стр. 1121
← Фикх ханбали следующие страницы →
Фикх ханбали · id 127663
التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز
القاضي أبو يعلى ابن الفراء
Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1122
مقصورًا على عبد الله بن عمرو (١) ﵄، ولم يذكروا النبي ﷺ ، قال أبو داود: وهو محمد بن سعيد الطائفي (٢).
قيل له: هذا لا يوجب ضعف الحديث؛ لأن جماعة قطعوه، ومحمد بن سعيد وصله (٣)، ويكفي في ذلك أن يصله الواحد.
وروى شيخنا في كتابه عن الحجاج عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵄، عن النبي ﷺ قال: "الجمعة على من كان يمد الصوت"، وهذه الأخبار دالة على ما ذكرنا.
والقياس: الجمعة عبادة لها تحليل وتحريم، فلا يختص بها أهل المصر؛ دليله: الحج، ولأنها صلاة مفروضة، فلم يختص بها أهل المصر؛ دليله: الظهر، وكل موضع يبلغه النداء من غير عارض، جاز أن تجب الجمعة على من استوطنه؛ قياسًا على المريض، وقولنا: يبلغه النداء، احتراز: من القرية البعيدة التي لا يبلغها النداء، وقولنا: من غير عارض، احتراز: من القرية البعيدة من المصر إذا كانت في موضع عال يبلغها النداء؛ لعلوها؛ فإنه لا جمعة على أهلها؛ لأن هناك يبلغ النداء لعارض، وهو علوها، وقولنا: فجاز أن تجب الجمعة، احتراز: من
стр. 1123
النساء والصبيان؛ لأنهم لا يجب عليهم الجمعة؛ لأن التعليل للجواز، وقولنا: على من استوطنه، احتراز: من المسافر، ومن أهل البادية.
فإن قيل: لا تأثير لسماع النداء في الأصل؛ لأن الربض يجب على ساكنه الجمعة، سمع أو لم يسمع.
قيل له: الربَض من جملة المِصر، وكل موضع في المصر محلٌّ للنداء وإقامة الجمعة، فما من أحد فيه إلا وهو على صفة قد يسمع النداء، ولأن النداء أحدُ جهتي الاتصال، فتعلق به الوجوب؛ قياسًا على اتصال البناء، وقد دل على هذا الوصف: حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر" (١).
احتج المخالف: بأن بينهما وبين المصر فُرجة، فوجب أن لا يجب على أهلها الجمعة؛ كما لو كانت على مسافة لا يسمع فيها النداء، وقالوا: لأنها ليست من جملة المصر، فلا يجب على أهلها الجمعة؛ كأهل البوادي.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه عدم فيه جهتا الاتصال، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه قد وجد فيها إحدى جهتي الاتصال، وهو بلوغ النداء، فهو بمنزلة اتصال البناء.
وقد قيل: إنه إذا لم يسمع النداء، فلم يلحقه شعار الجمعة، وهذا يلحقه شعار، فلهذا فرقنا بينهما.
стр. 1124
واحتج: بأن القرية التي يسمع فيها النداء كالتي لا يسمع فيها؛ بدليل: أنه لو نوى سفرًا تقصر فيه الصلاة، وانفصل عن المصر، جاز له أن يقصر قبل أن يخلف بنيان هذه، كما يجوز قبل أن يخلف بنيان تلك، ثم تقرر: أن التي لا يسمع فيها النداء لا يجب على أهلها الجمعة، كذلك التي يسمع فيها النداء.
والجواب: أنه إنما كانا سواء في جواز القصر، ولم يكونا سواء في إيجاب الجمعة؛ لأن القصر يجوز إذا ترك بيوت المدينة وراء ظهره، وهذا المعنى يوجد في الموضعين، وقد قال أحمد ﵀ في رواية الميموني (١): إنما يقصر إذا خرج من البيوت، ولا يقصر (٢)، وكذلك نقل صالح (٣): يقصر ويفطر إذا فارق القرية، وعلى أن القرب والبعد معتبر في هذا المعنى؛ لأن أبا حنيفة ﵀ قد قال (٤): تجوز إقامة الجمعة في صحراء البلد إذا كانت بالقرب من البنيان، ولا يجوز مع البعد، فسقط هذا.
واحتج: بأن كل قرية لم يلزم أهلَها السعيُ إذا لم يسمع النداء، لم يلزم وإن سمعت؛ دليله: إذا كان فيها أربعون نفسًا.
стр. 1125
والجواب: أنه إذا لم يسمع النداء، عدم فيها جهتا الاتصال، وبالسماع قد وجد أحد جهتي الاتصال، وأما إذا كانوا أربعين، فقد وجد عدد ينعقد بهم الجمعة، فلا حاجة بنا إلى حضورهم؛ لأنهم يمكنهم إقامتها في موضعهم، وجميع ما ذكرنا فهو دلالة على الإيجاب من غير تحديد، ومن قال: إنه محدود بثلاثة أميال، فوجهُه: ما تقدم (١) من حديث أبي هريرة ﵁: "عسى أحدكم أن يتخذ الغنم على رأس ميل أو ميلين أو ثلاثة"، ولأنه قد جرت العادة أن الأصوات إذا كانت ساكنة، والرياح معتدلة، والمؤذن صَيِّتًا، ولا مانع يمنع السماع، فإن الصوت ينتهي إلى ثلاثة أميال وما قاربها، والله تعالى أعلم.
