← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لغيره، فقد تكلم في الصلاة، فوجب أن تفسد صلاته. والجواب: أن هذا النوع من الكلام لا يدخل في هذا الخبر، ألا ترى [أنه] إذا لم يقصد به إفهام الآدمي، لا تبطل الصلاة؟ واحتج: بأنه إذا أُخبر بما يسره، فقال: الحمد لله، فقد قصد الجواب، فصار من كلام الناس، فتفسد صلاته، ألا ترى أنه لو سلم عليه إنسان، فرد عليه، أو شمَّت عاطسًا، فسدت صلاته؟ والجواب: أن السلام، وردّه، وتشميت العاطس، موضوع لمخاطبة الآدمي، ابتداءً وجوابًا، فجرى مجرى سائر مخاطبة الآدميين، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ فإنه ثناء على الله تعالى، أو تلاوة القرآن، وكل ذلك لا يبطل الصلاة، فإذا اقترن به إفهام الآدمي، وتنبيهه به، لم تبطل صلاته، كما تقول في التنبيه بالإشارة، وتنبيه الإمام على سهوه بالتسبيح، وتنبيه المار بين يديه، وتلقين الإمام إذا أشكلت عليه القراءة. واحتج: بأنه قصد خطاب غيره، لا لإصلاح صلاته، فوجب أن يُفْسِد صلاته، كما لو قال: قم أو اقعد، وكما لو كتب كتابًا لفتى اسمه يحيى، وافتتح الصلاة، فجاء الفتى لطلب الكتاب، فقال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، وكذلك إذا قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، أو قال: ﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]، أو قال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]، وقصد بذلك كله خطاب الغير، ولا يلزم عليه إذا سبح بالإمام، أو بالمار بين يديه، أو فتح على الإمام؛ لأن فيه إصلاح صلاته.

стр. 107

والجواب: أنه منتقض بالمكبِّر إذا رفع صوته بالتكبير لإعلام المأمومين؛ فإنه قصد خطاب غيره، لا لإصلاح صلاته، ولا تبطل صلاته، وعلى أنه لا تأثير لقوله: قصد خطاب غيره، لا لإصلاح صلاته، في الأصل؛ لأنه إذا كلمه بالكلام الموضوع للإعلام، بطلت صلاته، سواء كان لإصلاح صلاته؛ مثل قوله: قم، أو اقعد، أو لم يكن لإصلاح. ثم المعنى في ذلك: أنه يبطل صلاته إذا لم يكن يقصد التنبيه والإعلام، كذلك إذا قصد به، أو نقول: المعنى في ذلك أنه غير مشروع، ولا ملائم لها، وهذا مشروع ملائم. وأما إذا قال لفتى اسمه يحيى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢]، فإنه إذا قصد بذلك قراءة القرآن، لم يُبْطل صلاته؛ لأن مثل هذا يختلف بالقصد والنية، فإذا نوى به قراءة القرآن، كان قرآنًا، وإذا لم يقصد به قراءة القرآن، لم يلزمه، وأبطل الصلاة، ألا ترى أن الجنب إذا قال ذلك وهو لا يقصد به قراءة القرآن لم يكن عاصيًا؟ وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية (١). فإن قيل: فإذا عملت (٢) ها هنا بالقصد والنية، وجب أن يعمل به في مسألتنا.

стр. 108

فنقول: إذا قصد خطاب الآدمي وإفهامه، صار من جنس خطاب الآدميين، وأبطل الصلاة، وإذا لم يقصد به خطاب الآدميين، كان من جنس الأذكار، فلا تبطل. قيل له: لو كان كذلك، لوجب أن يُبطل صلاة المكبرين، وصلاة المنبه للإمام على سهوه، وصلاة الدافع للمار بين يديه، وهذا لا يقوله أحد، على أن الذكر الذي يجوز التنبيه به على ضربين: ضرب من جنس الأذكار؛ مثل: التسبيح، والتهليل. وضرب مشترك بين كلام الآدميين، وبين القرآن؛ مثل قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، و ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، و ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، و ﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]، و ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]، و ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، و ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨]. وأما التسبيح، والتكبير، والتهليل، فلا يخرج بقصد التنبيه به عن جنسه؛ لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا (١). وإنما يستدل على قصد المصلي بذكره بدلالة الحال، دون ما يقتضيه لفظه وحروفه، كما يستدل بالإشارة والتصفيق على التنبيه، وإذا كان كذلك، لم يجز أن يقال: إنه بالقصد صار من جنس كلام الآدميين، وأما

