← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

والثاني: أن الراوي أخبر أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر؛ كما أخبر عن الجمع (١) بعرفة والمزدلفة، فلما أجمعنا على أن المراد بالجمع هناك في الوقت، كذلك ها هنا. الثالث: أنه قصد بهذا الجمع: الرفق بالمسافر، وهذا يؤدي إلى التغليظ والتشديد؛ لأن ذلك لا يمكن مراعاته إلا بمشقة شديدة. الرابع: أن فيما روينا تصريحًا بأن الجمع كان في وقت إحداهما، ففي حديث ابن عباس ﵄: كان إذا زاغت الشمس في منزله، جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب (٢)، وهذا يقتضي الجمع بينهما في الزوال؛ لأنه قال: قبل أن يركب، ومعلوم أنه ﵇ ما كان يصلي الظهر ويجلس حتى يدخل وقت العصر ثم يصليها؛ لأنه لا يحصل له قصده من التعجيل، ورواه الشافعي ﵁ (٣): كان يجمع بين الظهر والعصر في الزوال، وهذا صريح في وقت الأولة. وفي حديث أنس ﵁: كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما (٣)، فأخبر أن الجمع كان في وقت الثانية.

стр. 1087

وفي حديث ابن عمر ﵄: أخرها حتى غاب الشفق، ثم صلى، وأخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (١)، فبين أنه صلى المغرب في وقت العشاء. فإن قيل: يحمل قول أنس ﵁: أخر الظهر إلى وقت العصر، على أنه قارب وقت العصر، وكذلك قوله في حديث ابن عمر ﵄: أخر المغرب حتى غاب الشفق، معناه: قارب أن يغيب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وأراد: قارب بلوغ أجلهن، ولأنه يحتمل أن يكون أراد بالشفق (٢)، وفي ذلك الوقت لا يخرج وقت المغرب عند أبي حنيفة ﵀، ولأنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ كان يؤخر حتى يصليها بعد ما يصير ظل كل شيء مثله، وكان عند أنس ﵁: أن وقت العصر يدخل بذلك، وعند أبي حنيفة: لم يدخل وقتها. قيل له: أما قولك: إنني أحمل هذا على أنه قارب وقت العصر، فهذا خلاف الحقيقة؛ لأن الحقيقة تقتضي الإكمال؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]، والمراد به: كمال البلوغ، ولأن قوله: أخرها إلى وقت العصر، نحو قوله: أخر المغرب بالمزدلفة إلى وقت العشاء، والمراد بذلك: خروجُ الوقت.

стр. 1088

وقوله: أحملُ حديث ابن عمر ﵄ على غيبوبة الحمرة، فلا يصح؛ لأن أبا بكر بن المنذر روى فيه (١) زيادة، فقال: أُخْبر ابنُ عمر ﵄ بوجع (٢) امرأته وهو في سفر، فأخر المغرب، فقيل له: الصلاة؟ فسكت، وأخرها بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هويٌّ من الليل (٣)، ثم نزل وصلى المغرب والعشاء، وقال: هكذا كان رسول الله ﷺ يفعل إذا جدَّ به السير (٤). وقوله: حتى ذهب هويٌّ من الليل، يقتضي غيبوبةَ البياض؛ لأنه لا يذهب هويّ من الليل عند غيبوبة الحمرة، وعلى أنه، وإن لم يخرج وقت المغرب عندك، فلم يدخل وقت العشاء الآخرة، وإذا لم يدخل وقتها، لم يجز الجمع عندك، وقد أخبر أنه أخر المغرب، وصلى معها العشاء. وقوله: يحتمل أن يكون النبي ﷺ أخرها حتى صار ظل كل شيء مثله، وليس ذلك بآخر وقت الظهر عندنا، فلا يصح؛ لأن الراوي قال: أخر الظهر إلى وقت العصر، في حديث أنس ﵁، وفي حديث ابن عباس ﵄: حتى حانت العصر، وهذا يقتضي دخول وقت العصر، فمن حمل ذلك على أن الوقت لم يدخل، كان فيه تخطئة الراوي. وجواب آخر عن أصل السؤال، وهو: أن حملها على هذا يسقط فائدتها؛ لأن له أن يجمع بين الصلوات في الحضر على هذا الوجه.

стр. 1089

فإن قيل: هذه الصلوات لها أوقات مستحبة في الحضر، فاستفدنا بهذه الأخبار جواز تقديمها على الأوقات المستحبة، وتأخرها عنها في حال السفر. قيل: الأوقات المستحبة هي ما لم تدخل، وفي هذه الأخبار إذا دخل وقت الأخرى، وأما ما رُوي عن ابن مسعود ﵁ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء، يؤخر هذه إلى آخر وقتها، ويعجل هذه في أول وقتها (١)، فلا يعرف هذا الحديث، ولو صح، فنحن نقول به؛ لأنه يجوز أن يؤخر إحداهما، ويعجل الثانية في وقتها، ويجوز فعلهما في وقت إحداهما. وأما حديث ابن عباس ﵄: جمع النبي ﷺ بالمدينة من غير خوف ولا سفر، ورُوي: ولا مطر، فيجوز أن يكون هذا في ابتداء الأمر، ثم نسخ؛ لإجماعنا على أنه لا يجوز الجمع على هذه الصفة، وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية صالح (٢) - وقد قيل له: حديث النبي ﷺ : جمع بين الظهر والعصر من غير خوف ولا مطر؟ -، فقال: قد جاءت الأحاديث بتحديد المواقيت للظهر والعصر، والمغرب والعشاء. فإن قيل: فيحمل ذلك على الوقت الذي كان وقت الظهر والعصر مشتركًا بهما (٣)، وكان يجمع في وقت إحداهما في الحضر، ثم نسخ