* * *
١٤٣ - مَسْألَة: تقام الجمعة في كل قرية يستوطنها أربعون رجلًا، أحرارًا، بالِغين، عاقلين، لا يظعنون عنها صيفًا ولا شتاء:
نص على هذا في رواية الأثرم (٢)، وإبراهيم بن الحارث (٣)، فقال: يجمع من القرى إذا كانوا من الذين لا يجب عليهم أن يجمعوا في المصر كانوا في بُعد منهم، فإنهم يجمعون إذا كانوا أربعين. وكذلك نقل ابن
стр. 1126
القاسم (١)، وقيل: ترى أن الجمعة تجب إذا كان أهل القرى أربعين رجلًا (٢).
وبهذا قال مالك (٣)، والشافعي ﵄ (٤).
وقال أبو حنيفة ﵀: لا تقام الجمعة إلا في الأمصار (٥).
دليلنا: ما تقدم (٦) من حديث محمد بن كعب عن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة يوم الجمعة"، وهذا عام في أهل القرى وغيرهم. وأيضًا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك (٧) - وكان قائدَ أبيه بعد ما ذهب بصرُه - عن أبيه كعب بن مالك ﵁: أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة، [ترحم
стр. 1127
стр. 1128
فإن قيل: أليس معناه: أن النبي ﷺ علم بذلك، فرضيه، وأقر عليه؟
قيل له: لا يجوز أن يكون فعلوها بغير أمر النبي ﷺ ؛ لأن الجمعة إحالة فرض كانوا عليه وبغيره.
فإن قيل: تلك قرية قريبة من المدينة، وحكمها حكم المصر من البلد، ويجوز إقامة الجمعة في مثلها.
قيل له: لو كانت في حكم المصر، لم يحتج إلى إقامة جمعة ثانية بالمدينة، وقد أقاموا بالمدينة الجمعة في دار سعد بن خيثمة، وعلى أن حرة بني بياضة بينها وبين المدينة بعد نحو نصف فرسخ أو أكثر، ومثل هذا لا يجوز إقامة الجمعة فيه عندهم.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي جمرة (١) عن ابن عباس ﵄ قال: أول جمعة جمّعت، بعد جمعة جمّعت بالمدينة: جمعة بالبحرين بجُوَاثى: قرية من قرى عبد القيس (٢).
فإن قيل: لم يثبت أن الذي أقامها ممن يحتج به.
стр. 1129
قيل له: قد قلنا: إن مثل هذا لا يفعلوه بآرائهم؛ لأنها إحالة فرض كانوا عليه.
فإن قيل: يحتمل أن يكون جُواثى كانت مصرًا، وسماها ابن عباس ﵄: قرية؛ لأن العرب كانت تسمي المصر: قرية، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، وأراد: مكة والطائف، وقال تعالى: ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧].
وروي: أن عليًا ﵁ مر بجماعة من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁ بالكوفة، وهم يتذاكرون (١) في العلم، فقال: هؤلاء سُرج هذه القرية؛ يعني: الكوفة (٢).
قيل له: المشهور في لسان العرب واستعمالها: أن القرية لا يعبر بها عن المصر، وان استعمل هذا الاسم، فهو جائز (٣) ونادر، والمشهور خلافُه، ويبين صحة هذا: أنه نسبها إلى عبد قيس في جملة قرى.
ولأنه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة ﵁: أنه كتب إلى عمر ﵁ يسأله عن الجمعة وهو بالبحرين؟ فكتب إليه عمر ﵁: أن
стр. 1130
جمّعوا حيثما كنتم (١). وقوله: حيثما كنتم تعم القرى والأمصار.
قال مهنا: سألت أحمد ﵀: أيما أعجبُ إليك قولُ علي ﵁: لا جمعة إلا في مصر (٢)، أو قول عمر ﵁؟ فقال أحمد ﵀: قول عمر هذا إسناد جيد عن عمر ﵁ (٣).
وروى أيضًا النجاد بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄: كان يمر بين طريق مكة والمدينة وهم يجمعون في تلك المنازل، فلا ينكر عليهم (٤).
فإن قيل: فهذا يعارضه ما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصرٍ جامعٍ" (٥).
стр. 1131
قيل له: هذا يرويه الأعمش عن سعد بن عبيدة (١)، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁، وقد قال: أحمد ﵀ في رواية صالح (٢): الأعمش لم يسمعه من سعد بن عبيدة، والمتصل أولى، على أن هذا محمول على القرى التي لا يبلغ فيها العدد، أو على القرى التي لا يُسمع فيها الصوت من البلد، ولا يبلغ العدد.
والقياس: أنه بناء متصل يستوطنه عدد ينعقد بهم الجمعة، فجاز أن يقيموها، أصلها: البلد، ولأنها إقامة عبادة، فاستوى فيها أهل القرى، والأمصار؛ كسائر العبادات.
فإن قيل: يقلبه، فيقول: وجب أن يستوي فيه أهل القرى المتصلة، والمنازل المتفرقة؛ دليله: ما ذكرت.
قيل له: سائر العبادات لا يعتبر فيها الاستيطان، وهذه يعتبر فيها الاستيطان، وهذا المعنى يحصل بالقرى المتصلة دون المتفرقة، وقد قال أحمد ﵀ في رواية ابن القاسم (٣): تجب الجمعة على من
стр. 1132
يسمع النداء، أو أهل قرية إذا كانت مجتمعة، وهذا يقتضي أن الاتصال شرط.
واحتج المخالف: بما روى علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع" (١).
والجواب: أن هذا الخبر موقوف على عليّ ﵁، وليس بمتصل عن النبي ﷺ ، هكذا ذكره ابن المنذر (٢)، وأبو بكر النجاد، وإذا كان موقوفًا على علي ﵁، فقد حكينا خلاف غيره من الصحابة ﵃ أجمعين -، فلم يلزم ذلك.
