← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

نص على هذا في رواية حنبل، وقد سئل عن الثوب اللطيف لا يبلغ أن يعقده، هل يأتزر به ويصلي؟ قال: لا أرى ذلك مجزئًا عنه (١)، فإن كان الثوب لطيفًا، صلى قاعدًا، أو عقد من ورائه، ويجزئه أن يأتزر بالثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء في صلاة التطوع (٢). وقال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥) ﵏: لا يجب عليه ذلك. دليلنا: ما روى أحمد (٦) ﵀، وذكره أبو بكر قال: ثنا سفيان عن أبي الزناد، عن الأعرج (٧)، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يصلِّي الرجلُ في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" (٨)، وهذا

стр. 142

نهي يدل على فساد المنهي عنه، وروى أبو داود بإسناده (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم في ثوب، فَلْيخالِفْ بطرفيه على عاتقيه" (٢)، وهذا أمر، فاقتضى الوجوب. وروى ابن شاهين (٣) في كتاب المناهي (٤) بإسناده عن ابن بريدة (٥) عن

стр. 143

أبيه ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل - يعني: في ملاءة (١) - ليس عليه غيرها إلا [أن] يتوشح بها (٢)، وأن يصلي في سراويل ليس عليه رداء" (٣). وروى شيخنا (٤) في كتابه عن أبي خالد (٥)، عن ابن عجلان (٦)،

стр. 144

عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء (١). وروى شيخنا بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يصلي الرجل في الثوب الواحد لا يُدخل مَنْكِبيه فيه" (٢). وروى أبو بكر بإسناده عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد خالف بين طرفيه (٣). وإذا ثبت هذا من فعله، دخل تحت قوله ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلَّي" (٤)، وروى أبو بكر بإسناده عن سهل بن سعد ﵁ قال: لقد رأيت الرجال عاقدي أُزْرِهم في أعناقهم من ضيق الأُزر خلف رسول الله ﷺ كأمثال الصبيان، قال: فقال قائل: يا معشر النساء! لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال (٥).

стр. 145

وهذا يدل على وجوب ستر المناكب؛ لأنهم فعلوه مع ضيق الثياب وقلتها. والقياس: أنه سترٌ وجبَ لا لأجل النظر، فلم يقف على ستر العورة. دليله: كفن الميت. فإن قيل: ستر الميت أعم في الإيجاب؛ لأنه يجب ستر جميع بدنه، ولا يجب مثل هذا في الصلاة. قيل: فهذا يؤكد؛ لأنه إذا وجب ستر جميعه وليس بعورة، جاز أن يجب ستر بعضه وإن لم يكن عورة، وعلى أن الطهارة الكبرى والصغرى يختلفان في المقدار، ومع هذا فإن كل واحدة منهما تتعدى محله. ولأنه أخلَّ بستر المنكبين مع القدرة عليهما، فلم يجز. دليله: إذا صلى خلف الإمام، ولم يقرأ، وكما لو انكشف من عورته يسير (١). فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لو ستر منكبيه، لم تجز صلاته. قيل له: لا نسلم لك هنا؛ ولأن الستر لا يختص وجوبه بالصلاة، ولا ما هو جارٍ (٢) مجرى الصلاة، فتعدى محلَّه.

стр. 146

دليله: الطهارة من الحدث، ولا يلزم عليه غسل النجاسة أنه لا يتعدى محله؛ لأنه يختص الصلاة (١) وهو الطواف، وليس كذلك الستارة؛ لأنها تجب لأجل النظر، وذلك ليس بصلاة، ولا جارٍ مجراها، وكذلك الطهارة تجب لحمل المصحف، وقراءة (٢)، وليس ذلك بصلاة، ولا جار مجراها، وكل من لزمه فرض الصلاة لزمه ستر منكبيه فيها. دليله: المرأة. فإن قيل: المعنى في المرأة: أن منكبيها عورة، فلهذا لزمها سترها، وهذا ليس بعورة. قيل له: جميع بدن الميت ليس بعورة، ومع هذا فيلزم ستره، كذلك ها هنا. واحتج المخالف: بما روى مهنا قال: حدثونا عن عبد الرحمن بن المبارك (٣) قال: نا فضيل بن سليمان النُّميري (٤) قال: نا موسى بن

стр. 147

عقبة (١)، عن إسحاق بن يحيى بن (٢) الوليد ابن أخي عبادة، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: "إن كان واسعًا، فاشتمَلَه، وإن كان عاجزًا، فاتزر به" (٣). قالوا: فقد جاز له أن يأتزر به، وعندكم: لا يجوز، بل يصلي جالسًا، ويستر منكبيه. والجواب: أن مهنا عرض هذا الحديث على أحمد ﵀، فقال: لا أعرفه، مَنْ عبد الرحمن بن المبارك؟ لا أعرفه. وعلى أنه لو صح، حملناه على صلاة النافلة، وهكذا الجواب عما روى سليمان بن حرب (٤) عن حماد بن زيد (٥)، ...............

