والذي عليه إلا كثر من أصحاب النَّبِيّ ﷺ وغيرهم أن عدة المختلعة عدة الطلقة، فإن كانت ممّن تحيض فثلاثة قروء، وإن كانت من اليائسات فثلاثة أشهر، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وهو المروي عن عمر وعلي وابن عمر في رواية، وهو اختيار أبي داود كما حكاه عنه المؤلف.
وذهب عثمان بن عفان، وابن عمر في رواية إلى أنها تعتد حيضة واحدة، وبه قال إسحاق وأبو ثور وهو اختيار ابن المنذر.
انظر: الموطأ (٢/ ٤٤٣)، وسنن الترمذي (٣/ ٤٩٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٤٥٠ - ٤٥١)، والتمهيد (٢٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤)، والاستذكار (١٧/ ١٩٠ - ١٩٤)، وتهذيب السنن (٣/ ١٤٥)، وأقضية رسول الله ﷺ (ص: ٢٠٨) محمد بن فرج القرطبي.стр. 1755
١٠٣ - مسند أمّ حرام بنت مِلْحان (١) بن خالد بن زيد بن حرام
وهي خالة أنس بن مالك أخت أمِّ سُلَيم (٢) .
وقال ابن وهب: هي خالة النَّبِيِّ ﷺ من الرضاعة (٣) .
لم يثبت لها اسم (٤) ، ولها حديث مركب.
٦١١ / حديث: "عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب إلى قباءٍ (٥) يدخل على أمِّ حرام بنت مِلحان فتطعمه، وكانت تحت عبادة ابن الصامت". فيه: "فدخل عليها يومًا فأطعمته، وجلست تفلي في رأسه، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك"، قالت: فقلت: ما الحواشي
(١) مِلْحان: بسكون اللام وحاء مهملة، قال القاضي عياض: ضبطه بعض شيوخنا بكسر الميم وفتحها، والكسر أشهر وأعرف. مشارق الأنوار (١/ ٣٩٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦٣).(٢) انظر: الطبقات الكبرى (٨/ ٣١٩)، وتاريخ ابن أبي خيثمة (ص: ١٨٠ - رسالة كمال -)، والمعجم الكبر للطبراني (٢٥/ ١٣٠)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٢ / ل: ٣٧٤ / أ)، والاستيعاب (١٣/ ٢٠٦)، وأسد الغابة (٧/ ٣٠٤)، والإصابة (١٣/ ١٩٣).(٣) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٢٢٦) من طريق يونس بن عبد الأعلى عنه.
وهكذا قال النووي فيها وفي أختها أم سُليم. انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦٣).(٤) سمّاها الطبراني: الرُّميصاء، لكن قال ابن عبد البر: "لا أقف لها على اسم صحيح".
وقال ابن حجر: "يقال إنها الرميصاء، ولا يصح".
انظر: المعجم الكبير (٢٥/ ١٣٠)، والاستيعاب (١٣/ ٢٠٦)، والإصابة (١٣/ ١٦٣).(٥) قُباء بالضم والقصر: قرية بعوالي المدينة، وهو اليوم متصل بالمدينة ويُعدُّ من أحيائها. المعالم الأثيرة (ص: ٢٢٢).следующие страницы →