واحتج: بأنها لو كانت متفرقة الأبنية والمنازل، لم تقم بها الجمعة، كذلك إذا كانت مجتمعة؛ كما لو كان فيها أقل من أربعين رجلًا؛ لأنه لو كان فيها أقل من أربعين، لم يقم بها الجمعة، كذلك إذا كان فيها أربعون؛ كما لو كانت متفرقة الأبنية والمنازل.
والجواب: أن المعنى فيه إذا تفرقت الأبنية: أن العدد الذي ينعقد بهم الجمعة لم يجمعهم وطن، فلهذا لم تنعقد بهم الجمعة؛ كالبوادي، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه قد جمعهم وطن، وأما ما دون الأربعين، فالفرق بينه وبين الأربعين ما نذكره في مسألة العدد، على أنا لا نعرف عن أصحابنا رواية في التفريق، والصحيح: أنه إذا كان التفريق متقاربًا، جاز إقامة
стр. 1133
الجمعة فيها.
واحتج: بأنها ليست بمصر، فهي كالبوادي ومناهل (١) الأعراب.
والجواب: أن الأعراب لا جمعة عليهم كما ذكرت، وقد نص عليه أحمد ﵀ في رواية أبي النضر (٢) عنه: ليس على أهل البادية جمعة؛ لأنهم يتنقلون (٣). فعلى هذا المعنى فيهم أن الحلة ليست بدار مقام واستقرار؛ بدليل: أنهم لو خرجوا منها، حملوها مع نفوسهم، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن البناء دار مقام واستقرار؛ بدليل: أنهم لو خرجوا منها، لم يمكنهم نقلها مع نفوسهم، وعلى أن أصحاب أبي حنيفة (٤) ﵏ شرطوا الجامع والمنبر، وقد أمر النبي ﷺ بإقامة
стр. 1134
الجمعة بالمدينة قبل أن يهاجر إليها (١)، ولم يكن فيها جامع ولا منبر، وإنما عمل النبي ﷺ المنبر بعد مقامه بها بمدة (٢)، ولأن المعتبر بالمقام: الاستيطان، فإذا وجد البناء الذي يتخذ للمقام والاستيطان، فقد وجد الشرط، وليس لاعتبار الأسواق معنى، وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي داود (٣): أهل الرأي يقولون: الجمعة في الموضع الذي تقام فيه الحدود، وأي (٤) حَدّ كان يقام بالمدينة! قدمها مصعبُ بن عمير ﵁ وهم مختبئون في دار، فجمَّع بهم، وهم أربعون.
قال: وقوله: مصر جامع، يعني بالجامع: إذا كان الناس فيه يجتمعون.
стр. 1135
واحتج: بأن الجمعة لو وجبت على أهل السَّواد (١)، لفسقوا بتركها كأهل المصر.
والجواب: أنهم لم يفسقوا؛ لأنهم مختلَف في وجوب الجمعة عليهم، كما يقول أبو حنيفة ﵀: في المصر إذا كان فيه أربعة أنفس: إن الجمعة تجب عليهم، ولو تركوا، لم يفسقوا بتركها؛ لحصول الاختلاف في وجوبها، والله أعلم.
* * *
١٤٤ - مَسْألَة: يجوز لأهل المصر أن يقيموا الجمعة فيما قرب من المصر من الصحراء:
وقد قال أحمد ﵀ في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي (٢) - وسئل عن أمير العسكر والجيش هل يجمع بأصحابه يوم الجمعة؟ -: إذا كان في أربعين رجلًا، وهو مسافر، ويرجعون، فليس عليهم أن يجمعوا في قراهم. ظاهر هذا يقتضي: أنهم إذا جمعوا بهم في حال السفر، صحت الجمعة، والبنيان يقدم في حال السفر، وهذا محمول على أنه سفر لا تقصر فيه الصلاة، فلا يسقط فرض الجمعة عن العدد
стр. 1136
الذي تنعقد به الجمعة، فأما إن كان سفرًا يقصر فيه، لم يصح فيهم، وقوله: ليس عليهم إذا رجعوا أن يجمعوا في قراهم، معناه: إذا رجعوا من يومهم إلى وطنهم (١).
وقال في رواية جعفر بن محمد (٢) - وقد سئل عن مسجد جامع بُني على عشرة فراسخ من المدينة يجّمع فيه؟ -، قال: نعم. وقوله: يجمَّع فيه، يحتمل أن يكون أراد به: أهلَ المدينة إن تحملوا السير إليه، وصلَّوا فيه، صحت الجمعة، وهذا يدل على صحة الجمعة فيه، وإن بَعُد عن البنيان، ويحتمل أن يريد به: إذا كان حوله قرى، وهو أشبه بالتأويل؛ لأنه يَبْعُد أن يقصده أهل البلد، وهذا يقتضي جواز الصلاة فيه مع اتصاله بالبنيان وانفصاله، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٣).
وقال الشافعي ﵁: لا يجوز (٤).
دليلنا: أنها صلاة شُرع لها الاجتماع والخطبة، فوجب أن يجوز فعلها في البنيان، وما قرب من البناء؛ دليله: صلاة العيد، وقد نص على ذلك في رواية حنبل (٥)، فقال: الخروج إلى المصلى في العيدين أفضل،
стр. 1137
إلا ضعيفًا أو مريضًا، ولم يزل أبو عبد الله - يعني: أحمد ﵀ يأتي المصلى حتى ضَعُف، فكان يذهب إلى المسجد في المدينة، فيصلي مع الإمام ركعتين.
