١٣٠ - مَسْألَة: إذا نسي صلاةَ سفرٍ، فذكرها في الحضر، صلاها صلاةَ حَضَرٍ (١):
نص على هذا [في] رواية عبد الله (٢)، والأثرم (٣)، والمروذي (٤)، وعلل في رواية الأثرم: بأنها وجبت عليه الساعة؛ أي: وجبت عليه في الأصل صلاة تمام؛ لأن من أصلنا: أن القصر رخصة، وليس بعزيمة، فقوله: الساعة؛ أي: خاطب به المقيم.
وهو قول الجديد للشافعي ﵀ (٥)، وبه قال داود (٦).
وقال أبو حنيفة ﵀: يصلي صلاة سفر (٧).
واختلف أصحاب ............................................
стр. 1052
مالك ﵀ (١): فمنهم من قال مثلَ قول أبي حنيفة، ومنهم من قال: هو مخير، إن شاء صلى أربعًا، وإن شاء ركعتين، وهو قول القديم للشافعي ﵁ (٢).
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وهذا ليس بضارب في الأرض، فلا يجوز له القصر.
وأيضًا: ما تقدم من حديث علي ﵁: فرض رسول الله ﷺ صلاة الحضر أربعًا (٣)، وهذا في الحضر.
والقياس: أنه مقيم، فلم يجز له القصر؛ كما لو وجبت عليه الصلاة وهو مقيم، ولأنه تخفيف تعلق بالسفر، فإدراكُ السفر قبل وجود التخفيف (٤)، وجب أن يزول التخفيف، أصله: إذا أحرم بالصلاة وهو في سفينة، فقدمت بلده قبل أن يسلِّم من الركعتين، فإنه يلزمه الإتمام، ولا يلزم عليه المسافر إذا دخل في الصوم، ثم دخل بلده قبل أن يفطر، فإنه لا يجوز له أن يفطر، ولا يلزم عليه إذا أفطر في السفر، ثم قدم، فإن فيه روايتين: إحداهما: لا يجوز أن يأكل في بقية نهاره، نص عليه في
стр. 1053
رواية حنبل، فقال: يُمسك (١).
والثانية: له الأكل، أومأ إليه في رواية الأثرم (٢)، وغيره (٣)، فقال: أعجبُ إليَّ وأحبُّ أن يمسك، فعلى هذا: لا يلزم؛ لأنا قلنا: فإدراك السفر قبل وجود التخفيف، وها هنا قد وجد التخفيف في السفر، وهو الأكل، فأما استدامة حكم الأكل، والبقاء عليه، فليس من أحكام السفر.
فإن قيل: لا نسلِّم أن القصر تخفيف، ولا نسلِّم أنه متعلق بالسفر؛ لأن الركعتين عندنا فرض الوقت.
قيل له: هو تخفيف عما يجب على المقيم؛ لأن الركعتين أخف من الأربع، فلا يمكن إنكاره، وأما تعلقه بالسفر، فصحيح؛ لأنه إذا كان مسافرًا، صلى ركعتين، وإذا صار مقيمًا، صلى أربعًا، وإذا عاد إلى السفر، عاد إلى الركعتين، فثبت أنه متعلق بالسفر، وهو بمنزلة تخفيف الأركان المتعلق بالمرض؛ فإنه إذا مرض، ولحقته مشقة فادحة (٤) من القيام، جاز له أن يصلي قاعدًا، وإذا زال المرض، وجب القيام، فدل ذلك على أنه متعلق بالمرض، كذلك ها هنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه قد طرت الإقامة على الصلاة قبل
стр. 1054
استقرارها في ذمته، وليس كذلك ها هنا؛ لأنها قد استقرت في ذمته ركعتان، فلم يجز الزيادة عليها بما يطرأ بعد ذلك.
قيل له: الفرض عندنا أربع ركعات، وهي المستقرة في الذمة، وإنما رخص في ترك الركعتين منها لأجل السفر، فإذا زال السفر، استقر الجميع، وعلى أن هذا باطل بمن دخل في الصلاة وهو في السفينة، وخرج وقت الصلاة قبل أن يسلم من الركعتين، ثم انتهت السفينة إلى بلده قبل أن يسلم منها، لزمه الإتمام، وقد استقرت هذه الصلاة في الذمة بخروج الوقت، ولأن صلاة السفر والحضر صلاتا وقت واحد، إحداهما تنقص عن الأخرى، فإذا زال شرط الناقصة، وجب أن يعود إلى الكاملة؛ دليله: الجمعة.
فإن قيل: فرض الوقت يوم الجمعة هو الظهر، وإنما أمرنا بإسقاطها بالجمعة، فإذا فاتت الجمعة، وجب فرض الوقت، وليس كذلك السفر؛ لأن فرض الوقت عندنا ركعتان.
قيل له: فرض الوقت عندنا أربع ركعات، وفرض الوقت في يوم الجمعة هو الجمعة؛ لأنه هو المخاطب بها، والمعاقب على تركها، ولأنها صلاة خففها لعذر، فإذا زال، وجب أن يزول التخفيف، أصله: إذا نسي صلاة في حال المرض، وأراد أن يقضيها في حال الصحة، لزمه القيام فيها، ولم يجز له ترك القيام كما فاتت، وكذلك لو فاتته صلاة وهو عريان، وأراد قضاءها وهو مكتسٍ، فإنه يلزمه ستر العورة، كذلك ها هنا.
стр. 1055
فإن قيل: الاعتبار في تخفيف الأركان وتتميمها بحال الفعل، وليس كذلك الركعات؛ فإن الاعتبار فيها بحال الاستقرار في ذمته دون حال الفعل، ألا ترى أنه إذا نسي صلاة في حضر، فذكرها في سفر، لزمه أن يصليها أربعًا؟
قيل له: الذي استقر عندنا هو أربع ركعات، وإنما القصر رخصة، فإذا زال العذر، كان المستقر هو الأربع؛ كما يقول المخالف في الجمعة إذا فاتت.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة، أو نام عنها، فليصلَّها إذا ذكرها" (١)، فأمر بقضاء المنسية، والتي نسيها ركعتان، فوجب أن يقضيها ركعتين.
