← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

نص عليه في رواية صالح (١)، وأبي الحارث (٢)، وأبي طالب (١)، وهو قول الشافعي ﵁ (٣). وقال مالك ﵀: لا يسجد، فإن سجد، أعاد (٤). دليلنا: إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -: روي أبو بكر النجاد بإسناده عن القاسم (٥) قال: قال عمر ﵁: إني أراكم قد كثرتم في الجمعة، أو الجمع، أو المسجد، فليسجدِ الرجل على ظهر أخيه (٦)، ........................................

стр. 1157

وفي لفظ آخر (١) رواه عن سيار بن معرور (٢) قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يخطب فقال: أيها الناس! إن هذا المسجد بناه رسول الله ﷺ ، ونحن معه المهاجرون والأنصار ﵃، فإن لم يجد أحدكم مكانًا، فليسجد علي ظهر أخيه، ورآهم يصلون في الظهيرة (٣). فوجه الدلالة: أنه قال هذا بجمع من الصحابة، وخاطبهم بذلك، فلم يظهر عن أحد منهم النكير، فدل على إجماعهم. ولأنه قادر على متابعة إمامه في السجود، فلزمه ذلك؛ كما لو قدر علي السجود على الأرض، تبين صحة هذا: أنه ليس فيه أكثر من أن موضع السجود أعلى من موضع قدميه، وهذا لا يمنع؛ كما لو سجد

стр. 1158

على نشز (١) من الأرض في حال الاختيار، ولأنه لو عجز عن السجود على الأرض لمرض، سجد على حسب الإمكان، وهو أن يومئ أكثر ما يقدر عليه، كذلك سجوده على ظهر غيره هو أكثر ما يقدر عليه. فإن قيل: المرض لا يعلم متى يزول عذره، وهذا يعلم متى يزول عذره. قيل: المتيمم لو كان يعلم أنه يجد الماء عن قرب بعدَ صلاته بالتيمم، جاز له أن يصلي بالتيمم، وإن علم زوال عذره. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ قال: "جُعلت لي الأرض مسجدًا" (٢)، فامتنع جواز السجود على غيرها، وقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣)، والنبي ﷺ لم يسجد على ظهر غيره. والجواب: أن البهيمة إذا كانت طاهرة، ولم يمكن السجود على الأرض، جاز له السجود عليها. واحتج: بأن ما لم يكن محلًا للسجود في غير الزحام، لم يكن محلًا في الزحام؛ دليله: الإيماء. والجواب: أنه إنما لم يجز له الإيماء؛ لأنه يمكنه زيادة عليه، فلهذا لم يجز له الإيماء، وإذا سجد على ظهر غيره، فليس يمكنه

стр. 1159

الزيادة على ذلك، والله أعلم. * * * ١٤٩ - مَسْألَة: إذا ركع مع الإمام، ثم زحمه الناس، فلم يقدر علي السجود حتى سجد الإمام، وقام إلى الركعة الثانية، ثم زال الزحام، والإمام قائم في الركعة الثانية، فإنه يشتغل بقضاء السجدة التي فاتته من الركعة الأولى، وإن كان راكعًا، تابع الإمام في الركوع، ولم يتشاغل بالقضاء: أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية أبي طالب (١)، فقال: في الرجل يكبر مع الإمام يوم الجمعة، فإن لم يقدر [أن] يسجد على الأرض، يسجد على ظهر رجل، فإن لم يقدر أن يركع ويسجد، يتبعه يركع ويسجد، هو أجود، قيل له: بعد ما يقوم الإمام؟ قال: نعم. فقد أجاز القضاء بعد ما يقوم إلى الثانية، قال أبو بكر في كتاب الشافي: إذا أتى بما سبقه الإمام به يوم الجمعة بعده، وقيل: إن يركع، فلا بأس. وروى أحمد بن القاسم عنه (٢): في الرجل يصلي خلف الإمام