واحتج المخالف: أنه موضع خارج من المصر، أو موضع يجوز للمسافر من المصر أن يقصر الصلاة فيه، فلا يجوز لأهله إقامة الجمعة فيه، أصله: ما بَعُد من المصر.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار ما قرب من المصر بما بعد منه، ألا ترى أن صلاة العيد تجوز في البنيان، وما قرب من البناء في الصحراء، ولا تجوز فيما بعد؟
فإن قيل: هو - وإن كان في حكم المصر في صلاة العيد - فهو في حكم البعيد في جواز ابتداء القصر والفطر.
قيل له: هو - وإن كان في حكم البعيد في جواز القصر والفطر - فهو في حكم المصر في صلاة العيد.
فإن قيل: صلاة العيد غير محالة من غيرها بشرط البناء، فجاز فعلها في كل موضع، ولهذا يجوز للمسافر فعلها في سفره، والجمعة إحالة فرض من شرطها البناء، ولهذا لا يجوز فعلها في السفر، فإذا عدم البناء، لم يجز.
قيل: قولك: الجمعة إحالة فرض من شرطها البناء، لا نسلِّمه، بل من شرطها الاستيطان، وقولك: لا يجوز فعلها في السفر، غيرُ صحيح؛
стр. 1138
لأنه لو اجتاز المسافر ببلد، وأدرك فيه صلاة الجمعة، فصل ى، أجزأه عن ظهره، فلا فرق بينهما.
* فصل:
فإن كانت القرية متفرقة الأبنية تفريقًا متقاربًا، صح إقامة الجمعة فيها؛ خلافًا لأصحاب الشافعي ﵃ (١)؛ لأنه بناء متقارب، مستوطنه عدد تنعقد بهم الجمعة، أشبهَ المتصل، ولأن اسم الاتصال يجمعهم، فيقال: هؤلاء أهل قرية واحدة، ووطن واحد، وقد قال أحمد ﵀ في رواية ابن القاسم (٢) - وقد سئل عمن تجب عليه الجمعة؟ -، فقال: الذي يسمع النداء، وأهل القرية إذا كانت مجتمعة. معناه: إذا كانت متقاربة الاجتماع، تبين صحة هذا التأويل: ما ذكرناه في المسألة التي قبلها، وأنه يجوز إقامتها فيما قرب من المصر.
واحتج المخالف: بأن العدد الذي تنعقد بهم الجمعة لم يجمعهم وطن، فأشبه إذا كان تفريقًا متباعدًا.
والجواب: أنا لا نسلم أنه لم يجمعهم وطن؛ لأنا قد بينا أنه يقال: هؤلاء أهل قرية واحدة، ثم لا يجوز اعتبار المتباعد بالمتقارب؛ بدليل: صلاة العيد، والله أعلم.
* * *
стр. 1139
١٤٥ - مَسْألَة: لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلًا:
نص على هذا في رواية عبد الله، فقال (١): لا يجمّع حتى يكونوا أربعين رجلًا، وكذلك نقل الأثرم (٢)، وإبراهيم بن الحارث (٣)، فقال: إذا كانوا أربعين، واحتج: بحديث مصعب بن عمير ﵁: بعثه النبي ﷺ إلى أهل مكة (٤) يؤمهم الجمعة، وكانوا أربعين، فإذا كانوا أقل من أربعين، فلا أعرفه. وكذلك نقل الميموني عنه (٥): أنه للدلالة إذا كانوا أقل من أربعين، فقال: ليتهم (٦) يجمعون إذا كانوا أربعين.
وقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه عنه (٧): إذا كانوا في موضع واحد خمسين رجلًا، جمعوا الجمعة. فمن أصحابنا من خرجها على
стр. 1140
روايتين (١)، وقال: أقل العدد خمسون علي رواية بكر، والثانية: أقله أربعون، وهو المذهب.
وبه قال الشافعي ﵁ (٢).
ونقل أبو الحارث (٣) عن أحمد ﵀: في أهل القرى إذا كانوا ثلاثة، جمعوا إذا خطب بهم.
وقال أبو حنيفة ﵀: تنعقد الجمعة بثلاثة سوى الإمام (٤).
وقال أصحاب مالك ﵏: لا ينحصر ذلك بعدد، بل يعتبر عدد أنهم قرية، ويمكنهم الإقامة، ويكون بينهم الشراء والبيع، ومنعوا ذلك في الثلاثة والأربعة (٥).
وقال داود: تنعقد الجمعة بما تنعقد به الجماعة (٦).
دليلنا: ما روى أبو الحسن الدارقطني بإسناده (٧) عن جابر بن
стр. 1141
عبد الله ﵄ قال: مضت السنة أن في كل ثلاثة إمامًا (١)، وفي كل أربعين فما فوقه جمعة وأضحى وفطر، وقول الصحابي: من السنة، يقتضي: سنة النبي ﷺ .
وروى أحمد ﵀ في مسائل عبد الله (٢) قال: نا يحيى بن آدم (٣) قال: نا [ابن] (٤) إدريس (٥) عن محمد بن إسحاق (٦)، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف (٧)، عن أبيه أبي أمامة (٨)، عن عبد الرحمن
стр. 1142
ابن كعب بن مالك ﵁ قال: كنت أقود أبي كعبًا بعد ما ذهب بصره، فكان إذا سمع النداء يوم الجمعة، يصلي على أسعدَ بنِ زرارة، ويستغفر له، قال: فقلت له: يا أبه! لا أراك تسمع النداء يوم الجمعة إلا صليت على أبي أمامة (١)، واستغفرتَ له، قال: يا بني! إنه أولُ من جمَّع بنا بالمدينة في هزم نبيت (٢) في بقيع يقال له: الخَضِمات في حَرَّة بني بياضة، وقال: قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا (٣).