стр. 1090

ذلك، واستقرت المواقيت. قيل: لو كان كذلك، لم يخص بذلك السفر، وعلى أنا لا نسلِّم أن بالمدينة كانت الصلاة غير مؤقتة، ولأن في خبر معاذ ﵁: أن النبي ﷺ جمع بينهما عام تبوك، وهذا بعد الفتح (١)، ولأن ابن عمر ﵄، وابن عباس ﵄ عَمِلا بذلك، ولا يجوز أن يفعلا ذلك، وهو منسوخ، فأما ابن عمر ﵄، فقد روينا عنه فعلَ ذلك، وأما ابن عباس ﵄، فروى النجاد بإسناده عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵄: أنه كان يجمع بين الصلاتين في السفر، ويقول: هي السنة (٢). والقياس: أن له أن يقصر، فله أن يجمع؛ دليله: إذا كان محرِمًا له أن يجمع بعرفة والمزدلفة. فإن قيل: المعنى هناك: أن له الجمع، وإن لم يجز له القصر، وهو إذا كان من أهل مكة. قيل: لا نسلم لك هذا؛ لأن المكي لا يجوز له الجمع؛ كما لا يجوز له القصر. فإن قيل: لا خلاف أن الجمع بعرفة والمزدلفة أفضل من التفريق، والتفريق في السفر أفضل، فكما لم يدل فضيلة الجمع للمحرم على

стр. 1091

فضيلته للمسافر، كذلك لا يدل على جوازه. قيل له: لا يمتنع أن يكون أحدهما آكدَ من الآخر، ويتساويان في الجواز؛ كالقصر عنده آكدُ من الفطر، ثم يتساويان في الجواز، كذلك ها هنا، وأيضًا: فإن المقصود العبادةُ دون الوقت، وللسفر تأثير في إسقاط بعض العبادة، وهو الركعتان، فلأنْ يكون له تأثير في إسقاط فرض الوقت أولى. فإن قيل: لا يمتنع أن يسقط بعض الصلاة، ولا يسقط الوقت، في الجمعة تسقط الركعتان، ولا يسقط فرض الوقت. قيل: لا نسلم لك هذا، بل نقول: يؤثر في الركعات والوقت؛ لأنه يجوز فعلها قبل الزوال على أصلنا، وعلى أنه لا حاجة بهم في الجمعة إلى إسقاط الوقت؛ لأنهم في الحضر بهم حاجة إلى تخفيف بعض الصلاة لأجل الاجتماع والانتظار، وفي السفر بهم حاجة إلى الأمرين، وأيضًا: فإن وقت الصوم أضيقُ من وقت الصلاة؛ بدليل: أنه إذا دخل وقته، لم يجز تأخيره، وإذا دخل وقت الصلاة، جاز تأخيرها، فإذا كان السفر يسقط وقت الصوم، ويجوز تأخيره عن وقته إلى وقت آخر، فلأنْ يسقط وقت الصلاة أولى. فإن قيل: الصوم عبادة مؤقتة، ثم لم يكن للسفر تأثير في إباحة تقديمها على وقتها، كذلك يجب أن لا يكون له تأثير في تقديم العصر على وقتها. قيل له: إنما لم يجز تقديم الصوم في السفر؛ لأنه لا يستفيد به

стр. 1092

رخصة، ولا رفاهة، وإنما يستفيد ذلك بتأخير الصوم عن وقته في السفر، وليس كذلك الصلاة؛ فإنه يستفيد بها رخصة ورفاهة، وهو فعلها في أحد الوقتين، فلهذا افترقا في التقديم، وتساويا في التأخير. واحتج المخالف: بما روى أبو قتادة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: "ليس التفريط في النوم، إنما التفريط في (١) اليقظة: أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى" (٢)، ولم يفرق بين حال السفر وغيره. والجواب: أن هذا عام في السفر والحضر، وحديث ابن عباس ﵄ خاص في السفر، فيجب أن نفضله. واحتج: بما رُوي عن عبد الله بن مسعود (٣) ﵁ قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لوقتها، ما خلا عرفة والمزدلفة (٤)، فلو كان النبي ﷺ يجمع بين الصلاتين في السفر، لما خفي على عبد الله بن مسعود ﵁ مع صحبته للنبي ﷺ في أسفاره.

