← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وقد قال في رواية محمد بن ماهان (١): في الرجل يقرأ في الصلاة، فيمر بالآية، فيغلبه البكاء حتى ينتحب؟ فقال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يُسمع نشيجُه (٢) وهو في الصلاة (٣)، فقيل له: صلاته تامة؟ قال: نعم، وهذا محمول على أنه من الخوف، ورأيت في تعاليق أبي حفص العكبري عن أبي عبد الله بن بطة: أنه قال (٤) في الرجل يتأوه في الصلاة؟ فقال: إن تأوه من النار، فلا بأس، وإن تأوه لغير ذلك؛ مثل أن يصيبه حجر، فيقول: أوّه، وما أشبه هذا؛ فإنه يفسد صلاته، وبه قال أبو حنيفة (٥). وقال أبو يوسف: لا يقطع، سواء كان من وجع، أو من خوف الله تعالى (٦).

стр. 982

وقال الشافعي ﵁: يقطع الصلاة بكل حال (١). دليلنا: التأوه يقع على الهجاء، ويدل بنفسه على المعنى، فيصير كلامًا، والكلام إذا كان على غير وجه الذكر لله تعالى، يفسد الصلاة؛ بدلالة سائر كلام الناس، ولا يلزم عليه إذا كان من خوف الله تعالى؛ لأنه يصير ذكرًا لله تعالى، ألا ترى أنه قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]؟ رُوي في التفسير (٢): أنه كان يتأوه من الخوف لله تعالى، فمدحه على ذلك، فدل على أنه إذا كان من خوف الله تعالى، يجري مجرى ذكر الله تعالى، فلا يفسد الصلاة، ويبين صحة هذا: ما احتج به أحمد ﵀ من حديث عمر: كان يسمع نشيجه في الصلاة، ومعناه: يرفع الصوت بالبكاء في الصلاة حتى يُسمع، هكذا ذكره أبو عبيد (٣)، ولا يلزم عليه التنحنح؛ لأنه لا يدل بنفسه على المعنى، وإنما يفهم به المراد إذا كان على وجه الجواب، أو قصد به الخطاب؛ كالتصفيق ونحوه، مع أنه قد رُوي في التنحنح روايتان، نقل أبو طالب عنه (٤): لا يتنحنح؛ فإن النبي ﷺ قال: "إذا نابكم شيء، فليسبح الرجال، ولتصفق النساء" (٥)، هو من غير الصلاة مثل السلام، ونقل المروذي قال: كنت

стр. 983

آتي أبا عبد الله وهو يصلي، فيتنحنح في صلاته؛ لأعلم أنه يصلي (١). ولا يلزم عليه النفخ؛ لأن فيه روايتين: نقل عبد الله (٢)، وصالح (٣)، وحنبل (٤)، وأبو طالب (٥): أنه إن نفخ، فسدت صلاته، وهو أصح؛ لأنه يقع على الهجاء، ويدل بنفسه على المعنى، ونقل ابن منصور (٦): الكراهة، إلا أني أقول: لا يقطع الصلاة؛ كالنحنحة. واحتج أبو يوسف: بأنه بمنزلة التنحنح، وقد بينا الفرق بينهما. واحتج أصحاب الشافعي ﵃: بقوله ﵇: "صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" (٧)، وهذا ليس بواحد منها. والجواب: أنا نقول: أو الأنين؛ بدليل ما ذكرنا.

стр. 984

واحتج: بأنه ليس بذكر، أشبهَ خطابَ الآدمي. والجواب: أنا لا نسلم ذلك؛ لما بيناه، والله أعلم. * * * ١٢٢ - مَسْألَة: أقل السفر الذي يباح فيه القصر، والإفطار، والمسح ثلاثًا: ستة عشر فرسخًا (١)، ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي (٢): نص عليه في رواية الأثرم (٣)، والمروذي (٤)، وحرب (٤)، وهو قول

стр. 985

مالك (١)، والشافعي (٢) ﵄. وقال أبو حنيفة ﵀: أقل مسيرة ثلاثة أيام سير الإبل، ومشي الأقدام (٣). وقال داود: لا حدَّ له، ويقصر في قصير السفر وطويله (٤). دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وظاهر هذا: أن كل ضرب في الأرض يجوز فيه القصر، إلا ما خصه الدليل. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، هو عام في كل ما يسمى سفرًا. وأيضًا: ما روى أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب مختصر المختصر (٥) عن عطاء بن رباح عن عبد الله بن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "يا أهل مكة! لا تقصروا في أدنى من أربعة بُرُدٍ من

стр. 986

مكة إلى عسفان" (١). وروى شيخنا في كتابه بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أهل مكة! لا تقصروا (٢) في أدنى من أربعة بُرُد من مكة على عسفان" (٣)، فوجه الدلالة: أنه منع من القصر فمِما دون أربعة برد، وأباحه في أربعة برد، والبريد: اثنا عشر ميلًا، وهي أربعة فراسخ، فتكون أربعة (٤) برد: ستة عشر فرسخًا. فإن قيل: هذا احتجاج من دليل الخطاب؛ لأنه نهى عن القصر فيما دون أربعة برد، وهذا اتفاق، وليس فيه جواز القصر في أربعة برد، فهو موقوف على الدليل.

стр. 987

قيل له: نحن نقول بدليل الخطاب على أنه لا فائدة في تقدير المسافة بما ذكره إلا لبيان الحد؛ لأن العرب لا تقول ذلك، وهو يسوي بين الأربع وبين غيرها، ولأنه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -، فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن عطاء قال: سألت ابن عباس ﵄: أقصر إلى مَرٍّ (١)؟ قال: لا، قلت: إلى منى؟ قال: لا، قلت: إلى الطائف؟ قال: نعم (٢). وروى أيضًا بإسناده عن القعنبي (٣) عن مالك: بلغه أن عبد الله بن عباس ﵄ كان يقول: تقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان (٤)، .....................................

стр. 988

قال مالك: وذلك أربعة برد (١). وروى أيضًا بإسناده عن عطاء بن رباح: أن عبد الله بن عمر، وابن عباس ﵃ كانا يصليان ركعتين، ويقصران في أربعة بُرد فما فوق ذلك (٢). وروى شيخنا في كتابه عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: لا تقصروا في بواديكم، ولا مجشركم (٣)، ولكن من إقليم الكوفة إلى المدائن (٤).

стр. 989

وظاهر هذا منهم: أنه توقيف. والقياس: أنه سفر يجمع مشقة السير والحل والارتحال في العادة، فوجب أن يتعلق به إباحة مدة الرخص؛ قياسًا على سفر مدة ثلاثة أيام، ولا يلزم عليه إذا كان السفر مرحلة ونصفًا؛ لأن ما زاد ليس بمعتاد؛ لأن التكرار المعتاد أن يكون الثاني مثل الأول. فإن قيل: هذا موجود في خمسة عشر فرسخًا. قيل له: لا يمتنع أن يتقدر بستة عشر فرسخًا لهذه العلة، وإن وجدت فيما دون؛ كما يقدر عنده بثلاثة أيام، وكما تقدرت مدة الرضاع بالحولين، ونحو ذلك من المقدرات، وإن كان معانيها توجد فيما دون ذلك. وإن شئت قلت: سفر مقدر في العادة بإحدى مدتي المسح، فوجب أن يتعلق به الرخص؛ قياسًا على مدة ثلاثة أيام، وإن شئت قلت: مسافة تقطع في العادة في زمان يستوفي أوقات الصلوات الخمس على التكرار، فأشبه ما ذكرنا. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ قال: "يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن" (١)، فخرج هذا الكلام مخرج البيان لحكم المسافر، ومن حكم البيان: أن يكون شاملًا لجميع ما أريد بيانه، فإذا كان كذلك، وجب أن يكون كل مسافر فمدة سفره ثلاثة أيام حتى

стр. 990

يمكن استيفاء المسح؛ لأنه أيام في السفر، ولأنه أدخلَ الألفَ واللامَ، فاستغرق جنس المسافرين؛ إذ ليس ها هنا معهود ينصرف الخبر إليه، فلا يبقى مسافر يتعلق بسفره حكم إلا وسفره ثلاثة أيام؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لكان قد بقي مسافر لم ينتظمه الخبر، ولم يتبين حكمه. والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنا نقول بموجبه؛ لأن كل مسافر يمكنه (١) ثلاثة أيام، فإن كان من سفره ستة عشر فرسخًا، كان له أن يقطعها في ثلاثة أيام، وإذا كان كذلك، فهذه المدة ثابتة لكل مسافر. فإن قيل: فقد يمكنه قطعها في يومين. قيل له: وقد يمكنه أيضًا أن يقطع الثلاث في يومين، فلا يكون قد مسح ثلاثة أيام. والجواب الثاني: أن المقصود بهذا الخبر: بيانُ أكثر مدة المسح في السفر، دون بيان أقل مدة السفر، ألا ترى أنه ﵇ قال: "والمقيم يومًا وليلة"، فبين أكثرَ المدة التي يمسح فيها المقيم، ولم يقصد به بيانَ أقل الإقامة؛ لأن عندنا: أقلُّها ما زاد على أربعة أيام، وعند أبي حنيفة: خمسة عشر يومًا. واحتج: بأن السفر الذي يباح فيه القصر هو الذي لا يجوز للمرأة أن تخرج فيه بغير مَحْرَم، وقد قال النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاثة أيام ......................................

стр. 991

إلا مع ذي محرم" (١)، فعلق هذا الحكم بالثلاث، وإذا ثبت ذلك في المرأة، ثبت في القصر، والإفطار؛ لأن أحدًا لا يفصل بينهما. والجواب: أن السفر الذي لا يجوز للمرأة أن تخرج فيه بغير محرم لا يتقدر عندنا بالثلاث، بل يُمنع فيما دون الثلاث، وقد أومأ أحمد ﵀ إلى هذا في رواية الأثرم (٢) - وقد قيل: قولُ النبي ﷺ : "لا تسافر امرأة يومًا" (٣) -، فقال: قد جاء عن النبي ﷺ : "لا تسافر امرأة ثلاثًا، ويومين، ويومًا" (٤)، وجاء: "لا تسافر سفرًا" (٥)، وهذا كله سفر،

стр. 992

وأقلُّ من يوم أيضًا يكون سفرًا، إلا أنه لا يقصر فيه الصلاة، وإذا كان السفر الذي يمنع (١) منه المرأة بغير محرم لا يتقدر بالثلاث، لم يصح ما قالوه. وأما الخبر، فقد اختلفت ألفاظه، فرواه النجاد بألفاظ، فروى عن عدي بن حاتم ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام" (٢)، ورواه ابن عمر ﵄ كذلك (٣)، وروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تسافر امرأة يومين من الدهر إلا معها ذو محرم منها، أو زوجها" (٤)، وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة (٥)

стр. 993

منها" (١)، وفي لفظ آخر (٢): "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها". وإذا كانت الألفاظ في ذلك متعارضة، لم يمكن التعلق ببعضها، وعلى أن فيها حجة لنا؛ لأنه جعل اليوم سفرًا، ومنعها من الخروج بغير محرم، وعنده: ذلك ليس بسفر، وعلى أن هذا احتجاج بدليل الخطاب؛ لأن قوله: "لا تسافر ثلاثة أيام إلا مع زوج"؛ دليله: الجواز فيما دون الثلاث، وعندهم: أن دليل الخطاب ليس بحجة. فإن قيل: يحمل قوله: "لا تسافر يومين ويومًا إلا مع ذي محرم" إذا أرادت سفر ثلاثة أيام، فإنها لا تخرج يومًا أو يومين إلا مع ذي محرم، وفائدته: أن يظن ظان أنه يجوز أن تخرج مسيرة يوم بغير محرم. قيل له: قوله: "لا تسافر يومين، ولا تسافر يومًا" يقتضي أن حمله سفر لها ذلك. واحتج: بأنها مسافة تقطع في مدة لا يمكن استيفاء رخصة المسافر في المسح، فوجب أن لا يقصر فيه الصلاة، أصله: أقل من ستة عشر فرسخًا.

стр. 994

والجواب: أن استيفاء مدة المسح يمكن فيها، على أن المعنى في الأصل: أنه لا يجمع مشقة السير والحل والارتحال في العادة، وهذا بخلافه. واحتج: بأن هذا الضرب من المقادير لا سبيل إلى إثباتها إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق، وقد حصل الاتفاق على أن مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن سفر، وما دونها مختلف فيه، وليس فيه توقيف ولا اتفاق، فلا نثبته سفرًا صحيحًا. والجواب: أنه قد رُوي: أن رجلًا سأل حذيفة بن اليمان ﵁ فقال: إني أسير من المدائن إلى الكوفة، وهي مسيرة ثلاثة أيام، أفأقصر الصلاة؟ قال: لا (١). فبطل دعوى الإجماع، وعلى أنهم - وإن أجمعوا على جواز القصر فيها -، فلم يجمعوا على أن ذلك حدٌّ، والكلام في إثباتها حدٌّ، ولأننا قد بينا التوقيف في ذلك، ولأن المخالف قد يثبت مقدار [اً] من غير توقيف ولا اتفاق؛ مثل: تقدير مسح الرأس بالربع، ومسح الخف بثلاث أصابع، وكذلك الخرق الذي يمنع من المسح، وتقدير العدد الذي تنعقد به الجماعة، ....................................................

стр. 995

وتقدير عدم (١) المقام بخمسة عشر يومًا، وتقدير النجاسة بالدرهم، وتقدير الرضاع بسنتين ونصف، وما أشبه ذلك، فبطل ما قالوه. واحتج: بأن الإتمام ثبت بأخبار متواترة، فلا يجوز إسقاطه بأخبار آحاد، وليس في إثبات هذه المدة التي تذهبون إليها أخبار متواترة. والجواب: أن هذا لا يصح على أصلكم؛ لأن عندكم: أن الأصل في الصلاة القصرُ، والتمامُ فرع له، وعلى أنا إذا بينا المدة التي ذكرناها، لم يلزمه إسقاط حكم التمام بكل حال، وإنما يخصه، ويحمله على غير هذه الحالة، ويجوز تخصيص ما ثبت بأخبار الآحاد، وما ذكرنا عن أبي حنيفة من حديث ابن عباس، وإجماع الصحابة - رضوان الله عنهم أجمعين - فهو حجة على داود؛ لأن الفرسخ والفرسخين لا تلحق فيه المشقة، فهو كالمشي في نواحي البلد. واحتج المخالف: بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]، وهذا ضارب. والجواب: أنه محمول على ما ذكرنا؛ بدليل ما تقدم، والله أعلم. آخر الجزء السابع [عشر] (٢) من أصل المصنف ﵀. * * *

стр. 996

١٢٣ - مَسْألَة: القصر رخصة، وليس بعزيمة، والمسافر مخير بين الإتمام والقصر، فإن نوى القصر مع الإحرام، فصر، وإن لم ينو القصر، كان على أصل فرضه (١) أربعًا: نص على هذا في رواية صالح (٢)، وعبد الله (٣)، وأبي طالب (٤) ﵏، فقال: التقصيرُ أعجبُ إليّ، وإن أتمَّ، فلا شيء عليه (٥). وهو قول الشافعي (٦)، وداود (٧) ﵄. وقال أبو حنيفة ﵀، وأصحابه (٨): القصر عزيمة، وفرض

стр. 997

المسافر ركعتان. واختلف أصحاب مالك: فمنهم من يقول: مثل قولنا، ومنهم من يقول: مثل قول أبي حنيفة (١). دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]، وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ (٢) يستعمل في الإباحة؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]، فدل من هذا الوجه على أن القصر مباح، وليس بواجب. فإن قيل: هذه اللفظة قد تستعمل في الواجب؛ كقوله (٣) تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، ولا خلاف أن السعي واجب. قيل له: رفع الجناح عاد إلى ما اعتقدته الصحابة ﵃ من التحرج

стр. 998

لأجل الصنمين اللذين كانا هناك، وما فيه من التشبه بالجاهلية دون السعي، وذلك أن أحد الصنمين عند دار العباس، والآخر في موضع (١)، يسمى أحدهما: إساف، وقيل: يساف، وسمي الآخر: نائلة، قال ابن عباس ﵄: كان إساف رجلًا، وكانت نائلة امرأة، ومُسخا حجرين، فتحرجوا عن السعي بموضع ذلك دون السعي (٢). وهذا كما لو كان في ثوبه نجاسة يسيرة، فقيل: لا جناح عليك أن تصلي في هذا الثوب؛ فإنه يرجع إلى إزالة الجناح في ترك النجاسة في ثوبه دون فعل الصلاة، كذلك ها هنا. فإن قيل: الله تعالى علق إباحة القصر بشرط الخوف، ولا خلاف أن القصر من جهة أعداد الركعات لا يتعلق بالخوف، فعلم أن المراد به: القصر من جهة الأفعال؛ مثل: الإيماء، ونحو ذلك. قيل له: الله تعالى علق إباحة القصر بشرط الضرب في الأرض، وهو السفر، ولا خلاف أن القصر من جهة الأفعال لا يتعلق بالسفر، فعلم أن المراد به: القصر من جهة أعداد الركعات؛ لأنه يتعلق بالسفر. وجواب آخر: وهو أن حمل الآية على ما ذكروه يخالف إجماع الصحابة ﵃؛ لأنهم عقلوا من ظاهر الآية قصرَ الركعات، ألا ترى أنه

стр. 999

رُوي أن يعلى بن أمية - وقيل: يعلى (١) بن منية - سأل عمر بن الخطاب ﵄، فقال: كيف نقصر وقد أَمِنَّا؟ فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ حتى سألتُ رسولَ الله ﷺ ، [فقال] (٢): "صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" (٣)، فبين أن المراد بالآية: القصر من جهة أعداد الركعات، وأن حال الخوف والأمن سواء. ومن جهة السنة: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يُتم الصلاة في السفر، ويَقْصر، ويؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب، ويعجل العشاء (٤). فإن قيل: فقد قال عبد الله: سألت أبي [عن] (٥) حديث المغيرة بن زياد (٦) عن عطاء عن عائشة ﵂ قالت: قصر النبي ﷺ في