فوجه الدلالة من الخبر: أن هذه أول جمعة كانت جُمّعت في الإسلام، وكان فرضها نزل بمكة، وكان بالمدينة من المسلمين أربعة وأكثر ممن هاجر إليها من مكة، وممن أسلم بالمدينة، ثم لم يصلوا سنينًا كثيرة حتى كمل العدد، فدل على أنها لا تجب على أقل من هذا العدد.
والقياس: أن الأربعة عدد لا تنعقد بهم الجمعة في القرى، فلا تنعقد بهم الجمعة في المصر، أصله: الثلاثة.
وقيل: عدد مشروط في بعض الشهادات، فلا تنعقد بهم الجمعة؛ كالاثنين.
стр. 1143
وقيل: عدد مشروط لا تنعقد بهم الجمعة بغير إذن الإمام، فلم تنعقد بإذنه؛ دليله: ما ذكرنا.
وقيل: عدد لا تبنى لهم الأوطان غالبًا، فلا تنعقد بهم الجمعة؛ دليله: ما ذكرنا، ولا يمكن أن يقال: قد تبنى رباطات في الطرقات يستوطنها الثلاثة، والأربعة، والعشرة؛ لأن الرباط يبنى للمسافر، لا للمقيم فيه، ولأن الجمعة اشتراط فيها، فيجب أن يختص بانعقادها المستوطنون (١)، والأربعة لم تجر العادة باستيطانهم في بلد، فلم يكونوا من أهلها.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ : أنه بعث مصعب بن عمير إلى المدينة قبل أن يهاجر إليها، وأمره أن يقيم بها الجمعة، فأقامها في دار سعد بن خيثمة في اثني عشر رجلًا (٢)، فلو كان الأربعون شرطًا في انعقادها، لما جاز أن يقيمها باثني عشر رجلًا.
والجواب: أن المروذي ذكر في شرحه: أنه جمّع بهم، وكانوا أربعين (٣).
وقيل في جوابه أيضًا: ليس معناه: أن النبي ﷺ [علم] (٤) بذلك، فرضي به.
стр. 1144
واحتج: بما روى جابر بن عبد الله ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]: أن النبي ﷺ كان يخطب، فقدم عير من مصر، فانفض الناس إلى العير، وبقي مع النبي ﷺ اثنا عشر رجلًا (١)، ولم ينقل أنهم رجعوا، ولو رجعوا، لنقل، ومعلوم أن النبي ﷺ لم يترك الجمعة ذلك الوقت، وصلى بهم، فدل على سقوط الأربعين.
والجواب: أن أبا الحسن الدارقطني روى بإسناده في كتابه (٢) عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: بينما رسول الله ﷺ يخطبنا يوم الجمعة، إذ أقبلت عير تحمل الطعام، حتى نزلوا بالبقيع، فالتفتوا إليها، فانفضوا إليها، وتركوا رسول الله ﷺ ليس معه إلا [أربعون] (٣) رجلًا أنا فيهم، قال: وأنزل الله على النبي ﷺ : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، فتعارضت
стр. 1145
الروايتان (١)، فسقطتا، أو تُقَدَّم روايتنا؛ لأن معنا زيادة، وعلى أنه يحتمل أنهم يكونون (٢) رجعوا إليه، وصلّوا (٣) الجمعة بالجميع، وإنما لم يذكره جابر؛ لأن قصده: بيانُ الانفضاض وسننه، دون ذكر الجمعة وشرائطها.
واحتج: بأنه عدد يزيد على أقل الجمع الصحيح، فجاز أن تنعقد بهم الجمعة؛ قياسًا على الأربعين.
والجواب: أن هذا إثبات تقدير، ولا يجوز مثل ذلك عندهم بالقياس، وإنما يجوز بالتوقيف أو الاتفاق، وليس في ذلك توقيف ولا اتفاق، وعلى أن ما زاد على الجمع المطلق في حكم الجمع المطلق في باب الجماعة، ألا ترى أن الإمام مع الاثنين يتقدمهما، ويصفان خلفه، كما إذا كان مع الثلاثة يتقدمهم ويصفون خلفه؟ ثم ثبت أن الجمع المطلق لا تنعقد بهم الجمعة، فعلم أنه لا اعتبار (٤) بالجمع في ذلك.
واحتج: بأنه عدد لا يعتبر في غير الجمعة، فلا يعتبر في الجمعة؛ دليله: الثلاثون، ولا يلزم عليه الأربعة؛ لأنه يعتبر في حد الزنا.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يعتبر في الجمعة ما لا يعتبر في غيرها،
стр. 1146
ألا ترى أنه يعتبر فيها الخطبة، ولا يعتبر ذلك في صحة غيرها؟ على أن الأربعين قد جُعلت حدًا (١) عند أبي حنيفة ﵀ (٢)، فما زاد على المئتي درهم إذا بلغت أربعين، وجب فيها درهم، وما نقص عنها، لا يجب، وجُعل مدة (٣)، وجُعل حدًا للعبيد في الشرب، وجُعل نصابًا للغنم بإجماع (٤)، وقال النبي ﷺ : "ما من ميت يصلِّي عليه أربعون رجلًا إلا شفعوا فيه" (٥).
* * *
١٤٦ - مَسْألَة: لا تصح الخطبة إلا بحضور (٦) عدد تنعقد بهم الجمعة:
ذكر أبو بكر في كتاب الشافي، فقال: لا أعلم عن أبي عبد الله خلافًا إن لم يتم العدد في الصلاة أو الخطبة: أنهم يعيدون الصلاة (٧).