стр. 1093

وروي عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ أخر صلاة إلى وقت الأخرى حتى قبضه الله (١). والجواب: أن هذا الخبر غير معروف، وعلى أن ما رويناه أولى؛ لأنه مثبِت، والمثبِت أولى من النافي، وهذا كما قدمنا رواية غيره في وضع الأيدي على الركب على رواية عبد الله في التطبيق (٢)، وكما قلنا: إن من

стр. 1094

روى عن النبي ﷺ : دخل البيت فصلى، أولى ممن روى أنه لم يصلِّ (١). واحتج: بما رُوي عن عمر ﵁: أنه قال: الجمع بين الصلاتين من الكبائر (٢)، ولا يُعرف له مخالف. والجواب: أنا قد روينا عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ خلافَ هذا، وعلى أن المشهور عنه: أنه قال: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر، وروى ابن المنذر (٣) عن عمر ﵁: أنه قال: إن جمعًا (٤) بين

стр. 1095

الصلاتين من الكبائر، إلا من عذر. واحتج: بأن هذه الصلوات قد ثبت لها أوقات مخصوصة بالنقل المستفيض، فلا يجوز تأخيرها عليها، ولا تقديمها إلا بنقل مثله. والجواب: أنها تثبت بالنقل المستفيض في غير حال العذر، فأما في حال العذر من السفر، والمطر في الحضر، والمرض، فلم يثبت؛ لحصول الخلاف الظاهر فيه. واحتج: بأنها صلاة لها وقت معين في الحضر، فلا يجوز ترك وقتها لأجل السفر؛ قياسًا على صلاة الفجر. والجواب: أن الصبح مفارق لغيرها في ذلك؛ كما يقول المخالف في النسك: إنه يجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة، ولا يجمع صلاة الصبح إلى ما قبلها، ولا إلى ما بعدها، ولأنه لا يجوز اعتبار بعض الصلوات ببعض في الجمع؛ كما لا يجوز ذلك في العصر، وهو يتعلق بالسفر. واحتج: بأنهما صلاتان لا يجمع بينهما في وقت إحداهما في الحضر، فلا يجمع بينهما لأجل السفر؛ كالعصر والمغرب، وعشاء الآخرة مع الفجر. والجواب: أنا لا نسلم أنه لا يجوز الجمع بينهما في الحضر؛ لأنه يجوز الجمع لأجل المرض والمطر، ثم المعنى في الأصل: ما تقدم من الكلام على العلة التي قبلها.

стр. 1096

واحتج: بأن كل حال لا يجوز أن يجمع فيها بين هاتين الصلاتين في وقت إحداهما إذا لم ينو الجمع، كذلك لا يجوز وإن نوى؛ دليله: الحضر. والجواب: أن أبا بكر من أصحابنا ذكره في كتاب الخلاف: أن الجمع لا يفتقر إلى نية الجمع (١)، وإذا كان كذلك، فالوصف غير مسلَّم، وإن سلَّمنا، وهو المذهب، فلا يمتنع أن يكون الجمع رخصة يعتبر فيها شرائط، منها: النية، ومتى لم يوجد ذلك الشرط، لم يستفد الرخصة؛ كالمسح على [الخفين] (٢) هو رخصة من شرطها الخف، [فإذا عُدِم] (٣)، لم يستبح الرخصة، وكذلك أيضًا نية السفر شرط في القصر، كذلك ها هنا، ثم المعنى في الأصل، وهو الحضر: أنه لا حاجة به إلى الجمع، والسفر به حاجة. واحتج: بأن كل صلاتين لم يجز الجمع بين الأولى والثانية في وقت الأولى إذا لم يوال بينهما، وتطاول الفصل، لم يجز أيضًا، وإن والى بينهما، ولم يطل الفصل؛ كالفجر في وقت العشاء، والمغرب

стр. 1097

في وقت العصر. والجواب: أن أبا طالب (١) روى عن أحمد ﵀: أنه قال: يؤذن ويقيم، ولا بأس أن يتطوع بينهما، وهذا يدلّ على الجمع، وإن لم تحصل الموالاة، وروى أبو الحارث عنه (٢): لا يتطوع بينهما، كذلك فعل النبي ﷺ ، فعلى هذا: لا يصح الجمع؛ لأنه لم يوجد معناه؛ لأن معنى الجمع هو الضم، وهذا المعنى لا يوجد بالتفريق، ولأنه إنما أجيز له التقديم؛ للجمع بينهما، فإذا فصل بينهما، لم يجمع، فلهذا كانت المواصلة شرطًا، وأما الظهر والفجر، فليس إذا لم يجز الجمع بينهما لم يجز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، الدلالة عليه: الجمع بعرفة. * * * ١٣٧ - مَسْألَة: لا يجوز الجمع في السفر الذي لا يجوز القصر فيه (٣): أومأ إليه في رواية عبد الله (٤)، فقال: يؤخر الظهر إلى العصر،

стр. 1098

فقيل له: في كل سفر تقصر فيه الصلاة؟ فقال: في كل سفر تقصر فيه الصلاة. وللشافعي ﵁ قولان: الجديد: مثل هذا، وقال في القديم: يجوز الجمع في السفر القصير (١)، وهو قول مالك ﵀ (٢). دليلنا: أن الجمع إخراج عبادة عن وقتها المعتاد، فلم يستبح ذلك في السفر القصير؛ كالصوم والفطر، ولأن الجمع رخصة جُعلت عونًا على السفر، فهي كالقصر، فلما لم يستبح القصر في السفر القصير، كذلك الجمع. واحتج المخالف: بأنه سفر يجوز التنفل فيه على الراحلة، فجاز فيه الجمع؛ دليله: الطويل. والجواب: أن الطويل يلحق فيه مشقة في ترك الجمع، والقصير بخلافه، والله أعلم. * * *