стр. 109

اللفظ [الذي] يصلح للقرآن ولكلام الآدميين، فإنه إذا قصد به تلاوة القرآن، كان من القرآن بقصده، ولم يضره معاودة التنبيه إياه، كما يضر المكبرين إذا قصدوا تنبيه المأمومين بالتكبير. وإن لم يقصدوا تلاوة القرآن، كان من كلام الآدميين، فبطلت الصلاة، وإنما اعتبرت النية في ذلك؛ لأن اللفظ مشترك يصلح للقرآن ولكلام الآدميين، ويفهم المخاطب معناه من لفظه. * * * ٦ - مَسْألَة: إذا ناب المرأةَ شيء في صلاتها، فإنها تصفق، ويكره لها التسبيح: نص عليه في رواية صالح (١)، وابن منصور (٢)، وأبي طالب (٣)، وقد

стр. 110

سئل عن التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، فقال: إي، والله. وقال مالك ﵀: هي كالرجل في التسبيح (١). دليلنا: ما تقدم (٢) من حديث سهل ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إذا نابكم شيء في الصلاة، فليسبِّحِ الرجال، وليصفِّقِ النساء". فلما فرق بينهما، دل على أنه يُكره لها التسبيح. ولأن من سنة صلاة المرأة تركَ الجهر بالقراءة فيما يُجهَر به من الصلوات، وترك الجهر بالأذان والتكبير؛ لما فيه من خوف الفتنة بها، وهذا المعنى موجود في رفع الصوت بالتكبير (٣)، فلم يستحب ذلك في حقها، وأقيم التصفيق مقامه. واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، والتصدية: هي التصفيق (٤).

стр. 111

والجواب: أنه قد قيل: إن المكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق (١)، وإنما كانوا يقيمون ذلك مقام صلاتهم التي هي الدعاء والتسبيح، فعلى هذا ليس فيه دلالة على النهي عن فعله في الصلاة. وقيل: إنهم كانوا يفعلون ذلك في صلاتهم، فعلى هذا: ليس المراد به: تصفيق النساء لنائبة تنوب في الصلاة، وإنما كانوا يفعلون ذلك أبدًا تقربًا، فلا حجة فيه على موضع الخلاف. واحتج: بأن هذا فعل منهي عنه في حق الرجل، فكان منهيًا عنه في حق المرأة. دليله: المسيء (٢)، وغيره. والجواب: أن التجافي في الركوع، والسجود، والتورك، والافتراش، مستحب في حق الرجل، وتركه غير مستحب، ومع هذا، فهو غير مستحب في حقها. واحتج: بأن التسبيح مسنون في حق الرجل، فكان مسنونًا في حق المرأة كسائر الأذكار.

стр. 112

والجواب: أن الجهر بالقراءة، والتكبير، والأذان، مسنون في حق الرجل، وغير مسنون في حق المرأة، كذلك في مسألتنا. * * * ٧ - مَسْألَة: ستر العورة شرط في صحة الصلاة في حق الرجل والمرأة: نص عليه في رواية مهنا: في الرجل يصلي في ثوب ليس بصفيق (١)، فإن بدت عورته، يعيد (٢)، وبهذا قال أبو حنيفة (٣)، والشافعي (٤)، وداود (٥). وأصحاب مالك ﵏ فمنهم من قال: ستر العورة شرط

стр. 113

في صحة الصلاة مع الذكر، وليس بشرط مع السهو. ومنهم من قال: هو واجب مفروض، إلا أنه ليس من شرط صحتها، فإن صلى مكشوف العورة عامدًا، كان عاصيًا، وسقط الفرض (١). دليلنا: قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، قيل: اللباس في الصلاة (٢). وأيضًا قوله ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي" (٣) وقد صلى مستترًا. وروى إسماعيل بن سعيد الشالنجي بإسناده عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! إني رجل أصيد، أفأُصلي (٤) في قميص واحد؟ قال: "فزرَّه ولو بشوكة" (٥). فلو لم يكن الستر واجبًا، لما أمره بأن يزره. وروى أيضًا بإسناده عن يحيى بن جابر الطائي ﵁ قال: قال

стр. 114

رسول الله ﷺ : "أَيُّما امرأةٍ صلَّت باديةً أذنُها، فلا صلاة لها" (١). وروت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "لا يقبل الله صلاةَ حائضٍ إلا بخِمار" ذكرها أبو داود في كتابه بإسناده (٢). واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا يقبل الله صلاة أحد حتى يتوضأ كما أمره الله" إلى أن قال: "ثم يستقبل القبلةَ، فُيُكَبِّر" (٣).