стр. 1147
وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن إبراهيم (١) - وقد سئل عن حضور الخطبة يوم العيد؟ -، فقال: ينتظر حتى يفرغ الإمام من الخطبة، أرأيت لو ذهب الناس كلهم، على من كان يخطب؟ فاعتبر حضورهم في خطبة العيد.
وهو قول الشافعي ﵀ (٢)، وبه قال ابن القصار (٣)، وابن نصر المالكي (٤)؛ تخريجًا على مذهب مالك ﵀ (٥).
وقال أبو حنيفة ﵀ في إحدى الروايتين: يصلي منفردًا (٦).
стр. 1148
دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، والذكر بعد النداء هو: الخطبة.
فإن قيل: فما ينكر أن يكون المراد به: الصلاة؟
قيل له: الصلاة لا تسمى ذكرًا لله تعالى.
فإن قيل: فيها (١) ذكر الله، وهو التكبير، كما أن الخطبة فيها ذكر رسول الله ﷺ ، والوعظ والتذكير، وليس جميع ذلك ذكر [اً] لله تعالى.
قيل له: الخطبة كلها ذكر، وإضافتها إلى الله تعالى إضافة الآمر بها؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وأراد به: الوجه المأمور بالتوجه إليه، وليس كذلك الصلاة؛ فإنها ليست بذكر، وإنما هي أفعال وأذكار.
فإن قيل: ﴿فَاسْعَوْا﴾ خطابٌ للجميع، ولا يجب على الجميع حضورُها (٢)، وإنما يجب على العدد الذي تصح بهم الخطبة.
قيل له: الأمر متعلق بالجميع، إلا أن يقوم دليل علي جواز حضورها من تحصل به الإقامة.
стр. 1149
فإن قيل: قد أجمعوا على أن السعي إلى صلاة الجمعة واجب بهذه الآية، فإذا حملتم الآية على الخطبة، خرجت عن أن يكون دلالة على حضور صلاة الجمعة.
قيل له: إذا دلت الآية على وجوب السعي إلى الخطبة، كان فيها دلالة على وجوب السعي إلى الصلاة؛ لأن الخطبة تراد للصلاة، ولأن الخطبة أقيمت مقام الركعتين؛ بدليل: أنه إذا لم يخطب، صلى ظهرًا أربعًا، وإذا كانتا (١) كالركعتين، ثم [إذا] ثبت أن العدد شرط في الركعتين، وجب أن يكون شرطًا في الخطبتين، ولأن الخطبتين كصلاة الجمعة؛ بدليل: أن الوقت شرط فيها كالركعتين، ثم العدد شرط في الركعتين، كذلك الخطبتان، ولأن الخطبة ذكرٌ جُعل شرطًا في صحة الجمعة، فلا تصح إلا بحضور (٢) العدد والمشروط فيها، أصله: تكبيرة الإحرام.
فإن قيل: تبطل بالشهادتين، هي ذكر جُعل شرطًا في صحة الجمعة، وتصح من غير حضور العدد.
قيل له: لا تبطل؛ لأن الشرط هو الإيمان، وهو اعتقاد القلب (٣)، وليس ذلك بذكر، والشهادتان إخبار عما في القلب من الاعتقاد، فلم
стр. 1150
يلزم ما ذكرت.
فإن قيل: تكبيرة الإحرام من الصلاة، وليست بشرط فيها.
قيل له: تكبيرة الإحرام ليست من الصلاة عندك، فلا معنى لهذا، وأما على أصلنا: فهي منها، وشرط في صحتها؛ كالقراءة هي منها، وشرط في صحتها.
فإن قيل: تكبيرة الافتتاح متصلة بالجمعة، فاعتبر فيها العدد الذي يعتبر في الجمعة، والخطبة منفصلة عنها، فلم يعتبر فيها العدد، كما لا يعتبر في الأذان والإقامة.
قيل له: الركعة الثانية لا يعتبر أبو حنيفة ﵀ فيها العدد (١)، وهي متصلة بالجمعة، وهي شرطها، فإذا صلى الإمام بهم ركعة، ثم انفضوا عنه، جاز له أن يصلي أخرى منفردًا، وأما الأذان والإقامة، فليسا بشرط، وتصح الجمعة مع تركهما، وليس كذلك الخطبتان، فإنهما شرطان، ولأن الخطبة خطاب، فاقتضى حضور المخاطب، والأذان والإقامة إعلام، فلم يقتضيا حضور المعلَمين؛ لأن إعلام، الغائب صحيح، وخطاب الغائب لا يصح.
واحتج المخالف: بأنه ذكر يتقدم الصلاة للصلاة، فأشبه الأذان والإقامة.
والجواب عنه: ما تقدم.
* * *
стр. 1151
١٤٧ - مَسْألَة إذا تفرق (١) العدد قبل فراغ الإمام من الجمعة، فلم يبق معه أحد، أو بقي معه أقل من العدد المعتبر فيها، لم يجز أن يصليها جمعة، واستقبل الظهر:
نص عليه في رواية عبد الله (٢) - وقيل له: إن بعض الناس يقول: إذا كان الإمام يصلي بهم، فذهبوا، وبقي وحده، أو معه واحد -، أنه يصلي جمعة؟ -، فقال: سبحان الله! ما أعجب هذا! يجمع برجل واحد، لا يجمع حتى يكونوا أربعين رجلًا. قال أبو بكر (٣): لا أعلم عن أبي عبد الله خلافًا إن لم يتم العدد في الصلاة أو الخطبة: أنهم يعيدون الصلاة؛ لأن انتهاءها في هذا الوقت كابتدائها.