стр. 148

عن أيوب (١)، عن نافع (٢)، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ، أو قال عمر بن الخطاب ﵁: "إذا كان لأحدكم ثوبان، فليصلِّ فيهما، فإن لم يكن إلا ثوبٌ، فليأتزر به، ولا يشتمل اشتمالَ اليهود" (٣). واحتج: بأن المنكبين ليسا (٤) بعورة، فلم يجب سترهما. دليله: الصدر والظهر. والجواب: أنه لا يمتنع أن يجب سترهما، وإن لم يكونا عورة، كما وجب في حق الميت، وكما وجب غسل الأعضاء الأربعة، وإن لم يكن (٥) محل الحدث، ولا يمتنع أن يجب ستر المنكبين، وإن لم يجب ستر

стр. 149

غيرهما، كما وجب غسل الأعضاء الأربعة في الحدث الأصغر، وإن لم يجب غسل غيرها، مع تساويهما في أن الحدث لم يخرج من واحد منهما. واحتج: بأن ما لا يجب ستره في صلاة النفل لا يجب في صلاة الفرض. دليله: ما ذكرنا. والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يجب ذلك في صلاة النفل، ويجب في صلاة الفرض، وكذلك التوجه إلى القبلة في السفر. واحتج: بأنه لو كان واجبًا، لوجب أن تبطل الصلاة بتركه لستره العورة. والجواب: أن قوله في رواية حنبل: لا أرى ذلك مجزيًا عنه، يقتضي: أن الصلاة تبطل بتركه ذلك، وعلى هذا أصحابنا، فعلى [هذا] (١) يسقط السؤال، وقد روى مثنى الأنباري عنه: فيمن صلى وعليه سراويل، وثوبه على إحدى عاتقيه، والأخرى مكشوف (٢)؟ يكره، وقيل له: يؤمر أن يعيد؟ فلم يرَ عليه إعادة (٣).

стр. 150

وظاهر هذا: أن الصلاة لا تبطل، فعلى هذا لا يمتنع ذلك (١) واجبًا، فإن لم يكن شرطًا في صحة الصلاة؛ كما قلنا على أصولنا: إن الجماعة واجبة في الصلوات المفروضات، وليست بشرط في صحتها، وكذلك الإحرام؛ فإن الميقات واجب، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، وليس ذلك بشرط في صحة الحج، كذلك ها هنا. واحتج: بأنه ستر لا يجب خارج الصلاة، فلا يجب في الصلاة، أصله: الصدر، والظهر. أنه (٢) يبطل بالعورة في الموضع الذي لا يراه أحد، فإنه لا يجب خارج الصلاة، ويجب في الصلاة، وهو إذا صلى في ذلك الموضع، ثم لا يجوز اعتبار خارج الصلاة بالصلاة؛ بدليل: القراءة، وغيرها. وقد نا علي بن أحمد (٣) بإسناده عن جابر ﵁: أنه صلى الظهر في

стр. 151

ثوب واحد متوشحًا به، كأني أنظر إليه؛ كأن على عاتقه ذنب فأرة (١)، وهذا يدل على أنه يجزئ القليل دون الاستيعاب. وذكر أبو حفص (٢) في شرح كتاب الخرقي بإسناده عن إبراهيم (٣) قال: كان الرجل من أصحاب (٤) النبي ﷺ إذا لم يجد ثوبًا يصلي فيه، ألقى على عاتقه عقالًا، ثم صلى (٥)، وإذا لم يجد ثوبًا، صلى قاعدًا يؤمئ،

стр. 152

وإن صلى قائمًا بركوع وسجود، أجزأه، نص على هذا في رواية بكر بن محمد: في القوم ينكسر بهم، فتذهب ثيابهم، أو تُسرق: يصلون قعودًا (١)، وقد روى الأثرم عنه: إن توارى بعضهم عن بعض، فصلوا قيامًا، فلا بأس به (٢)، فظاهر هذا: أنه في حال الخلوة إن شاء صلى قائمًا، وإن شاء صلى قاعدًا يؤمئ، ولا يكره له القيام. وظاهر رواية بكر بن محمد: أنه لا فرق بين الخلوة وغيرها، وهو المذهب (٣)، وبه قال أبو حنيفة ﵀ (٤). وقال مالك (٥)، والشافعي (٦) - رحمهما الله -: لا يجزئه إلا أن يصلي قائمًا بركوع وسجود. دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄ في قوم انكسرت مراكبهم فخرجوا عراة، قال: يصلون جلوسًا يومئون برؤوسهم

стр. 153

إيماءً (١)، وهذا قول ظهر وانتشر، ولم يُنقل عن أحد خلافه؛ ولأنه قادر على ستر ما يجب ستره من العورة، فلم يجز له تركُه. دليله: لو كان واجدًا للثوب، تبين صحة هذا: أنه لا فرق بين أن يجد ثوبًا يستر جميع عورته، أو يجد ما يستر بعض عورته في أنه يجب عليه ذلك، كذلك ها هنا، هو قادر على ستر ما يُلاقي الأرض من العورة، فيجب أن يلزمه؛ ولأن ستر العورة للصلاة واجب؛ كما أن سترها عن غيره واجب، ثم ثبت أنه لو سترها عن غيره ببدنه، أجزأه، وسقط الفرض عنه، كذلك في الستر الواجب في الصلاة. وأيضًا: فإن ستر العورة فرض، والقيام فرض، وقد دفع إلى ترك أحدهما؛ لأنه لا يمكن إتيانهما، فيجب أن يأتي بآكدهما، والستر آكد من القيام، ألا ترى فرض الستر لا يسقط في حال الصلاة على الراحلة، وفرض القيام يسقط، وكذلك فرض الركوع والسجود، ويجوز ترك القيام في صلاة صحيحة من غير عذر، وهو التطوع، وترك الستر لا يجوز في حال القدرة عليه بوجه. وستر العورة يجب للصلاة وغيرها، والقيام لا يجب إلا للصلاة؛