стр. 1099

١٣٨ - مَسْألَة: يجوز الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما في الحضر لأجل المطر: نص عليه في رواية أبي داود (١)، وصالح (٢)، فقال: يجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من مطر، وبهذا قال مالك (٣)، والشافعي (٤) ﵄. وقال أبو حنيفة: لا يجوز (٥). دليلنا: أنه قد ثبت بما تقدم (٦) من الأخبار الصحاح: أن النبي ﷺ جمع بينهما في السفر، وإذا ثبت هذا في السفر، ثبت في الحضر للمطر؛ لأن الجمع بينهما في السفر لأجل الرفق والتخفيف، وهذا المعنى موجود

стр. 1100

في المطر، ولأن الجماعة تسقط بالمطر، ولهذا روى أبو بكر النجاد بإسناده عن نافع: أن ابن عمر ﵄ نزل ضجْنان (١) في ليلة باردة، فأمر مناديه، فنادى: الصلاة في الرحال، وحدَّث: أن رسول الله ﷺ كان إذا كانت (٢) الليلة الباردة أو المطيرة، أمر المنادي، فنادى: الصلاة في الرحال (٣)، وإذا سقطت الجماعة للمشقة، جاز الجمع بينهما لهذا المعنى. وأيضًا: ما روى النجاد بإسناده عن نافع بن جبير ﵁ قال: جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة (٤). فإن قيل: هذا على أنه أخر الأولى، وعجل الثانية في أول وقتها.

стр. 1101

قيل: قد أجبنا عن هذا فيما تقدم، ولأنه إجماع الصحابة ﵃. روى النجاد بإسناده عن عروة ﵁ قال: جُمِع على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ في الليلة المطيرة، يفرغ من المغرب، ثم يؤذن المؤذن العشاء، ثم يقيم (١). وروى أيضًا بإسناده عن موسى بن محمد (٢) عن أبيه (٣) ﵄: أن عمر وعثمان ﵄ كانا يجمعان المغرب والعشاء في الليلة المطيرة (٤). وروى أيضًا عن عبد الله بن حبيب (٥) قال: رأيت ابن عباس ﵄ يجمع بين الصلاتين في المدينة: المغرب والعشاء في الليلة المطيرة قبل أن يغيب الشفق (٦).

стр. 1102

وروى أيضًا عن نافع قال: رأيت أبا هريرة ﵁ يجمع بين المغرب والعشاء بالمدينة قبل أن يغيب الشفق، وابن عمر ﵄ معه لا ينكر ذلك (١). وروى أيضًا عن عبد الله بن يزيد (٢)، وغنيم بن فسطاس (٣) قالا: رأينا ابن المسيب يجمع بين الصلاتين في الليلة المطيرة قبل أن يغيب الشفق (٤)، قال الواقدي: وأصحابنا على هذا، لا يختلفون فيه (٥)، وهذا يدل على إجماعهم.

стр. 1103

واحتج المخالف: بما تقدم في المسألة التي قبلها من الأخبار والمعاني. وقد أجبنا عنه. * * * ١٣٩ - مَسْألَة: فإذا ثبت جواز الجمع في الحضر لأجل المطر، فهل يجوز ذلك بين الظهر والعصر ؟: فقال في رواية الأثرم (١): وقد سأله عن الجمع بين الصلاتين في المطر قبل أن يغيب الشفق، وفي السفر يؤخر حتى يغيب (٢) الشفق؟ قال: نعم، قيل له: يجمع بين الظهر والعصر في المطر؟ قال: لا، ما سمعته. فقد نص على أن الاختيار أن يجمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب، ولا يجوز بين الظهر والعصر. وبه قال أبو بكر (٣)، وشيخنا (٣) - رحمهما الله -، وهو قول مالك ﵀ (٤).

стр. 1104

ويتوجه عندي جواز ذلك (١)؛ لأن أحمد ﵀ أجاز ترك الجمعة لأجل المطر والطين، وهي صلاة نهار، فقال في رواية أبي طالب (٢): في المطر يكون في يوم الجمعة بالغداة، فيصير طينًا، ثم ينقطع في وقت الذهاب؟ فقال: من قدر أن يذهب، فهو أفضل، ومن لم يقدر، لم يذهب؛ فقد جعل ذلك عذرًا في إسقاط الجمعة، فعلى قياسه يكون عذرًا في الجمع، وهو قول الشافعي ﵁ (٣)، ووجه هذا: ما روى موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ جمع بالمدينة بين الظهر والعصر في المطر (٤)، ولأن هذا عذر يبيح الجمع بين المغرب والعشاء، فأباح بين الظهر والعصر؛ دليله: المرض، والسفر. والوجه لمن منع الجمع بينهما: عمومُ قول النبي ﷺ : "إنما التفريط

стр. 1105

أن يدع الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى" (١)، ولأنه جمع بين الظهر والعصر في الحضر من غير مرض، فلم يجز؛ دليله: إذا كان هناك وحل وطين، ولم يكن مرض، ولا يلزم عليه المريض إذا خشي أن يغلب على عقله، أو يشق عليه الوضوء لكل صلاة: أنه يجوز له الجمع بينهما؛ لقولنا: من غير مرض، وقد نص أحمد ﵀ على جواز الجمع بين الظهر والعصر في المرض في رواية صالح (٢)، والأثرم (٣)، وإبراهيم بن الحارث (٤). فإن قيل: المعنى في الطين: أنه لا يبيح الجمع بين المغرب والعشاء، فلهذا [لا] (٥) يبيح بين الظهر والعصر. قيل: لا نسلم هذا، وقد قال الميموني (٦): ذكر لي - يعني: أحمد ﵀: أن ابن عمر ﵄ كان يجمع بالمدينة في الليلة الباردة والمطيرة (٧)، ولأن الجمع رخصة لتعجيل الناس في انقلابهم إلى بيوتهم،

стр. 1106

وهذا في الليل؛ لأنهم في النهار لا بد لهم من الانتشار، والتشاغل بالمعاش، والأمور التي لا ينقطعون عنها بالمطر، فتزول فائدة الرخصة. فأما حديث ابن عمر ﵄ إن صح -، فهو محمول على الوقت الذي كان يجمع النبي ﷺ من غير عذر، وقد رُوي في ذلك أخبار، فروى النجاد بإسناده عن صالح مولى التوءمة (١) عن ابن عباس ﵄ قال: كان يجمع النبي ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة، من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: فلم فعل ذلك؟ قال: أراد التوسعة على أمته (٢)، وهذا يدل على ما ذكرنا. فإن قيل: تناول قوله: ولا مطر، على أنه كان قد انقطع في الصلاة الثانية بعد أن أحرم بها، فإنه يتم الجمع. قيل له: تعليل ابن عباس يمنع من هذا؛ لأنه قال: أراد التوسعة على أمته، وهو ﵁ أعرفُ بالحال والقصة، فلم يصح هذا التأويل. وأما القياس على السفر والمرض، فالمعنى فيهما: أن العذر

стр. 1107

يوجد في جميع ذلك؛ لأن الجمع في السفر القصدُ به على العون على سفره (١)، وهذا يعم الظهر والعصر، كما يعم المغرب والعشاء. وأما المرض، فإنما جعل له الجمع بين الظهر والعصر إذا خشي أن يغلب على عقله، ويشق عليه الوضوء، وهذا المعنى يوجد في الظهر والعصر؛ كما يوجد في المغرب والعشاء، وليس كذلك في المطر؛ لأنه إنما جعل ليتعجل الناس انقلابهم إلى بيوتهم، وهذا في الليل، فأما بالنهار، فلا بد لهم من الانتشار والتشاغل بالمعاش، فتزول فائدة الرخصة، فلهذا فرقنا بينهما. * * * ١٤٠ - مَسْألَة (٢): الطين والوَحَل عذر في الجمع (٣): وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي طالب (٤): في المطر يكون يوم الجمعة بالغداة، فيصير طينًا، ثم ينقطع في وقت الذهاب؟ فمن

стр. 1108

قدر أن يذهب، فهو أفضل، ومن لم يقدر، لم يذهب؛ فقد جعله عذرًا في إسقاط الجمعة؛ خلافًا لأصحاب الشافعي ﵏ في قولهم: ليس بعذر (١). فالدلالة عليه: ما تقدم (٢) من حديث ابن عمر ﵄: أنه أمر مناديه في ليلة باردة، فنادى: الصلاة في الرحال، وحدَّث: أن رسول الله ﷺ كان إذا كان الليلة الباردة أو المطيرة، أمر المنادي فنادى: الصلاة في الرحال، فإذا جاز ترك الجماعة لأجل البرد، كان فيه تنبيه (٣) على الوحل؛ لأنه ليس مشقة البرد (٤) بأعظم من الوحل، ويدل على حديث ابن عباس ﵄: جمع النبي ﷺ بالمدينة من غير مطر ولا خوف (٥)، ولا وجه له يحمل عليه إلا والوحل، وهو أولى من حمله على غير العذر، والنسخ؛ لأنه يحمل على فائدة، ولأن المطر يبل الثياب، والوحل يبل النعل، فهما في المشقة سواء. فإن قيل: مشقة المطر أعظم، لأنه يبل الثياب والنعال. قيل: هذا لا يوجب الفرق، ألا ترى أن مشقة المرض أعظم من

стр. 1109

مشقة السفر، وهما سواء في إباحة الفطر، وكذلك مشقة الجبائر أعظم من مشقة الخفين، وهما سواء في جواز المسح. واحتج المخالف: بأن قد كان في وقت النبي ﷺ ذلك، ولم يجمع. والجواب: أنه قد روينا عنه ما يدل عليه من الجمع لأجل البرد (١)، ولأنه قد روي عنه: أنه ﵇ قد جمع لأجل المطر (٢)، وهذا الاسم يتناول الوحل؛ لأنه يقال: جاءه في المطر، معناه: في وحل المطر، والله أعلم. * * * ١٤١ - مَسْألَة: يجوز للمريض أن يجمع بين الصلاتين: نص عليه في رواية الجماعة (٣)، منهم: الأثرم (٤)، وإبراهيم بن الحارث (٥): في المريض يجمع بين الصلاتين؟ أرجو أن يكون له ذلك

стр. 1110

إذا ضعف، وكان لا يقدر إلا على ذلك، وكذلك في رواية حنبل (١): يجمع بين الصلاتين؟ المسافر يجمع، وهو دون المريض، وقال ابن منصور (٢): قلت لأحمد ﵀: المريض يجمع بين الصلاتين؟ قال: إي والله، إذا كان علة (٣). وقد توقف عن ذلك في رواية أبي الحارث (٤): في امرأة مريضة تجمع بين المغرب والعشاء؟ قال: ما أحب ذلك، وأهاب الجواب فيها. وقد صرح بجوازه في رواية الجماعة، وهو قول عطاء (٥)، وطاوس (٦)، وإسحاق (٧)، حكاه ابن المنذر (٨)؛ خلافًا لأبي حنيفة (٩)، والشافعي (١٠) - رحمهما الله - في قولهما: لا يجمع.

стр. 1111

دليلنا: ما رواه النجاد بإسناده عن عائشة ﵂: أن سهلة بنتَ سهيل بن عمرو استُحيضت، فأتت النبي ﷺ ، فسألته عن ذلك؟ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما أجهدها ذلك، أتته (١)، وأمرها أن تجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بغسل (٢). والاستحاضة مرض من الأمراض، وقد أباحها الجمع لأجل ذلك، ولا يصح حمله أنه ﵇ أمرها بتأخير الصلاة إلى آخر وقتها، وتعجيل الثانية في أول وقتها؛ لأنا قد أفسدنا هذا السؤال في مسألة الجمع في السفر. فإن قيل: فأنتم تقولون بظاهر الخبر؛ لأنه لا يجوز لها الجمع. قيل: يجوز لها الجمع على الوجه الذي ورد [به] (٣) الخبر، وهو أن يجمع بينهما بغسل واحد، لا تختلف الرواية عن أحمد ﵀ في ذلك، واختلفت الرواية عنه في الجمع بينهما بوضوء واحد على

стр. 1112

روايتين: إحداهما: الجواز أيضًا، أومأ إليه في رواية المروذي (١): في المريض يجمع بين الصلاتين بوضوء واحد؟ إذا خاف، أخر الظهر، وقدم العصر، يقول: إذا خاف أن ينتقض وضوءه. فقد أطلق القول في رواية صالح (٢)، وابن منصور (٣): في المستحاضة إن اغتسلت، فهو أحوط، وإن جمعت بين الصلاتين، أجزأها (٤)، وإن توضأت لكل صلاة، أجزأها. وفيه رواية أخرى: لا يجوز الجمع بوضوء واحد، نص عليه في رواية عبد الله (٥): في المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، وإن صلت صلاتين بوضوء واحد، فلا. وقال أيضًا في رواية صالح (٢): تتوضأ لكل صلاة، ولا يعجبني أن تصلي بوضوء واحد صلاتين. فقد نص على أنها لا تجمع بين الصلاتين، وقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه (٧): في المستحاضة إن جمعت بين الصلاتين بغسل، فجائز، وإن اغتسلت، ثم توضأت لكل صلاة، أجزأها. وقال أيضًا في رواية حُبيش (٦) بن سنْدي (٧): إن اغتسلت لكل صلاة

стр. 1113

أحبُّ إليَّ، وإن قدمت وأخرت، واغتسلت لهما، أجزأها ذلك، وأدنى ما يجزئها من الغسل كل يوم غسل (١)، وتتوضأ لكل صلاة، فقد نص على جواز الجمع بغسل واحد، وكان الفرق بين الغسل والوضوء: أن مشقة الغسل أعظم، فجاز أن تؤثر الرخصة فيه؛ كالجبائر لما كانت أعظم مشقة من الخفين، مسح بغير توقيت، ويدل عليه: هو أنه عذر يبيح الفطر، فأباح الجمع؛ كالسفر، ولأنه يؤثر في أفعال الصلاة، وهو أنه يصلي جالسًا، فأباح الجمع؛ كالسفر. فإن قيل: فرق بينهما، وذلك أن المسافر يستفيد به فائدة، وهو إن جمع، أمن فوات الرفقة، وكذلك الجمع لأجل المطر يستفيد إسقاط أحد الخروجين إلى المسجد، فأما المريض، فإنه لا يستفيد بالجمع فائدة، بل ربما استفاد التفريق قوة؛ لأنه إذا وصل بين الصلاتين، شق عليه، وإذا فرق، استراح، ولهذا يجد من طال مشيه إذا استراح، أمكنه أن يمشي بقية سيره. قيل له: بل يستفيد به فائدة، وهو أنه من عادة المريض الانضجاع، فإنه إذا لم يجمع، تكرر انزعاجه وتكشفه، وإذا جمع، اقتصر على انزعاج

стр. 1114

واحد، وتكشفٍ واحد، وقد قال النبي ﷺ : "أفضل الصيام صيامُ أخي داود؛ كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا" (١)، فلولا أن بالتفريق تحصل المشقة، ما فضله النبي ﷺ من الصيام. فإن قيل: فقد نقل الأثرم قال: أخبرني عبد السلام بن أبي قتادة (٢): أنه سمع أبا عبد الله يقول: هذا عندي رخصة للمريض والمرضع (٣). فقد أجاز الجمعَ للمرضع، ولا ضرورة بها. قيل: بل عليها مشقة في التفريق؛ لأن الغالب من حال المرضع أن ثوبها لا يسلم من النجاسة، ففي غسله أو خلعه لكل صلاة مشقة. فإن قيل: نقل محمد بن موسى بن مشيش (٤): أنه قال: الجمع في الحضر إذا كان من ضرورة؛ مثل: مرض، أو شغل، فقد أجاز الجمع لأجل الشغل، وذلك ليس بعذر.