وقال أبو حنيفة ﵀: إن تفرقوا قبل أن يعقد الركعة بسجدة، استقبل الظهر أربعًا، وإن تفرقوا بعد أن عقدها بسجدة، بنى عليها (٤).
وقال مالك ﵀: إن تفرقوا بعد أن يعقد الأولى بسجدتين، استقبل الظهر، ..................................
стр. 1152
وإن تفرقوا بعد أن عقدها بسجدتين، بنى عليها (١).
واختلف قول الشافعي ﵁ (٢): فله في الجديد قولان (٣): أحدهما - وهو المشهور -: بمثل قولنا، والثاني: إن بقي معه اثنان، صلاها جمعة، وإن بقي واحد، أو وحده، صلاها ظهرًا. وقال في القديم قولًا ثالثًا: إن بقي معه [واحد] (٤)، صلاها جمعة، وإن بقي وحده، صلاها ظهرًا.
دليلنا: أنه شرط يختص الجمعة، فوجب أن يكون شرطًا في الابتداء والاستدامة؛ دليله: الذكورية، والحرية، ولا يلزم عليه الوقت؛ لأنه لا يختص الجمعة؛ لأنه معتبر في سائر الصلوات، ولأنهم تفرقوا عنه قبل فراغه من صلاة الجمعة، فيجب أن يمنع ذلك من صحتها؛ دليله: إذا تفرقوا قبل أن يعقد الركعة بسجدة أو سجدتين، وكل معنى وجب أن يصحب الركعة الأولى من أصل الجمعة وجب أن يصحب الركعة الثانية من أصل الجمعة؛ دليله: الستارة، والطهارة، ونحو ذلك من الشرائط، ولا يلزم عليه الوقت أنه ليس بشرط في الركعة الثانية؛ لأنه ليس بشرط في الركعة الأولى، وإنما يشرط في التحريمة، ونحن قلنا: كل معنى وجب أن يصحب الركعة الأولى، وقولنا: من أصل الجمعة؛ احتراز:
стр. 1153
من المسبوق إذا انفرد بالقضاء؛ لأن أصل الجمعة هي التي صلاها الناس غيرَ المسبوق.
فإن قيل: الطهارة والستارة وجودها شرط في جميع صلاة المأموم، ومشاركة الإمام في جميعها ليست بشرط؛ بدليل: المسبوق إذا قام يقضي، كذلك لا يمتنع أن تكون الطهارة والستارة في جميع صلاة الإمام شرطًا في صحتها، ولا يكون مشاركة المأموم له في جميعها شرطًا.
قيل له: إنما لم يكن العدد شرطًا في جميع صلاة المأموم، [فإنه] (١) يبني على جمعة تمت وكملت شرائطها، وليس كذلك الإمام؛ فإنه يبني ركعة على ركعة واحدة، وهي شرط الجمعة، فافترقا، وتبين صحة هذا الفرق بينهما: أن عندهم: أن المسبوق إذا أدرك جزءًا من الصلاة، ثم سلم الإمام، بقي عليه ركعتان منفردًا، والإمام لا يدرك الجمعة بإدراك جزء منها مع العذر، وهو إذا انفضوا عنه في الركعة الأولى، فدل على الفرق بينهما.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصلِّ إليها أخرى" (٢).
стр. 1154
والجواب: أنه محمول علي المسبوق؛ بدليل ما ذكرنا.
واحتج: بأن الاشتراك إذا وجد في إحدى الركعتين، تعلق به إدراك الجمعة؛ كالمأموم المسبوق.
والجواب عنه: ما تقدم، فلا وجه لإعادته.
واحتج: بأن الوقت شرط، كما أن العدد شرط، ثم ثبت أنه لو أحرم بالصلاة لجمعة، فخرج وقتها، فإنه يبني عليها جمعة، كذلك في باب العدد.
والجواب: أن هذا على أصل المخالف لا يصح؛ لأن عنده: أن الجمعة تبطل بخروج وقتها، فيجب أن يقول مثله في العدد، وأما على أصلنا، فلأنه ليس بشرط في الركعة الأولى، وإنما هو شرط في التحريمة، والعدد شرط في الأولى، فكان شرطًا في الثانية.
واحتج: بأنه إذا صلى الإمام الجمعة صلاة الخوف، فصلى بالطائفة الأولى ركعة، فارقته فعلًا وحكمًا، وبقي وحده، كان له أن يتمها جمعة مع الطائفة الثانية، كذلك ها هنا.
والجواب: أن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن له عذر [اً]
стр. 1155
في الانفضاض عنه في صلاة الخوف، فلهذا كان له أن يصلي الجمعة، ولا عذر لهم في مسألتنا، فهذا لم يكن له أن يصلي جمعة.
والثاني: إذا انفضوا في مسألة الخوف، فهو يتوقع من يجيء فيصلي معه الركعة الثانية، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه لا يتوقع غير من كان معه أن يصلي بهم.
واحتج: بأن الإمام لا يمكنه أن يحترز عن انفضاضهم بعد الإحرام، فوجب أن يكون معفو [اً] عنه.
والجواب: أنه في الابتداء أيضًا لا يمكنه الاحتراز قبل الدخول في الصلاة، ومع هذا، فوجوده شرط، وعلي أنا لا نوجب عليه جمعهم، وإنما يقال له: صلِّها (١) ظهرًا.
واحتج: بأن النية شرط في الابتداء دون الاستدامة، كذلك العدد.
والجواب: أن استصحاب النية شرط في الابتداء والاستدامة، وإنما لا يجب استدامة ذكرها، والله أعلم.
