← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الشالنجي قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: إنما كان علي يقنت ها هنا؛ لأنه كان محاربًا ويدعو على أعدائه في القنوت في الفجر والمغرب، وهذا يدل على أن قنوته لسبب، ونحن نجيز مثل هذا، وهو أنه يجوز للإمام أن يدعو إذا أدهمه العدو، وقد قال أحمد ﵀ في رواية المروذي، وأبي طالب: إذا كان في سرية وغزاة وقنت الإمام، دعا من خلفه. فإن قيل: فتحمل أخباركم على أن النبي ﷺ نهى عن القنوت، وترك القنوت الذي كان يدعو به على قوم من العرب بأسمائهم، ونحن نمنع من ذلك. قيل له: معلوم أن لم يكن جملة قنوته الدعاء على قوم من العرب، بل كان هذا وغيره من الأدعية التي كان علمها للحسن ﵁، فيجب أن يحمل النهي والترك لجميع ذلك. والقياس: أن هذه صلاة مفروضة فوجب أن لا يكون القنوت مسنونًا فيها، أصله: المغرب، ولا يلزم عليه (١) الوتر؛ لأنه ليس بفرض، ولا يلزم عليه إذا قنت الإمام على العدو، ولأن (٢) ذلك يستوي فيه الأصل والفرع؛ لأن المروذي روى عن أحمد أنه قال: يقنت في الفجر والمغرب. فإن قيل: صلاة الفجر مخصوصة بالجهر بالقراءة في جميعها، وطول القراءة فيها، واختصاص أذانها بالتثويب، كذلك يجوز أن تختص بالقنوت.

стр. 72

قيل: الجمعة تختص بالقراءة في جميعها، وتختص بشرائط كثيرة لا يشاركها فيها غيرها، ثم لم (١) القنوت. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، والصلاة الوسطى: صلاة الصبح، فدلّ على أن القنوت مستحب فيها. والجواب: (٢) علم أن الوسطى صلاة الصبح، وقد بينا ذلك فيما تقدم، وعلى أنا لو سلمنا (٢) هذا الآية نزلت في النهي عن الكلام في الصلاة. وروي عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت، وقد قيل: القنوت طول القيام في الصلاة قال النبي ﷺ : "أفضل الصلاة طول القنوت" يعني: طول القيام. واحتج بما روى أنس ﵁ قال: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا. وروى أبو داود في سننه عن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ كان يقنت في صلاة الصبح. والجواب: أنه يرويه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس، وأبو جعفر ضعيف، والربيع لم يلق أنس فهو مرسل، وعندهم أن المرسل ليس بحجة.

стр. 73

وقد تكلم أبو القاسم عبد الرحمن بن منده فيما كتب به إلى علي ﵁ هذا الحديث فقال: من الناس من يستدل على إقامة القنوت في صلاة الصبح بحديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس أنه قال: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الفجر حتى فارق الدنيا، وذكر بعده بإسناده عن عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: أبو جعفر الرازي ليس بالقوي في الحديث، وقال: رواه ابن أبي حاتم وغيره عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ﵃ وروى بإسناده عن قتادة عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان لا يقنت إلا إذا دعا على قوم أو دعا لهم، وهذا يدل على تعارض الرواية عن أنس وروى أيضًا عن معمر بن راشد، وإسحاق بن راشد عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يقنت في صلاة الفجر حتى أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وذكر حديث عمرو بن عبد الغفار وغيره عن أبي جعفر عن الربيع عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ يقنتون حتى مضوا، ثم روى بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: عمرو بن عبد الغفار ضعيف متروك الحديث، إلى ها هنا كلام عبد الرحمن. وعلى أنا روينا عن أنس ﵁ أنه قال: قنت رسول الله ﷺ شهرًا ثم تركه. وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أنه يكون قوله: قنت في صلاة الغداة بعد ما يفرغ من الصلاة ويسلم؛ لأن الصلاة قد يعبر بها عن الوقت

стр. 74

يقال: … صلاة الفجر أو الظهر يعني وقت صلاة الفجر أو الظهر ويحتمل أن يكون قنت في صلاة الفجر يعني أطال القيام والقراءة فيها. واحتج: بأنه دعاء مسنون في صلاة النافلة، فكان مسنونًا في صلاة الفرض، دليله: سائر الأدعية المسنونة. والجواب: أنا نقلبه فنقول: وجب أن لا يختلف فيه صلاة الصبح وغيرها من الصلوات المفروضة، دليله: ما ذكرت، وإن قاسوا على قنوت الإمام على العدو فالمعنى فيه: أنها حال عذر، وقد يجوز في حال العذر (١) ما لا يجوز في غيرها، بدليل: الصلاة راجلًا وراكبًا، لأنا نقول وجب أن لا تختص بالفجر، دليله: قنوت الإمام على العدو. * * * ١ - مَسألَة: الترتيب مستحب في قضاء المغرب وإن كثرت: نص عليه في مواضع فقال في رواية مهنا: فمن ترك الصلاة سنين فلا يصلي صلاة مكتوبة إلا في آخر وقتها حتى يقضي التي عليه من الصلاة. ونقل عبد الله أيضًا: فمن ترك الصلاة شهرًا يعيد ما ترك حتى يضعف، فإن خاف فوت صلاة بدأ بالتي يخاف فوتها ثم قضى بعد ذلك، وكذلك نقل صالح وغيره. وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: يستحق الترتيب في خمس