стр. 1160

ركعة؟ يجعلها كأنها فائتة يقضيها إذا فرغ. وظاهر هذا: أنه لا يتشاغل بالقضاء في الركعة الثانية؛ لأنه قال: يقضي إذا فرغ، وكذلك نقل المروذي عنه (١): إذا ركع الإمام ورفع قبل أن يركع الرجل، لم يعتد بتلك الركعة، قيل له: فما تقول إن أصابه هذا في الجمعة؟ فقال: الجمعة غير هذا. وكذلك نقل المروذي عنه أيضًا (٢): إذا سجد الإمام، ورفع رأسه، فإن كانت (٣) سجدة واحدة، تبعه إذا رفع رأسه، وإن كانت (٣) السجدتان، لم يعتد بتلك الركعة. وظاهر هذا: أنه لا يتشاغل بقضاء ما فاته معه من الركوع والسجود، بل يتبعه، فإذا فرغ الإمام من صلاته، قضى ما فاته، والرواية الأولى أصح، وأنه يتشاغل بالقضاء ما لم يركع الركعة الثانية، وهو قول مالك ﵀ (٤). وقال أبو حنيفة: يبدأ بما فاته، ولا يتبع الإمام في الركعة الثانية، إلا بعد أن يقضي، سواء أدرك معه الركوع في الثانية، أو لم يدرك (٥). وللشافعي ﵁ قولان (٦): أحدهما: مثل الرواية الأولى، والثاني:

стр. 1161

مثل قول أبي حنيفة. دليلنا: ما روى أحمد في المسند (١) عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (٢) " (٣)، فوجه الدلالة: قوله ﵇: "وإذا ركع فاركعوا"، وإمامُه في الثانية راكع، فيجب أن يركع معه. فإن قيل: فقد قال: "فإذا سجد فاسجدوا"، وقد سجد الإمام، فيجب أن يسجد المأموم أيضًا. قيل له: في تلك الحال لم يكن مأمومًا في السجود؛ لعجزه عنه؛ كما إذا أُمر بغسل اليد اليمنى، فقطعت، سقط الأمر المتعلق بها، وأيضًا: فإنه يمكن متابعة الإمام في ركوعه، فلزمه اتباعه؛ دليله: المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا. فإن قيل: قوله: يمكنه متابعته في الركوع، لا تأثير له في الأصل؛ لأنه لو أدركه، لزمه متابعته. قيل له: التعليل لوجوب الاتباع، والركوع داخل في ذلك، وله تأثير فيه.

стр. 1162

واحتج المخالف: بأنه شارك الإمام في الركوع، أو فيما قبله، فإذا فاته السجود معه، لزمه الاشتغال بقضاء الفائت لزمه (١)، أصله: إذا زال الزحام والإمام قائم في الركعة الثانية: أنه يشتغل بقضاء الفائتة من الركعة الأولى، وكذلك إذا كان راكعًا، ولم يخف المأموم فوتَ الركوع إن اشتغل بقضاء ما فاته. والجواب: أن اشتغال المأموم بالسجود في الركعة الأولى مع قيام الإمام في الركعة الثانية قبل الركوع فيما ورد الشرع به في حال العذر، ووقعت فيه المسامحة والعفو؛ بدليل: أن النبي ﷺ صلى بعسفان صلاة الخوف، فصلى بأصحابه، فقام وقرأ، وركع وسجد بهم، إلا صفًا لم يسجد، ووقفوا قيامًا يحرسون العدو، ولما سجد النبي ﷺ ومن سجد معه، وقاموا في الركعة الثانية، سجد من لم يسجد، فكانوا في السجود، والنبي ﷺ قائم في الركعة الثانية (٢)، وما زاد على ذلك: وهو أن يكون الإمام راكعًا، والمأمومون في السجود، فلم يرد بذلك شرع، فوجب أن يكون منهيًا عنه؛ لأن الأصل وجوبُ المتابعة للإمام إلا جهلًا عليه، إلا في القدر الذي وردت الرخصة، وهو السجود في صلاة عسفان. فإن قيل: المعنى الذي لأجله جاز أن يسبقهم بالسجود: ما ذكرنا، وهو المشاركة في الركوع من الركعة الأولى، فلزمهم الاشتغال بقضاء الفوائت معه، فإذا وجد هذا المعنى في الكثير، وجب أن يكون حكمها

стр. 1163

في هذا الباب حكم اليسير. قيل: لا يجوز أن يقال هذا المعنى: إذا وجد في الكثير، يجب أن يوجد في القليل اليسير، كما لا يجوز أن يعمل عملًا كثيرًا في الصلاة، ويجوز اليسير، وكذلك إذا سلّم من نقصان في الصلاة، فإن تطاول ال فصل ، ابتدأ الصلاة، وإن قلَّ، بنى عليها، كذلك ها هنا يجوز أن يقال: إن ترك المشاركة في السجدتين، يعفى عنه؛ لأنه ركن واحد، وما زاد عليه كثيرًا، فلا يعفى عنه. * فصل: وفيما ذكرنا دلالة على منع التشاغل بالقضاء من أصحابنا؛ لأن ظاهر قوله ﵇: "إذا ركع فاركعوا"، يقتضي عموم ذلك في حال ركوعه، وبعد الفراغ منه؛ ولأنه يمكنه متابعة الإمام في الركوع، فهو كالمسبوق إذا أدركه راكعًا، ولأن الصحابة ﵃ تشاغلوا بقضاء السجود خلف النبي ﷺ بعسفان، ولم ينكر عليهم، فدل على أنه يجوز التشاغل بذلك. واحتج: بأنه (١) من منع ذلك، لم يشارك الإمام في الركوع، فصار كما لو دخل في صلاته بعد ما رفع، ثم ركع وتابعه، وكما لو أدركه في الركوع، فكبر ولم يركع (٢) حتى رفع الإمام، فإنه لا يعتد بتلك الركعة، ولا يتشاغل بالقضاء.