والجواب: أن الخبر اقتضى أمرًا بالقضاء، وليس فيه ما يدل على كيفية القضاء، فلا يدل على موضع الخلاف، على أنا لا نسلِّم أنها ركعتان، بل أربع.
واحتج: بأنها صلاة تؤدى مرة، وتقضى أخرى، فوجب أن يكون قضاؤها في عدد ركعاتها مثلَ أدائها؛ دليله: إذا نسي صلاة في الحضر، ثم ذكرها في السفر، ولا يلزم عليه الجمعة؛ لأنها لا تقضى.
والجواب: أنه قد قيل: إن الجمعة تقضى ظهرًا، فالقياس منتقض بها، ويدل عليه أنها تقضى: أنها قبل فواتها لا يجوز أن يصلوا الظهر، وإذا
стр. 1056
فاتت الجمعة، لزمهم أن يصلوا الظهر، فدل على أنها قضاء للجمعة، وعلى أنه إذا نسي صلاة في الحضر، وذكرها في السفر، غلب حكم الحضر، كذلك في مسألتنا يجب أن يغلب حكم الحضر.
واحتج: بأن فرض الوقت للمسافر ركعتان، وإذا ثبت هذا الأصل، قلنا: إن كل من كان فرضه في الوقت ركعتان، لم يلزمه أن يقضي بعد الفوات أكثر منها؛ دليله: المسافر والمقيم إذا فاتهما صلاة الفجر، ولا يلزم عليه الجمعة؛ لأن فرض الوقت يومَ الجمعة الظهرُ، فإذا فاتته الجمعة، صلى فرض الوقت - وهو الظهر - أربعًا.
والجواب: أن فرض الوقت للمسافر أربع عندنا، وقد دللنا على ذلك فيما تقدم، وأما صلاة الفجر، فالمعنى فيها: أن الركعتين لا يتعلقان بعذر، وليس كذلك ها هنا؛ لأن ركعتي السفر يتعلقان بعذر، فإذا زال العذر، زال التخفيف؛ كالمرض، والله أعلم.
* * *
١٣١ - مَسْألَة إذا دخل المسافر في صلاة مقيم، ثم أفسدها، وأراد أن يصليها وحده، فإنه يتممها أربعًا (١):
стр. 1057
وهو قول الشافعي ﵁ (١).
وقال أبو حنيفة: يصلي ركعتين (٢).
دليلنا: أنها صلاة تعين عليه إتمامها، فلا يجوز له قصرها؛ دليله: إذا فاتته في الحضر، ثم سافر، فإنه لا يجوز له قصرها، ولأن العادة إذا وجبت عليه بالدخول فيها، لم تسقط بإفسادها (٣) إذا أمكن قضاؤها؛ كمن أحرم بحجة التطوع، لزمه المضي فيها، بل هو بالخيار، إن شاء أتمهما، وإن شاء قطعهما، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن عليه أن يمضي فيها، ويتمها أربعًا.
فإن قيل: هذا يبطل بمن افتتح صلاته في جماعة؛ فإنه يلزمه أن يصليها في جماعة، ثم إذا أفسدها، جاز له أن يستأنفها منفردًا على وجه، وهو إذا كان هناك عذر.
واحتج المخالف: بما تقدم من الأخبار الواردة في قصر الصلاة في السفر.
والجواب: أنها محمولة على غير مسألتنا.
стр. 1058
واحتج: بأنها صلاة وجبت عليه في حال السفر، فلا يلزمه أن يتمها أربعًا؛ كما لو لم يدخل في الابتداء خلف مقيم.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه لم يتعين عليه إتمامُها، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه قد تعين عليه إتمامها بالدخول فيها، فهو كما لو فاتته صلاة، فقضاها في السفر.
واحتج: بأن فرض المسافر يتغير بدخوله في صلاة الإمام المقيم، فخروجه عن حال الائتمام يرده إلى فرضه في الأصل في حال الانفراد؛ كما لو دخل في صلاة الجمعة مع الإمام، ثم أفسدها: أنه يرجع إلى فرضه في الأصل، كذلك ها هنا.
والجواب: أن الجمعة لا يمكن قضاؤها على صفتها في حال الانفراد، فألزمناه قضاءها على صفة الصلاة التي التزمها وأفسدها، والله أعلم، وله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.
* * *
١٣٢ - مَسْألَة: مسافر صلى بمسافرين ومقيمين، فأحدث الإمام قبل أن يستكمل ركعتين، فقدم مقيمًا ليصلي بقية الصلاة، وجب على المسافرين أن يُتموا الصلاة أربعًا:
وهذا على الرواية التي تقول: إن صلاة الإمام لا تبطل بالحدث،
стр. 1059
بل يبني عليها، ويجوز له الاستخلاف (١)، رواها عبد الله (٢)، وصالح (٣)، ومهنا (٤).
فإن قلنا: صلاة الإمام تبطل، لا أن الاستخلاف لا يصح؛ لبطلان صلاة المأمومين لفساد صلاة الإمام، فإنه لا تصح هذه المسألة، وقد نص على البطلان في رواية أحمد بن سعيد (٤)، وبكر بن محمد (٥)، وهذه المسألة مبنية على الرواية الأولى.
وبه قال الشافعي ﵁ (٦).
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجب عليهم الإتمام (٧).
دليلنا: قوله ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به" (٨)، وقال: "اقتدوا
стр. 1060
بأئمتكم" (١)، وهذا عام، إلا ما خصه الدليل.
ولأنه مسافر التزم صلاةَ حضر، فلا يجوز له القصر، أصله: إذا أحرم خلف مقيم.
وقد قيل: إنه اقتدى في صلاته بمقيم، أشبهَ إذا أحرم خلف مقيم.
والأولة أجود؛ لأنه ليس من شرطه أن يقتدي بالمقيم؛ لأنه إذا اقتدى بمسافر نوى الإتمام، لزمه الإتمام، وإن كان الإمام مسافرًا.