стр. 154

ولأنه إذا صلى قاعدًا، فقد أتى بفرض الستر، وما يقوم مقام القيام، والركوع، والسجود، وهو الإيماء، وإذا صلى قائمًا، فقد أتى بفرض القيام، والركوع، والسجود، من غير أن يأتي بما يقوم مقام الستر، ولأن يأتي بفرض الستر وما يقوم مقام غيره من الفروض أولى من أن يأتي بسائر الفروض، ويترك فرض الستر جملة. فإن قيل: لا يجوز أن يستر بعض بدنه ببعض، ولهذا يقول: إن من صلى منحلَّ الأزرار، فسدَّ الجيب بلحيته: أنه لا يجوز. قيل له: عندنا: يجوز أن يستر بعضه ببعض، وقد روى الأثرم عن أحمد ﵀: أنه سئل عن الرجل يصلي في قميص واحد غير مزرور عليه، ولحيته تغطي، والقميص غير متسع الجيب؟ فقال: إذا كان يسيرًا، فجائز (١). وظاهر هذا: أن اللحية قد تستر العورة؛ لأنه لم ينكر ذلك على السائل. فإن قيل: ستر العورة لو كان آكد - على ما ذكره -، لوجب أن يتعين عليه فرضه، ولا يجوز تخييره؛ لأنه إنما يخير بين شيئين متساويين. قيل له: هكذا نقول: إنه يتعين عليه الجلوس على معنى: أنه يستحب له الجلوس، ويكره له القيام، وقد يقع التخيير بين شيئين، وأحدهما أولى من الآخر؛ كالمسح على الخفين مع الغسل، وعتق الرقبة

стр. 155

مع الإطعام في الكفارة. فإن قيل: لا نسلِّم أن ستر العورة آكدُ من القيام في الفريضة، بل هما سواء؛ لأن كل واحد منهما شرط في صحة الفريضة إذا كان قادرًا عليه، وإذا عجز عنه، سقط فرضه، وصلى، ولم تجب الإعادة. قيل له: قد بيّنا أن أحدهما آكد في النفل، فيجب أن يكون آكدَ في الفرض، والتأكيد إنما يطلب في موضع واحد. فإن قيل: فهذا لا يصح على أصلك؛ لأنك تقول: يصلي جالسًا، ويسجد بالأرض، فيخل بالقيام، وبالستر جميعًا. قيل: روى أبو طالب (١)، وإبراهيم الحربي عن أحمد ﵀: أنه يؤمئ في ركوعه وسجوده (٢)، وهو قول شيوخنا: الخرقي (٣)، وأبي بكر، وروى عنه بكر بن محمد: أنه يصلي جالسًا، ويسجد بالأرض (٤)، قال أبو بكر: الذي رواه بكر بن محمد قول لأبي عبد الله أول - يعني:

стр. 156

مرجوع عنه - (١)، على أن السجود آكدُ من القيام؛ بدليل أن القيام يسقط في صلاة النافلة، والسجود بالأرض لا يسقط، فجاز أن يسقط القيام - لضعفه - بعد الستر، ولا يسقط السجود؛ لقوته، ويجب أن يكون المذهب الصحيح: أن السجود يومئ؛ لما ذكرنا من الدليل. واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وبقول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵁: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع، فعلى جَنْب" (٢)، وهذا عام. والجواب: أن هذا محمول على من كان واجدًا لما يستر عورته؛ بدليل ما ذكرنا. واحتج: أنه مستطيع للقيام من غير ضرر، فوجب أن لا يجوز له تركه في الفرض. ودليله: المكسي. والجواب: أن المكسي يمكنه أن يأتي بفرض الستر وسائر الأركان، فوجب عليه أن يأتي بالجميع، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا يمكنه أن يأتي بفرض الستر مع سائر الفروض، ولا بد من إتيان بعضها، وترك بعضها، فيجب أن يأتي بآكدهما، ويترك أيسرهما، وقد بينا أن ستر العورة

стр. 157

آكدُ من سائر الفروض، فيجب أن يأتي به، ويترك الأيسر. واحتج: بأن القيام والركوع والسجود من أركان الصلاة، فلا يسقط بالعجز عن ستر العورة؛ قياسًا على سائر الأركان من القراءة وغيرها. والجواب: أنه (١) يسقط سائر الأركان؛ لأنه يمكنه إتيانها مع الستر، وفي مسألتنا لا يمكنه إتيانها إلا مع ترك فرض الستر، وقد بينا أن الستر آكد، فكان إتيانها أولى. واحتج: بأنه إذا صلى قائمًا، حصلت له ثلاثة أركان، وإذا صلى قاعدًا، حصل له ستر بعض العورة، ولا يجوز أن يترك ثلاثة فروض لفرض واحد. والجواب: أنه إذا صلى قاعدًا، فإنه يحصل له ستر العورة المغلظة، وما عداها، فحكمُه أخفُّ وأيسر؛ لأنه مختلف في كونه عورة، ووجوب ستره، والله أعلم. * * * ١٣ - مَسْألَة: إذا لم يجد إلا ثوبًا نجسًا، وليس معه ما يغسله، فإنه يصلي فيه، ولا يصلي عريانًا:

стр. 158

نص على هذا في رواية حرب (١)، وأبي طالب: فيمن معه ثوب، وعليه دم فاحش وقذر، وهو مضطر، هل يتعرى ويصلي؟ فقال: لا يتعرى، ولكن يصلي ويعيد (٢)، فقد نص على أنه يصلي ويعيد، ويتخرج في الإعادة رواية أخرى: أنه لا يعيد؛ لأنه قد نص فيمن عدم الماء والتراب وصلى، هل يعيد؟ على روايتين، كذلك يتخرج ها هنا (٣). وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف - رحمهما الله -: إن كان ربع الثوب طاهرًا، وثلاثة أرباعه نجسًا، صلى فيه، ولم يصلّ عريانًا، وإن كان أقل من ربع الثوب طاهرًا، أو كان مملوءًا، فهو بالخيار، إن شاء صلى في الثوب ولا يعيد، وإن شاء صلى عريانًا (٤).

стр. 159

وقال الشافعي ﵀: لا يجوز له أن يصلي في الثوب، ولكن يصلي عريانًا (١). فالدلالة على أنه يصلي في الثوب من غير تخيير: قوله ﷺ : "غَطِّ فَخذَك؛ فإن الفخذ عورة" (٢)، وقوله: "لا تُبرِز (٣) فخذَك، ولا تنظر إلى فخذِ حيٍّ ولا ميتٍ" (٤)، وهذا أمر بتغطية الفخذ، فهو على العموم؛ ولأنه قادر على ستر ما يجب سترُه خارجَ الصلاة، فلم يجز له تركه في الصلاة، دليله: لو كان واجدًا لثوب طاهر. فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الفرض يسقط معه، وها هنا

стр. 160

لا يسقط معه الفرض. قيل له: قد بيّنا أن في الإعادة روايتين: إحداهما: لا يجب، فعلى هذا: لا فرق بينهما. والثانية: يجب. فعلى هذا: لا يمتنع أن يجب عليه الصلاة على هذه الصفة، وإن كانت الإعادة واجبة؛ كما قلنا نحن (١) والشافعي ﵀ (٢): فيمن عدم الماء والتراب: يصلي ويعيد، وكذلك يلزمه المضي في الحج الفاسد، وإن لم يسقط به الفرض، وكذلك إذا أدرك الإمام بعد الركوع، لزمه متابعته، وإن لم يعتد (٣) به، كذلك ها هنا. وأيضًا: فإن ستر العورة فرض، والطهارة من النجاسة فرض، وقد دفع إلى ترك أحدهما؛ لأنه لا يمكنه إتيانهما، فيجب أن يأتي بآكدهما، وهو الستر؛ لأنه آكد، ألا ترى أنه يجب في الصلاة وفي غير الصلاة، والنجاسة تسقط في غير الصلاة؟ ولأن أبا حنيفة ﵀ قد قال: لو طاف عريانًا، لزمه دم، ولو طاف في ثوب نجس، لم يلزمه دم (٤). ولأن الشافعي ﵀ قد قال (٥): إذا انكشف من العورة يسيرٌ، لم تصح صلاته. وقال: يعفى عن يسير النجاسة، وإذا كان كذلك،

стр. 161

وجب أن يأتي بآكد الفرضين، ويترك أيسرهما، ولا يكون مخيرًا في أحدهما. ولأن كشف العورة في الصلاة يجري مجرى النجاسة، ثم ثبت أنه لو عدم الستارة، صلى عريانًا، كذلك إذا عدم الطهارة من النجاسة، يجب أن يصلي مع النجاسة. ولأنه غير قادر على ثوب طاهر، فلم يكن مخيرًا بين الصلاة في الثوب النجس وبين تركه، كما لو كان ربعه طاهرًا، وثلاثة أرباعه نجسًا، فإن أبا حنيفة ﵀ قد قال: لا يخير، بل يلزمه الصلاة فيه، كذلك إذا كان أكثره نجسًا، تبين صحة أن هذا تقدير، والمقادير عنده لا تثبت إلا بتوقيف أو إجماع، وليس ها هنا واحد منهما. واحتج المخالف: بقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهارة" (١). والجواب: أنا نحمله: لا صلاة مجزئة إلا بطهارة إذا قلنا: إنه يعيد الصلاة؛ أو نحمله على أنه: لا صلاة إلا بطهارة مع القدرة عليها إذا قلنا: لا يعيد؛ بدليل: ما ذكرنا. واحتج: بأن كل نجس لم يجب استعماله في الصلاة إذا وجد طاهرًا