стр. 1164

والجواب: أنه لم يدرك الركوع مع الإمام، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه قد أدركه، وشاركه فيه، ويلزمه التشاغل به؛ كما لو أدرك محله قبل أن يرفع. * * * ١٥٠ - مَسْألَة: تجب الجمعة على الأعمى إذا وجد قائدًا (١): نص عليه في رواية عبد الله (٢)، فقال: والأعمى لا يقدر على إتيانها إلا بقائد، فليست عليه، إلا أن يقدر على إتيانها. وهو قول الشافعي ﵁ (٣)؛ خلافًا لأبي حنيفة ﵀ في قوله: لا تجب عليه (٤). دليلنا: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهذا عامّ.

стр. 1165

وقول النبي ﷺ : "لا تجب الجمعة على مريض، ولا مسافر، ولا عبد" (١)، فلما خص هؤلاء بالإسقاط، دل على أن من عداهم تجب عليه. ولأن النبي ﷺ قال لابن أم مكتوم: "تسمع النداء؟ "، قال: نعم، قال: "لا أجد لك عذرًا" (٢)، فلما [لم] (٣) يُسْقِط عنه الجماعة، فأولى أن لا تسقط عنه، مع الاتفاق على السعي إليها. فإن قيل: فظاهر الخبر مُطَّرح؛ فإنه قال فيه: ليس لي قائد يلائمني؟ فقال: "مد حبلًا، لا أجد لك عذرًا" (٤)، فأوجب عليه مع عدم القائد. قيل: لأنه وجد ما يقوم مقام القائد، وهو مد الحبل إلى موضع الصلاة، ولأنه فقد حاسة، فلم يسقط حضور الجمعة؛ دليله: السمع، والذوق، ولا يلزم عليه الجنون؛ لأنه ليس بفَقْد حاسة، وإنما هو فقد العقل، وهو علم من العلوم الضرورية، ولأن أكبر ما فيه: أنه لا يُهدى الطريق بنفسه، وهذا لا يمنع من الإيجاب؛ كالبصير إذا لم يُهْدَ الطريق إلى الجامع، فإنه يلزمه إذا وجد من يهديه، ولأنا قد استوفينا الكلام في مثل هذه المسألة في كتاب الحج هل يلزم الأعمى أم لا؟ وحكينا خلاف

стр. 1166

أبي حنيفة ﵀، وأنه لا يلزم. واحتج المخالف: بأنه محتاج فيها إلى قطع مسافة، فلا تجب على الأعمى؛ كالجهاد. والجواب: أن القصد من الجهاد إثباتُ أعيان الكفار لقتالهم، وهذا متعذر في حق الأعمى، فأما الجمعة، فإنه يمكنه أن يقصدها بنفسه، وإنما لا يُهدى الطريق، وهذا لا يمنع الإيجاب؛ كالبصير إذا لم يعرف الطريق، وإن قاسوا على المريض، فالمعنى: أنه لا يمكنه أن يأتي المسجد بنفسه، وها هنا يمكنه، وقد نقل الميموني (١) قال: سئل أبو عبد الله عن رجل مريض لا يقدر أن يأتي الجمعة ماشيًا، يكتري ويركب؟ قال: لم أجعل ذا عليه أن يكون له قوة أو فضل، فيكتري ويركب. وهذا محمول علي أنه لا يقدر؛ لضعف يجده عقب (٢) المرض، فيلزمه الركوب؛ لأن المرض قد زال، فأما إن كان المرض باقيًا، فلا يلزمه؛ لأن العذر باقٍ. آخر الجزء الثامن عشر من أجزاء المصنف - رحمة الله عليه وعلى كاتبه ووالديهما ولجميع المسلمين - * * *

стр. 1167

١٥١ - مَسْألَة: إذا صلى الجمعة [بالعبيد] (١) والمسافرين، لم يجزئهم (٢): وأصل المذهب في ذلك مذكور في المسألة التي بعدها، وهو قول الشافعي ﵁ (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: تنعقد بهم، وتجزئهم (٤). دليلنا: أنهم ليسوا من أهل فرض الجمعة، فلم تنعقد بهم؛ قياسًا علي النساء والصبيان، [ولا يلزم] (٥) عليه المرضى أنه تنعقد بهم الجمعة؛ لأنهم إذا حضروها، صاروا (٦) من أهل فرضها، وإن شئت قلت: كل من لا تنعقد بهم الجمعة في القرى لا تنعقد بهم في المصر، أصله: ما ذكرنا، وإذا كانوا ثلاثة، ...............................................

стр. 1168

ولأن العبيد ليسوا (١) من أهل فرض الجمعة، فلم تنعقد بهم؛ كالنساء. واحتج المخالف: بأن العبيد والمسافرين يجوز أن يكونوا أئمة في الجمعة، فجاز أن تنعقد بهم الجمعة إذا كانوا مأمومين؛ قياسًا على الأحرار المقيمين، يبين صحة هذا: أن الجمعة لا تنعقد إلا بإمام ومأمومين، وكل واحد منهما شرط في صحتها، فإذا جاز أن تنعقد بهم إذا كانوا أئمة، كذلك إذا كانوا مأمومين. والجواب: أنا لا نسلِّم هذا: أنه لا يجوز أن يكون العبد والمسافر إمامًا في الجمعة، وهذه المسألة يأتي الكلام عليها - إن شاء الله تعالى -، وعلى أن المعنى في الأربعين إذا كانوا أحرارًا مقيمين: أن العدد المخاطبين بفرض الجمعة قد وجد، فجاز أن تنعقد بهم الجمعة، والعدد المخاطبون بفرضها قد عدم ها هنا، فلهذا لم تنعقد بهم، والله أعلم. * * * ١٥٢ - مَسْألَة: لا يجوز أن يكون المسافر إمامًا في الجمعة، وكذلك العبد، إذا قلنا: إن الجمعة لا تجب عليه: وقد قال أحمد ﵀ في رواية صالح (٢)، ..........

стр. 1169

وعبد الله (١) - وقد سئل عن مسافر صلى بمقيمين الجمعة؟ -، فقال: ليس علي المسافر جمعة، إلا أن يدخل الحضر، فيشهد الجمعة. فظاهر هذا: أنه لم يجز إمامته. قال أبو بكر ﵀ في كتاب الشافي (٢): لا تجزئ المقيمين إذا صلى بهم المسافر الجمعة؛ لأنه ليس مخاطبًا (٣) بها، وبهذا قال مالك ﵀ (٤). وقال أبو حنيفة (٥)، والشافعي (٦) - رحمهما الله -: يجوز. دليلنا: أنه ليس من أهل فرض الجمعة، فلا يصح أن يكون إمامًا فيها؛ دليله: النساء، وإن شئت قلت: من لا يصح أن يكون إمامًا في الجمعة في القرية لا يصح أن يكون في مصر؛ دليله: ما ذكرنا، أو نقول: من لا يصح أن يكون إمامًا للجمعة في موضع آخر من المصر لا يصح في الموضع الأول. فإن قيل: المعنى في المرأة: أنه لا يصح إمامتها للرجال في غير

стр. 1170

الجمعة، فلهذا لم يصح في الجمعة، والمسافر، والعبد تصح إمامته في غير الجمعة، فصح في الجمعة. قيل له: إذا كان إمامًا في غير الجمعة، يجب أن يكون في الجمعة، كما أنه تنعقد به الجماعة في غير الجمعة، ولا تنعقد به الجمعة، على أن المرأة تصح إمامتها بالنساء في غير الجمعة في الصلاة الفرض، ولا تصح في الجمعة، وإذنُ الإمام غير معتبر في سائر الصلوات، وإذنه معتبر عند أبي حنيفة ﵀ في الجمعة، فلم يصح اعتبار الإمامة فيها بالإمامة في غيرها، ولأن الجمعة تفتقر إلى إمام ومأموم، وقد قال الشافعي ﵁ (١): إنها لا تنعقد بعبد ولا مسافر إذا كانا (٢) مأمومين، فكذلك يجب أن لا تنعقد بهم إذا كانوا أئمة، يبين صحة هذا: أن الإمامة آكد، ولهذا يصح أن تأتم المرأة بالرجل، والأمي بالقارئ، ولا يصح أن تؤمّه (٣) المرأة، ولا يؤمّه الأمي، ثم ثبت أن هذا المعنى إذا وجد في المأموم، منع صحة الجمعة، فأولى إذا وجد في الإمام. فإن قيل: إذا اجتمع العدد المشروط بأوصافهم، وجبت عليهم الجمعة، فإذا قدموا عبدًا أو مسافرًا، انعقدت الجمعة، وكان العبد أو المسافر تابعًا لأهل الفرض، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنهم ليسوا من أهل الفرض، فيصيرون في حكم التبع، فلا تنعقد بهم الجمعة.

стр. 1171

قيل له: قولك: إنهم إذا قدموا عبدًا، صار تابعًا لأهل الفرض، لا معنى له؛ لأن الإمام لا يجوز أن يكون تابعًا للمأمومين بوجه، فإذا لم يصح أن يكون مأمومًا، لم يصح أن يكون إمامًا. واحتج المخالف: بأن من جاز أن يكون إمامًا للرجال في غير الجمعة، جاز أن يكون في الجمعة؛ دليله: الحر المقيم. والجواب: أنا قد أفسدنا اعتبار الجمعة بغيرها في الإمامة، وعلى أن المعنى في الحر المقيم: أنه من أهل فرض الجمعة، وهذا ليس من أهل فرضها، فهو كالمرأة، والله أعلم. * * * ١٥٣ - مَسْألَة: إذا صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل أن يصلي الإمام مَنْ لا عذرَ له، كانت صلاته باطلة: نص عليه في رواية صالح (١)، وابن منصور (٢): فيمن صلى في بيته الظهر أربعًا، فإن أدرك الإمام، جمع، وإن لم يدرك الإمام، أعاد الظهر؛ لأنه لا ينبغي أن يصلي الظهر حتى تفوته الجمعة.

стр. 1172

وقال أبو حنيفة ﵀: تجزئه صلاته ما لم يخرج بعد ذلك يريد الجمعة، فإن خرج بنية الجمعة، انتقضت جمعته (١). وقال مالك ﵀: إن كان في وقت لو سعى إلى الجمعة، لأدركها، أو ركعة منها، لم تجزئه، ويعيدها، وإن كان [في] وقت لو سعى إلى الجمعة، لم يدرك ركعة منها، أجزأه (٢). وقال الشافعي ﵁ في الجديد: مثل قولنا، وقال في القديم: يجزئه بكل حال، وقد أساء (٣). وهذه المسألة مبنية على أصل: هل فرض الوقت الجمعة، أم الظهر؟ فعند أحمد ﵀: فرض الوقت الجمعة. وعند أبي حنيفة ﵀: فرض الوقت الظهر، وعليه إسقاطه بإتيان الجمعة. وتبين الخلاف في أصل آخر: فمن حضر الجمعة، وهو ذاكر للفجر، فخاف أن تفوته الجمعة إن اشتغل بالفجر: يصلي الجمعة، ويؤخر الفائتة؛ كمن ذكر الفجر في آخر وقت الظهر: يبدأ بالظهر. وعند أبي حنيفة: يبدأ بالفجر؛ لأنه إن فاتته الجمعة، صلى فرض الوقت عنده، وهو الظهر من غير فوات، وقد نص أحمد ﵀

стр. 1173

على هذا الأصل أيضًا في رواية مهنا (١): فيمن نسي صلاة، فذكرها وهو في المسجد يوم الجمعة عند حضور الجمعة، قال: يبدأ بالجمعة، هذه يخاف فوتها. وقد خرج أبو إسحاق بن شاقلا ﵀: وجهين في فرض الوقت، هل هو الجمعة، أم الظهر (٢)؟ وشرح كلامه أنه قال: يتوجه لأحمد ﵀ في المسألة قولان: أحدهما: أن الجمعة ظهر مقصورة؛ لأنه (٣) قال: إنما قصرت الصلاة من أجل الخطبة، وقال في موضع آخر: هي عيد، قال: والأشبه بمذهبه: أنه لا يقال: إنها ظهر، إلا أنه لا يختلف قوله: إن الجمعة تجزئ قبل الزوال، فهذا بمذهبه أشبه، ثم قال: ولو كانت ظهرًا مقصورة بأوصاف، جاز أن يصليها أكثر من ركعتين مع وجود الأوصاف؛ كصلاة السفر لما كانت ظهرًا مقصورة، جاز أن يصليها أكثر من ركعتين مع وجود الأوصاف، فلما لم يجز ذلك، بطل أن تكون (٤) ظهرًا مقصورة. فإن قيل: الجمعة إذا صُليت، سقط الظهر، فدل على أن الجمعة

стр. 1174

ظهر، ولو كانت عيدًا، لم تسقط الظهر؛ كصلاة العيد. قيل: إنما سقطت؛ لأنها بدل عنها؛ كما أن التيمم بدل عن الماء، ومعلوم أن التيمم ليس هو الوضوء بالماء، وفارقت (١) صلاة العيد؛ لأنها فرض علي الكفاية، فلا تسقط فرضًا على الأعيان، والجمعة فرض على الأعيان. فهذا كلام أبي إسحاق. والدلالة على أن فرض الوقت الجمعة: ما روى محمد بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة في يوم الجمعة، إلا مريض أو امرأة أو مملوك" (٢)، فأخبر أن الواجب عليه في يوم الجمعة صلاة الجمعة، وعندهم: أن الواجب هو الظهر، ولأنها صلاة مؤقتة يأثم بتركها، فوجب أن تكون واجبة بنفسها؛ كسائر الصلوات، ولا يلزم عليه إذا ترك قضاء الصلوات حتى مات: أنه يأثم بذلك، وليس بواجب في نفسه؛ لأن تلك الصلاة غير مؤقتة، ولأن الأبدال على ضربين: بدل مرتب لا يجوز فعله إلا عند العجز عن المبدل منه؛ مثل: الصوم في كفارة الظهار، والقتل، وغير ذلك. وبدل مخير يجوز الإتيان به مع القدرة علي المبدل، وتركه يجوز، والإتيان بالبدل؛ مثل: الصوم في كفارة اليمين، وليس في الأصول بدل يجب فعله مع القدرة على المبدل، ولا يجوز فعل المبدل لقدرته عليه، وعندهم: أن الجمعة

стр. 1175

هي بدل عن الظهر، ولا يجوز فعل الظهر التي هي مبدلها لقدرته عليها، وهذا مخالف للأصول. فإن قيل: لا يمتنع ذلك، ألا ترى أنه لو حضرته الصلاة، ومعه ماء، وهو محتاج إليه لإحياء نفسه، فترك البدل (١) وهو التيمم، واستعمل الماء، كان عاصيًا بتركه البدل إلى المبدل؟ كذلك لا يمتنع في مسألتنا. قيل له: إنما يعصي هناك بإتلاف الماء دون الوضوء، ألا ترى أنه لو أراق الماء، ولم يتوضأ، كان عاصيًا؟ وها هنا يعصي بفعل المبدل عندك، وهو الظهر، فسقط هذا، ويدل على أنه لا يصح فعل الظهر مع القدرة على الجمعة هو: أن كل صلاة حكم بفسادها بعد السعي إلى غيرها وجب أن يحكم بفسادها قبل السعي؛ دليله: إذا صلى الظهر قبل الزوال، أو صلاها على غير طهارة، تبين صحة هذا: أنه مأمور بالظهر بعد فوات الجمعة، فإذا صلوا قبل فواتها، كانت في معنى من صلاها قبل الزوال، وقبل فعل الطهارة. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لو صلى هكذا في غير يوم الجمعة، لم يصح، كذلك في يوم الجمعة، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنه لو صلاها في غير الجمعة، صحت، كذلك إذا صلاها في يوم الجمعة. قيل له: هذا يبطل بالجمعة؛ فإنه لو صلاها في غير يوم الجمعة، لا تصح، وفي يوم الجمعة تصح.

стр. 1176

واحتج المخالف على أن فرض الوقت الظهر: بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "وقت الظهر بزوال (١) الشمس"، ولم يفرق بين يوم الجمعة، وبين سائر الأيام. والجواب: أن الخبر يقتضي أنه إذا كان للظهر وقت، فإن أوله الزوال، ولسنا نسلم أن للظهر وقتًا في يوم الجمعة حتى يكون أوله الزوال. واحتج: بأنه لو لم يصل الإمام الجمعة حتى خرج الوقت، صلى الظهر فائتة، فلو لم يكن فرضه الظهر في الوقت، لما صلاها فائتة بعد خروج الوقت؛ لأنها لزمته حين أداها. والجواب: أن هذا يدل على أن الظهر بدل عن الجمعة؛ لأن البدل ما وجب فعله لتعذر غيره، والظهر يوم الجمعة تفعل لتعذر الجمعة وفواتها، فدل على أنها بدل من الجمعة. واحتج: بأنه وقت لهذه الصلاة في سائر الأيام، فوجب أن يكون وقتًا لها في يوم الجمعة؛ دليله: سائر الأوقات. والجواب: أنه يبطل بما بعد غروب الشمس، هو وقتٌ لصلاة المغرب في سائر الليالي، وليس بوقت لها عند أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله - ليلة المزدلفة؛ لأنه لو صلاها بعد غروب الشمس في

стр. 1177

الطريق، لم تجزئه (١)، فما ينكر أن يكون بعد الزوال وقتًا للظهر في سائر الأيام، ولا يكون وقتًا في يوم الجمعة. فإن قيل: بعد الغروب هو وقت لصلاة المغرب ليلة المزدلفة، وهو إذا دفع من عرفات قبل غروب الشمس، وحصل بالمزدلفة في وقت المغرب، فإنه يصليها في وقتها؛ لأنه مأمور بفعلها بالمزدلفة. قيل له: إن كان التعليل لأن يكون الزوال وقتًا للظهر بحال في يوم الجمعة، فنحن نقول بموجبه، وهو في حق المعذور، ومن لا تلزمه الجمعة، وإن كان التعليل للوجوب في كل حال، فهو منتقض بما بعد الغروب؛ فإنه وقت للمغرب في سائر الليالي في غير ليلة المزدلفة، وليس بوقت لها في ليلة المزدلفة في كل حال، فلا فرق بينهما. وجواب آخر عن أصل الدليل: وهو أن المعنى في سائر الأيام: أن المأمور به فعلُ الظهر، وليس كذلك في يوم الجمعة؛ لأن المأمور هو الجمعة؛ بدليل: أنه لو صلى الظهر، وترك الجمعة، كان عاصيًا، وإذا ترك الظهر، وصلى الجمعة، كان طائعًا، فبان الفرق بينهما. فإن قيل: لا يمتنع أن يكون فرض الوقت هو الظهر، ويكون الناس مأمورين بإسقاطها بالجمعة. قيل له: إذا كانوا مأمورين بالجمعة، منهيين عن تركها، وإذا فعلوها سقط الفرض، لم يجز أن يكونوا مسقطين لما لم يفرض عليهم.

стр. 1178

واحتج: بأنه لو كان فرض الوقت الجمعة، لامتنع وجوب الظهر بعد خروج الوقت؛ لوجود السبب المنافي لوجوبها في الوقت، ألا ترى أن الحائض لو طهرت بعد خروج وقت الظهر، لم يلزمها الظهر؛ لوجود السبب المنافي لوجوبها في الوقت؟ فلما اتفقوا أن عليه الظهر بعد خروج الوقت إذا لم يصل في الوقت، علم أن فرض الوقت الظهر. والجواب: أن الوقت لم يخل من فرض المبدَل، وهو الجمعة، واذا تعذر فعل الجمعة بفوات وقتها، وجب أن ينتقل إلى البدل، وهو الظهر؛ كما ينتقل إلى أبدال سائر المبدلات عند تعذرها، وليس كذلك الحائض، لأن الوقت في حقها خلا عن فرض الظهر، وعن مبدلها، وهو الجمعة، فلهذا فرقنا بينهما. واحتج: بأن لو كانت الظهر هي الفرض، لوجب إذا فاتت أن تقضى كسائر الصلوات المفروضات، فلما لم تقض (١)، دل على أنها ليست هي الفرض. والجواب: أن سقوط القضاء لا يمنع توجه الأمر؛ بدليل: صلاة الجنازة لا تقضى عند أبي حنيفة (٢)، ومع هذا، فهي واجبة، وكذلك النوافل الراتبة، وعلى أنها إنما لم تقض؛ لعدم بعض شرائطها، وهو الخطبة، والعدد، والإمام، وهذا لا يمنع الإيجاب في الأصل؛ كالرقبة إذا عدمها.