واحتج المخالف: يقتدون بالإمام الأول؛ لأنهم يبنون على ترتيب صلاته، فيقعدون في موضع قعوده، ويقومون في موضع قيامه، ألا ترى أن هذا المقيم المستخلف لو كان أدرك الركعة الثانية من صلاة الإمام، لقعد للتشهد في هذه الركعة؟
والجواب: أنهم - وإن بقوا (٢) على ترتيب صلاة الإمام الأول - فإنهم مقتدون بالإمام الثاني، والأول ليس بإمام لهم، يدل على ذلك: أنهم [يقتدون] (٣) برأي الثاني، ويتبعونه في أفعاله، وإذا ركع ركعوا، وإذا سجد سجدوا، وإذا رفع رفعوا، وإذا بطلت صلاته، بطلت صلاة المأمومين،
стр. 1061
ويسجدون لسهوه، وإذا علموا أنه محدِث، وتبعوه، بطلت صلاتهم، فدل ذلك على أنه إمام.
وجواب آخر: وهو أن المقيم الذي يصلي خلف المسافر يتبعه في ترتيب صلاته، ويلزمه الإتمام، كذلك لا يمتنع أن يكون هذا المسافر يبني على ترتيب صلاة المسافر الأول الذي أحدث وانصرف، ويلزمه الإتمام؛ لاقتدائه بمقيم، وهو الإمام الثاني، واتباعُه في ترتيب صلاته لا يسقط عنه الإتمام؛ كما لم يسقط عن المقيم المقتدي به.
واحتج: بأنهم لم يلتزموا حكم تحريمة الثاني، وإنما التزموا حكم تحريمة الإمام الأول.
والجواب: أنهم لما اقتدوا به، صاروا ملتزمين لحكم تحريمته، وصاروا بمنزلة ما لو أحرموا خلفه؛ لأن ما يوجب الإتمام لا فرق بين أن يطرأ في آخر الصلاة، وبين أن يوجد في أول الصلاة؛ كقطع نية الفرض، أو قطع نية السفر، وإحداث نية الإقامة، على أن الالتزام لا اعتبار به في وجوب الإتمام؛ لأن وصول السفينة إلى بلده يوجب عليه الإتمام، وإن لم يلزمه، والله تعالى أعلم.
* * *
١٣٣ - مَسْألَة: إذا سافر بعد دخول وقت الصلاة، فهل يجوز له القصر، أم لا ؟:
стр. 1062
قال في رواية ابن منصور (١)، وأبي الحارث (١): إذا خرج في الوقت، أو في آخره: يتم الصلاة، وإن قال قائل: يقصر الصلاة، كان له وجه. فقد نص على أنه يتمّ، ولم يمنع قولَ من قال بالقصر، فيخرج المسافة عنده على قولين:
أحدهما: لا يجوز له القصر، وهو أصح الروايتين.
والثاني: يجوز له القصر، ولا فرق عندنا بين أن يسافر في أول الوقت، أم في آخره، في حال تعين عليه فعل الصلاة، وهو أن يبقى من الوقت مقدار تكبيرة الإحرام.
وقال أبو حنيفة ﵀: له القصر بكل حال، سواء سافر وقد بقي مقدار تكبيرة الإحرام، أم أكثر (٢).
وقال أصحاب الشافعي ﵏: إن سافر قبل أن يتعين عليه فعلها، وهو إن بقي من الوقت مقدار أكثر من أربع ركعات، جاز له القصر، وإن كان السفر تعين عليه، وهو إن بقي مقدار أربع ركعات،
стр. 1063
فإنه يتم، ولا يقصر (١).
دليلنا على أبي حنيفة ﵀: أنه سافر بعد دخول الوقت، فلم يجز له القصر؛ كما لو سافر بعد دخول الوقت، أو أحرم بالصلاة في سفينة في الحضر، ثم سافرت، فإنه يتم.
واحتج المخالف: بأن وجوب الصلاة متعلق بآخر الوقت عندنا، فنقول: هذه صلاة وجبت عليه في السفر، فلم يصلها أربعًا؛ كما لو سافر في الوقت.
والجواب: أنا لا نسلم لك هذا الأصل؛ لأن الوجوب عندنا يتعلق بأول الوقت، ويستقر به أيضًا، وعلى أن المعنى في الأصل: أنه سافر قبل دخول وقت الصلاة، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه سافر بعد دخول وقتها، أشبهَ ما ذكرنا.
واحتج: بأنه سافر قبل الدخول في الصلاة، والوقت باقٍ، فوجب أن يصلي صلاة السفر كما لو سافر قبل الوقت.
والجواب عنه: ما تقدم.
والدلالة على أنه لا يجوز له القصر، وإن لم يتعين عليه فعلها خلافًا للشافعي: أنه سافر بعد دخول الوقت، فلم يجز له القصر؛ كما لو سافر وقد تعين عليه، تبين صحة هذا: أن على الأصلين جميعًا: أن الوجوب يتعلق بأول الوقت، ولأنه لو دخل عليها الوقت، وأمكنها الأداء، فلم
стр. 1064
تؤدِّ حتى حاضت، أو جُنَّت، ثم أفاقت بعد خروج الوقت، فإنه يلزمها القضاء، سواء طرأ عليها ذلك بعد أن تعين عليها فعلُ الصلاة، أم قبله، كذلك (١).
واحتج المخالف: بأنه سافر قبل أن يتعين عليه فعلها، فهو كما لو سافر قبل دخول الوقت.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه سافر قبل الوجوب، وها هنا بعد الوجوب، أشبهَ ما ذكرنا.
فإن قيل: أليس لو سافر بعد أن دخل وقت الصلاة، وقبل أن يمسح (٢)، كان له مسحُ مسافر، وإن كان وقت المسح قد دخل في الحضر.
قيل له: لو تعين عليه وقت المسح، ثم سافر، فإن له أن يمسح مسح مسافر، ولو تعين عليه وقت الصلاة، وهو إن بقي مقدار أربع ركعات، ثم سافر، لم يجز له القصر، فبان الفرق بينهما، والله أعلم.
* * *
١٣٤ - مَسْألَة
إذا أراد أن يسافر إلى بلد، وله طريقان، أحدهما يقطع في
стр. 1065
مدة لا يقصر في مثلها الصلاة، فاختار الأبعدَ لغير عذر، فإنه يقصر، وله أن يفطر، ويمسح ثلاثًا:
ذكره أبو بكر في كتاب الخلاف (١)، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٢).
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا، والثاني: لا يقصر، ولا يفطر (٣).
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولم يفرق، ويدل عليه أيضًا: سائر الأخبار الواردة في القصر في السفر، وقوله: "يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن" (٤)، ولأنه نوى مسيرة ستة عشر فرسخًا سفرًا مباحًا، فجاز له القصر؛ كما لو لم [يكن] (٥) هناك إلا طريق واحد.
واحتج المخالف: بأن سلوك الأبعد لغير عذر تطويلٌ للطريق، فهو
стр. 1066
كمن طوله يسير عرضًا وطولًا.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه مسافة تنقص عن مدة سفر القصر، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه نوى مسيرة يقصر في مثله، أشبه إذا لم يكن هناك إلا طريق واحد، وهكذا الجواب عن قولهم: بلد (١) الوصول إليه، يسير الناس في العادة في أقل من المدة المقدرة للرخَص، فلا يجوز لمن أنشأ السفر إليه أن يقصر أو يفطر؛ كما لو لم يكن له إلا هذا الطريق، والله أعلم.
* * *
١٣٥ - مَسْألَة: إذا سافر سفر معصية، لم يجز له القصرُ، والفطرُ، والمسحُ ثلاثةَ أيام، وأكلُ الميتة:
نص على هذا في رواية عبد الله (٢)، وأبي داود (٣)، ومهنا (٤)، وحرب (٤)، واللفظ لحرب: إذا خرج في معصية، ..............
стр. 1067
فلا يقصر، ولا تحل (١) له الميتة (٢).
وبهذا قال الشافعي ﵀ (٣).
وقال أبو حنيفة (٤)، وداود (٥) - رحمهما الله -: يجوز له القصر والفطر.
وقال مالك ﵀: لا يجوز له القصر، ويجوز له أكل الميتة (٦).
فالدلالة على أبي حنيفة ﵀: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، فحرم الميتة تحريمًا عامًا، ثم استثنى من جملة التحريم مضطرًا غيرَ عاصٍ، فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، يعني: غير مرتكب لمعصية، وهذا عاصٍ، فوجب أن يكون على أصل التحريم.
فإن قيل: معناه: غير متجانف لإثم في أكل الميتة، وهو أن يزيد على مقدار سدِّ الرمَق، ويطلب الشبع.
стр. 1068
قيل له: قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾ نص على حال المضطر، وكأنه قال: فمن اضطر في مخمصة في حال لا يكون متجانفًا لإثم، فإذا كان كذلك، لم يجز أن يكون المراد به: إثم الشبع، والزيادة (١) على سد الرمق؛ لأن هذا الإثم يحصل بعد ارتفاع الضرورة، فلا يجوز اقترانه بحال الضرورة، وإلا به يقتضي إثمًا (٢) في حال الضرورة.
فإن قيل: الأكل مضمر في الآية، فكأنه قال: فمن اضطر في مخمصة، فأكل غير متجانف لإثم بالأكل.
قيل له: نحن نسلِّم أن الأكل مضمر؛ لأنا نعلم أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، معناه: أكلُها، وليس إذا كان مضمرًا مما يجب حمل تجانف الإثم بالأكل؛ للمعنى الذي ذكرنا، وهو أنه نصب على حال المضطر، ولا يكون مضطرًا وقد حصل الشبع، فيحصل تقديره: فمن اضطر في حال لا يكون متجانفًا لإثم، فأكل، فإن الله غفور رحيم.
وأيضًا: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فأباح أكل الميتة بشرطين: أحدهما: الاضطرار. والثاني: أن يكون غير باغٍ ولا عادٍ، وهذا باغٍ وعادٍ، فلا يجوز له أكلها.
فإن قيل: هذه الآية محتملة (٣)؛ لأن السلف تنازعوا في
стр. 1069
تأويلها (١)، فقال بعضهم: المراد بها: غير طالب للشبع، ولا عادٍ في الأكل، وقال بعضهم: غير باغ على الإمام، ولا عاد على المسلمين، وليس في الآية ما ينبئ عن المراد بها.
قيل له: رُوي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال في تفسيره: غير باغ على المسلمين مخيفًا لسبيلهم، ولا عاديًا عليهم بسيفه مشاقًا لهم (٢)، وتفسير عبد الله أولى.
والثاني: ما تقدم، وهو أن الشبع، قوله: غير باغ ولا عاد نصب على حال المضطر، فكأنه قال: فمن اضطر في حال لا يكون باغيًا ولا عاديًا، ولا يمكن حمله على الشبع؛ لأن هذا البغي والعدوان (٣) يحصل بعد ارتفاع الضرورة.
وجواب ثالث: وهو أنا نحمله عليها جميعًا على البغي والعدوان (٣) في الأكل، وفي الأفعال.
فإن قيل: العموم يُدَّعى في الألفاظ، وليس واحد من المعنيين مذكورًا في الخبر، ولا ملفوظًا به.
стр. 1070
قيل: ليس ها هنا مضمر؛ لأن البغي صفة لمن عدل عما أُمِر به، ولهذا قيل لمن خرج على الإمام: باغ؛ لأنه عدل عما أُمِر به، كذلك البغي ها هنا: عدولٌ عما أمر به، وارتكاب المخالفة في الأفعال من الأكل وغيره، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، معلوم أن السارق من أخذ الشيء، إلا أنه غير مذكور، ولم يجز أن يقال: إن هذا مضمر، بل قيل: إن هذا الاسم لمن هذه صفته، وإنما المضمر نحو قوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاث" (١)، نحن نعلم أن نفس القلم لا يرتفع، وإنما يرتفع معنى مضمر، وهو: الحكم، وكذلك قوله: عفي عن الخطأ، نفس الفعل، فعلم أن هناك مضمر [اً].