стр. 75

صلوات فما دون، ولا يستحق فيما زاد على ذلك. وقال الشافعي، وداود رحمهما الله: الترتيب غير مستحق في الجملة. فالدلالة على وجوب الترتيب في الجملة: أنه فرض الصلاة مجمل في الكتاب مفتقر إلى البيان، وفعل النبي ﷺ إذا ورد مورد البيان كان على الوجوب. وقد روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ فاتته أربع صلوات يوم الخندق، فلما كان هويّ من الليل قام فصلاهن على الترتيب، فدل ذلك على وجوبه. فإن قيل: المجمل في القرآن أفعال الصلاة، وتقديم الصلاة على الصلاة ليس من أفعال الصلاة. قيل: المراد بالأمر في كتاب الله تعالى فعل الصلاة في مواقيتها، يدل عليه أن فعله لما وقع في الصلوات المعهودة في مواقيتها اعتقدت الصحابة رضوان الله عليهم وجوبها في هذه الأوقات، وإذا كان ذلك مرادًا كان ترتيبه للفوائت في مواقيتها بيانًا لأوقاتها. فإن قيل: الأمر بالصلاة في القرآن هو الأمر بالأداء في وقتها، والقضاء ثبت بدليل آخر، فلم يكن ما فعله في القضاء بيانًا للمجمل في القرآن (١). قيل له: والقضاء له أصل في القرآن ويحتمله، ففعله بيان له. وأيضًا قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" وقد صلى مرتبًا، فوجب أن يُصلى كما صلى.

стр. 76

وأيضًا بما روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا وقت لها إلا ذلك" فجعل وقت الذكر أخص بالفائتة (١) الوقت فلا يجوز تقديم صلاة الوقت على الفائتة كالفجر والظهر لما اختصت كل واحدة بوقت لزم فيهما الترتيب. فإن قيل: هذا حجة لنا من وجه وهو: أنه إذا كانت عليه صلاة صبح منسية، وظهر بعدها منسية، وذكر الظهر أن يصح فعل الظهر قبل الصبح لقوله ﵇: "فليصلها إذا ذكرها" وهذه قد ذكرها. قيل له: الخبر يقتضي صلاة مذكور بقوله "من نام عنها أو نسيها" وإذا … (٢). وأيضًا روى شيخنا في كتابه عن [أبي] (٣) إبراهيم الترجماني قال: حدثني سعيد بن عبد الرحمن الجمحي (٤) عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي يصلي ثم ليعد". ورواه أبو بكر في كتاب التنبيه عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي

стр. 77

عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "يصلي التي هو فيها ويقضي التي ذكر ويقضي التي كان فيها". والقياس: أنه ترتيب في الصلاة يستحق مع بقاء الوقت فلم يسقط بفواته، وكون الصلاة في الذمة، دليله: ترتيب الركوع والسجود. أو نقول: ترتيب مستحق في الأداء، فوجب أن يكون مستحقًا في القضاء، دليله: ما ذكرنا، ولأنهما صلاتان واجبتان مفعولتان في وقت يتسع لهما، فوجب أن يكون الترتيب بينهما واجبًا، كصلاتي عرفة، ولا يلزم عليه إذا كان ناسيًا؛ لأن التعليل لوجوب الترتيب في الجملة، ولا يلزم عليه إذا ذكرها في آخر الوقت؛ لأن الوقت لا يتسع لهما، ولا يلزم عليه جواز النافلة قبل الفائتة؛ لقولنا: واجبتان. فإن قيل: قوله: صلاتان، لا تأثير له؛ لأنه لا فرق عندك بين الصلاتين، وبين الصلوات. قيل له: الترتيب وإن كان ثابتًا في أكثر من صلاتين، فإنما ثبت بين كل صلاتين أولى فأولى حتى يستغرق جميعها فإنه يثبت بين الفجر والتي يليها، وكذلك بين الظهر والتي يليها على هذا حتى يستغرقها (١). فإن قيل: لما لم يسقط الترتيب بين الركوع والسجود، وبين صلاتي عرفة مع النسيان (٢) يسقط مع الذكر، وفي مسألتنا يسقط مع النسيان فسقط مع الذكر.

стр. 78

قيل له: لا يمتنع أن يكون الترتيب شرطًا في الفوائت، ويختلف حال النسيان والذكر كالإمساك في (١) هو شرط ويختلف تركه مع النسيان والذكر، وترك الكلام عند مخالفنا. فإن قيل: إنما وجب الترتيب في المجموعتين؛ لأن الثانية تبع للأولى، وليس كذلك الفائتتان؛ لأنهما أصلان. قيل: لا يمتنع أن يكونا أصلين ويدخلهما الترتيب كالحجة المفروضة، والمنذورة، والفائتة، والحاضرة إذا تضايق وقت الحاضرة، والطهارة، والصلاة تترتب الطهارة على الصلاة. واحتج المخالف: بما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو في صلاة مكتوبة فليبتدأ بالتي هو فيها فإذا فرغ منها صلى التي نسيها". والجواب: أنا نحمله عليه إذا ذكر الفائتة وهو في الصلاة آخر الوقت، وعلى أنا نقابله بما روى ابن عمر ﵄، وهو أولى؛ لأن فيه زيادة، والأخذ بالزائد أولى. واحتج: بأنهما صلاتان اتفقا في الوجوب، فوجب أن لا تترتب في الصحة، دليله: إذا كان الوقت ضيقًا، وفيه احتراز من صلاتي عرفة، فإن صلاة العصر غير واجبة في وقت الظهر، وإنما رخص في فعلها على سبيل التبع، فإذا لم توجد المتبوعة لم تصح التابعة، والفوائت كلها متفقة في الوجوب.

стр. 79

والجواب: أنه لا تأثير لقوله: صلاتان؛ لأن الصلوات، وقضاء رمضان، واجتماع الزكوات من سنين لا يجب الترتيب فيها، فتخصيص الصلوات بالترتيب لا تأثير له، وعلى أن المعنى في الأصل إنما سقط الترتيب في هذه الحال؛ لأنه لو قدم الفائتة لفائتة صلاة الوقت فيصليهما جميعًا في غير وقتهما، ولأن يصلي واحدة في وقتها أولى من أن يصليهما في غير وقتهما، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا، وعلى أنه ينتقض به إذا تضايق وقت الحاضرة، فإنه يجب ترتيب الحاضرة. واحتج: بأنهما عبادتان إذا ضاق وقت أداء الفائتة سقط الترتيب فيهما، فوجب إذا ثبتا في الذمة سقط الترتيب فيهما كصوم يومين من رمضان فإنه لو ترك اليوم الأول من رمضان فإن صوم اليوم الثاني يضيق فيه إذ لا وقت له غيره ثم يصوم اليوم الثاني وعليه صوم اليوم الأول، وكذلك إذا فاتا جميعًا كذلك ها هنا، وربما قالوا: عبادة واجبة لا تمتنع نفلًا من جنسها فمنعت فرضًا من جنسه. والجواب: أن الصيام والزكاة لا يعتبر الترتيب من جنسه، وليس كذلك الصلوات فإن ذلك يعتبر في جنسها بدليل المجموعتين. واحتج: بأنها عبادات اتفقت في الوجوب فلم تترتب في الصحة، دليله: الصلاة مع الصيام، والصيام مع الحج، والحج مع الزكاة. والجواب: أنه يبطل بالطهارة مع الصلاة، والحجة المفروضة مع المنذورة، والفائتة مع الحاضرة إذا تضايق وقت الحاضرة، وصوم القضاء مع صوم رمضان في شهر رمضان فإن الترتيب مستحق في جميع ذلك

стр. 80

إن كان الوصف موجودًا في ذلك، وعلى أن الترتيب غير معتبر في تلك العبادات ألا تراه غير معتبر في حال أدائها، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه معتبر في الصلوات ألا تراه معتبرًا في حال الأداء فكان معتبرًا في حال القضاء كترتيب الركوع والسجود. واحتج: بأن ترتيب الصلوات غير مقصود، وإنما ترتيب لترتيب أوقاتها، فإذا فاتت أوقاتها سقط الترتيب في قضائها كما يسقط التفريق بينهما، وكما أن صوم رمضان يجب متتابعًا لتتابع وقته فإذا فات الوقت سقط التتابع في القضاء. والجواب: أنه لو كان الترتيب لأجل الوقت لسقط في الجمع لعدم الوقت في حق الثانية، ولأن الوقت لم يوضع في الأصل للترتيب، وإنما هو شرط في جواز الصلاة وإنه متى لم يدخل الوقت لا يجوز فعلها فأما أن يقال: أنه وضع للترتيب فلا. * فصل: والدلالة على وجود الترتيب وإن كثرت وزادت على خمس صلوات أنها صلوات واجبات تفعل في وقت يتسع لها، فوجب فيها الترتيب، دليله: الخمس صلوات، ولا ترتيب في الصلاة فوجب أن يستوي حكمه في ست صلوات وما دون، دليله: ترتيب الأركان من الركوع والسجود وغير ذلك. فإن قيل: الست قد حصلت في حد التكرار، فلهذا سقط الترتيب فيها كصوم أيام رمضان إذا فاته يسقط الترتيب فيه لهذه العلة، وكذلك ركعات الصلاة وسجداتها لا يجب الترتيب فيها لهذه العلة، وليس كذلك

стр. 81

إذا لم تزد الفوائت على يوم؛ لأنها لم تحصل في حد التكرار. قيل له: لو كان هذا صحيحًا لوجب أن يسقط الترتيب فيما حصل التكرار فيه وهي الخامسة، والسادسة، ولما سقط الترتيب في الجميع امتنع أن يكون هذا فرقًا صحيحًا، وعلى أن ما اعتبر الترتيب ولم يسقط بحصوله في حد التكرار، بدليل: الترتيب في الركوع والسجود. * * * ٢ - مَسألَة: يجب الترتيب مع سعة وقت الحاضرة، ويسقط مع ضيقه: نص على هذا في رواية الأثرم (١)، وإبراهيم بن الحارث (٢)،

стр. 82

وحنبل (١)، وصالح (٢)، وأبي داود (٣)، وجعفر بن محمد (٤)، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٥).

стр. 83

وروى الحسن بن ثواب (١) عن أحمد ﵀ فيمن فاتته العتمة (٢)، فلم يستيقظ إلا عند طلوع الشمس، فإن بدأ بها، فاتته الفجر: يبدأ بالعتمة، وإن فاتته الفجر، وكذلك نقل الميموني (٣)، وظاهر هذا: وجوبُ (٤) الترتيب مع ضيق وقت الحاضرة، وهو قول مالك ﵀ (٥).

стр. 84

وجه الأوّلة: أنه لو بدأ بالفائتة، لفاتته صلاة الوقت، فيصليهما جميعًا فائتتين؛ ولأن يصلي إحداهما في وقتها، والأخرى فائتةً أولى من أن يصليهما في غير وقتهما؛ ولأن أداء الصلاة في وقتها فرض، والترتيب فرض، ولا يمكنه إتيان الفرضين، فلا بد من ترك أحدهما، فترك الترتيب أولى؛ لأنه أيسرُ من ترك الوقت؛ لأن لآخر الوقت تأثيرًا في إسقاط الفرض وإيجابه؛ بدلالة أن المرأة إذا حاضت في وسط الوقت، سقط عنها فرض الصلاة عند مالك ﵀ (١)، ولو طهرت في آخر الوقت، لزمها فرض الصلاة، وكذلك المجنون إذا أفاق، والكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ في آخر الوقت، يلزمهم فرض الوقت، وليس للترتيب هذه المزية. وإذا كان كذلك، وقد دفع إلى ترك أحدهما، فينبغي تركُ أيسرهما، وهو الترتيب؛ ولأن ضيق الوقت يُسقط الترتيب في الفوائت، دليله: إذا كانت ست صلوات ليس لهم أن يقولوا: إن الترتيب هناك يسقط مع سعة الوقت؛ لأنا لا نسلمه. واحتج المخالف؛ بأن الترتيب بين الفائتة والحاضرة، فوجب أن لا يختلف أول الوقت وآخره؛ كالطهارة، والركوع، والسجود. والجواب: أنه لا يجوز اعتبار هذا بترتيب الركوع والسجود؛ لأن

стр. 85

ذلك الترتيب آكد؛ بدليل: أنه يجب مع حصوله في حدّ التكرار، وهذا أخف عندهم؛ لأنه لا تجب إذا حصلت في حد التكرار، وأجود من هذا: أن اعتبار سائر الشرائط مع ضيق الوقت لا يوجب إخراج أحدهما (١) عن وقتها؛ ولأن سائر الشروط آكد من الترتيب، ألا ترى أنه من فاته صوم أيام من رمضان، سقط الترتيب، ولا يسقط سائر شروط الصوم؛ مثل: النية، والإمساك، كذلك يجوز أن يسقط في مسألتنا، وإن لم يَسْقط سائر شروط الصلاة. واحتج: بأنها فوائت في ذمته، فكان الترتيب فيها واجبًا، دليله: إذا كان الوقت واسعًا. والجواب: أن مع سعة الوقت لا يؤدي إلى أن يصليهما جميعًا فائتتين، وفي مسألتنا يؤدي إلى ذلك؛ ولأن يصلي إحداهما في وقتها أولى. واحتج: بأنه ترتيب يجب مع سعة الوقت، فوجب مع ضيقه؛ كالأذان، والمجموعتين. والجواب: أن الأذان (٢) والمجموعتين لا تستفيد بإسقاط الترتيب فيها بقاء الوقت، وفي مسألتنا تستفيد ذلك، فلهذا فرّق بينهما. * * *

стр. 86

٣ - مَسْألَة: ولا يجب الترتيب في حال النسيان: نصَّ على هذا في رواية صالح (١)، وأبي الحرب (٢)، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٣). وقال مالك ﵀: يجب مع السهو (٤). فعلى قولنا: إذا نسي أن عليه فائتة، فصلى صلاة الوقت، ثم ذكر، لم يلزمه إعادة الفائتة، وعنده: يلزمه.

стр. 87

دليله: قوله ﷺ : "عُفِيَ لأُمتي الخطأُ والنسيانُ" (١)، وهذا ناسٍ (٢)، فيجب أن يعفى عنه؛ ولأنه غير ذاكر للفائتة، فصحت صلاته. دليله: لو كانت الفوائت ست صلوات، فصلى وهو ناسٍ لها. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لو كان ذاكرًا لها، لم يجب الترتيب. قيل له: لا نسلم هذا، بل عندنا: لو كان ذاكرًا، وجب الترتيب. واحتج المخالف: بأن هذا ترتيب لا يَسقط في حال العمد، فلا يسقط في حال السهو. دليله: ترتيب الركوع على السجود. والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون واجبًا، ويسقط بالسهو من الوجه الذي ذكرنا، وعلى أنه لا يجوز اعتبار هذا بترتيب الركوع والسجود؛ لأن ذلك الترتيب آكد، ألا ترى أنه يجب مع حصوله في حد التكرار، فبان الفرق.

стр. 88

واحتج: بأن الترتيب في الصلاتين المجموعتين لا يسقط بالسهو، كذلك يجب أن يقولوا في مسألتنا. والجواب: أن الثانية تابعة للأولى، فما لم يوجد المتبوع يجب أن لا يثبت حكم التبع، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا؛ فإن كل واحد منهما أصل بنفسه، فبان الفرق. وجواب آخر: وهو أن النسيان يؤثر فيما ليس عليه أمارة، وصلاة الجمع عليها أمارة، وهو الاجتماع؛ ولأن الصلاة الثانية إذا عجلها إلى وقت الأولى، فإنما يدخل وقت جواز فعلها، وإذا صلى الأولى، فمتى سها وصلى الثانية، فقد صلاها قبل وقتها، فلهذا لم تصح، وها هنا وقت كل واحدة منهما قد وجد، فجاز أن يفرق بين السهو والعمد. * * * ٤ - مَسْألَة: إذا سلَّم على المصلي أشار بيده: نص عليه في رواية الأثرم (١)، .........................

стр. 89

وإبراهيم ابن الحرب (١) في الرجل يُسلم عليه وهو يُصلي يشير بيده؛ فإن النبي ﷺ أشار بيده (٢). قال أبو بكر (٣): لا يفترق الحال بين الفرض والنفل.

стр. 90

وبهذا قال الشافعي ﵀ (١). وقال أبو حنيفة: لا يرد بالإشارة (٢). دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عمر ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى مسجد عمرو بن عوف بقباء يصلي فيه، فدخلت عليه رجال من الأنصار، فسلموا عليه، فسألت بلالًا ﵁ وكان معه -: كيف قال النبي ﷺ حين كانوا يسلمون عليه؟ قال: كان يشير بيده (٣). فإن قيل: هذه حكاية فعل، ويحتمل أن يكون أشار بيده يسكِّنهم، ويمنعهم من السلام؛ لئلا يشغلوه عن الصلاة. قيل له: روى الخلال (٤) بإسناده عن ابن عمر ﵄ قال: قلت

стр. 91

لبلال ﵁: كيف كان رسول الله ﷺ يرد السلام حين كانوا يسلمون عليه في الصلاة؟ قال: يشير بيده (١). فأثبت ابن عمر وبلال ﵃: أن ذلك كان ردًا للسلام؛ ولأنه لو كان القصد الإنكار، لبيَّنه بما لا يحصل به الإشكال والاحتمال، وهذا محتمل؛ ولأنه عمل يسير به حاجة إليه، فلم يكره؛ كالخطوة، والضربة على الحية. واحتج المخالف: بما روى ابن مسعود ﵁ قال: خرجت في حاجة، ونحن نسلم بعضنا على بعض في الصلاة، ثم رجعت، فسلمت، فلم يرد عليَّ - يعني: النبي ﷺ ، وقال: " [إن] في الصلاة شغلًا" (٢).

стр. 92

قوله: (فلم يرد عليّ) عام في اللسان واليد. والجواب: أنه محمول على أنه لم يرد بالكلام؛ لأنه قد كان الكلام مباحًا، ثم نسخ. واحتج: بأنها إشارة تبنى على (١) معنى ليس فيه إصلاح الصلاة، فصارت كالإشارة في حوائجه. والجواب: أن هناك إن كان حاجة إليه؛ مثل: أن يخاف ذهاب ماله، فينبه إنسانًا (٢) على حفظه، أو يدق عليها إنسان الباب، فتشير إليه، فإنه لا يكره، وقد روى أنس بن مالك ﵁ قال: (سقط النبي ﷺ من فرس، فجُحِشَ (٣) شقه الأيمن، فدخلوا عليه، فصلى بهم جالسًا، وأشار إليهم أن اجلسوا) (٤).

стр. 93

وروت معاذة (١) عن عائشة ﵂: أنها أومتْ (٢) إلى سمرة وهي في الصلاة أن يجلس (٣). وقد أجاز أحمد ﵀ السلامَ على المصلي في رواية ابن منصور (٤)، وقد سئل: هل يسلم على القوم وهم في الصلاة؟

стр. 94

قال: نعم، وذكر حديث بلال ﵁. * * * ٥ - مَسْألَة إذا قصد التنبيه بالتسبيح والتكبير، أو قراءة القرآن، لم تفسد صلاته؛ مثل: أن يجد ضريرًا لئلا يتردَّى في بئر (١)، أو يُطرق عليه الباب، فيسبح بقصد الإذن له بالدخول، وكذلك إذا أُخبر بخبر يسرّه، فقال: الحمد لله، وأراد به الجواب، لم تفسد صلاته، وكذلك إذا أُخبر بخبر يغمّه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو قال: لا حول ولا قوة إلا بالله في إحدى الروايتين: قال في رواية أبي الحرب (٢): في الرجل يكون في الصلاة، وينوبه الشيء، فيريد أن يُفْهِمَه بعضَ أهله، يسبح وهو يصلي؛ قال النبي ﷺ "التسبيح للرجال، وللنساء التصفيق" (٣)، وكذلك نقل أبو جعفر بن

стр. 95

محمد (١)، وإسماعيل بن سعيد (٢): في رجل ناداه أهله، وهو في الصلاة، فقال: لا إله إلا الله، وبالتسبيح، والتكبير، لم يُفسد صلاته. وقال في رواية يوسف بن موسى (٣): في رجل ذكر ذنبًا، فقال:

стр. 96

أستغفرُ الله، لا بأس. وقال في رواية صالح (١): إذا عطس فقال: الحمد لله، لا يعجبني، فإن فعل؟ قال: تجزئه صلاته، فقد نص على أنه نبه (٢) غيره لم يُبطل صلاته، وعلى قياسه إذا أُخبر بما يسره، فقال: الحمد لله، أو بما يسوءه، فقال: إنا لله، لا تبطل على ظاهر ما نقله صالح، ويوسف، وهو قول مالك (٣)، والشافعي (٤) - رحمهما الله -. وفيه رواية أخرى: تبطل، نص عليه في رواية مهنا (٥): في رجل جاء

стр. 97

إلى رجل وهو يصلي، فقال له: قد ولد لك غلام، فقال: الحمد لله رب العالمين، يعيد، وقلت له: قول علي في الصلاة لما قال له الخارجي: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فأجابه علي ﵁ وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (١) [الروم: ٦٠]، فقال: هذا يفسد صلاته. قلت: ولِمَ؛ وإنما قرأ القرآن؟ قال: لأنه إنما خاطب آدميًا، في الصلاة، ومن خاطب آدميًا، فصلاته فاسدة، فقد صرح بالفساد، وعلل بالمخاطبة، وهذا المعنى موجود فيه إذا نبه غيره في الصلاة، فعلى قياسه تبطل صلاته. ونقل أيضًا مهنا: في الرجل يكون في الصلاة، فيذكر كيسًا له ذهب، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ يعيد الصلاة، هذا نوى الكلام (٢)، فظاهر هذا: أنه قد أبطل صلاته، وإن لم يكن على وجه المخاطبة.

стр. 98

ونقل صالح (١) عن أبيه فيمن عطس في الصلاة، فقال: الحمد لله، لفظين: أحدهما: يعيد الصلاة، ونقل عنه لفظًا آخر: لا يعجبني أن يرفع صوته بها، فإن فعل، تجزئه صلاته، وكذلك نقل أبو الحرب (٢): تجزئه صلاته. قال أبو بكر الخلال (٣): روى هذه المسألة جماعة يقولون (٤): يعيد الصلاة، إلا صالحًا (٥)، ثم روى عنه: أنه: لا يعيد، فكأنه رجع عن القول الأول. وقال أبو حنيفة ﵀: إذا قصد التنبيه بالتسبيح، أو التكبير، أو قراءة القرآن، فسدت صلاته، إلا في موضعين: أحدهما: إذا قصد تنبيه الإمام على سهوه. الثاني: إذا قصد دفع المارّ بين يديه (٦). وقال أيضًا: إذا أخبر بخبر سوء، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو بخبر يسره، فقال: الحمد لله، يقصد الجواب، بطلت صلاته.

стр. 99

وإذا لسعته عقرب، فقال: باسم الله؛ بطلت صلاته (١). فالدلالة على أن الصلاة لا تبطل بشيء من ذلك: ما روى أبو داود (٢) باسناده عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إذا نابَكُمْ شيء في الصلاة، فليسبِّح الرجال، وليصفِّقِ النساء" (٣). وروى أحمد ﵀ في المسند (٤) باسناده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "التسبيح للرجال، والتصفيح للنساء". فإن قيل: المراد بهذا: إعلامُ المأموم والإمام، والخبر في هذا ورد؛ لأنه رُوي عن النبي ﷺ : [أنه] خرج إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فأبطأ، فلما حضرت الصلاة، قدّموا أبا بكر ﵁ ليصلي بهم، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فدخل المسجد، فأخذ الناس في التصفيق، فالتفت أبو بكر ﵁، فرأى النبي ﷺ ، فتأخر إلى الصف، وتقدم النبي ﷺ ، فلما فرغ من صلاته، قال: "ما لي رأيتكم أكثرتُمُ التصفيقَ؟! إذا نابكم في

стр. 100

صلاتكم شيء، فسبِّحوا؛ فإنما التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء" (١). قيل له: الحكم للّفظ دون السبب، واللفظ عام، ولا يجب قصره على سببه. وأيضًا: ما روى أحمد ﵀ في المسند (٢) قال: نا أبو بكر بن عياش (٣) قال: نا مغيرة بن مقسم (٤) قال: حدثني الحارث العكلي (٥)،

стр. 101

عن عبد الله بن نجي (١) قال: قال علي ﵁: كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان بالليل والنهار، كنت إذا دخلت عليه وهو يصلي، تنحنح (٢)، فأتيته (٣) ذات ليلة، فقال: "أما تدري ما أَحدثَ الملكُ الليلةَ؟ كنت أصلي، فسمعت خشفة (٤) في الدار، فخرجتُ، فإذا جبريل ﵇ فقال: ما زلتُ هذه الليلة أنتظرك، إن في بيتك كلبًا، فلم أستطع الدخول، وإنا لا ندخل بيتًا فيه كلب، ولا جُنب، ولا تمثال". ورواه ابن المنذر (٥) عن علي ﵁ قال: كانت لي ساعة من السحر

стр. 102

أدخل فيها على رسول الله ﷺ ، فإذا كان في صلاة، سَبَّحَ، فكان ذلك إذنه لي، وإن لم يكن في الصلاة، أذن لي. وهذا نص، فإنه كان مأذونًا له (١) في الدخول بالتسبيح في حال صلاته. وأيضًا: ما روى شريك (٢) عن عمران بن ظبيان (٣) عن أبي تحيى (٤) قال: كنا مع علي بن أبي طالب ﵁ في صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ

стр. 103

مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فأجابه علي ﵁ وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] (١). قال مهنا: سألت أحمد عن أبي تحيى ما اسمه؟ قال: حكيم بن سعد، وهو كوفي، وأدرك عليًا (٢) وسلمانَ ﵁. وروى أبو بكر (٣) في كتابه بإسناده عن عطاء بن السائب (٤) قال: استأذنت على عبد الرحمن بن أبي ليلى (٥) وهو يصلي، فقال: ﴿ادْخُلُوا

стр. 104

مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]. وهذا إجماع من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -. والقياس: أن ما لا يُبطل الصلاة إذا لم يقصد به التنبيه لم يُبطل الصلاة إذا قصد به التنبيه، أصله: الإشارة، تبين صحة هذا: أن الإشارة مكروهة عندهم في الصلاة، وهذه الأذكار مستحبة فيها، ثم الإشارة لا تُبْطِل الصلاة، فأولى أن لا تبطل بالأذكار (١). وقياس آخر: وهو أنه قصد التنبيه بذكر مشروع في الصلاة، أو بذكر [يلائم] (٢) الصلاة، فلم يفسدها. دليله: إذا قصد تنبيه الإمام على سهوه، أو قصد دفع المار بين يديه، وإذا غلط الإمام في القراءة، أو التبست عليه، فلقَّنه، وهذه العلة أولى مما علل (٣) به بعضُهم أنه قصد التنبيه بالتسبيح؛ لأن ذلك لا تأثير له؛ فإن التنبيه بالتسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن سواء، فلا معنى للتقييد بالتسبيح. فإن قيل: المعنى في الأصل: أن فيه إصلاح صلاته، وفي مسألتنا خطاب للغير من غير أن يتعلق به صلاح الصلاة. قيل له: ما يفسد الصلاة لا يختلف أن يقوله لإصلاح الصلاة، أو

стр. 105

لغير إصلاحها؛ كقوله: سهوت، أو قم، أو اقعد، فلما ثبت أنه لو قاله لإصلاح صلاته، لم يفسد، كذلك إذا قال لغير صلاح الصلاة، وعلى أن هذا يبطل بالمكبرين في الصفوف؛ فإنهم يقصدون إعلام الناس بتكبير الإمام، ولا تبطل صلاتهم، وإن لم يكن فيه مصلحة لصلاة المكبر، كذلك في مسألتنا. واحتج المخالف: بما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قدمت على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فسلمت عليه، فلم يرد عليّ السلام، فأخذني ما قَدُمَ، وما حَدُثَ (١)، فلما فرغ من صلاته، قال: "إن الله يُحْدِث من أمره ما شاء، وإن مما أحدثَ أن لا تكلَّموا (٢) في الصلاة" (٣). فظاهره يقتضي النهي عن الكلام في الصلاة جملة، فإذا قصد الجواب

стр. 106

لغيره، فقد تكلم في الصلاة، فوجب أن تفسد صلاته. والجواب: أن هذا النوع من الكلام لا يدخل في هذا الخبر، ألا ترى [أنه] إذا لم يقصد به إفهام الآدمي، لا تبطل الصلاة؟ واحتج: بأنه إذا أُخبر بما يسره، فقال: الحمد لله، فقد قصد الجواب، فصار من كلام الناس، فتفسد صلاته، ألا ترى أنه لو سلم عليه إنسان، فرد عليه، أو شمَّت عاطسًا، فسدت صلاته؟ والجواب: أن السلام، وردّه، وتشميت العاطس، موضوع لمخاطبة الآدمي، ابتداءً وجوابًا، فجرى مجرى سائر مخاطبة الآدميين، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ فإنه ثناء على الله تعالى، أو تلاوة القرآن، وكل ذلك لا يبطل الصلاة، فإذا اقترن به إفهام الآدمي، وتنبيهه به، لم تبطل صلاته، كما تقول في التنبيه بالإشارة، وتنبيه الإمام على سهوه بالتسبيح، وتنبيه المار بين يديه، وتلقين الإمام إذا أشكلت عليه القراءة. واحتج: بأنه قصد خطاب غيره، لا لإصلاح صلاته، فوجب أن يُفْسِد صلاته، كما لو قال: قم أو اقعد، وكما لو كتب كتابًا لفتى اسمه يحيى، وافتتح الصلاة، فجاء الفتى لطلب الكتاب، فقال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، وكذلك إذا قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، أو قال: ﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]، أو قال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]، وقصد بذلك كله خطاب الغير، ولا يلزم عليه إذا سبح بالإمام، أو بالمار بين يديه، أو فتح على الإمام؛ لأن فيه إصلاح صلاته.

стр. 107

والجواب: أنه منتقض بالمكبِّر إذا رفع صوته بالتكبير لإعلام المأمومين؛ فإنه قصد خطاب غيره، لا لإصلاح صلاته، ولا تبطل صلاته، وعلى أنه لا تأثير لقوله: قصد خطاب غيره، لا لإصلاح صلاته، في الأصل؛ لأنه إذا كلمه بالكلام الموضوع للإعلام، بطلت صلاته، سواء كان لإصلاح صلاته؛ مثل قوله: قم، أو اقعد، أو لم يكن لإصلاح. ثم المعنى في ذلك: أنه يبطل صلاته إذا لم يكن يقصد التنبيه والإعلام، كذلك إذا قصد به، أو نقول: المعنى في ذلك أنه غير مشروع، ولا ملائم لها، وهذا مشروع ملائم. وأما إذا قال لفتى اسمه يحيى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢]، فإنه إذا قصد بذلك قراءة القرآن، لم يُبْطل صلاته؛ لأن مثل هذا يختلف بالقصد والنية، فإذا نوى به قراءة القرآن، كان قرآنًا، وإذا لم يقصد به قراءة القرآن، لم يلزمه، وأبطل الصلاة، ألا ترى أن الجنب إذا قال ذلك وهو لا يقصد به قراءة القرآن لم يكن عاصيًا؟ وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية (١). فإن قيل: فإذا عملت (٢) ها هنا بالقصد والنية، وجب أن يعمل به في مسألتنا.

стр. 108

فنقول: إذا قصد خطاب الآدمي وإفهامه، صار من جنس خطاب الآدميين، وأبطل الصلاة، وإذا لم يقصد به خطاب الآدميين، كان من جنس الأذكار، فلا تبطل. قيل له: لو كان كذلك، لوجب أن يُبطل صلاة المكبرين، وصلاة المنبه للإمام على سهوه، وصلاة الدافع للمار بين يديه، وهذا لا يقوله أحد، على أن الذكر الذي يجوز التنبيه به على ضربين: ضرب من جنس الأذكار؛ مثل: التسبيح، والتهليل. وضرب مشترك بين كلام الآدميين، وبين القرآن؛ مثل قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، و ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، و ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، و ﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]، و ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]، و ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، و ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨]. وأما التسبيح، والتكبير، والتهليل، فلا يخرج بقصد التنبيه به عن جنسه؛ لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا (١). وإنما يستدل على قصد المصلي بذكره بدلالة الحال، دون ما يقتضيه لفظه وحروفه، كما يستدل بالإشارة والتصفيق على التنبيه، وإذا كان كذلك، لم يجز أن يقال: إنه بالقصد صار من جنس كلام الآدميين، وأما

стр. 109

اللفظ [الذي] يصلح للقرآن ولكلام الآدميين، فإنه إذا قصد به تلاوة القرآن، كان من القرآن بقصده، ولم يضره معاودة التنبيه إياه، كما يضر المكبرين إذا قصدوا تنبيه المأمومين بالتكبير. وإن لم يقصدوا تلاوة القرآن، كان من كلام الآدميين، فبطلت الصلاة، وإنما اعتبرت النية في ذلك؛ لأن اللفظ مشترك يصلح للقرآن ولكلام الآدميين، ويفهم المخاطب معناه من لفظه. * * * ٦ - مَسْألَة: إذا ناب المرأةَ شيء في صلاتها، فإنها تصفق، ويكره لها التسبيح: نص عليه في رواية صالح (١)، وابن منصور (٢)، وأبي طالب (٣)، وقد

стр. 110

سئل عن التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، فقال: إي، والله. وقال مالك ﵀: هي كالرجل في التسبيح (١). دليلنا: ما تقدم (٢) من حديث سهل ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إذا نابكم شيء في الصلاة، فليسبِّحِ الرجال، وليصفِّقِ النساء". فلما فرق بينهما، دل على أنه يُكره لها التسبيح. ولأن من سنة صلاة المرأة تركَ الجهر بالقراءة فيما يُجهَر به من الصلوات، وترك الجهر بالأذان والتكبير؛ لما فيه من خوف الفتنة بها، وهذا المعنى موجود في رفع الصوت بالتكبير (٣)، فلم يستحب ذلك في حقها، وأقيم التصفيق مقامه. واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، والتصدية: هي التصفيق (٤).
следующие страницы →