стр. 115

فأخبر عما يتم الصلاة به، ولم يذكر ستر العورة، فدل على أنها غير واجبة. والجواب: أنه قد بين حكم الستارة في خبر آخر، وهو ما ذكرناه، والأخذ بالزائد أولى. واحتج: بأن ستر العورة لا يختص وجوبه بالصلاة؛ لأنه يلزم سترها في غيرها، ولو كان من شرطها، لاختصها كما يختص سائر فرائضها. والجواب: أن ترك الأكل، والشرب، والجماع، يجب في غير الصلاة، وهو الصيام، ويجب في الصلاة، كذلك الستر لا يمتنع أن يجب في غير الصلاة، ويجب في الصلاة. واحتج: بأن الستارة لو كانت واجبة، لكان بدلٌ يقوم مقامها عند العجز عنها؛ كالوضوء، ولما لم يكن لها بدل، دل على أنها غير واجب. والجواب: أنه يبطل بالتيمم، هو واجب، وليس ببدلٍ، وعلى أنه لا يجوز أن يستدل بسقوط الفرع على سقوط الأصل. والله أعلم. * * *

стр. 116

٨ - مَسْألَة واختلفت (١) الرواية في حد عورة الرجل على روايتين: إحداهما: حدُّها من السُّرَّة (٢) إلى الركبة: نص عليه في رواية المروذي (٣)، فقال: العورة من أسفل السرة إلى فوق الركبة، وكذلك نقل عبد الله (٤) ﵀ عنه: الفخذ عورة، فإن صلى وفخذُه مكشوفة، أخشى أن يجب عليه أن يعيد، وبهذا قال أبو

стр. 117

حنيفة (١)، ومالك (٢)، والشافعي (٣) ﵃. والثانية: العورة هي القُبُل والدُّبُر: نص على ذلك في رواية مهنا (٤)، فقال: العورة: الفرج والدبر، فإن بدت عورته؛ يعيد، وإن كان الفخذ، فلا، وبهذا قال داود (٥). فالدلالة على أن الفخذ عورة: ما روى أحمد (٦) ﵀، وذكره أبو بكر في كتابه قال: ثنا يحيى بن سعيد (٧) عن سفيان (٨) قال: ثنا أبو الزناد (٩) ......................................

стр. 118

عن زرعة بن عبد الرحمن بن جُرْهد (١) عن جده ﵁ قال: مر النبي ﷺ وعليَّ بردة، وقد انكشف فخذي، فقال: "غَطِّ فخذَك، فإن الفخذَ عورةٌ" (٢). وروى أبو بكر بإسناده في كتابه عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أسفلُ السرَّة وفوق الركبتين من العورة" (٣)، وهذا نص؛

стр. 119

ولأن الفخذ عضو بين السرة والركبة، فكان من العورة، دليله: القبل، والدبر. واحتج المخالف: بما روت عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان جالسًا كاشفًا عن فخذه، فاستأذن أبو بكر ﵁، فأذن له، وهو على حاله، ثم استأذن عمر ﵁، فأذن له وهو على حاله، ثم جاء عثمان ﵁، فاستأذن، فأرخى عليه ثيابه، وغطى فخذه، فلما قاموا، قالت عائشة ﵂: فقلت: يا رسول الله! رأيتك تصنع بعثمان ما لم تصنع بهما؟ فقال: "يا عائشة! ألا أستحي من رجل - والله - إن الملائكة لتستحي منه" (١). وفي لفظ آخر: قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيتي كاشفًا عن فخذه أو ساقه، فاستأذن أبو بكر ﵁ وهو على تلك الحال، ثم استأذن عمر ﵁ وهو على حاله كذلك، فاستاذن عثمان ﵁، فجلس وسوّى ثيابه … وذكر الخبر (١). ولفظ آخر: أن أبا بكر ﵁ استأذن على النبي ﷺ وهو لابسٌ مُرطَ (٢) أم المؤمنين، فأذن له، ثم قضى إليه حاجته، ثم خرج، فاستأذن عليه عمر ﵁ وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته، ثم خرج، فاستأذن عثمان ﵁، فاستوى جالسًا، وقال: "إن عثمانَ شديدُ الحياء، ولو أذنتُ