стр. 1115

قيل: أراد بالشغل: العذر الذي يجوز معه تركُ الجمعة والجماعات؛ من الخوف على نفسه، أو ماله. فإن قيل: فقد روى المروذي (١) عن أحمد ﵀: أنه احتجم في العسكر، ولم يشترط الحجام حتى غابت الشمس، فما فرغ وإلا والنجوم قد بدت، فبدأ أبو عبد الله بالعَشاء قبل صلاة المغرب، فما فرغ حتى دخل وقت عِشاء الآخرة، ثم توضأ وصلى المغرب والعشاء الآخرة في وقت إحداهما، فكيف أجاز تأخير الصلاة إلى وقت الثانية لأجل العَشاء؟ قيل: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه كان مسافرًا، ويحتمل أن يكون أنه خاف على نفسه إن أخّر العَشاء يمرض لأجل الحجامة السابقة. واحتج المخالف: بما تقدم من الفرق، وأنه لا يستفيد بالجمع فائدة، فلم يجز له. والجواب عنه: ما تقدم، وأن فيه تخفيفًا عن المريض من قلة الانزعاج والتكشف. واحتج: بأنه غير ممطور، ولا مسافر، فلم يجز له الجمع؛ دليله: المستحاضة، ومن به سلس البول. والجواب: أن في ذلك روايتين (٢):

стр. 1116

إحداهما: الجواز، فعلى هذا لا نسلم. والثانية: لا يجوز، فعلى هذا القياس يقتضي جواز الجمع في حقها لأجل المشقة، لكن تركناه للخبر، وهو قول النبي ﷺ : "توضأ لكل صلاة" (١)، ورُوي: "لوقت كل صلاة" (٢)، وعلى أن ذلك العذر أخف؛ لأنه لا يؤثر في الفطر، وهذا يؤثر فيه، وفي صفة الصلاة. واحتج: بأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أمر المريض بالجمع، ولو كان جائزًا، لأمره.

стр. 1117

والجواب: أنه يحتمل أن يكون أمره، ولم ينقل، ويحتمل أن يكون اقتصر على بيانه في السفر من طريق التنبيه، والله أعلم. * * * ١٤٢ - مَسْألَة: تجب الجمعة على من كان خارجَ مصرٍ في موضع يسمع النداء من البلد إذا كان المؤذن صَيِّتًا، والأصوات هادئة، والريح ساكنة، وذلك مثل أن يكون في قرية ليس فيها أربعون نفسًا: فقد نص على هذا في رواية صالح (١)، وإسحاق بن إبراهيم (٢)، فقال: تجب الجمعة على من يُسمع النداء، والنداء يُسمع من فرسخ. وقال أيضًا في رواية الأثرم (٣): تجب الجمعة على من سمع النداء من غير أهل المصر، فإن لم يسمع النداء، صلى جماعة بأذان وإقامة. فظاهر ما نقله صالح (١)، وابن منصور (٤): أنه محدود بفرسخ.

стр. 1118

وهو قول مالك ﵀ (١). وظاهر ما نقله الأثرم: أنه غير محدود، وهو قول الشافعي ﵀ (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: لا تجب الجمعة على أهل القرى، ولا على أهل الربض (٣) إذا كان بين المصر وبينه فرجة (٤). دليلنا: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهذا عام. وأيضًا: ما روى أبو بكر بإسناده عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة، إلا صبي أو امرأة أو مسافر أو عبد، ومن استغنى بلهو أو تجارة، استغنى الله عنه، والله غني حميد" (٥).

стр. 1119

وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن محمد بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة يوم الجمعة، إلا على مريض، أو امرأة، أو مملوك" (١). وروى أيضًا بإسناده عن تميم الداري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "الجمعة واجبة، إلا على صبي أو مريض، أو عبد أو مسافر" (٢). فمنه دليلان: أحدهما: من قوله ﵇: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة"، وقوله ﵇: "الجمعة واجبة"، وهذا عام في أهل المصر وغيره. والثاني: أنه استثنى، والمستثنى عام في أهل المصر والقرى، كذلك المستثنى منه يجب أن يكون عامًا. وروى أيضًا بإسناده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من آواه الليل إلى أهله، ......................................

стр. 1120

فليشهد الجمعة" (١). وروى أيضًا بإسناده عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "هل عسى أحدكم أن يتخذ الغنم على رأس ميل أو ميلين أو ثلاثة أميال من المدينة، فيأتي الجمعة، فلا يجمع، فيطبع الله على قلبه، فيكون من الغافلين" (٢). وروى أيضًا بإسناده عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر ﵃ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أهل ذي الحليفة! يا أهل العوالي! اشهدوا الجمعة مع رسول الله ﷺ " (٣).

стр. 1121

وروى أبو داود في سننه (١) قال: نا محمد بن يحيى بن فارس (٢) قال: نا قبيصة (٣) قال: نا سفيان عن محمد بن سعيد (٤)، عن أبي سلمة بن نُبيه (٥)، عن عبد الله بن عمرو (٦) ﵄، عن النبي ﷺ قال: "الجمعة على من يسمع النداء". فإن قيل: فقد قال أبو داود (٧): روى هذا الحديث جماعة عن سفيان