فإن قيل: قد اتفقوا على أن المراد بالآية: أحدهما، فلا يجوز حملها عليهما؛ كما قلنا في الأقراء المذكورة في الآية (٢) لما اختلفوا في المراد بها، فتأول بعضهم على الأطهار، وبعضهم على الحيض، واتفقوا أن المراد بها أحدهما، لم يجز حمل الآية عليها.
قيل له: المراد بالآية: الأمران جميعًا؛ لأن البغي في كل محرم عليه بالاتفاق، فثبت أنه مراد بالآية، والبغي في غيره مختلف فيه، ونحن نقول: هو مراد بالآية أيضًا، والظاهر يقتضيه، فجاز حمله عليهما.
وأيضًا: ما أنا أبو محمد عبد الله بن الضرير المقرئ - تخريج أبي
стр. 1071
الحسن الدارقطني - قال: نا محمد بن الحسن بن زياد أبو بكر المقرئ (١) قال: نا عبد الرحمن بن يحيى الزبيدي الحمصي (٢) قال: نا عبد الله بن عبد الجبار الخبائري (٣) قال: نا الحكم بن عبد الله (٤) قال: حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يقصرون الصلاة: الفاجر في أفقه الفقه، والمرأة (٥) تزور غير أهلها، والراعي" (٦)، فقد نص على أن الفاجر لا يقصر، وكذا المرأة تخرج
стр. 1072
إلى غير أهلها، وفيه دلالة على أن الراعي لا يقصر.
والقياس: أنه سفر معصية، فوجب أن لا يتعلق به رخصة، أصله: إذا كان أربعةَ بُرُد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه ليس بسفر صحيح.
قيل له: بل هو سفر صحيح، ويقع عليه الاسم في اللغة، والعلة تعتبر في ألفاظها موضوع اللغة.
فإن قيل: فالمعنى في الأصل: أنه لو كان مباحًا، لم تتعلق به الرخص.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل يتعلق به عندنا رخص القصر، ولأن السفر معنى لم يجد كثره له تأثير في فرض الصلاة، فوجب أن يتنوع نوعين: نوع يؤثر، ونوع لا يؤثر؛ كزوال العقل يتنوع نوعين: نوع يؤثر،
стр. 1073
وهو الجنون، والثاني: لا يؤثر، وهو السكر، ولا يدخل عليه دم الحيض والنفاس؛ لأنه محدود الأكثر.
وأيضًا: فإن القصر والفطر جُعِلا معُونة للسفر، وإذا كان معصية، لم يجز أن يكون له رخصة؛ لأنه يكون معونة على المعصية، والمعونة على المعصية معصية، وهذا لا يجوز بالإجماع، وشأنه هذا: صلاة شدة الخوف، لما كانت عونًا على القتال، لم تجز إذا كان عاصيًا بالقتال، كذلك ها هنا.
فإن قيل: لا نسلم أنه لا يجوز لمن قاتل بمعصية أنه لا يجوز له أن يصلي صلاة شدة الخوف.
قيل له: هذا خلاف إجماع المسلمين، فلا يصح القول به، وعلى أن الدليل يستغني بنفسه عن ذكر الأصل، فلا يضرنا منع التسليم.
فإن قيل: فإن سلَّمنا الأصل، فلا نسلم أن صلاة الخوف جعلت معونة على القتال.
قيل له: هذا لا شبهة فيه؛ لأنه إنما جاز له أن يصلي على الدابة كيف ما أمكنه؛ ليتصل القتال، ولا يغلب العدو، فسقط هذا.
فإن قيل: فالمعنى في الأصل: أن العاصي بالقتال هو الذي ابتدأ بقتال من لا يجوز له أن يقاتله، وهو متمكن من تركه، غيرُ مضطر إليه، فلا يكون علة التخفيف موجودة في حقه، فلهذا لم يجز له أن يصلي صلاة شدة الخوف، وليس كذلك صلاة السفر؛ فإن التخفيف فيها متعلق بالسفر، وهو موجود.
стр. 1074
قيل له: العلة في صلاة الخوف هو: الخوف الذي ليس بمعصية، والعلة في صلاة السفر هو: السفر الذي ليس بمعصية، والخوف موجود ها هنا، لكن هو معصية، وكذلك السفر هو موجود، لكن هو معصية، فلا فرق بينهما.
فإن قيل: لو ضرب جوفها، فألقت جنينًا، أو شربت دواءً، فأسقطت، وصارت نفساء، تسقط عنها فرض الصلاة، ولم يلزمها القضاء إذا طهرت، وسقوط الصلاة عنها تخفيف، وقد جاز أن يثبت لها ذلك، مع كونها عاصية في السبب، وكذلك إذا جرح نفسه، أو كسر ساقه، فلم يقدر على القيام، صلى قاعدًا.
قيل له: المعصية هو تناول الدواء الذي يتولد منه إسقاط الولد، وسقوط فرض الصلاة لا يتعلق به، وإنما يتعلق بوجود دم النفاس، ووجوده ليس بمعصية من جهتها، فجاز أن يثبت لها التخفيف، وكذلك فرض القيام يسقط لعجزه عنه، وليس ذلك بمعصية من جهته، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن هذه الرخص تتعلق بالسفر، وهو في نفسه معصية؛ إذ لا خلاف أنه يعاقب على حركاته ومشيه في حال سفره، فلم يجز أن يجلب التخفيف، والذي تبين صحة هذا: أنه تصح التوبة من إسقاط الجنين، ومن الجرح والكسر مع بقاء العجز.
فإن قيل: ثبت تناول الميتة خوف التلف في حال الضرورة، وليس ذلك بمعصية من جهته، وإنما المعصية هو السفر، فكان يجب أن يباح له تناولها.