стр. 120

له على تلك (١) الحال خشيت أن لا يبلغ إليَّ في حاجته" (٢). والجواب: أنه يحتمل أن يكون فخذه كان قد خفف عنها الثياب، فلما دخل عثمان ﵁، ستره أكثر، وهذا هو الظاهر؛ لأن في بعض الألفاظ: كان لابسًا مرطًا، ويحتمل أن يكون كشف إحدى فخذيه، فكان أبو بكر وعمر ﵄ من الجانب الآخر لا يريان ذلك، فلما دخل عثمان ﵁، أراد أن يجلس من الجانب الآخر، فستر فخذه منه. ولأن عائشة ﵂ شَكَّت: هل كان فخذه أو ساقه؟ وهذا يوجب التوقيف. فإن قيل: في الخبر ما يسقط هذا، وهو قوله لعائشة: "إن عثمان رجل حيي"، وإذا حمل الخبر على أنهما لم يشاهدا فخذه، بطل التنبيه لفضيلة عثمان. قيل له: لا يبطل؛ لأنه أراد أن يبين لعثمان هذه الفضيلة، فجعل سببًا، كما قال: "أقرؤُكم أُبيّ، وأصدَقُكم لهجةً أبو ذَرّ، وأفرضُكُم زيد" (٣).

стр. 121

واحتج: بما روى أحمد ﵀ في المسند (١) بإسناده عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ غزا خيبر، قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغَلَس، فركب رسول الله ﷺ ، وركب أبو طلحة، وأنا رديفُ أبي طلحة، فأجرى نبيُّ الله في زُقاقِ خَيبر، وإن ركبتي لتمسُّ فخذَيْ نبيِّ الله، وانحسر الإزار عن فخذَيْ نبيِّ الله، وإني لأرى فخذي نبي الله، فلما دخل قال: "اللهُ أكبر، خربتْ خيبر" الخبر. والجواب: أنه يحتمل أن يكون ظهر فخذه منه على وجه السهو والغفلة، لا عن علم بذلك. واحتج: بأنه بعض من الرِّجل ليس بمخرج الحدث، فلم يجب ستره. دليله: الساق (٢)، أو نقول: لا ينتقض الطهر بمسه. والجواب: أن هذا قياس يعارض النص، وعلى أنه لا يمتنع أن لا يكون مخرجًا للحدث، ويكون عورة كبدن المرأة. * * *

стр. 122

٩ - مَسْألَة: الركبة ليست بعورة: هذا ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية عبد الله: إذا صلى وفخذه مكشوفة، يعيد، فقيل له: ما حده؟ قال: فوق الركبة (١). وكذلك قال في رواية المروذي: العورة من أسفل السرة إلى فوق الركبة (٢)، فجعل العورة من فوق الركبة وأسفل السرة، وبهذا قال الشافعي ﵀ (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: الركبة عورة، والسرة ليست من العورة (٤). دليلنا: ما تقدم من حديث أبي أيوب عن النبي ﷺ : أنه قال: "أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة" (٥). فإن قيل: هذا يدل على أن ما بينهما عورة، ونحن نقول ذلك، وليس فيه أن ما عداه ليس بعورة.

стр. 123

قيل له: هذا غير صحيح؛ لأنه لا يجوز أن يقول: ما فوق الركبة من العورة، وعنده: الركبة من العورة، كما لا يجوز أن يقول: ما فوق نصف الفخذ من العورة، وعنده: أن جميع الفخذ من العورة، بل يكون هذا لغوًا من الكلام. وأيضًا: ما روى الدارقطني (١) بإسناده (٢) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٣) ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : "مُروا صبيانَكُم بالصلاة

стр. 124

لسبع، واضربوهم عليها لعَشْر، وفرقوا بينهم في المضاجع، وإذا زَوَّج أحدُكم عبدَه، أو أَمَته، أو أَجيره، فلا تنظر الأمة إلى شيء من عورته؛ فإن ما تحت السرة إلى ركبته من العورة"، وفي لفظ آخر: "فإن ما بين سرته وركبتيه من عورته" (١). فجعل الركبة غاية، فلا تدخل في الحد؛ كقوله: ما بين هذا الحائط إلى هذا الحائط، لا يدخل الحائطان فيه. فإن قيل: الغاية قد تدخل في الجملة؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وأجمعنا على دخول المرافق في ذلك. قيل له: إنما أوجبنا غسلَ المرافق بالسنة؛ لأن الظاهر اقتضى ذلك. والقياس: أن الركبةَ جُعِلت حدًا للعورة، فوجب أن لا تدخل. دليله: السرة.

стр. 125

واحتج المخالف: بما روى عقبة بن علقمة (١) قال: سمعت عليًا ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "الركبة من العورة" (٢). الجواب: أن عقبة ضعيف، لا يثبته أهل الحديث، ولا يحتج بحديثه، على أنا نحمل قوله: "الركبة من العورة"، معناه: مقارب العورة (٣)، قد يعبّر عن الشيء بما قاربه، ويكون القصد بهذا الاحتياط في ستر ما قاربها من الفخذ. واحتج: بأن الركبة هي: العظم المستدير الذي يجمع طرَفي عظم الساق والفخذ، والفخذ اسم العظم الذي يمتد من الورك إلى منتهى عظم الساق، وقد علمنا أن بعضه داخل تحت الركبة، وبعض الساق أيضًا داخل فيه؛ لأن المفصل تحتهما، وجب أن تكون الركبة عورة؛ لأنها قد جمعت جهتي الحظر والإباحة، وإذا اجتمعت جهتا الحظر والإباحة، كانت جهة

стр. 126

الحظر أولى؛ كالجارية بين اثنين، وهذا الاعتبار غير موجود في السرة، فلا يلزم. والجواب: أنا لا نسلم أنها جمعت جهة الحظر والإباحة؛ لأن طرف العظم الذي في الركبة ليس من العورة عندنا، وإنما العورة تنتهي إلى الركبة، والركبة لا تدخل في اسم الفخذ، فلم يصح ما قاله، وعلى أنه يجب - على هذا - إذا كان جلد الفخذ ينتهي إلى القدمين أن يكون جميع ذلك عورة، وهذا لا يقوله أحدٌ، فبطل ما قاله. واحتج: بأن الفخذ عورة، ويجب ستره، ولا يتوصل إلى ستر جميعه إلا بستر بعض الركبة، فيجب ستر بعضها؛ لأن ما لا يتوصل إلى أداء الصلاة إلا بها كانت فرضًا مثلها، وإذا وجب ستر بعضها، وجب ستر جميعها؛ لأن من أوجب ستر البعض، أوجبَ سترَ الجميع، ولهذا قلنا: إن المرافق داخلة في الوضوء. والجواب: أن هذا المعنى موجود في السرة؛ لأنه لا يمكن في العادة استيفاء ستر العورة إلا بستر جزء من السرة، ثم لا يجب ذلك، كذلك في الركبة، والله تعالى أعلم. * * * ١٠ - مَسْألَة: كل المرأة عورة إلا الوجه:

стр. 127

وقد أطلق أحمد القول بأن جميعها عورة، فقال في رواية النسائي (١): كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، وكذلك قال في رواية أبي داود: إذا صلت لا يرى منها ولا ظفرها، وتغطي (٢) كل شيء منها (٣)، وهذا محمول على ما عدا الوجه؛ لأنه قد نص في رواية [] (٤) فيمن خطب امرأة فله أن ينظر إلى الوجه. وقد ذكر الخرقي ذلك، قال: وإذا انكشف من المرأة شيء سوى وجهها، أعادت (٥). وقد أومأ أحمد ﵀ في موضع آخر إلى أن جميعها عورة إلا الوجه والكفين (٦)، وقال في رواية حرب (٧)، ومحمد بن أبي حرب

стр. 128

الجرجرائي (١): في البائع تأتيه المرأة، فينظر في كفها ووجهها، فإن كانت عجوزًا، رجوت، وإن كانت شابة تُشتهى، فإني أكره ذلك. فظاهر هذا: أن الكفين ليسا بعورة؛ لأنه أجاز النظر إليها إذا كانت عجوزًا، وبهذا قال مالك (٢)، والشافعي (٣) - رحمهما الله -. وقال أبو حنيفة ﵀: جميعها عورة إلا الوجه، والكفين، والقدمين (٤). فالدلالة على أن الكفين والقدمين من العورة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].

стр. 129

وروى أبو بكر (١) في كتابه قال: نا أحمد بن محمد (٢) قال: نا حرب بن إسماعيل (٣) قال: نا يحيى (٤) قال: نا شريك (٥) عن أبي إسحاق (٦)،

стр. 130

عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (١)، عن عبد الله في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال: الثياب (٢). وهذا يدل على أنَّ ما عدا ذلك عورة لا يجوز لها إبداؤه. فإن قيل: فقد رُوي عن عبد الله: أنه قال: إلا ما ظهر منها الثياب، والقُرْط، والدملوج، والخَلْخال، والقلادة (٣).

стр. 131

وروي عن ابن عباس ﵄: الوجه، والكفان (١). قيل له: إذا اختلفوا فيما عدا الثياب، وجب أن يتعارضوا، ويخرج من الآية ما اتفقوا عليه، وهو الثياب، وما اختلفوا يبقى على ظاهر الآية، وهو المنع من إبدائه ولو خُلِّينا والظاهر، لقلنا: إن الوجه من العورة أيضًا، لكن قام الدليل على تخصيص ذلك. وروى أيضًا بإسناده عن أم سلمة ﵂: أنها سألت النبي ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار (٢) ليس عليها إزار؟ قال: "إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها" (٣)، وهذا يدل على أن قدميها

стр. 132

عورة يجب سترها. وذكر شيخنا (١) في كتابه عن ابن عمر ﵄ قال: ذكر أزواج النبي ﷺ ما يدلين من الثياب؟ قال: شبرًا، فقلت: شبرًا قليل تخرج منه العورة. قال: "ذراع" (٢)، فسمَّت القدمين عورةً؛ لأن الكناية عنها، ولم ينكر ذلك النبي ﷺ ، وأمر بأن يدلين الثوب أسفلَ من الكعبين ذراعًا، مع نهيه الرجال عن سَبْل الإزار أسفلَ الكعبين. وحدثني أبو بكر محمد بن جعفر المؤدب (٣) من أصحابنا بإسناده

стр. 133

عن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "المرأة عورة" (١)، وهذا يدخل تحته الكفان، والقدمان، والوجه أيضًا، إلا أن الإجماع خص الوجه، وبقي ما عداه على موجب الظاهر. والقياس: أن الكفين والقدمين لا يجب كشفه في الإحرام، فوجب أن يكون (٢) عورة منها، أصله: سائر بدنها، وعكسه الوجه، لما وجب عليها كشفه في الإحرام، لم يكن عورة. واحتج المخالف: بأن اليدين والقدمين تظهران في العادة، وهو موضع الزينة، فأشبه الوجه. والجواب: أنه يظهر في العادة منها عنقُها، وساعدُها، وبعض ساقها، وهذا كله عورة، فانتقض ما قاله. واحتج: بأن اليدين عضو لا يجوز لها أن تغطيه في الإحرام بما عمل على قَدِّه (٣)، وهو القفازان، فلم يكن عورة. دليله: الوجه: ..............................

стр. 134

لا يجوز أن تغطيه بالبُرْقع (١). والجواب: أن المعنى في الوجه: أنه يجب عليها كشفه في الإحرام، واليدين: لا يجب كشفهما، فهما كالقدمين، والساقين، والله تعالى أعلم. * * * ١١ - مَسْألَة: إذا انكشف يسيرٌ من العورة، لم تبطل صلاته: نص على هذا في رواية الميموني فيمن صلى وعورته مكشوفة؟ فقال: إذا كان قليلًا، فلا بأس (٢)، وكذلك نقل عبد الله عنه: في المرأة تصلي وبعضُ ساعدها مكشوفة؟ فقال: أو بعض شعرها، فإن كان شيئًا يسيرًا، فأرجو (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: إذا انكشف من العورة المغلظة مقدار الدرهم، لم تبطل صلاته، وإن انكشف أكثر منه (٤)، وإن انكشف من الفخذ، أو من شعر المرأة، أو ساقها، أو بطنها، أقل من الربع، لم تبطل صلاتها،

стр. 135

وإن انكشف الربع فصاعدًا، بطلت صلاتها (١). وقال الشافعي ﵀: تبطل الصلاة، يسيرًا كان أو كثيرًا (٢). فالدلالة أنه إذا كان يسيرًا، لم تبطل صلاته: ما احتج به أحمد ﵀، ورواه أبو بكر بإسناده عن عمرو بن سلمة ﵁ قال: لما رجع قومي من عند رسول الله ﷺ ، قالوا: إنه قال لنا: "ليؤمَّكُم أكثرُكُم قراءة للقرآن"، قال: فدعَوْني، فعلموني الركوع والسجود، فكنت أصلِّي بهم، وعليّ بردةٌ مفتوقة (٣)، فكانوا يقولون لأبي: غَطِّ اسْتَ (٤) ابنِك (٥). ولا يجوز أن يُحمل ذلك على الكثير، فلم يبق إلا أنه كان يسيرًا،

стр. 136

فلولا أنه لم يُبطل الصلاة، لم يتبعوه في الإمامة، ومعلوم أن هذا انتشر فيما بينهم، ولم يُنقل عن أحد منهم نكير، فصار كالإجماع. وأيضًا قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (١)، فظاهر هذا: أنه إذا كان عليها (٢) خمار، فانكشف موضع من بدنها: أن الصلاة صحيحة؛ ولأن كل ما صحت الصلاة مع كثيره حالَ العذر، فُرِّق بين كثيره وقليله في غير حال العذر؛ كالمشي في الصلاة تجوز الصلاة مع كثيره في حال العذر، وهو حال المسايفة (٣)، ويفرق بين قليله وكثيره في غير حال العذر، فيعفى عن الخطوة والخطوتين، كذلك كشف العورة، لما صحت الصلاة مع كثيره في حال العذر، وهو إذا لم يجد ما يستر عورته، جاز أن يفرق بين كثيره وقليله في غير حال العذر، ولا يلزم عليه الحدث؛ لأن الصلاة لا تصح مع كثيره في حال العذر، ولا مع قليله أيضًا؛ لأنه لو عدم الماء أو بعضه، وعدم التراب، فإنه يصلي على حسب حاله، ويعيد، فلهذا لم يفرق بين قليله وكثيره في غير حال العذر؛ ولأنه لو حل مئزره بغير اختيار، فرده عن قرب، لم تبطل صلاته، كذلك إذا انكشف منها