* * *
١٤٨ - مَسْألَة: إذا زُحم المأموم في السجود، فلم يتمكن من السجود على الأرض، وتمكن من السجود علي ظهر إنسان، لزمه ذلك:
стр. 1156
نص عليه في رواية صالح (١)، وأبي الحارث (٢)، وأبي طالب (١)، وهو قول الشافعي ﵁ (٣).
وقال مالك ﵀: لا يسجد، فإن سجد، أعاد (٤).
دليلنا: إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -:
روي أبو بكر النجاد بإسناده عن القاسم (٥) قال: قال عمر ﵁: إني أراكم قد كثرتم في الجمعة، أو الجمع، أو المسجد، فليسجدِ الرجل على ظهر أخيه (٦)، ........................................
стр. 1157
وفي لفظ آخر (١) رواه عن سيار بن معرور (٢) قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يخطب فقال: أيها الناس! إن هذا المسجد بناه رسول الله ﷺ ، ونحن معه المهاجرون والأنصار ﵃، فإن لم يجد أحدكم مكانًا، فليسجد علي ظهر أخيه، ورآهم يصلون في الظهيرة (٣).
فوجه الدلالة: أنه قال هذا بجمع من الصحابة، وخاطبهم بذلك، فلم يظهر عن أحد منهم النكير، فدل على إجماعهم.
ولأنه قادر على متابعة إمامه في السجود، فلزمه ذلك؛ كما لو قدر علي السجود على الأرض، تبين صحة هذا: أنه ليس فيه أكثر من أن موضع السجود أعلى من موضع قدميه، وهذا لا يمنع؛ كما لو سجد
стр. 1158
على نشز (١) من الأرض في حال الاختيار، ولأنه لو عجز عن السجود على الأرض لمرض، سجد على حسب الإمكان، وهو أن يومئ أكثر ما يقدر عليه، كذلك سجوده على ظهر غيره هو أكثر ما يقدر عليه.
فإن قيل: المرض لا يعلم متى يزول عذره، وهذا يعلم متى يزول عذره.
قيل: المتيمم لو كان يعلم أنه يجد الماء عن قرب بعدَ صلاته بالتيمم، جاز له أن يصلي بالتيمم، وإن علم زوال عذره.
واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ قال: "جُعلت لي الأرض مسجدًا" (٢)، فامتنع جواز السجود على غيرها، وقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣)، والنبي ﷺ لم يسجد على ظهر غيره.
والجواب: أن البهيمة إذا كانت طاهرة، ولم يمكن السجود على الأرض، جاز له السجود عليها.
واحتج: بأن ما لم يكن محلًا للسجود في غير الزحام، لم يكن محلًا في الزحام؛ دليله: الإيماء.
والجواب: أنه إنما لم يجز له الإيماء؛ لأنه يمكنه زيادة عليه، فلهذا لم يجز له الإيماء، وإذا سجد على ظهر غيره، فليس يمكنه
стр. 1159
الزيادة على ذلك، والله أعلم.
* * *
١٤٩ - مَسْألَة: إذا ركع مع الإمام، ثم زحمه الناس، فلم يقدر علي السجود حتى سجد الإمام، وقام إلى الركعة الثانية، ثم زال الزحام، والإمام قائم في الركعة الثانية، فإنه يشتغل بقضاء السجدة التي فاتته من الركعة الأولى، وإن كان راكعًا، تابع الإمام في الركوع، ولم يتشاغل بالقضاء:
أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية أبي طالب (١)، فقال: في الرجل يكبر مع الإمام يوم الجمعة، فإن لم يقدر [أن] يسجد على الأرض، يسجد على ظهر رجل، فإن لم يقدر أن يركع ويسجد، يتبعه يركع ويسجد، هو أجود، قيل له: بعد ما يقوم الإمام؟ قال: نعم. فقد أجاز القضاء بعد ما يقوم إلى الثانية، قال أبو بكر في كتاب الشافي: إذا أتى بما سبقه الإمام به يوم الجمعة بعده، وقيل: إن يركع، فلا بأس.
وروى أحمد بن القاسم عنه (٢): في الرجل يصلي خلف الإمام
стр. 1160
ركعة؟ يجعلها كأنها فائتة يقضيها إذا فرغ. وظاهر هذا: أنه لا يتشاغل بالقضاء في الركعة الثانية؛ لأنه قال: يقضي إذا فرغ، وكذلك نقل المروذي عنه (١): إذا ركع الإمام ورفع قبل أن يركع الرجل، لم يعتد بتلك الركعة، قيل له: فما تقول إن أصابه هذا في الجمعة؟ فقال: الجمعة غير هذا.
وكذلك نقل المروذي عنه أيضًا (٢): إذا سجد الإمام، ورفع رأسه، فإن كانت (٣) سجدة واحدة، تبعه إذا رفع رأسه، وإن كانت (٣) السجدتان، لم يعتد بتلك الركعة. وظاهر هذا: أنه لا يتشاغل بقضاء ما فاته معه من الركوع والسجود، بل يتبعه، فإذا فرغ الإمام من صلاته، قضى ما فاته، والرواية الأولى أصح، وأنه يتشاغل بالقضاء ما لم يركع الركعة الثانية، وهو قول مالك ﵀ (٤).
وقال أبو حنيفة: يبدأ بما فاته، ولا يتبع الإمام في الركعة الثانية، إلا بعد أن يقضي، سواء أدرك معه الركوع في الثانية، أو لم يدرك (٥).
وللشافعي ﵁ قولان (٦): أحدهما: مثل الرواية الأولى، والثاني: