← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "إن الله تعالى يحب أن يؤخَذ برُخصه كما يؤخذ بعزائمه" (١)، فجعلهما في المحبة على حدّ سواء، وعند المخالف: أن محبة العزيمة أكثرُ وأفضلُ. ولأنه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -، من ذلك: إنكار ابن مسعود ﵁ على عثمان ﵁ لما صلى في الحج أربع ركعات، فقال: قد فعلها؟! إنا لله وإنا إليه راجعون، صلى رسولُ الله ﷺ ركعتين، وصلى أبو بكر ﵁ ركعتين، وصلى عمر ﵁ ركعتين (٢)، فأنكر عليه تركَ الفضيلة. وكذلك قول سلمان ﵁: نحن إلى التخفيف أفقرُ (٣) فأنكر على الإمام الإتمام.

стр. 1017

وعن ابن عباس ﵄: أنه قال: من صلى في السفر أربعًا، كان كمن صلى في الحضر ركعتين (١). وعن ابن عمر ﵄: أنه قال: صلاة السفر ركعتان، من خالف السنة، فقد كفر (١)، ولأنه تخفيف يتعلق بالسفر، فكان فعله في السفر أفضل؛ دليله: صلاة التطوع في السفر على الراحلة. فإن قيل: التخفيف هناك يفضي [إلى] ترك العزيمة، وليس كذلك ها هنا، لأن ترك التخفيف لا يفضي إلى ترك العزيمة. قيل: يبطل بالمرأة، والعبد، والمسافر إذا صلوا الجمعة، لا أنه أفضل من الإتمام، وإن كان فعلُ الرخصة لا يفضي إلى ترك العزيمة، ولأن صلاة الجمعة عندهم بدلٌ عن الظهر، وفعلها أفضل من الظهر، مع كونها مقصورة عنها بركعتين، كذلك صلاة السفر. فإن قيل: القصر هناك واجب، فلهذا كان أفضل. قيل له: إذا قسنا على المرأة، والعبد، والمسافر، لم تصح هذه المعارضة؛ لأن القصر غير واجب في حقهم؛ لأن لهم أن يصلوا الجمعة، ولهم تركها، ولأن الناس اختلفوا؛ منهم من قال: لا يجوز الإتمام، ومنهم من قال: يجوز، وإن قصر، جاز، فإذا قصر، خرج من الخلاف، فكانت صلاته على وجه يقع الإجماع على صحتها أولى مما يختلفون فيها. واحتج المخالف: بأن الإتمام أكثر عملًا، فكان أفضل.

стр. 1018

والجواب: أنه باطل بالجمعة؛ لأنها ركعتان على النصف من الظهر، ومع هذا، فهي أكثر ثوابًا من الظهر، وأفضل، وإن قاسوا على الصيام في السفر، وغسل الرجلين، وترك المسح، لم يُسلّم، بل الفطر في السفر أفضل، والمسح على الخفين أفضل، والله أعلم. * * * ١٢٥ - مَسْألَة: إذا نوى المسافر إقامة تزيد على أربعة أيام، أتم، وإن نوى إقامة أربعة أيام فما دونها، قصر، في أصح الروايتين: نص عليها في رواية أبي داود (١)، وإسحاق بن إبراهيم (٢)، فقال في رواية أبي داود: إذا أزمع على إقامة إحدى وعشرين، أتم الصلاة (١). وقال في رواية إسحاق: إذا نوى أن يقيم ببلد أربعة أيام، وزيادة صلاة إحدى وعشرين صلاة، أتم (٢)، وبهذا قال داود (٣). وفيه رواية أخرى: إن نوى إقامة اثنتين وعشرين فما دون، قصر،

стр. 1019

نص عليه في رواية عبد الله (١)، والأثرم (٢)، وهو اختيار الخرقي (٣)، و [أبي] (٤) بكر عبد العزيز (٥) ﵄، ولا تختلف الرواية، يحتسب اليوم الذي يدخل فيه، واليوم الذي يخرج فيه من المدة، وقال أبو حنيفة: إن نوى إقامة خمسة عشر يومًا، أتم، وإن كان أقل، قصر (٦). وقال مالك (٧)، والشافعي ﵄: إن نوى إقامة أربعة أيام، أتم، وإن كان أقل، قصر، إلا أن الشافعي ﵀ لا يحتسب اليوم الذي [يدخل] فيه، واليوم الذي يخرج فيه من المدة (٨). والدلالة على أبي حنيفة ﵀: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]؛ دليله: أن من ليس بضارب في الأرض، فليس له أن يقصر، وهذا ليس

стр. 1020

بضارب في الأرض. وأيضًا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن علي ﵁ قال: فرض رسول الله ﷺ صلاة الحضر أربعًا، وصلاة السفر ركعتين (١)، وهذا يصلي في الحضر، فيجب أن يصلي أربعًا، ولأنه ليس له الجمع بين الصلاتين، فلم يكن له القصر؛ دليله: إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا، وعكسه إذا نوى إقامة أربعة أيام، فإن له الجمع. وإن شئت قلت: نوى إقامة تزيد على أكثر عدد اعتبر في الشهادات، فوجب أن يصير مقيمًا؛ دليله: ما ذكرنا. واحتج المخالف: بما روى أبو حنيفة ﵀ عن عمر (٢) بن [ذر] (٣) عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، وابن عمر ﵄ قال: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة (٤) ليلة، فأكملِ الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن، فاقصرها (٥)، ولم يرو عن

стр. 1021

أحد من السلف خلافه. والجواب: أن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي ﵁ قال: إذا أقام (١) عشرة أيام، أتم الصلاة، وإذا أقام اليوم وغدًا إلى شهر (٢). وروى أيضًا: بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا عزم على إقامة ثنتي عشرة ليلة، أتم الصلاة (٣). وروى أيضًا: بإسناده عن سعيد بن المسيب: أنه قال: من أجمع إقامة أربع ليال ..........................................

стр. 1022

وهو مسافر، أتم الصلاة (١). وإذا كان كذلك، حصلت المسألة خلافًا في الصحابة والتابعين ﵃، فلم يكن فيما ذكروه حجة. واحتج: بأنه نوى الإقامة في مدة تقصر على أقل مدة الطهر، فوجب أن لا يلزمه الإتمام؛ دليله: إذا نوى الإقامة أربعة [أيام] (٢). والجواب: أن المعنى في الأربع: أنها تنقص عن أقل نصاب الإبل، أو عن الواجب في نصاب الوَرِق، أو عن ألفاظ اللعان، والخمسُ بخلاف ذلك. واحتج: بأن هذه الإقامة يتعلق بها لزوم الصلاة، فيجب أن يكون أقلها خمسة عشر، أصله: مدة الطهر. والجواب: أن هذا إثبات تقدير بالقياس، ولا نسلِّم بالأصل؛ لأن الطهر عندنا ثلاثة عشر، وإن سلمنا، فإنما يقدر أقل الطهر بذلك؛ لأنه أقل ما وجد في العادة، ولو وجد أقل منه، أثبتناه، وهذا المعنى متفق عليه؛ لأن أحدًا لا ينكر أن أقل الطهر إنما قدر بخمسة عشر؛ لاقتران

стр. 1023

العادة به، وتبين صحة هذا: أن أقل مدة النفاس ومدة أكثره (١) تخالف مدة أقل الحيض ومدة أكثره، وإن كان الجميع مضروبًا لترك الصلاة؛ لاختلاف العادة فيها، ومدة الطهر من الحيض والنفاس واحد؛ لاتفاق العادة، وإذا ثبت أن مدة أقل الطهر إنما رجع فيه إلى العادة، امتنع أن يكون معللًا بما ذكروه. واحتج: بأن هذا الضرب من المقادير لا سبيل إلى إثباتها إلا من طريق التوقيف (٢)، أو الاتفاق، وقد حصل الاتفاق على أن خمسة عشر إقامة صحيحة، واختلفوا في غيرها (٣)، وليس فيه توقيف ولا اتفاق، فلا يثبته إقامة صحيحة. والجواب: أنا قد بينا التوقيف فيه، وعلى أنه لا اتفاق في خمسة عشر؛ لأن النجاد روى بإسناده عن ليث (٤) عن عامر (٥) قال: جاورت (٦) ابن عمر ﵄ ثمانية أشهر، أو عشرة أشهر بالمدينة، فسألته: كم أصلي؟

стр. 1024

فقال: إذا كنت وحدك، فركعتين، وإذا صليت بجماعة، فائتمَّ بصلاتهم، قال عامر: ولو أقمت أكثر من ذلك، ما زادني عليها (١). وروى أيضًا بإسناده عن عبد الرحمن بن مسور ﵁ (٢): أنه أقام بسابور (٣) سنتين يصلي بالناس ركعتين، ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين، ثم يسلم (٤). وبإسناده عن سالم: ................................

стр. 1025

أنه أقام ابن عمر ﵄ بأذربيجان (١) ستة أشهر يصلي ركعتين (٢). وروى عن الليث بن سعد (٣): أنه قدره بأكثر من خمسة عشر (٤)، وقدره إسحاق بن راهويه بتسعة عشر (٥). ثم لا نسلَّم هذا؛ فإنه يجوز إثباتها بالقياس عندنا، ولأننا قد بينا في غير هذا الموضع: أنهم قد أثبتوا ذلك بغير توقيف ولا اتفاق مقدارَ مسح الرأس، ومسح الخف، وقدر الخَرْق الذي يمنع المسح، وقدر مدة الرضاع. * فصل: والدلالة على أنه إذا نوى إقامة أربعة أيام يقصر؛ خلافًا للشافعي

стр. 1026

- ﵀ هو: أنه نوى مدة لا تزيد على أكثر عدد اعتبر في الشهادة، فكان له القصر؛ دليله: الثلاث، وإن شئت قلت: نوى إقامة لا تزيد على مدتي المسح، ولأن الثلاث أحد مدتي المسح، فإذا نوى زيادة عليها يومًا، لم يمنع القصر؛ كاليوم، ولأنه نوى الإقامة في مدة تقصر عن أقل نصاب الإبل، وألفاظ اللعان، والواجب في نصاب الوَرِق، ولأنه نوى مدة تستغرق أوقات عشرين صلاة، فجاز له القصر؛ دليله: إذا نوى إقامة ثلاثة أيام غير اليوم الذي يدخل فيه، واليوم الذي يخرج فيه، تبنى المسألة: على أن اليوم الذي يدخل فيه ويخرج فيه معتبر من مدة الإقامة، حكمٌ معتبر بالأيام، فاعتبر بالأبعاض؛ دليله: الحيض، والنفاس، والمسح على الخفين، أو نقول: الإقامة حكمٌ يتعلق بمدة، فاعتبر بابتداء المدة؛ دليله: المسح، والعدة، والحيض، ولأن الإقامة مؤثرة في وجوب الصلاة، فوجب اعتبار حكمها عقيب سببها؛ دليله: البلوغ، والإفاقة من الجنون، ولأن اليوم الذي يخرج فيه إلى السفر يعتد به من سفره؛ لوجود مشقة، كذلك اليوم الذي يقيم فيه يجب أن يعتد به من إقامته؛ لزوال هذه المشقة. فإن قيل: اليوم الأول يحتاج أن يشتغل بأموره، ويتأهب فيه، فتلحق المشقة أيضًا. قيل له: حكم الإقامة لا يتغير بما يلحقه من المشقة في أموره، وإنما يتغير بالنية، ألا ترى أن اليوم الثاني، والثالث لا يكون مقيمًا فيهما؛ لعدم

стр. 1027

[النية] (١)، وإن لم يلحقه فيهما مشقة؟ وربما استدل أصحابنا فيه: بما رُوي عن ابن عباس (٢)، وجابر (٣) ﵃: أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة، وخرج منها إلى منى يوم التروية بعد الزوال، وكان حاجًا، والحاج لا يخرج إلى منى قبل يوم التروية، فثبت أنه نوى الإقامة من وقت دخول مكة إلى وقت خروجه منها، وحصل له المقام بها أكثر من أربعة أيام، سوى اليوم الذي يدخل فيه إلى البلد، واليوم الذي يخرج منها، وإذا كان كذلك، حصلت إقامته على أصله أقل من أربعة أيام، فلم يلزمه الإتمام. واحتج المخالف: بما رُوي عن عثمان ﵁: أنه قال: من أجمع على إقامة أربع، أتم (٤).

стр. 1028

والجواب: أنا قد بينا خلاف الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - في ذلك، فرُوي عن ابن عمر ﵄: خمسة عشر، ورُوي: اثني عشر (١). وعن أنس ﵁ خلاف آخر (٢)، وإذا كان كذلك، لم يكن الاحتجاج بقول بعضهم. واحتج: بأن المقام اليسير لا يخرجه من حكم السفر، والكثير يخرجه، فلم يكن بُدٌّ من حدٍّ فاصل بينهما، فكان أولى الحدود بالاعتبار: الثلاث (٣)؛ لما رُوي عن النبي ﷺ : أنه لما حرّم [على] المهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه، أرخصَ له في ثلاثة أيام (٤)، يدل على أنه جعل الثلاث في حد السفر، وما زاد عليها في حد الإقامة، ويدل عليه: أن

стр. 1029

عمر ﵁ أجلى أهل الذمة من الحجاز، [ثم] (١) أَذِنَ لمن قدم منهم تاجرًا أن يقيم في غير الحرم ثلاثة أيام (٢). وفيه (٣): قوله تعالى في ناقة صالح: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٤، ٦٥]، فجعل الثلاثة في حد القريب، وكذلك جعل لحبان بن منقِذٍ (٤) ﵁ في البيع خيارَ ثلاثة أيام (٥)، وكذلك المُصَرَّاة (٦).

стр. 1030

والجواب: أنك لا تجعل الثلاث حدَّ الإقامة، وإنما تجعل الزيادة عليها حدًّا. تَدَّعي أن الثلاث في حد القلة، وما زاد عليها في حكم الكثرة، وهذا لا يصح؛ لأن الثلاث عندك قد جُعِلت في حكم الكثرة، ولهذا تقول في العمل في الصلاة: إن كان ثلاث خطوات، بطلت الصلاة، وإن نقص عن الثلاث، لم تبطل، فجعلتَ الثلاث في حكم الكثرة، وما زاد على الثلاث فهو أيضًا في حكم القلة في مواضع، منها: في أقل نصاب الإبل جعلت الأربع قليلة في إسقاط الزكاة، والخمس في حكم الكثرة في تعلق الزكاة بها، وكذلك في ألفاظ اللعان، وفي الرضاع، وفي المأخوذ عن نصاب الورق، ما دون الخمس في جميع ذلك قليل لا يتعلق به الحكم، والخَمْسُ كثير؛ مما كان يمتنع مثله ها هنا، والله أعلم. * * * ١٢٦ - مَسْألَة: إذا أقام المسافر في بلد لحاجة ينتظر قضاءها (١)، يقول: اليوم أخرج، أو غدًا أخرج، فله أن يقصر أبدًا:

стр. 1031

نص عليه في رواية محمد بن الحسن بن هارون (١) (٢)، والمروذي (٢): إذا قال: أخرجُ اليوم، أخرجُ غدًا، فأقام على ذلك شهرًا: يقصر. وبهذا قال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤) - رحمهما الله -. وللشافعي ﵀ قولان: أحدهما: مثل هذا، والثاني: يقصر إلى سبعة عشر، أو ثمان عشرة، إلا أن ينوي الإقامة فيما دونه (٥)، فيلزمه الإتمام (٦). دليلنا: ما روى أبو بكر قال: نا محمد بن عثمان (٧) قال: نا الحسن بن صالح (٨) قال: نا عبد الرزاق قال: نا معمر عن يحيى بن أبي كثير،

стр. 1032

عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر ﵁ قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة (١). فان قيل: هذا مرسل؛ لأن أبا داود قال: غيرُ معمر يرسله عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أنه قال: أقام رسول الله ﷺ . قيل له: قد رويناه متصلًا عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ وقد قال أحمد ﵀ في رواية جعفر بن محمد (٢): أقام النبي ﷺ في غزوة تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، وهذا يدل على صحة الحديث؛ لأن أحمد ﵀ احتج به. فإن قيل: يحتمل أن يكون جابر احتسب اليوم الذي يدخل فيه إلى الموضع، واليوم الذي خرج منه، فيكون عشرين يومًا، ونحن لا نحسب هذين اليومين من المدة.

стр. 1033

قيل له: قوله: أقام عشرين، يقتضي عشرين يومًا كاملة، هذا هو الحقيقة، ولأنه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -. روى النجاد بإسناده عن نافع: أن ابن عمر ﵄ أقام بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين ركعتين (١). وروى أيضًا بإسناده عن ليث عن عامر ﵁ قال: جاورت مع ابن عمر ﵄ ثمانية أشهر، أو عشرة بالمدينة، فسألته: كم أصلي؟ قال: إذا كنت وحدك، فصل ركعتين، وإذا صليت في جماعة، فائتمَّ بصلاتهم (٢). وروى أيضًا بإسناده عن أنس ﵁: أن أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برامهرمز (٣) تسعة أشهر يقصرون الصلاة (٤). وروى بإسناده عن عبد الرحمن بن مسور قال: كنا مع سعد بن مالك بالشام شهرين، فكان سعد ﵁ يقصر الصلاة، ونحن نتم، فذكرنا ذلك له، ...........................................

стр. 1034

فقال: نحن أعلم (١). وبإسناده عن الحسن عن أنس ﵄: أنه أقام بسابور سنتين يُصلي بالناس ركعتين، ثم يسلم (٢). ورُوي: عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁: أنه أقام بسجستان (٣) سنتين يقصر (٤). وهذا إجماع منهم. فإن قيل: يجوز أن يكونوا هؤلاء ينتقلون من موضع إلى موضع من تلك الناحية. قيل له: قوله: جاورت مع ابن عمر ﵄ بالمدينة ثمانية أشهر، وهذا يقتضي نفس البلد؛ لأن غيرها لا يقع عليه هذا الاسم، وكذلك

стр. 1035

قوله: أقاموا برامهرمز تسعة أشهر؛ لأن ذلك اسم للبلد، وكذلك: أقاموا بسابور، وكابل، هذا اسم للبلد. فإن قيل: فقد رُوي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: من أقام سبعة عشر، قصر، ومن أقام أكثر، أتم، هكذا رواه أبو داود (١)، وإذا كان كذلك، حصلت المسألة خلافًا في الصحابة ﵃ أجمعين -. قيل له: يحتمل أن يكون من مذهب ابن عباس: أن من عزم على إقامة سبعة عشر، قصر، وإن عزم على إقامة أكثر، أتم، وليس الخلاف فيمن نوى مدة بعينها، فخبرُ ابن عباس ﵄ محمول على ذلك، ولأنه مسافر لم يوطّأ منه نية الإقامة في مدة يصح أن يكون فيها مقيمًا، فله أن يقصر؛ قياسًا عليه إذا أقام ثمانية عشر يومًا، ولأن له أن يقصر سبعة عشر، أو ثمانية عشر، فله أن يقصر أكثر؛ دليله: إذا لم يكن مقيمًا في بلد، وكان

стр. 1036

مسافرًا، ولم ينو الإقامة في بلد. واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. والجواب: أنه محمول على من عزم على الإقامة مدة بعينها؛ بدليل ما تقدم. واحتج: بأن الأصل الإتمام، وقد ثبت عن النبي ﷺ في حديث ابن عباس ﵄. (١): أنه أقام بمكة ثمانية عشر يومًا، فكان يصلي ركعتين، وما زاد على ذلك، فيجب أن يكون باقيًا على الأصل؛ كما نقول في مدة المسح على الخفين. والجواب: أنا قد روينا عنه ﵇: أنه أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر (٢)، وروينا عن (٣) جماعة من الصحابة ﵃، ..............

стр. 1037

على أن هذا قد انتقل عن الأصل، وصار فرضه القصر، فلم يلزمه الإتمام إلا بدليل. واحتج: بأن من ليس له الجمع بين الصلاتين ليس له أن يقصر؛ قياسًا على المقيم. والجواب: أنا لا نسلِّم هذا، بل له الجمع، وعلى أنه لا يجوز اعتبار من لم ينو الإقامة أصلًا بالمقيم، ألا ترى أن من لم ينو الإقامة فيما دون السبعة عشر، أو ثمانية عشر عنده، لا يجوز اعتباره بالمقيم؟ كذلك (١)، والله أعلم. * * * ١٢٧ - مَسْألَة: إذا دخل جيش المسلمين دار الحرب، ووَطَّنوا أنفسهم على الإقامة بها مدةً تزيد على أربعة أيام، أتمَّ: وقد قال أحمد ﵀ في رواية إسحاق بن منصور (٢)، وجعفر بن محمد (٣): .....................................................

стр. 1038

أقام النبي ﷺ ثمانية عشر يومًا [بمكة] (١) من الفتح لما أراد حنينًا، لم يكن ثم إجماع، وأقام بتبوك عشرين يومًا، ولم يكن ثم إجماع، ولكن إذا أجمع على زيادة أربعة أيام، أتم الصلاة؛ فقد تأول إقامة النبي ﷺ بدار الحرب بتبوك وحنين على أنه لم يعزم على الإقامة، وقال: إذا عزم على الزيادة على أربعة أيام، أتم، وظاهر هذا: أنه لا فرق عنده بين دار الحرب، ودار الإسلام، وكذلك قال في رواية عبد الله (٢): المسح في دار الحرب وغيره واحد؛ للمسافر ثلاثة (٣) أيام، وللمقيم يوم وليلة. وهو قول الشافعي ﵁ (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: له أن يقصر أبدًا ما دام مقيمًا في دار الحرب، وإن نوى الإقامة (٥). دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وهذا غير ضارب في الأرض.

стр. 1039

وقول النبي ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى" (١)، وهذا قد نوى الإقامة، فوجب أن تصح (٢) نياتهم، ولأنهم نووا إقامة مدة الإقامة، فوجب أن تصح، أصله: غير دار الحرب. واحتج المخالف: بما تقدم (٣) عن الصحابة - رضوان الله عليهم -، وأنهم أقاموا الشهور والسنين بدار الحرب يقصرون الصلاة. والجواب عنه: أنه لم يكن منهم نية الإقامة، وإنما كانت نيتهم (٤)، فهو بمنزلة من كانت نيته قضاء حاجته ببلد، فإنه يقصر، وإن أقام شهرًا. واحتج: بأن الموضع الذي نووا الإقامة ليس بدار إقامة، فوجود النية منهم وعدمها بمنزلة [واحدة] (٥)، كما لو نووا الإقامة في البادية في موضع لا ماء فيه ولا طعام. والجواب: أن نية المقام في البادية صحيحة عندنا، ويتعلق بها الإتمام؛ كما نقول في دار الحرب. واحتج: بأن إقامتهم في الموضع الذي نووا فيه الإقامة ليست

стр. 1040

موقوفة على اختيارهم؛ لأنه ربما هزمهم العدو، فيحتاجون إلى أن يتأخروا، أو يهزموا العدو، فيحتاجون إلى أن يتقدموا، فيجب ألا يثبتوا لنيتهم حكمًا؛ كالعبد مع المولى إذا نوى الإقامة، لم يثبت لنيته حكم، وكذلك المرأة مع زوجها، والجيش مع الأمير. والجواب: أنا لا نسلم هذا، بل نقول: نيتهم صحيحة، ويلزمهم الإتمام، وعلى أنه تنتقض نية صاحب الحاجة؛ فإن إقامته غيره على اختياره (١)، وإن قضاها، ربما تقدم، وربما تأخر، وربما اضطر إلى الخروج لما يعرض من الأمور؛ كما قال بعضهم (٢): إذا أَذِنَ اللهُ في حاجةٍ … أتاك النجاحُ بها يركُضُ وإن أَذِنَ اللهُ في غيرِها … أتى عارضٌ دونَها يعرِضُ * * * ١٢٨ - مَسْألَة في الملَّاح (٣) إذا كان يسافر بأهله، وليس لنيته في المقام

стр. 1041

ببلد، والمكَاري (١) [الفَيْج] (٢)، فإنهم لا يقصرون الصلاة: نص عليه في الملاح في رواية أبي داود (٣)، والمروذي (٤)، وإبراهيم (٤)، وابن الحارث (٤)، والأثرم (٥)، واللفظ لإبراهيم: في الملاح تكون السفينة بيته أبدًا مع امرأته: لا يقصرون الصلاة، وكذلك إسحاق بن إبراهيم (٦)، وأحمد بن الحسن (٧)، ويوسف (٨): في الراعي لا يقصر إذا كان مسكنه وأهله بها.

стр. 1042

وقال في رواية الميموني (١): في الجمَّال يقصر، قد يأتي بيته، ويقيم فيه، فكان عنده: أن الجمَّال خلاف الملَّاح الذي تنورُه وأهلُه [معه] (٢)، فصار من هذا فرق بين الجمال والملَّاح، ولا فرق بينهما في التحقيق؛ لأنه قد بيّن أن الجمال الذي يأتي أهله، فلهذا جاز له القصر؛ لأنه موطن يرجع إليه، ولو كان الملاح بهذه الصفة، لكان له القصر، فأما إذا تساويا في أن كل واحد منهما ليس له وطن يستقر به، فإن حكمهما سواء في ترك القصر، وبه قال الحسن (٣)، وعطاء (٤)، وأيوب (٥). وقال أبو حنيفة (٦)، ............................................

стр. 1043

ومالك (١)، والشافعي (٢) ﵃: لهم القصر إذا نووا مسافة القصر. دليلنا: ما أنا أبو محمد عبد الله بن الضرير (٣)، يخرج الدارقطني بإسناده عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "لا يقصر الراعي" (٤)، ولأنه لم يوجد انتقال عن موطنه، ولا العدول عن أهله، فلم يجز له القصر؛ دليله: إذا سافر في بلد من محلة إلى محلة، وإذا كان سفره ستة عشر فرسخًا، وإذا نوى الإقامة في بلد أربعة أيام. وإن شئت قلت: من لا يجوز له الجمعُ لا يجوز له القصر؛ دليله: ما ذكرنا، وهذا على أبي حنيفة، فإن مَنْ دأبُه السفر لا يرجع إلى وطن فهو في حكم المقيم، ألا ترى أنه لو طلق زوجته وهي معه على السفينة؛ بحيث لا يخلو بها، فإنها تقضي العدة على نحو ما تقضيها وهي مقيمة في البلد، وإن كانت سائرة متنقلة، وتبين صحة هذا: ما روى عثمان بن عفان عن النبي ﷺ قال: "من تزوج ببلد، فهو من أهله" (٥)، فجعل

стр. 1044

المقيم مع أهله في حكم المقيم، ولأن من يتكرر دخوله إلى مكة؛ كالحَشّاشة، والحَطّابة يسقط عنهم الإحرام إذا مروا على الميقات؛ لما عليه من المشقة، ويجب الإحرام على غيرهم؛ لعدم المشقة، كذلك رُخَص السفر تثبت في حق المسافر لأجل ما يلحقه من المشقة، وهذا يختص من لا يتكرر سفره، فأما من يتكرر سفره، لا مشقة عليه؛ لأنه قد صار ذلك إِلْفة. واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وهذا عام. والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا؛ بدليل: ما تقدم. واحتج: بأن المسافر إنما جاز له القصر؛ لما يلحقه من المشقة، وهذا المعنى يوجد في مسألتنا، فيجب أن يباح له القصر. والجواب: أن المشقة إنما تلحقه؛ لأن وطنه حصل على وجه تلحقه المشقة، فهو كأهل الصنائع الذين تلحقهم المشاق في بلادهم؛ فإن ذلك لا يبيح له القصر، كذلك ها هنا، ولأن كذلك من له بلد يرجع إليه؛ لأن وطنه يحصل له به رفاهة، فإذا انتقل عنه، جاز أن يترخص، وهذا وطنه حصل على صفة تلحقه المشقة، فلم يؤثر ذلك في باب الرخصة. * فصل: فإن قدم بلدًا، فتزوج فيه، ولم ينو إقامة أربعة أيام، لم يجز له القصر، وكذلك لو قدم على بلد له فيه أهل، نص على الأولى في رواية

стр. 1045

الأثرم (١)، وأبي الحارث (١)، وصالح (٢)، وأبي داود (٣)، ونص على الثانية في رواية عبد الله (٤)، وابن منصور (٥)، وذكره أبو بكر الخلال في كتابه خلافًا (٦) في قوله: لا يصير بذلك مقيمًا. دليلنا: ما روى الحميدي (٧) [في كتابه] (٨) بإسناده عن عثمان بن عفان ﵁: أنه صلى بأهل منى أربعًا، فأنكر الناس عليه ذلك، فقال: يا أيها الناس! إني لما قدمتُ مكة، تأهلت بها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تأهل الرجل ببلد، فليصل به صلاةَ المقيم" (٩)، فنُقل في الخبر حكم وسبب، فتعلق الحكم بالسبب، وعلى أن عثمان ﵁ حمله على السبب المنقول، وهو التأهل.

стр. 1046

وروى أحمد ﵀ (١) عن ابن عباس ﵄ قال: إذا قدمتَ على أهل، أو على ماشية، فأتمَّ (٢). وأيضًا: فإن عقد النكاح يقتضي الإقامة، ولهذا أمر النبي ﷺ بالمقام عند الثيب ثلاثًا، وعند البكر سبعًا (٣)، عندنا وعندهم: مستحب، فإذا كان يقتضي الإقامة، فإن لم يوجد، يجب أن يصير شبهه في قطع نية السفر احتياطًا للعبادة، ولأنه لو خرج من بلده بنية السفر، ثم رجع إلى بلده لحاجة نسيها، لم يجز له القصر؛ لأنه عاد إلى وطنه، وإن لم ينو

стр. 1047

الإقامة، كذلك إذا قدم بلدًا له فيه أهل. وأيضًا: فإن العادة أن عقد النكاح يقتضي الإقامة، فوجب أن تحمل نيته على مقتضى العادة، وإن لم يصرح به، وكذلك إذا دعا قومًا، وقدّم إليهم طعامًا، كان ذلك إذنًا، وكذلك قال أصحابنا: إذا دفع إلى قصار ثوبًا، وكان معروفًا بأخذ الأجرة، استحق الأجرة، وإن لم يصرح بها. وذهب المخالف: إلى (١) أن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين - لما حج حجة الوداع، نزلوا مكة في ديارهم وضياعهم وأموالهم، وكانوا على القصر (٢). والجواب: أن تلك الديار ملكت عليهم. واحتج: بأنه على سفر ما لم يفتتح، أو ينوِ الإقامة. والجواب: أنا نقول: أو يتزوج، أو يقدم على أهل، والله أعلم. * * * ١٢٩ - مَسْألَة: إذا ائتم المسافر بمقيم، لزمه الإتمام، ولا فرق بين أن يدرك مع المقيم ركعة، أو أقل؛ فإنه يلزمه التمام:

стр. 1048

نص على هذا في رواية الجماعة، منهم: أبو طالب (١): في المسافر يصلي خلف المقيم، على حديث عمر ﵁: أتموا؛ فإنا قوم سَفْر (٢). وقال أيضًا في رواية صالح (٣): في مسافر أدرك مقيمين في التشهد في الرابعة: صلى بصلاتهم، وكذلك نقل ابن منصور (٤)، وصالح (٣): في مسافر انتهى إلى الإمام يوم الجمعة وهو جالس في آخر صلاته: يصلي أربعًا؛ لأنه قد دخل في صلاة المقيمين، وكذلك نقل الميموني (٥): في مسافر دخل في صلاة الجمعة وهم في التشهد: يصلي أربعًا، فقيل له:

стр. 1049

فالمقيم إذا دخل في التشهد، كان حكمه أن يصلي ركعتين؟ فقال: هذا يحتاط، يزيد ولا ينقص، فقد نص على ما ذكرنا. وبه قال أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢) - رحمهما الله -. وقال مالك ﵀: إن أدرك ركعة، لزمه الإتمام، وإن أدرك أقل، لم يلزمه (٣). وقال داود: يجوز له القصر، ولا يجوز له الإتمام (٤). فالدلالة على داود: قوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٥)، والائتمام الاتباع، فظاهره يقتضي المتابعة في جميع أفعال الصلاة بكل حال. وأيضًا: فإنه مؤتم بمقيم، فلم يجز له القصر؛ كما لو أراد أن يصلي الجمعة خلف من يصلي الظهر؛ فإنه يلزمه الإتمام أربعًا، أو صلى الظهر خلف مقيم يصلي الظهر. واحتج: بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وهذا ضارب، فجاز له القصر.

стр. 1050

والجواب: أن الآية تدل على جواز القصر في الجملة، فأما كيفيته وموضعه، فلا تدل (١) عليه. واحتج: بأنه مسافر، فجاز له القصر؛ كما لو صلى منفردًا. والجواب: أنه هناك غيرُ تابع لغيره، فلم يلزمه حكمُه، وإذا ائتم، فهو تابع لغيره، فلزمه متابعته. والدلالة على مالك ﵀ هو: أنه مؤتم بمقيم، فلم يجز له القصر؛ كما لو أدرك معه ركعة، ولأن كل معنى لو وجد ابتداء الصلاة ووسطها، لزم به الإتمام، فإذا وجد في جزء منها، لزم الإتمام؛ كنية الإقامة. والجواب: أن هذا محمول على إدراك الوقت، ولم يقصد به إدراك حكمها. واحتج: بأنه مدرك لما دون الركعة، فلم يلزمه حكم تلك الصلاة؛ دليله: الجمعة. والجواب: أن فضيلة الجماعة تدرك بإدراك أقلَّ من ركعة، وليس اعتبار هذا بحال الجمعة بأولى من اعتبارها بالجماعة، ثم المعنى الذي يجعله مدركًا للجمعة بأقل من ركعة هو: تغليب للإتمام، وهذا موجود ها هنا، والله أعلم. * * *

стр. 1051

١٣٠ - مَسْألَة: إذا نسي صلاةَ سفرٍ، فذكرها في الحضر، صلاها صلاةَ حَضَرٍ (١): نص على هذا [في] رواية عبد الله (٢)، والأثرم (٣)، والمروذي (٤)، وعلل في رواية الأثرم: بأنها وجبت عليه الساعة؛ أي: وجبت عليه في الأصل صلاة تمام؛ لأن من أصلنا: أن القصر رخصة، وليس بعزيمة، فقوله: الساعة؛ أي: خاطب به المقيم. وهو قول الجديد للشافعي ﵀ (٥)، وبه قال داود (٦). وقال أبو حنيفة ﵀: يصلي صلاة سفر (٧). واختلف أصحاب ............................................

стр. 1052

مالك ﵀ (١): فمنهم من قال مثلَ قول أبي حنيفة، ومنهم من قال: هو مخير، إن شاء صلى أربعًا، وإن شاء ركعتين، وهو قول القديم للشافعي ﵁ (٢). دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وهذا ليس بضارب في الأرض، فلا يجوز له القصر. وأيضًا: ما تقدم من حديث علي ﵁: فرض رسول الله ﷺ صلاة الحضر أربعًا (٣)، وهذا في الحضر. والقياس: أنه مقيم، فلم يجز له القصر؛ كما لو وجبت عليه الصلاة وهو مقيم، ولأنه تخفيف تعلق بالسفر، فإدراكُ السفر قبل وجود التخفيف (٤)، وجب أن يزول التخفيف، أصله: إذا أحرم بالصلاة وهو في سفينة، فقدمت بلده قبل أن يسلِّم من الركعتين، فإنه يلزمه الإتمام، ولا يلزم عليه المسافر إذا دخل في الصوم، ثم دخل بلده قبل أن يفطر، فإنه لا يجوز له أن يفطر، ولا يلزم عليه إذا أفطر في السفر، ثم قدم، فإن فيه روايتين: إحداهما: لا يجوز أن يأكل في بقية نهاره، نص عليه في

стр. 1053

رواية حنبل، فقال: يُمسك (١). والثانية: له الأكل، أومأ إليه في رواية الأثرم (٢)، وغيره (٣)، فقال: أعجبُ إليَّ وأحبُّ أن يمسك، فعلى هذا: لا يلزم؛ لأنا قلنا: فإدراك السفر قبل وجود التخفيف، وها هنا قد وجد التخفيف في السفر، وهو الأكل، فأما استدامة حكم الأكل، والبقاء عليه، فليس من أحكام السفر. فإن قيل: لا نسلِّم أن القصر تخفيف، ولا نسلِّم أنه متعلق بالسفر؛ لأن الركعتين عندنا فرض الوقت. قيل له: هو تخفيف عما يجب على المقيم؛ لأن الركعتين أخف من الأربع، فلا يمكن إنكاره، وأما تعلقه بالسفر، فصحيح؛ لأنه إذا كان مسافرًا، صلى ركعتين، وإذا صار مقيمًا، صلى أربعًا، وإذا عاد إلى السفر، عاد إلى الركعتين، فثبت أنه متعلق بالسفر، وهو بمنزلة تخفيف الأركان المتعلق بالمرض؛ فإنه إذا مرض، ولحقته مشقة فادحة (٤) من القيام، جاز له أن يصلي قاعدًا، وإذا زال المرض، وجب القيام، فدل ذلك على أنه متعلق بالمرض، كذلك ها هنا. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه قد طرت الإقامة على الصلاة قبل

стр. 1054

استقرارها في ذمته، وليس كذلك ها هنا؛ لأنها قد استقرت في ذمته ركعتان، فلم يجز الزيادة عليها بما يطرأ بعد ذلك. قيل له: الفرض عندنا أربع ركعات، وهي المستقرة في الذمة، وإنما رخص في ترك الركعتين منها لأجل السفر، فإذا زال السفر، استقر الجميع، وعلى أن هذا باطل بمن دخل في الصلاة وهو في السفينة، وخرج وقت الصلاة قبل أن يسلم من الركعتين، ثم انتهت السفينة إلى بلده قبل أن يسلم منها، لزمه الإتمام، وقد استقرت هذه الصلاة في الذمة بخروج الوقت، ولأن صلاة السفر والحضر صلاتا وقت واحد، إحداهما تنقص عن الأخرى، فإذا زال شرط الناقصة، وجب أن يعود إلى الكاملة؛ دليله: الجمعة. فإن قيل: فرض الوقت يوم الجمعة هو الظهر، وإنما أمرنا بإسقاطها بالجمعة، فإذا فاتت الجمعة، وجب فرض الوقت، وليس كذلك السفر؛ لأن فرض الوقت عندنا ركعتان. قيل له: فرض الوقت عندنا أربع ركعات، وفرض الوقت في يوم الجمعة هو الجمعة؛ لأنه هو المخاطب بها، والمعاقب على تركها، ولأنها صلاة خففها لعذر، فإذا زال، وجب أن يزول التخفيف، أصله: إذا نسي صلاة في حال المرض، وأراد أن يقضيها في حال الصحة، لزمه القيام فيها، ولم يجز له ترك القيام كما فاتت، وكذلك لو فاتته صلاة وهو عريان، وأراد قضاءها وهو مكتسٍ، فإنه يلزمه ستر العورة، كذلك ها هنا.

стр. 1055

فإن قيل: الاعتبار في تخفيف الأركان وتتميمها بحال الفعل، وليس كذلك الركعات؛ فإن الاعتبار فيها بحال الاستقرار في ذمته دون حال الفعل، ألا ترى أنه إذا نسي صلاة في حضر، فذكرها في سفر، لزمه أن يصليها أربعًا؟ قيل له: الذي استقر عندنا هو أربع ركعات، وإنما القصر رخصة، فإذا زال العذر، كان المستقر هو الأربع؛ كما يقول المخالف في الجمعة إذا فاتت. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة، أو نام عنها، فليصلَّها إذا ذكرها" (١)، فأمر بقضاء المنسية، والتي نسيها ركعتان، فوجب أن يقضيها ركعتين. والجواب: أن الخبر اقتضى أمرًا بالقضاء، وليس فيه ما يدل على كيفية القضاء، فلا يدل على موضع الخلاف، على أنا لا نسلِّم أنها ركعتان، بل أربع. واحتج: بأنها صلاة تؤدى مرة، وتقضى أخرى، فوجب أن يكون قضاؤها في عدد ركعاتها مثلَ أدائها؛ دليله: إذا نسي صلاة في الحضر، ثم ذكرها في السفر، ولا يلزم عليه الجمعة؛ لأنها لا تقضى. والجواب: أنه قد قيل: إن الجمعة تقضى ظهرًا، فالقياس منتقض بها، ويدل عليه أنها تقضى: أنها قبل فواتها لا يجوز أن يصلوا الظهر، وإذا
следующие страницы →