стр. 137

يسير (١) في جميع الصلاة، يجب أن يعفى عنه؛ لأن اليسير في زمان الكثير يجري مجرى الكثير في زمان يسير، وقد روى المروذي عنه: في الرجل يصلي في ثوب واحد، فينكشف عن فرجه، فيصلحه؟ فقال: ما سمعت فيه شيئًا (٢). وروى عنه ابن منصور: إذا كان ذلك بالقرب، فقد توقف في موضع عن القول في ذلك بالصحة والبطلان، وقطع به في رواية ابن منصور: أنه لا يعيد إذا كان بالقرب (٣). وقد احتج بعض من نصر هذه المسألة: بأن كشف العورة يجري مجرى (٤)؛ لأنه يختص بالموضع، ولا يتعدى حكمه إلى غيره كالنجاسة. ولأن العورة على ضربين: مغلظة، وهي: القبل والدبر، ومخففة، وهي الفخذ؛ لأن فيها نصًا متأولًا، وهو حديث أبي بكر، وعمر ﵄ (٥).

стр. 138

والنجاسة مغلظة: وهي نجاسة الكلب والخنزير، ومخففة: وهي ما عدا ذلك. ولأن ستر العورة لا بدل له، وغسل النجاسة لا بدل له، ثم ثبت أنه يعفى عن يسير النجاسة، وهو أثر الاستنجاء، ودم البراغيث، كذلك يجب أن يعفى عن يسير العورة، ولا يلزم على هذا الحدث؛ لأنه يتعدى محله؛ ولأن له بدلًا، فلهذا لم يفرق (١) قليله وكثيره، وهذا الدليل غير مستقيم على أصلنا؛ لأن ستر العورة يتعدى محله عندنا، وهو أنه يجب عليه أن يستر منكبيه في الصلاة، وليس من العورة؛ ولأن غسل النجاسة له بدل عندنا، وهو أنه إذا لم يجد ماء يزيلها، وجب عليه أن يتيمم لها، وليس القدر الذي يعفى عنه من النجاسة مما يلحق المشقة غالبًا، وليس هذا المعنى موجود [اً] في ستر العورة، فهو بالمشي في الصلاة أشبهُ؛ لأنه لا تدعو الحاجة إليه، وقد فرق بين قليله و [كثيره]، كذلك في ستره العورة. واحتج المخالف: بما تقدم (٢) من حديث جرهد: أن النبي ﷺ قال له: "غَطِّ فخذَك؛ فإن الفخذ عورة"، وهذا أمر بتغطيته يعم القليل والكثير. والجواب: أنه إنما أمره بذلك في غير صلاة؛ لأنه أصار (٣) عليه

стр. 139

وهو في المسجد، وعندنا: أنه يجب تغطية جميعه في غير الصلاة؛ لأجل الناظرين، ولأن دليل الخطاب يقتضي أنه إذا غطى فخذه، وانكشف يسيرًا من قبله أو دبره، تصح صلاته؛ لأنه قد امتثل ما أُمر به، وعندهم: لا تصح صلاته. واحتج: بأنه صلى وبعضُ عورته مكشوفة من غير عذر، فوجب أن لا تصح صلاته. دليله: الكثير. والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الكثير بالقليل في مسألتنا؛ كما لم يجز اعتباره في المشي في الصلاة، وكذلك النجاسة. واحتج: بأنه حكم تعلق بالعورة، فاستوى فيه القليل والكثير. دليله: تحريم النظر. والجواب: إنه إنما سوّينا بينهما في تحريم النظر، لأنه يستوي فيه القليل والكثير؛ في نفي المشقة على الناظر، وإمكان التحرز، وليس كذلك في ستر العورة؛ لأنه قد يشق التحرز من الستر منهما، لا سيما في حق المرأة مع القيام، والقعود، واختلاف الأفعال؛ ولأن تحريم النظر مجمع عليه، فهو أغلظ. وستر العورة مختلف فيه، فإن مالكًا ﵀ لا يجعله شرطًا، فهو أخف (١)؛ ولأن ستر العورة حق لله خالص، وتحريم النظر حق آدمي،

стр. 140

وهو هتك حرمته، فهو آكد، ألا ترى أنه لو أكل ناسيًا في صومه، لم يفطر، ولو أكل طعام الغير وهو لا يشعر، ضمن؟ وكان الفرق بينهما: أن أحدهما حق لله تعالى، والآخر لآدمي. واحتج: بأنه سبب من أسباب الصلاة المنافية لها، فاستوى فيه القليل والكثير؛ كالحدث. والجواب: أنه يبطل بالمشي، فإنه ينافي الصلاة، ويفرق بين قليله وكثيره في حال العذر، وهذا تصح (١) الصلاة مع كثيره في حال العذر، فجاز أن يفرق بين القليل والكثير في غير حال العذر. * فصل: والدلالة على أبي حنيفة ﵀ في نفي التقدير: أن هذا إثبات تقدير، وعنده: أن المقادير لا تثبت إلا بتوقيف أو اتفاق، وليس ها هنا واحد منهما؛ ولأن هذا يجري مجرى العمل من الوجه الذي ذكرنا، ويسيرُ العمل في الصلاة لا يتقدّر، كذلك ها هنا، والدلالة على التسوية بين العورة المغلظة والمخففة: أنهما سواء في وجوب الستر في حال القدرة، فاستويا في مقدار العفو، والله أعلم. * * * ١٢ - مَسْألَة: يجب عليه أن يستر منكبيه في الصلاة المفروضة:

стр. 141

نص على هذا في رواية حنبل، وقد سئل عن الثوب اللطيف لا يبلغ أن يعقده، هل يأتزر به ويصلي؟ قال: لا أرى ذلك مجزئًا عنه (١)، فإن كان الثوب لطيفًا، صلى قاعدًا، أو عقد من ورائه، ويجزئه أن يأتزر بالثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء في صلاة التطوع (٢). وقال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥) ﵏: لا يجب عليه ذلك. دليلنا: ما روى أحمد (٦) ﵀، وذكره أبو بكر قال: ثنا سفيان عن أبي الزناد، عن الأعرج (٧)، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يصلِّي الرجلُ في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" (٨)، وهذا

стр. 142

نهي يدل على فساد المنهي عنه، وروى أبو داود بإسناده (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم في ثوب، فَلْيخالِفْ بطرفيه على عاتقيه" (٢)، وهذا أمر، فاقتضى الوجوب. وروى ابن شاهين (٣) في كتاب المناهي (٤) بإسناده عن ابن بريدة (٥) عن

стр. 143

أبيه ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل - يعني: في ملاءة (١) - ليس عليه غيرها إلا [أن] يتوشح بها (٢)، وأن يصلي في سراويل ليس عليه رداء" (٣). وروى شيخنا (٤) في كتابه عن أبي خالد (٥)، عن ابن عجلان (٦)،

стр. 144

عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء (١). وروى شيخنا بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يصلي الرجل في الثوب الواحد لا يُدخل مَنْكِبيه فيه" (٢). وروى أبو بكر بإسناده عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد خالف بين طرفيه (٣). وإذا ثبت هذا من فعله، دخل تحت قوله ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلَّي" (٤)، وروى أبو بكر بإسناده عن سهل بن سعد ﵁ قال: لقد رأيت الرجال عاقدي أُزْرِهم في أعناقهم من ضيق الأُزر خلف رسول الله ﷺ كأمثال الصبيان، قال: فقال قائل: يا معشر النساء! لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال (٥).

стр. 145

وهذا يدل على وجوب ستر المناكب؛ لأنهم فعلوه مع ضيق الثياب وقلتها. والقياس: أنه سترٌ وجبَ لا لأجل النظر، فلم يقف على ستر العورة. دليله: كفن الميت. فإن قيل: ستر الميت أعم في الإيجاب؛ لأنه يجب ستر جميع بدنه، ولا يجب مثل هذا في الصلاة. قيل: فهذا يؤكد؛ لأنه إذا وجب ستر جميعه وليس بعورة، جاز أن يجب ستر بعضه وإن لم يكن عورة، وعلى أن الطهارة الكبرى والصغرى يختلفان في المقدار، ومع هذا فإن كل واحدة منهما تتعدى محله. ولأنه أخلَّ بستر المنكبين مع القدرة عليهما، فلم يجز. دليله: إذا صلى خلف الإمام، ولم يقرأ، وكما لو انكشف من عورته يسير (١). فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لو ستر منكبيه، لم تجز صلاته. قيل له: لا نسلم لك هنا؛ ولأن الستر لا يختص وجوبه بالصلاة، ولا ما هو جارٍ (٢) مجرى الصلاة، فتعدى محلَّه.
следующие страницы →