стр. 162

من جنسه، لم يجز استعماله، وإن لم يجد؛ كالماء النجس. والجواب: أن الماء له بدل يرجع إليه، فلا معنى لاستعمال النجس، وهذا معدوم في الستر؛ ولأن الماء النجس لا يحصل به المقصود، وهو رفع الحدث، وهذا يحصل به المقصود، وهو الستر، ألا ترى أنه يحصل به هذا المعنى في غير الصلاة؟ واحتج: بأنه صلى بنجس مقدور على إزالته، ممكن الاحتراز منه غالبًا، فلم يجز. دليله: إذا كان معه ثوب طاهر. والجواب: أن قوله: (مقدور على إزالته)، غير مسلَّم؛ لأنه لا يقدر على إزالته إلا بترك الستر، وقد بينا أن الستر آكدُ من طهارة النجس، فلم يجز إسقاط الآكد بالأضعف. واحتج أبو حنيفة ﵀ في التخيير، وإسقاط الفرض: بأن النجاسة تجري مجرى كشف العورة في بطلان الصلاة مع القدرة، فيجب أن يكون مخيرًا في أيهما شاء حال العجز، ويسقط الفرض بالنجاسة كما يسقط مع كشف العورة (١). والجواب: أنه كان يجب أن يعتبر الربع في سترها، كما اعتبر الربع في النجاسة. فإن قيل: فعندكم أن الستارة لها بدل، وهو الجلوس، فكان يجب

стр. 163

أن ينتقل إليه، ولا يصلي في ثوب نجس. قيل: ذلك ليس ببدل في الحقيقة، ولهذا من أجاز الصلاة جالسًا، خيَّره بين الجلوس والقيام، ولو كان بدلًا في الحقيقة، ما جاز تركه؛ ولأنه لو كان بدلًا في الحقيقة، لم يختلف الناس فيه، كما لا يختلفون في الثوب. * * * ١٤ - مَسْألَة: اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ إذا صلى في ثوب غصب هل تبطل صلاته، أم لا ؟: فنقل عبد الله (١)، وأبو طالب (٢): فيمن سرق ثوبًا، وصلى فيه: ما هو بأهل أن تجوز صلاته، وإنه لأهل أن يعيد (٣). وروى عنه إسماعيل بن سعيد: فيمن صلى في ثوب غصبه: لا آمره بالإعادة (٤).

стр. 164

وهكذا إن صلى في أرض غصب، هل يعيد، أم لا؟ على روايتين، نقل جعفر بن محمد عنه في مسجد محرابُه غصب، وقدر ما يقوم مقام الإمام: فسدت صلاة المأموم (١). ونقل إسماعيل بن سعيد: إن صلى في دار غصبها: آمره (٢) بإعادة الصلاة، وهكذا إن غصب ماء وتوضأ، في الإعادة روايتان، وكذلك إن غصب خفًا ومسح عليه، هل يعيد تلك الطهارة؟ على روايتين. وقال أبو بكر: فإن صلى في ثوب حرير، هل يعيد، أم لا؟ على روايتين (٣)، ذكره في كتابه التنبيه، وقد سُئل أحمد ﵀ في رواية إسماعيل: عَمَّنْ صلَّى وفي سراويله تكة (٤) حرير، هل يعيد (٥)؟ وكذلك

стр. 165

إن حج بمال غصب، هل يجزئه، أم لا (١)؟ نقل عبد الله (٢)، وأبو طالب: عَمَّنْ سرق مالًا، وحج به: لا يجزئه، وعليه الحج. وروى عنه إسماعيل: إذا غصب مالًا، وحج به: أعجبُ إليَّ أن يعيد الحج. واختار أبو إسحاق (٣) في تعاليقه على كتاب العلل، فقال: لا حج له، واحتج بقول النبي ﷺ : "من أحدثَ في أمرنا ما ليس منه، فهو رَدّ" (٤). وقال أبو بكر: فيمن غصب شاةً وذبحها: فهي ميتة (٥)، والمنصوص عن

стр. 166

أحمد ﵀: أنها تكون مذكاة؛ لأنه قال في رواية ابن منصور: في لص ذبح شاة: فلا يأكلها إلا أن يأذن له (١)، فقد أباحها بعد الإذن. وقال أبو بكر أيضًا: إذا ذبح بسكين غصب، فهو ميتة، ولا يمتنع أن يخرج ذلك على الروايتين (٢). وقال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥) ﵏: قد أثم، وعصى بصلاته على هذا الوجه، وهي مجزئة عنه، وكذلك في الحج، والطهارة، والذكاة. والدلالة على أنه يعيد الصلاة: ما روى أحمد ﵀ في المسند (٦) قال: نا أسود بن عامر (٧) قال: نا بقية بن الوليد الحمصي (٨) عن

стр. 167

عثمان بن زفر (١)، عن هاشم (٢)، عن ابن عمر ﵄ قال: من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام، لم يقبل الله له صلاةً ما دام عليه. قال: ثم أدخل أصبعيه في أذنيه، ثم قال: صُمَّتا إنْ لم يكن النبي ﷺ سمعته يقول (٣). وهذا نص. فإن قيل: فقد روى أبو طالب قال: سألت أحمد ﵀ عن حديث بقية بن الوليد عن يزيد بن عبد الله الجهني (٤)، عن هاشم الأوقص (٥)، عن نافع قال: سمعت ابن عمر ﵄ وذكر الخبر -، فقال: ليس هذا

стр. 168

بشيء، ليس له إسناد، فقد ضعفه، فلم يصح الاحتجاج به (١). قيل له: الإسناد الذي سُئِلَ عنه وضعفه غير الذي في المسند؛ لأنه رواه عن بقية عن عثمان بن (٢) زفر عن هاشم، والذي سئل عنه رواه بقية عن يزيد بن عبد الله عن هاشم، وروى أبو حفص في الجزء الأول من كتاب: الإجارات، في باب: التغليظ في كسب الحرام، بإسناده عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ قال: "من كسب مالًا من حرام، فأنفقه، لم يُقبل منه، فإن ادَّخَر (٣) منه شيئًا، كان زادَه إلى النار، ومن لبس سربالًا حرامًا، لم يُقبل منه صلاةٌ ما دام ذلك السربال عليه، إن الله أجلُّ وأكرمُ من أن يقبل صلاة رجل ودعاءه وعليه سربال حرام" (٤). وأيضًا: روي عن النبي ﷺ قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا،

стр. 169

فهو رَدٌّ" (١)، والصلاة في الثوب الغصب ليس عليه أمرُ النبي ﷺ ، فيجب أن تكون مردودة. وروى النجاد (٢) في كتاب مكة بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: إذا حج الرجل من مال حرام، فقال: لبيك اللهمَّ. قال الله: لا لبيك ولا سعدَيْك (٣). وأيضًا: فإنه ثوب تحرم الصلاة فيه، أو بقعة تحرم الصلاة فيها، فلم تصح الصلاة فيها. دليله: الثوب النجس، والبقعة النجسة، ولهذا قال أصحابنا في المواضع المنهي عن الصلاة فيها: إن صلاته لا تصح فيها على الصحيح من الروايتين؛ لهذه العلة، وهو أنه يحرم عليه الصلاة فيها؛ ولأنه صلى في ثوب غصب، أو بقعة غصب، فلم تصح صلاته.

стр. 170

دليله: صلاة النافلة، وكل ثوب لا تصح صلاة النفل فيه لا تصح صلاة الفرض فيه؛ كالنجس. فإن قيل: القصد من النفل القربةُ فقط، والغصبُ ينافيها، والقصد من الفرض إسقاطُ الفرض. قيل: هذا لا يوجب الفرقَ بينهما، كما لم يوجبه في الثوب النجس. وجواب آخر: وهو أنه كان يجب أن تصح في النفل دون الفرض؛ لأنها أخف في شرائطها من الفرض. وجواب آخر: وهو أنه لو غصب خمسة دراهم، وتصدق بها، لم يجزئه عن فرضه، ولا عن التطوع، وإن كان القصد من النفل الثواب (١) فقط، ومن الزكاة إسقاط الفرض. ولأن الصلاة قربة، هي أكوان مفتقر إلى مكان (٢) ممنوعًا من الكون في هذه البقعة، خرجت عن معنى القربة، فلم تصح (٣). ولأن الفعل الشرعي يوجد من طرق ثلاثة: إما من طريق الوجوب، أو المندوب، أو الجواز، وهذه الصلاة على هذا الوجه تخرج عن هذه الأقسام، فلم تكن صلاة شرعية، فيجب أن لا تصح، وهذان التعليلان

стр. 171

يوجدان في الحج بمال غصب. ولأن الشرائط كالأركان، ثم ثبت أنه لو أوقع الأركان على وجه محرم، لم يصح، وهو أن يطوف منكوسًا، أو محدِثًا، كذلك في الشرط الذي هو الراحلة، ولا يجوز أن يقال: إن الزاد والراحلة يتقدمان على العبادة، ولا يصحبانها؛ لأنه لو أحرم من دُويرة أهله، أو من الميقات، وسار على راحلة محرمة، فالتحريم هنا مصاحبٌ للعبادة، وهو صحيح عندهم؛ ولأن الحج من نتيجة المال المغصوب وفائده (١). ومن أصلنا: أن فائدة المال المغصوب لا تكون للغاصب، وتكون لصاحب المال، ولا يمكن أن يكون الحج لصاحب المال؛ لأنه ما أذن فيه، ولا نواه. واحتج المخالف: بما روى النجاد بإسناده عن عقبة بن عامر ﵁ قال: أُهدي لرسول الله ﷺ فَرُّوْجٌ (٢) من حرير، فلبسه، وصلى فيه المغرب، فلما قضى الصلاة، نزعه نزعًا عنيفًا، فقلنا: يا رسول الله! لبسته وصليت فيه؟ فقال: "إن هذا لا ينبغي للمتقين" (٣).

стр. 172

قالوا: فقد صلى في الحرير، ولم يعد الصلاة. والجواب: أنه يحتمل أن يكون قبل تحريمه؛ إذ لو كان بعد التحريم، ما لبسه، ولا يحتمل أن يكون أعاد، ولم يُنقل، وقد كان لبسه مباحًا؛ بدليل: ما رواه أبو بكر الخلال في كتاب: اللباس بإسناده عن أنس ﵁: أن أُكَيدر دُومَة (١) أهدى إلى رسول الله ﷺ جبة، قال سعد: أحسبه قال: سندس (٢)، قال: وذلك قبل أن ينهى عن الحرير، فلبسها، فعجب الناس منها (٣)، فقال: "والذي نفسي بيده! لمناديلُ سعدِ بنِ معاذٍ في الجنة أحسنُ منها" (٤). واحتج: بأن هذه بقعة طاهرة مستقبَلٌ بها القبلةُ، أو سترة طاهرة،