стр. 1000

السفر، وأتم، وصام، وأفطر، يصح؟ فقال: [له] (١) أحاديث منكرة، وأنكر هذا الحديث (٢). قيل له: يحتمل أن يكون قال ذلك مرة، ثم تبين صحتها فيما بعد ذلك؛ إذ لو لم يكن كذلك، لم يحتجَّ أصحابنا بهذه الأحاديث، ولم يبن مذهبه عليها. وروى عن عبد الرحمن بن الأسود بن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في عُمرة في رمضان، فأفطر رسول الله ﷺ ، وصُمْتُ، وقَصر، وأتممتُ، فقلت: يا رسول الله ﷺ ! بأبي أنت وأمي، أفطرتَ وصمتُ، وقصرتَ وأتممتُ؟ قال: "أحسنتِ يا عائشة" (٣).

стр. 1001

وأيضًا: فهو إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -، وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا - معاشر أصحاب رسول الله ﷺ نسافر، فمنا الصائم، ومنا المفطر، ومنا المتم، ومنا المقصر، فلم (١) يعب الصائم على المفطر، ولم يعب المفطر على الصائم، ولا المقصر على المتم، ولا المتم على المقصر (٢). وروى النجاد بإسناده عن علي بن ربيعة (٣) عن رجل من أهله يقال له: ربيع بن نضلة (٤): أنه صحب اثني عشر من أصحاب النبي ﷺ وهو

стр. 1002

في سفر، فلما حضرت الصلاة، قدَّموا رجلًا منهم، فصلى بهم أربعًا، فلما انصرف، قال سلمان: يا هذا! نصف المربوعة، نحن إلى التخفيف أفقر (١). فوجه الدلالة: أنهم لم يعيدوا الصلاة، وأتموا، ولكن أنكروا عليه تركَ فضيلة القصر. وروى النجاد بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد قال: بلغ عبدَ الله: أن عثمان ﵄ صلى أربع ركعات بمنى، فقال عبد الله: قد صليتُ مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان (٢). وروى النجاد في لفظ آخر بإسناده عن الأسود: أنه أخبر ابن مسعود: أن عثمان بن عفان ﵁ صلى في الحج أربع ركعات، قال: فقال: قد فعلها؟! إنا لله وإنا إليه راجعون، صلى رسول الله ﷺ ركعتين، وصلى أبو بكر ﵁ (٣) ركعتين، وصلى عمر ﵁ ركعتين، وصلى عثمان ﵁ ست سنين من إمارته ركعتين، قال: ثم حضرت العصر، فقام فصلى

стр. 1003

أربعًا، قال: فقيل له: استرجعتَ، ثم صليتَ أربعَ ركعات؟! قال: الخلاف شرّ، الخلاف شرَّ (١). فوجه الدلالة: أن عثمان ﵁ صلى بالناس أربع ركعات، واتبعوه، فدل على أن ذلك إجماع منهم. فإن قيل: فكيف يكون إجماعًا، وقد خالف ابن مسعود، وأبو بكر ﵄ فعله؟ قيل له: إنما أنكر عليه ترك فضيلة القصر، ولم ينكر الإتمام، والذي يدل على صحة هذا: أن ابن مسعود ﵁ لما صلى بهم العصر، لم يقصر، وصلى أربعًا، وقال: الخلاف شر. فإن قيل: إنما أتم عبد الله؛ لأنه يجوز أن يكون عثمان ﵁ نوى الإقامة، فصار هو مقيمًا؛ لأنه كان ممن يأخذ العطاء (٢)، وإذا أزمع على الإقامة، صار أتباعه مقيمين بإقامته، فلم يخرج من صلاته بالتجويز. قيل له: ..................................................

стр. 1004

فلو كان ابن مسعود ﵁ يجوّزه (١) في حق عثمان - رضي الله [عنه] (٢) -، لم ينكر فعله؛ لأن المقيم يجب عليه الإتمام، فلما أنكر عليه، وعلم أنه علم من حاله أنه كان على نية السفر. فإن قيل: فقد رُوي: أن عثمان ﵁ اعتذر إلى ابن مسعود حين أنكر عليه بضرب من الاعتذارات، منها: أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تأهل ببلد، فهو من أهله" (٣)؛ فإني تأهلت بهذا البلد. ورُوي: أنه قال: يحج قوم طغام (٤)، فخشيت أن يظنوا أن الصلاة في السفر والحضر ركعتان (٥). ورُوي: أنه أتم؛ لأن مذهبه أن القصر لا يجوز إلا لمن حمل الزاد،

стр. 1005

والمزاد (١)، وهو مذهب سعد بن أبي وقاص ﵁، فلما اعتذر إليهم بهذه الاعتذارات، دل على أنه كان موافقًا لهم في وجوب القصر، لولا ذلك، لما اعتذر إليهم، ولقال لهم: فما عليكم إن أتممنا؟ ومن مذهبه التخيير. قيل له: يحتمل أن يكون هذا الاعتذار منه إليهم لترك فضيلة القصر، لا لأجل أن الإتمام لا يجوز. وأيضًا: روى أبو بكر النجاد بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: كانت تصلي في السفر أربعًا، وتصوم (٢)، وهذا إخبار عن دوام فعلها. فإن قيل: رُوي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: من صلى في السفر [أربعًا] (٣)، كان كمن صلى في الحضر ركعتين (٤).

стр. 1006

وعن ابن عمر ﵄: أنه قال: صلاة السفر ركعتان، من خالف السنة، فقد كفر (١). قالوا: وهذا يمنع ما ادعيتموه من الإجماع. قيل له: هذا كله محمول على ترك الفضيلة، والحث على ذلك؛ بدليل: ما روينا عن أنس، وغيره من الصحابة ﵃: أنهم أتموا (٢)، والقياس: أنه تخفيف يتعلق بالسفر، فوجب أن يكون رخصة، ولا يكون عزيمة؛ قياسًا على الفطر، والمسح على الخفين ثلاثًا، ولأنه لو كان فرض المسافر ركعتين، لم تجز الزيادة بالاقتداء؛ لأن الاقتداء لا يزيد في عدد الركعتين (٣)، فلما قالوا: بأن المسافر إذا صلى خلف مقيم، صلى أربعًا، دل على أن الأصل هو الأربع. فإن قيل: لا يمتنع أن يتغير فرض الانفراد في حال الاقتداء، ألا ترى أن المرأة والعبد إذا صليا الظهر منفردين، صليا أربعًا، وإن صليا مع الإمام صلاة الجمعة، صليا ركعتين؟ كذلك ها هنا. قيل له: يجوز أن يتغير فرض الانفراد في حال الاقتداء في صلاة الجمعة، ولا يجوز في غيرها؛ لأن من شرط الجمعة: الجماعة، فأما سائر الصلوات، فإنه يجوز فعلها في حال الانفراد؛ كما يجوز في حال الجماعة على حد سواء، فوجب أن لا يتغير الفرض بذلك.

стр. 1007

فإن قيل: أليس من أدرك الإمام ساجدًا، فدخل معه، فإنه يتبعه في السجود، ويتغير ترتيب صلاته بالاقتداء؟ كذلك ها هنا. قيل له: إلا أنه لا يجوز أن يزيد في عدد الركعات لأجل متابعة الإمام (١)، كذلك ها هنا، ولأن كل من جاز له إتمام الصلاة في جماعة، جاز له إتمامها منفردًا كالمقيم، ولأن صلاة الفرض عبادة تصح من فرد، فجاز أن تؤدى في السفر كما تؤدى في الحضر؛ كالصوم، وإن شئت قلت: الإتمام فعلٌ لا يتغير في الاستيطان، فجاز فعله في السفر؛ دليله: الصوم، ولا يلزم ذلك الجمعة أنها لا تصح في السفر؛ لأنها لا تصح من فرد، ولأنه يتغير فيها الاستيطان. واحتج المخالف: بما رُوي عن عائشة ﵂ قالت: فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر، فأُقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (٢)، وهذا لا تقوله إلا توقيفًا، فكأنها سمعت النبي ﷺ . ورُوي عن عمر: أنه قال: صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفجر ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ (٣).

стр. 1008

وروي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: إن الله فرض عليكم على لسان نبيكم ﷺ الصلاة للمقيم أربعًا، وللمسافر ركعتين (١). والجواب عما رُوي عن عائشة ﵂: أنها تقول قولها: أُقرت صلاة السفر، في جواز الاقتصار على ركعتين، وإسقاط الفرض بها، دون المنع من الزيادة، يدل ذلك: أن عائشة ﵂ كانت تصلي في السفر أربعًا، لا تختلف الرواية عنها في ذلك. وأما حديث عمر ﵁، فمعنى قوله: صلاة السفر ركعتين تخفيفًا ورخصة، وقوله: تمام غير قصر، معناه: ثوابًا وأجرًا؛ فإن القصر أفضل من الإتمام في السفر. وأما ما روي عن ابن عباس ﵄، فهو باجتهاد، ولم يروه، يدل عليه: أنه قال: وفي الخوف ركعة، وأنكر عليه ابن مسعود ﵁، فقال: ما أجزأت ركعة قَطُّ (٢)، وعلى أنا نحمله على بيان أقلَّ الفرض الذي لا يجوز الاقتصار عنه، .........................................

стр. 1009

وهو ركعتان؛ بدليل: ما ذكرناه. واحتج: بأن المسافر له أن يترك الركعتين الأخيرتين لا إلى بدل، فوجب أن لا تكون واجبتين عليه في الأصل؛ دليله: النافلة. والجواب: أنه يبطل بالمرأة والعبد إذا صليا الجمعة ركعتين؛ فإنهما تركا الركعتين من أصل فرضهما إلى غير بدل، ومع هذا، فهما واجبتان عليهما في الأصل، وعلى أن المعنى في النفل: أنه يجوز تركه من غير عذر، وليس كذلك الركعتان؛ فإنه لا يجوز تركهما بغير عذر، فكانا واجبتين، يدل على هذا: أن فرض السترة يسقط إلى غير بدل، وفرض القيام والسجود على الأرض يسقط إلى غير بدل أيضًا عندهم، وذلك أن كله واجب؛ لأنه لا يسقط، ولا يجوز تركه إلا العذر. واحتج: بأن صلاة السفر ركعتان يسقط بهما فرض الوقت، فوجب أن لا تكون الزيادة عليهما واجبة في الأصل؛ دليله: الفجر، والجمعة، ولا يلزم عليه إذا دخل خلف مقيم؛ لأن الزيادة على الركعتين غير واجبة في الأصل، وإنما يجب بالدخول في صلاة المقيم. والجواب: أن ذلك النوع من التخفيف لا يتعلق بالعذر، وليس كذلك التخفيف في مسألتنا؛ فإنه يتعلق بالعذر، وهو السفر، فلم يكن فرضًا، أو نقول: لا يجوز الزيادة عليهما بالائتمام، فلهذا كان فرضه ركعتين، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يجوز الزيادة على ركعتين بالائتمام فيهما، فلا يجب أن يكون فرضه في الأصل إلا ركعتين، وعلى أنه لا يمتنع

стр. 1010

أن يسقط الفرض به على الرخصة؛ كصلاة المريض، والتيمم، والمسح على الخفين، والله أعلم. * * *

стр. 1011

التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة تأليف القاضي أبى يعلى الفراء محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي الحنبلي (المولود ببغداد سنة ٣٨٠ هـ والمتوفى بها سنة ٤٥٨ هـ) - رحمه الله تعالى - تحقيق الدكتور محمد بن فهد بن عبد العزيز الفريح [المجلد الثالث]

стр. 1012

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1013

التَّعْلِيقُ الكَبِيرُ فِي المَسَائِلِ الخِلَافِيَّةِ بَيْنَ الأَئِمَةِ [٣]

стр. 1014

دَارُ النَّوادِر المؤسس والمالك نُورُ الدِّين طَالِبُ مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م. سوريا - دمشق - الحلبوني: ص. ب: ٣٤٣٠٦ ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ ٠٠٩٦٣٩٣٣٠٩٣٧٨٣ ٠٠٩٦٣٩٣٣٠٩٣٧٨٤ ٠٠٩٦٣٩٣٣٠٩٣٧٨٥ Skype: dar.alnawader Twitter: daralnawader.com Facebook: daralnawader.com YouTube: daralnawader.com Instagram: daralnawader.com LinkedIn: daralnawader.com E-mail: info@daralnawader.com website: www.daralnawader.com جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة يُمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة. الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م شركات شقيقة دار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) دار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥) دار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أربانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٧ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)

стр. 1015

تَابِع [كِتابِ الصَّلَاةِ] ١٢٤ - مَسْألَة: القصر أفضل من الإتمام: نص عليه في رواية ابن إبراهيم (١)، وعلي بن [سعيد] (٢)، وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا، والثاني: الإتمام أفضل (٣). دليلنا: أنا أبو محمد الخلال في الإجازة بإسناده عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أفضلُ أمتي الذين يعملون بالرخَص" (٤)،

стр. 1016

وما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "إن الله تعالى يحب أن يؤخَذ برُخصه كما يؤخذ بعزائمه" (١)، فجعلهما في المحبة على حدّ سواء، وعند المخالف: أن محبة العزيمة أكثرُ وأفضلُ. ولأنه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -، من ذلك: إنكار ابن مسعود ﵁ على عثمان ﵁ لما صلى في الحج أربع ركعات، فقال: قد فعلها؟! إنا لله وإنا إليه راجعون، صلى رسولُ الله ﷺ ركعتين، وصلى أبو بكر ﵁ ركعتين، وصلى عمر ﵁ ركعتين (٢)، فأنكر عليه تركَ الفضيلة. وكذلك قول سلمان ﵁: نحن إلى التخفيف أفقرُ (٣) فأنكر على الإمام الإتمام.