стр. 1122

مقصورًا على عبد الله بن عمرو (١) ﵄، ولم يذكروا النبي ﷺ ، قال أبو داود: وهو محمد بن سعيد الطائفي (٢). قيل له: هذا لا يوجب ضعف الحديث؛ لأن جماعة قطعوه، ومحمد بن سعيد وصله (٣)، ويكفي في ذلك أن يصله الواحد. وروى شيخنا في كتابه عن الحجاج عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵄، عن النبي ﷺ قال: "الجمعة على من كان يمد الصوت"، وهذه الأخبار دالة على ما ذكرنا. والقياس: الجمعة عبادة لها تحليل وتحريم، فلا يختص بها أهل المصر؛ دليله: الحج، ولأنها صلاة مفروضة، فلم يختص بها أهل المصر؛ دليله: الظهر، وكل موضع يبلغه النداء من غير عارض، جاز أن تجب الجمعة على من استوطنه؛ قياسًا على المريض، وقولنا: يبلغه النداء، احتراز: من القرية البعيدة التي لا يبلغها النداء، وقولنا: من غير عارض، احتراز: من القرية البعيدة من المصر إذا كانت في موضع عال يبلغها النداء؛ لعلوها؛ فإنه لا جمعة على أهلها؛ لأن هناك يبلغ النداء لعارض، وهو علوها، وقولنا: فجاز أن تجب الجمعة، احتراز: من

стр. 1123

النساء والصبيان؛ لأنهم لا يجب عليهم الجمعة؛ لأن التعليل للجواز، وقولنا: على من استوطنه، احتراز: من المسافر، ومن أهل البادية. فإن قيل: لا تأثير لسماع النداء في الأصل؛ لأن الربض يجب على ساكنه الجمعة، سمع أو لم يسمع. قيل له: الربَض من جملة المِصر، وكل موضع في المصر محلٌّ للنداء وإقامة الجمعة، فما من أحد فيه إلا وهو على صفة قد يسمع النداء، ولأن النداء أحدُ جهتي الاتصال، فتعلق به الوجوب؛ قياسًا على اتصال البناء، وقد دل على هذا الوصف: حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر" (١). احتج المخالف: بأن بينهما وبين المصر فُرجة، فوجب أن لا يجب على أهلها الجمعة؛ كما لو كانت على مسافة لا يسمع فيها النداء، وقالوا: لأنها ليست من جملة المصر، فلا يجب على أهلها الجمعة؛ كأهل البوادي. والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه عدم فيه جهتا الاتصال، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه قد وجد فيها إحدى جهتي الاتصال، وهو بلوغ النداء، فهو بمنزلة اتصال البناء. وقد قيل: إنه إذا لم يسمع النداء، فلم يلحقه شعار الجمعة، وهذا يلحقه شعار، فلهذا فرقنا بينهما.

стр. 1124

واحتج: بأن القرية التي يسمع فيها النداء كالتي لا يسمع فيها؛ بدليل: أنه لو نوى سفرًا تقصر فيه الصلاة، وانفصل عن المصر، جاز له أن يقصر قبل أن يخلف بنيان هذه، كما يجوز قبل أن يخلف بنيان تلك، ثم تقرر: أن التي لا يسمع فيها النداء لا يجب على أهلها الجمعة، كذلك التي يسمع فيها النداء. والجواب: أنه إنما كانا سواء في جواز القصر، ولم يكونا سواء في إيجاب الجمعة؛ لأن القصر يجوز إذا ترك بيوت المدينة وراء ظهره، وهذا المعنى يوجد في الموضعين، وقد قال أحمد ﵀ في رواية الميموني (١): إنما يقصر إذا خرج من البيوت، ولا يقصر (٢)، وكذلك نقل صالح (٣): يقصر ويفطر إذا فارق القرية، وعلى أن القرب والبعد معتبر في هذا المعنى؛ لأن أبا حنيفة ﵀ قد قال (٤): تجوز إقامة الجمعة في صحراء البلد إذا كانت بالقرب من البنيان، ولا يجوز مع البعد، فسقط هذا. واحتج: بأن كل قرية لم يلزم أهلَها السعيُ إذا لم يسمع النداء، لم يلزم وإن سمعت؛ دليله: إذا كان فيها أربعون نفسًا.

стр. 1125

والجواب: أنه إذا لم يسمع النداء، عدم فيها جهتا الاتصال، وبالسماع قد وجد أحد جهتي الاتصال، وأما إذا كانوا أربعين، فقد وجد عدد ينعقد بهم الجمعة، فلا حاجة بنا إلى حضورهم؛ لأنهم يمكنهم إقامتها في موضعهم، وجميع ما ذكرنا فهو دلالة على الإيجاب من غير تحديد، ومن قال: إنه محدود بثلاثة أميال، فوجهُه: ما تقدم (١) من حديث أبي هريرة ﵁: "عسى أحدكم أن يتخذ الغنم على رأس ميل أو ميلين أو ثلاثة"، ولأنه قد جرت العادة أن الأصوات إذا كانت ساكنة، والرياح معتدلة، والمؤذن صَيِّتًا، ولا مانع يمنع السماع، فإن الصوت ينتهي إلى ثلاثة أميال وما قاربها، والله تعالى أعلم. * * * ١٤٣ - مَسْألَة: تقام الجمعة في كل قرية يستوطنها أربعون رجلًا، أحرارًا، بالِغين، عاقلين، لا يظعنون عنها صيفًا ولا شتاء: نص على هذا في رواية الأثرم (٢)، وإبراهيم بن الحارث (٣)، فقال: يجمع من القرى إذا كانوا من الذين لا يجب عليهم أن يجمعوا في المصر كانوا في بُعد منهم، فإنهم يجمعون إذا كانوا أربعين. وكذلك نقل ابن
следующие страницы →