стр. 1075
قيل له: إلا أن السفر سبب في الضرورة التي يخاف معها التلف؛ إذ لولاه، لم تلحقه هذه الضرورة، ويمكنه قطع ذلك السبب الذي هو المعصية، فجاز أن تعلق عليها حكم سببها، كما قلنا في السكران: تعلق عليه حكم سببه، وهو الشرب، وإن كان حدث بغير فعله، إلا أن سببه من جهته، وهما سواء، إلا أن السُّكْر يزيل العقل، والتلف يزيل العقل والحمله (١)، فكانا سواء، ويفارق هذا النفاس؛ لأنه لا يمكنه قطع سببه؛ لأنه إذا وجد، لم يمكن قطعه.
فإن قيل: لو لبس خفًا مغصوبًا، جاز له أن يمسح، وإن كان عاصيًا في السبب، وكذلك لو دخل بلدًا، ونوى أن يقيم فيه لفعلِ المعاصي، جاز أن يمسح يومًا، وكذلك لو سافر لمعصية، جاز له أن يمسح على الخفين يومًا وليلة، وكذلك إذا عدم الماء في سفر المعصية، جاز له أن يتيمم، ويصلي، ولا يعيد، وكذلك إذا ابتدأ سفرًا مباحًا، ثم صار معصية؛ مثل: العبد إذا سافر مع مولاه، ثم هرب منه في بعض الطريق، أو خرج لقطع الطريق: أنه يترخص، كذلك ها هنا.
قيل له: أما إذا لبس خفًا مغصوبًا، فإنه يخرج على روايتين (٢)؛ بناء على قول أصحابنا في الصلاة في الثوب المغصوب، والأرض الغصب، إحداهما: لا يجوز، وهو أصح، فعلى هذا: لا نسلم هذا، والثانية: تصح، فعلى هذا الفرقُ بينهما: أن المعصية في الخف لا يختص اللبس،
стр. 1076
ألا ترى أنه لو ترك اللبس، لم تزل المعصية، وهو مأثم الغصب؟ وليس كذلك ها هنا؛ لأن المعصية تختص السفر، ألا ترى أنه لو ترك السفر، خرج من المعصية؟ وهكذا إذا كان مقيمًا في بلد لفعلِ المعاصي، فإنه يجوز له المسح يومًا وليلة؛ لأن المعصية لا تختص بلبسه، ألا ترى أنه لو ترك اللبس، لم تزل المعصية؟ وأما إذا أنشأ سفرًا مباحًا، ثم صار معصية، فظاهرُ كلام أحمد ﵀: لا يباح له القصر، وقد قيل: يباح له؛ لأن الرخص تتعلق بالإنشاء، والاستدامة يحصل بها استيفاء الرخصة، فإذا كان الإنشاء مباحًا، تعلق به الاستباحة، وإذا كان معصية، لم يتعلق به، وأما التيمم في سفر المعصية، فيحتمل أن يقول: يتيمم، ويعيد؛ لأن التيمم رخصة السفرُ أوجبها، فهي كالقصر، ويحتمل أن يقول: يصلي بالتيمم، ولا يعيد؛ لأن التيمم إنما وجب عند العجز، وهو عاجز في هذه الحال، وفعل التيمم هو إيجاب عليه، وإثبات عبادة، وليس رخصة، ويفارق هذا: إباحة الميتة؛ لأنه رخصة، وكذلك القصر، فلهذا لم يستبحه لسفر المعصية.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولم يفرق، وقول النبي ﷺ : "إن الله تعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة" (١)، وقوله: "يمسح المقيم يومًا
стр. 1077
وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن" (١).
والجواب: أنا نحمل ذلك على سفر الطاعة والمباح؛ بدليل ما تقدم.
واحتج: بأن كل من أنشأ سفرًا ثلاثة أيام فصاعدًا، جاز له أن يفطر، ويمسح مسح المسافر، ويقصر الصلاة؛ دليله: السفر المباح.
والجواب: أنه ليس في الأصل معونة على المعصية، وفي الفرع معونة على المعصية، وهذا لا يجوز، وعلى أنه لا يجوز اعتبار المعصية بما ليس بمعصية، ألا ترى أنه لو سكر أيامًا، لم يسقط عنه قضاءُ الصلوات، ولو جُنَّ أيامًا، سقط عنه قضاؤها؟ وليس ها هنا معنى يوجب الفرق بينهما إلا كونه عاصيًا في أحدهما، غيرَ عاص في الآخر.
فإن قيل: لو كان كذلك، لوجب إذا أُكِره على الشرب فسكر، أن يسقط عنه القضاء كما يسقط في الجنون؛ لأنه غير عاصٍ فيهما.
قيل له: الموجب للقضاء في السكر هو المعصية، وكونه مكرهًا على الشرب، وإن لم يكن معصية، فإنما وجب القضاء؛ لأنه عذر نادر، والنادر لا يسقط القضاء.
стр. 1078
وقياس مذهبنا: أن القضاء يسقط في حال الإكراه، وإن كان نادرًا؛ كما قالوا فيمن عدم الماء في الحضر، فإنه يتيمم، ويصلي، ولا قضاء عليه، وإن كان نادرًا.
فإن قيل: السكر ليس بمعصية؛ لأنه ليس من فعله، وإنما المعصية شرب الخمر، وما تولَّد من المعصية، وليس في نفسه بمعصية، يجوز أن يتعلق به التخفيف؛ كالمرأة إذا شربت دواء، فأسقطت، وصارت نفساء: أنه يسقط عنها فرض الصلاة؛ لأن النفاس ليس بمعصية، وإن تولد من معصية.
قيل له: السكر في الشريعة بمنزلة المعصية المستدامة التي يفعلها الإنسان شيئًا بعد شيء؛ كما يفعل السفر شيئًا بعد شيء، ألا ترى أن الإثم جارٍ عليه ما دام سكرانًا، والتكليف قائم في جميع الأحكام كأنه عاقل مميز، وهذا معدوم في الجنون، فبان الفرق بينهما، ولأن الشرب يحصل منه السكر غالبًا، فجُعل مضافًا إليه؛ كالقتل لما كان يحصل معه خروج الروح، جُعل ذلك مضافًا إليه، وليس كذلك النفاس؛ لأنه ليس الغالب وجوده من الضربة.