стр. 173

أشبه إذا لم تكن مغصوبة. والجواب: أن المعنى في الأصل: إنما يباح الصلاة فيها، وهذه محرم الصلاة فيها، وهي كالنجسة، وكالصلاة النفل. واحتج: بأن المنع من الصلاة في ثوب غصب، وأرض غصب، وثوب حرير، لا يختص الصلاة، ألا ترى أنه ممنوع من ذلك في غير الصلاة؟ وإذا لم يكن المنع يختص الصلاة، يجب أن لا يؤثر فيها؛ كما لو صلى وعنده وديعة، وهو مطالب بها، وهي في كمّه، وهو قادر على دفعها، فلم يدفعها، فإن صلاته صحيحة، وإن كان ممنوعًا من الصلاة على هذا الوجه؛ لأن المنع لا يختص الصلاة، كذلك ها هنا. والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يختص الصلاة ويفسدها، كما أن المُحْرِم إذا نكح امرأة حلالًا، لم يصح النكاح، وإذا لم يكن المنع يختص المعقودَ عليها، وإنما يختص العاقدَ، وكذلك إذا اشترى صيدًا، لم يصح، وإن لم يكن المنع يختص الصيد؛ لأن العين تقبل العقد، وإنما المنع يختصه، كذلك ها هنا المنعُ لا يختص الصلاة، بل هو في معنى المصلي، ولا يصح، وكذلك صلاة النفل تبطل، وإن لم يرجع النهي إلى الصلاة خاصة؛ ولأن من غصب طعامًا فأكله في حال صومه، أو زنا وهو صائم، فإن تحريم ذلك لا يختص الصوم، ويفسدُه، وكذلك يحرم الأكل في الصلاة، وكشفُ العورة في الصلاة بحضرة الناس لا يختص الصلاة، وكذلك الجنب إذا صلى في المسجد، لم تصح صلاته، وإن كان ذلك التحريم

стр. 174

لا يختص الصلاة؛ لأنه، وإن كان ذلك التحريم الصلاة (١)؛ لأنه، يسبق الصلاة بنفس دخوله المسجد، فأما إذا امتنع [من] رد الوديعة، وتشاغل بالصلاة، فإنما لم تبطل صلاته؛ لأن المنع هناك لا يرجع إلى شرط من شرائط الصلاة، وفي مسألتنا يرجع إلى شرط من شرائطها، وهو المكان والستر، تبين صحة هذا: أن ذلك لا يؤثر في صلاة النفل. فإن قيل: لا فرق عندكم بين أن يكون الثوب المغصوب هو الشرط المواري لعورته، وبين أن يكون زائدًا على ذلك. قيل: إذا ستر به عورته، بطلت الصلاة لعلتين: إحداهما: أنه ثوب تحرم الصلاة فيه. والثانية: أن التحريم في شرط من شرائطها، وإذا كان زائدًا على ستر العورة، بطلت لعلة واحدة، وهو كونه ثوبًا تحرم فيه الصلاة، ومثل هذا ما نقوله: إن القتل يجب بعلل: الردة، والمحاربة، وتزول الردة، ويبقى القتل بالمحاربة، وكذلك الكفارة قد تجب بوطء في الإحرام، [و] في صيام رمضان، وقد تزول إحداهما، وتبقى الأخرى. وجواب آخر مليح: وهو أنه إذا كان زائدًا على ستر العورة، وإن لم يكن شرطًا في الصلاة، فهو من جنس ما هو شرط، فتبعه في حكمه، كما قلنا في كفن الميت إذا كان ثلاثة أثواب، فسرق السارق اللفافة الثالثة، قُطع، كما بالأولة، وإن كان فرض الكفن سقط بالأولة دون الثالثة، كذلك

стр. 175

لا يمتنع أن تبطل الصلاة بالثاني، وإن كان فرض الستر سقط بالأول. وكذلك عند أبي حنيفة ﵀: إذا مسح فوق الجرموق، جاز، وإن كان سِتر القدم حصل بما تحته (١)، ويفارق هذا: إذا غصب ثوبًا، وتركه في كمه، وصلى: لا تبطل الصلاة؛ لأنه ليس على صفة ما هو شرط، فجرى مجرى ما لو طوى اللفافة الثالثة، وجعلها ثوبًا مطويًا في جملة الكفن، فسرقها السارق: لا قَطْعَ عليه؛ لأنها ليست على صفة ما هو كفن الميت. فإن قيل: فالثوب الثاني والثالث من الكفن مندوب إليه، وما زاد على السترة غيرُ مندوب إليه. قيل: الصلاة في العمامة مندوب إليها، وكذلك الرداء (٢)، وقد نصّ أحمد في رواية ابن القاسم (٣)، وقد حكى له عن مالك ﵀: أنه يكره للمصلي أن ينحي عنه رداءه (٤)، فأعجبه ذلك، وقال في رواية أبي طالب: يستحب أن يكون للذي يصلي بالناس ثوبان (٥)، وقد دلت السنة

стр. 176

على ذلك، فروى ابن بطة (١) بإسناده عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من كان له ثوبان، فليتَّزِرْ وليرتَدِ (٢)، ومن لم يكن له ثوبان، فليتزر، ثم ليصلِّ" (٣). وروى أبو حفص في تعاليقه بإسناده عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاةٌ في عِمامة أفضلُ من سبعين صلاة بغير عمامة، إن الله وملائكته يصلُّون على المتعَمِّمين" (٤). وروى ابن بطة بإسناده عن نافع قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي في ثوب واحد، فقال: ألم أكسُكَ؟ قلت: بلى، قال: أرأيتَ لو بعثتك في

стр. 177

حاجة، كنت تذهب هكذا؟ قال: لا. قال: الله أحقُّ أنَ تَزَيَّنَ له (١). واحتج: بأن كل بقعة صحت فيها صلاة الجمعة (٢) صحت فيها بقية الصلوات، كسائر البقاع، وقد قال أحمد ﵀ في رواية حنبل: في المسجد الغصب يُصلي فيه الجمعة، ولا يتطوع فيه (٣). ونحو ذلك نقل صالح (٤)، وابن منصور (٥). والجواب: أن هذا مبني على صلاة الجمعة (٦) خلف الفاسق: أنه يتبع؛ لأنها تقف على إمام واحد، وكذلك تختص ببقعة واحدة، وفي الإعادة روايتان: إحداهما (٧): تجب، فعلى هذا: لا فرق. والثانية: لا يعيد؛ لأنه مأمور بمتابعته، وبالصلاة في هذا المكان،

стр. 178

وليس كذلك في غير الجمعة؛ فإنه ممنوع منها (١). واحتج: بأنه لو بطلت الصلاة في البقعة الغصب، لبطلت إذا صلى في أرض بنيانها غصب، والأرض ليست بغصب (٢)؛ لأنه ممنوع من الانتفاع بذلك كما يمنع من الأرض. والجواب: أن أبا بكر المروذي قال: قيل لأبي عبد الله: أليس ينظر في البناء؟ قال: نعم، كان أبو مسلم (٣) قد بنى مسجدًا، فكان المبارك لا يصلي فيه إلا الفرض - يعني: الجمعة - (٤). وظاهر هذا: المنعُ، ويشهد له من أصله: منعُ الصلاة في موضعٍ قبلتُه إلى الحُشّ (٥)، فمنع من الصلاة إلى حائط الحش، وإن لم تكن البقعة من الحش. واحتج: بأنه لو صلى في ثوب غصب، أو بقعة غصب، وهو لا يعلم

стр. 179

بذلك، ثم علم، صحت صلاته، كذلك إذا كان عالمًا به. والجواب: أن الجاهل بذلك لا مأثم عليه، والعالم مأثوم ممنوع، والقُرَبُ إذا وقعت على الوجه (١) نافت القربة، فأما حق الآدمي، فلا يسقط بالنسيان، وهو آخره (٢). واحتج: بأنه لو توضأ في دار مغصوبة بماء يملكه، صحت الطهارة، وإن كان الفعل محرمًا، وكذلك إذا باع، أو تزوج في دار مغصوبة، كذلك ها هنا. والجواب: أن التحريم هناك لم يرجع إلى شرط من شرائط الطهارة، ولا إلى شرط من شرائط العقد، تبين صحة هذا: أن الكون ليس بشرط في صحة العقد، ولا الطهارة؛ لأنه يصح أن يوجبا العقد، وهما يَسْبحان، أو يَهْويان من عُلْو، وكذلك الطهارة تصح في حال سباحته، وليس كذلك الصلاة؛ لأن التحريم رجع إلى شرط من شرائطها، فإن الكون شرط فيها، وكذلك السترة، تبين صحة هذا: لو توضأ لتجديد الطهارة لا عن حدث في دار غصب، لم يؤثر في صحة الطهارة، ولو صلى فيها نافلة، لم تصح، وكان الفرق ما ذكرنا، على أنه قد رُوي عن أحمد ﵀ ما يدل على أنه إذا باع في أرض، لم يصح البيع، فقال في رواية ابن بختان (٣)

стр. 180

في رجل اكترى دكانًا غصبًا، وهو لا يعلم، وقد خرج، ما يصنع بما اشترى؟ قال: يرده في الموضع الذي أخذ منه، وقال في موضع آخر: يرجع فيلقيه في المدينة، ويخرج (١). فإن قيل: فما تقول إذا تضايق وقت الصلاة، وهو في أرض غصب، هل يصليها، أم يؤخرها حتى يخرج منها وإن فاتت الصلاة؟ قيل: ينظر في هذا، فإن كان محبوسًا فيها، فإنه يصلي ولا يؤخرها، كما لو كان محبوسًا في حُشّ، صلَّى، ولم يؤخر الصلاة شغلًا للوقت، وفي الإعادة روايتان، وإن كان هو الغاصب، وضاق الوقت عن خروجه منها، لم يجز له الصلاة؛ كما لو ضاق الوقت عليه وهو محدِث، وخاف إن تشاغل خرج الوقت، لم يجز له الصلاة، وتشاغل بالطهارة، كذلك ها هنا. فإن قيل: فما تقولون إذا غصب سكينًا، فذبح بها؟ قيل له: على قول أبي بكر من أصحابنا: لا تصح الذكاة؛ لأنه قال: إذا غصب شاة فذبحها، تكون ميتة (٢)، ولا يقطع السارق بإخراجها، والمنصوص عن أحمد ﵀: أن الذكاة صحيحة، نص عليه في الشاة
следующие страницы →