стр. 1017

وعن ابن عباس ﵄: أنه قال: من صلى في السفر أربعًا، كان كمن صلى في الحضر ركعتين (١). وعن ابن عمر ﵄: أنه قال: صلاة السفر ركعتان، من خالف السنة، فقد كفر (١)، ولأنه تخفيف يتعلق بالسفر، فكان فعله في السفر أفضل؛ دليله: صلاة التطوع في السفر على الراحلة. فإن قيل: التخفيف هناك يفضي [إلى] ترك العزيمة، وليس كذلك ها هنا، لأن ترك التخفيف لا يفضي إلى ترك العزيمة. قيل: يبطل بالمرأة، والعبد، والمسافر إذا صلوا الجمعة، لا أنه أفضل من الإتمام، وإن كان فعلُ الرخصة لا يفضي إلى ترك العزيمة، ولأن صلاة الجمعة عندهم بدلٌ عن الظهر، وفعلها أفضل من الظهر، مع كونها مقصورة عنها بركعتين، كذلك صلاة السفر. فإن قيل: القصر هناك واجب، فلهذا كان أفضل. قيل له: إذا قسنا على المرأة، والعبد، والمسافر، لم تصح هذه المعارضة؛ لأن القصر غير واجب في حقهم؛ لأن لهم أن يصلوا الجمعة، ولهم تركها، ولأن الناس اختلفوا؛ منهم من قال: لا يجوز الإتمام، ومنهم من قال: يجوز، وإن قصر، جاز، فإذا قصر، خرج من الخلاف، فكانت صلاته على وجه يقع الإجماع على صحتها أولى مما يختلفون فيها. واحتج المخالف: بأن الإتمام أكثر عملًا، فكان أفضل.

стр. 1018

والجواب: أنه باطل بالجمعة؛ لأنها ركعتان على النصف من الظهر، ومع هذا، فهي أكثر ثوابًا من الظهر، وأفضل، وإن قاسوا على الصيام في السفر، وغسل الرجلين، وترك المسح، لم يُسلّم، بل الفطر في السفر أفضل، والمسح على الخفين أفضل، والله أعلم. * * * ١٢٥ - مَسْألَة: إذا نوى المسافر إقامة تزيد على أربعة أيام، أتم، وإن نوى إقامة أربعة أيام فما دونها، قصر، في أصح الروايتين: نص عليها في رواية أبي داود (١)، وإسحاق بن إبراهيم (٢)، فقال في رواية أبي داود: إذا أزمع على إقامة إحدى وعشرين، أتم الصلاة (١). وقال في رواية إسحاق: إذا نوى أن يقيم ببلد أربعة أيام، وزيادة صلاة إحدى وعشرين صلاة، أتم (٢)، وبهذا قال داود (٣). وفيه رواية أخرى: إن نوى إقامة اثنتين وعشرين فما دون، قصر،

стр. 1019

نص عليه في رواية عبد الله (١)، والأثرم (٢)، وهو اختيار الخرقي (٣)، و [أبي] (٤) بكر عبد العزيز (٥) ﵄، ولا تختلف الرواية، يحتسب اليوم الذي يدخل فيه، واليوم الذي يخرج فيه من المدة، وقال أبو حنيفة: إن نوى إقامة خمسة عشر يومًا، أتم، وإن كان أقل، قصر (٦). وقال مالك (٧)، والشافعي ﵄: إن نوى إقامة أربعة أيام، أتم، وإن كان أقل، قصر، إلا أن الشافعي ﵀ لا يحتسب اليوم الذي [يدخل] فيه، واليوم الذي يخرج فيه من المدة (٨). والدلالة على أبي حنيفة ﵀: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]؛ دليله: أن من ليس بضارب في الأرض، فليس له أن يقصر، وهذا ليس

стр. 1020

بضارب في الأرض. وأيضًا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن علي ﵁ قال: فرض رسول الله ﷺ صلاة الحضر أربعًا، وصلاة السفر ركعتين (١)، وهذا يصلي في الحضر، فيجب أن يصلي أربعًا، ولأنه ليس له الجمع بين الصلاتين، فلم يكن له القصر؛ دليله: إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا، وعكسه إذا نوى إقامة أربعة أيام، فإن له الجمع. وإن شئت قلت: نوى إقامة تزيد على أكثر عدد اعتبر في الشهادات، فوجب أن يصير مقيمًا؛ دليله: ما ذكرنا. واحتج المخالف: بما روى أبو حنيفة ﵀ عن عمر (٢) بن [ذر] (٣) عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، وابن عمر ﵄ قال: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة (٤) ليلة، فأكملِ الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن، فاقصرها (٥)، ولم يرو عن
следующие страницы →