واحتج: بأن كل صلاة يقتصر فيها على ركعتين في السفر المباح، فإنه يقتصر فيها على ركعتين في السفر المحظور؛ دليله: صلاة الفجر.
والجواب عنه: ما تقدم من الفرق بين المباح والمحظور، ولأن الفجر ليس فيها معونة على المعصية، وليس كذلك غيرها من الصلوات، لأن فيها معونة على المعصية، فبان الفرق بينهما.
стр. 1079
والدلالة على مالك ﵀ في تحريم أكل الميتة: ما تقدم من الآيتين، ولأن الأكل جعل معونة على السفر، وإذا كان معصية، لم يجز أن يكون له عونًا؛ لأن العون على المعصية معصية، ولهذا لم يجز له القصر والفطر؛ لأنه يكون عونًا على المعصية.
فإن احتجوا: بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فهو محمول على غير مسألتنا.
واحتج: بأنه مضطر إلى أكل الميتة، فأشبه سفر المباح.
والجواب: أنه ليس في إباحة ذلك عونٌ على المعصية، وها هنا فيه عون على ذلك، ولهذا فرقوا بينهما في القصر والفطر، والله تعالى أعلم.
* * *
١٣٦ - مَسْألَة: يجوز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر الذي يقصر فيه الصلاة:
نص على هذا في رواية المروذي (١)، والأثرم (٢)، وإبراهيم بن الحارث (٣)، وأبي طالب (٢).
стр. 1080
وهو قول مالك (١)، والشافعي (٢) ﵄.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما إلا بعرفة والمزدلفة (٣).
دليلنا: ما روى أحمد ﵀ في المسند (٤) قال: نا عبد الرزاق: أنا ابن جريج قال: أخبرني حسين بن عبد الله بن عبيد الله (٥) بن عباس ﵄. عن عكرمة، وعن كريب: أنَّ ابن عباس ﵄ قال: "ألا أخبركم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر؟ قال: قلنا: بلى، قال: كان إذا زاغت الشمس في منزله، جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإذا لم تزغ في منزله، سار، حتى إذا حانت العصر، نزل (٦)، فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت المغرب له في منزله، جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن في
стр. 1081
منزله، ركب، حتى إذا حانت العشاء، نزل، فجمع بينهما" (١)، وهذا أجود حديث في المسألة.
وروى أحمد ﵀ في المسند (٢) قال: ثنا يحيى بن غيلان (٣) قال: نا المفضل بن فضالة (٤) قال: حدثني عُقيل (٥) عن [ابن] (٦) شهاب: أنه حدثه عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم ينزل، فيجمع بينهما، وإن زاغت قبل أن يرتحل، صلى الظهر، ثم ركب (٧).
стр. 1082
وروى النجاد بإسناده عن نافع: أن ابن عمر ﵄ اسْتُصرخ (١) على صفية وهو بمكة، وهي بالمدينة، فسار حتى غابت الشمس، وقد بدت النجوم، فقال رجل: قولوا: الصلاة الصلاة، فقال له سالم: الصلاة، فقال: كان رسول الله ﷺ إذا عجل به أمر في سفر، جمع بين هاتين الصلاتين، فسار حتى غاب الشفق، ثم صلى المغرب ثلاثًا، والعشاء ركعتين (٢).
وروى النجاد بإسناده عن عامر بن واثلة (٣): أن معاذ بن جبل ﵁ أخبرهم: أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان رسول الله ﷺ
стр. 1083
يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا (١).
وروى النجاد بإسناده عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الصلاتين في السفر (٢).
وروى النجاد بإسناده عن علي بن الحسين ﵄: أن رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر في السفر (٣).
وروى أيضًا بإسناده عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ﵀: أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في سفره بتبوك (٤).
стр. 1084
وروى أيضًا بإسناده عن الهُزيل (١) بن شُرَحبيل ﵁: أن النبي ﷺ كان يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر (٢).
وهذه الأخبار نصوص.
فإن قيل: يحتمل أن يكون أخّر إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها، وعجّل الأخرى في أول وقتها، وهذا يسمى جمعًا، ألا ترى إلى ما رُوي عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: كان رسول الله ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء؛ يؤخر هذه إلى آخر وقتها، ويعجل هذه في أول وقتها (٣).
стр. 1085
وكذلك رُوي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: جمع رسول الله ﷺ بالمدينة من غير خوف ولا سفر (١)، وفي بعضها: من غير سفر ولا مطر (٢).
قيل له: هذا لا يصح لوجوه: أحدها: أن هذا لا يسمى جمعًا؛ لأن الجمع هو: ضم الشيء إلى الشيء، والصلاة لا يمكن ضمها، وإنما يكون جمعًا إذا ضمت إحداهما إلى الأخرى في وقت إحداهما، فأما إذا انفردت كل واحدة منهما عن الأخرى بالفعل والوقت، فلا يكون جمعًا.
стр. 1086
والثاني: أن الراوي أخبر أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر؛ كما أخبر عن الجمع (١) بعرفة والمزدلفة، فلما أجمعنا على أن المراد بالجمع هناك في الوقت، كذلك ها هنا.
الثالث: أنه قصد بهذا الجمع: الرفق بالمسافر، وهذا يؤدي إلى التغليظ والتشديد؛ لأن ذلك لا يمكن مراعاته إلا بمشقة شديدة.
الرابع: أن فيما روينا تصريحًا بأن الجمع كان في وقت إحداهما، ففي حديث ابن عباس ﵄: كان إذا زاغت الشمس في منزله، جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب (٢)، وهذا يقتضي الجمع بينهما في الزوال؛ لأنه قال: قبل أن يركب، ومعلوم أنه ﵇ ما كان يصلي الظهر ويجلس حتى يدخل وقت العصر ثم يصليها؛ لأنه لا يحصل له قصده من التعجيل، ورواه الشافعي ﵁ (٣): كان يجمع بين الظهر والعصر في الزوال، وهذا صريح في وقت الأولة.
وفي حديث أنس ﵁: كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما (٣)، فأخبر أن الجمع كان في وقت الثانية.
стр. 1087
وفي حديث ابن عمر ﵄: أخرها حتى غاب الشفق، ثم صلى، وأخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (١)، فبين أنه صلى المغرب في وقت العشاء.
فإن قيل: يحمل قول أنس ﵁: أخر الظهر إلى وقت العصر، على أنه قارب وقت العصر، وكذلك قوله في حديث ابن عمر ﵄: أخر المغرب حتى غاب الشفق، معناه: قارب أن يغيب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وأراد: قارب بلوغ أجلهن، ولأنه يحتمل أن يكون أراد بالشفق (٢)، وفي ذلك الوقت لا يخرج وقت المغرب عند أبي حنيفة ﵀، ولأنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ كان يؤخر حتى يصليها بعد ما يصير ظل كل شيء مثله، وكان عند أنس ﵁: أن وقت العصر يدخل بذلك، وعند أبي حنيفة: لم يدخل وقتها.
قيل له: أما قولك: إنني أحمل هذا على أنه قارب وقت العصر، فهذا خلاف الحقيقة؛ لأن الحقيقة تقتضي الإكمال؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]، والمراد به: كمال البلوغ، ولأن قوله: أخرها إلى وقت العصر، نحو قوله: أخر المغرب بالمزدلفة إلى وقت العشاء، والمراد بذلك: خروجُ الوقت.
стр. 1088
وقوله: أحملُ حديث ابن عمر ﵄ على غيبوبة الحمرة، فلا يصح؛ لأن أبا بكر بن المنذر روى فيه (١) زيادة، فقال: أُخْبر ابنُ عمر ﵄ بوجع (٢) امرأته وهو في سفر، فأخر المغرب، فقيل له: الصلاة؟ فسكت، وأخرها بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هويٌّ من الليل (٣)، ثم نزل وصلى المغرب والعشاء، وقال: هكذا كان رسول الله ﷺ يفعل إذا جدَّ به السير (٤). وقوله: حتى ذهب هويٌّ من الليل، يقتضي غيبوبةَ البياض؛ لأنه لا يذهب هويّ من الليل عند غيبوبة الحمرة، وعلى أنه، وإن لم يخرج وقت المغرب عندك، فلم يدخل وقت العشاء الآخرة، وإذا لم يدخل وقتها، لم يجز الجمع عندك، وقد أخبر أنه أخر المغرب، وصلى معها العشاء.
وقوله: يحتمل أن يكون النبي ﷺ أخرها حتى صار ظل كل شيء مثله، وليس ذلك بآخر وقت الظهر عندنا، فلا يصح؛ لأن الراوي قال: أخر الظهر إلى وقت العصر، في حديث أنس ﵁، وفي حديث ابن عباس ﵄: حتى حانت العصر، وهذا يقتضي دخول وقت العصر، فمن حمل ذلك على أن الوقت لم يدخل، كان فيه تخطئة الراوي.
وجواب آخر عن أصل السؤال، وهو: أن حملها على هذا يسقط فائدتها؛ لأن له أن يجمع بين الصلوات في الحضر على هذا الوجه.
стр. 1089
فإن قيل: هذه الصلوات لها أوقات مستحبة في الحضر، فاستفدنا بهذه الأخبار جواز تقديمها على الأوقات المستحبة، وتأخرها عنها في حال السفر.
قيل: الأوقات المستحبة هي ما لم تدخل، وفي هذه الأخبار إذا دخل وقت الأخرى، وأما ما رُوي عن ابن مسعود ﵁ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء، يؤخر هذه إلى آخر وقتها، ويعجل هذه في أول وقتها (١)، فلا يعرف هذا الحديث، ولو صح، فنحن نقول به؛ لأنه يجوز أن يؤخر إحداهما، ويعجل الثانية في وقتها، ويجوز فعلهما في وقت إحداهما.
وأما حديث ابن عباس ﵄: جمع النبي ﷺ بالمدينة من غير خوف ولا سفر، ورُوي: ولا مطر، فيجوز أن يكون هذا في ابتداء الأمر، ثم نسخ؛ لإجماعنا على أنه لا يجوز الجمع على هذه الصفة، وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية صالح (٢) - وقد قيل له: حديث النبي ﷺ : جمع بين الظهر والعصر من غير خوف ولا مطر؟ -، فقال: قد جاءت الأحاديث بتحديد المواقيت للظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
فإن قيل: فيحمل ذلك على الوقت الذي كان وقت الظهر والعصر مشتركًا بهما (٣)، وكان يجمع في وقت إحداهما في الحضر، ثم نسخ
стр. 1090
ذلك، واستقرت المواقيت.
قيل: لو كان كذلك، لم يخص بذلك السفر، وعلى أنا لا نسلِّم أن بالمدينة كانت الصلاة غير مؤقتة، ولأن في خبر معاذ ﵁: أن النبي ﷺ جمع بينهما عام تبوك، وهذا بعد الفتح (١)، ولأن ابن عمر ﵄، وابن عباس ﵄ عَمِلا بذلك، ولا يجوز أن يفعلا ذلك، وهو منسوخ، فأما ابن عمر ﵄، فقد روينا عنه فعلَ ذلك، وأما ابن عباس ﵄، فروى النجاد بإسناده عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵄: أنه كان يجمع بين الصلاتين في السفر، ويقول: هي السنة (٢).
والقياس: أن له أن يقصر، فله أن يجمع؛ دليله: إذا كان محرِمًا له أن يجمع بعرفة والمزدلفة.
فإن قيل: المعنى هناك: أن له الجمع، وإن لم يجز له القصر، وهو إذا كان من أهل مكة.
قيل: لا نسلم لك هذا؛ لأن المكي لا يجوز له الجمع؛ كما لا يجوز له القصر.
فإن قيل: لا خلاف أن الجمع بعرفة والمزدلفة أفضل من التفريق، والتفريق في السفر أفضل، فكما لم يدل فضيلة الجمع للمحرم على