стр. 1179

واحتج: بأن الجمعة لا يمكنه أداؤها بنفسه؛ لأنها تفتقر إلى عدد، وإمام، وغير ذلك، والإنسان لا يكلَّف عبادة لا يقدر على أدائها بنفسه. والجواب: أن هذا باطل به إذا سعى إليها، فإنه يلزمه الجمعة، وإن لم يمكنه في هذه الحال أداؤها بنفسه، وعلى أنه قد يلزم الإنسان عبادة، وان لم يمكنه أداؤها بنفسه؛ كالأعمى كُلِّف الصلوات، وإن لم يمكنه أداؤها بنفسه، بل يحتاج إلى من يعاونه في الطهارة، والعلم بالجهة، وحصول الوقت. واحتج: بأن كل صلاة جاز فعلها من المريض في يوم الجمعة جاز فعلها من الصحيح في يوم الجمعة؛ كالصبح. والجواب: أن الصبح يؤمر بها في يوم الجمعة على الوجه الذي يؤمر به في غير يوم الجمعة، وليس كذلك الظهر؛ لأنه يؤمر يوم الجمعة بالجمعة دون الظهر، فبان الفرق بينهما. فإن قيل: فما معنى قول أحمد ﵀ في رواية حنبل (١): صلاة (٢) الجمعة واجبة فرض، والذهاب إلى الجمعة تطوع سنة مؤكدة. فكيف تكون فريضة، والذهاب إليها سنة وتطوع؟ قيل: لم يرد بالذهاب إليها: القصد، وإنما أراد به أحد شيئين: إما أن يريد به: البكور الذي وردت السنة بفضله، أو يريد به: السعي الذي

стр. 1180

هو سرعة المشي، وقد قال أحمد ﵀ في رواية حنبل (١): قال الله : ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فسروه على غير وجهه، قالوا: قال ابن مسعود ﵁: لو قرأتها، لسعيت حتى يسقط ردائي (٢). فحمل ابن مسعود السعي على الشدة في المشي، والله أعلم. * * * ١٥٤ - مَسْألَة: إذا صلى الظهر في بيته مَنْ لا جمعة عليه؛ كالعبد، والمسافر، والمرأة، والمريض، لم ينتقض ظهره (٣): وهو ظاهر كلام الخرقي ﵀؛ لأنه قال (٤): ومن صلى الظهر يوم الجمعة ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام، أعادها بعد صلاته ظهرًا، فأوجب الإعادة في حق مَنْ عليه الجمعة، وظاهر كلام أحمد ﵀ يشهد لذلك؛ لأن أبا بكر المروذي (٥) قال: كنت

стр. 1181

مع أبي عبد الله بالعسكر، فلم يذهب إلى الجمعة، ولم أذهب أنا، فلما كان الجمعة الأخرى، كنا نسمع النداء، قال: أخاف أن يضيق عليك، اذهب فاشهدها، فمضيت فشهدتها، وكنت قد صليت به أربع ركعات في البيت. فلو كانت قد انقضت ظهره، لم يعتد أحمد ﵀ بإمامته. ولأنه قد قال في رواية حنبل (١): لا يجب الغسل يوم الجمعة على من لا يأتي الجمعة. وقال في روايته أيضًا: ومن كان على فرسخين، ولم يقدر، فلا بأس أن يبيع ويشتري. ولم يجعله في حكم من عليه الجمعة في مسنون الغسل، وتحريم البيع في وقت النداء، كذلك يجب أن لا يكون في حكمه في باب صلاة الظهر قبل صلاة الإمام، وبهذا قال الشافعي ﵁ (٢). وقال أبو بكر ﵀ في الإمامة من كتاب الشافي: وإذا صلى المسافر الظهر، فوجدهم لم يصلوا الجمعة، والمريض، والخائف، والمحبوس، لم تجزئهم صلائهم؛ لأنه لا يجوز أن يصلوا قبل الجمعة (٣).

стр. 1182

وقال في كتاب التنبيه أيضًا: لا يجوز للمسافر، ولا للمريض، ولا من هو مخاطبٌ بالجمعة وغيرُ مخاطبٍ: أن يصلي ظهرًا قبل صلاة الإمام الجمعة، ومن صلى، لم تجزئه، وعليه الإعادة (١). وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية عبد الله (٢): في المريض يؤخر الصلاة حتى يصلي الإمام، ولا يتقدم الإمام. فقد منع المريض التقدم. وقال أبو حنيفة ﵀: إذا صلى في بيته، ثم خرج يريد الجمعة، انتقض ظهره (٣). فحكمُه عنده حكمُ من يجب عليه الجمعة. دليلنا: أن كل صلاة صحت في منزله لم تبطل بدخوله بعد ذلك في صلاة الإمام، أصله: إذا صلى الظهر في منزله، ثم حضر الجماعة، ودخل في صلاة الإمام: أن ظهره لا ينتقض، كذلك ها هنا. فإن قيل: يُقلب هذا عليكم، فنقول: وجب أن يكون المعذور وغير المعذور فيما ذكرت سواء، أصله: صلاة الظهر. قيل له: فرض المعذور وغير المعذور في الظهر فرض واحد، وهو الظهر؛ بدليل: أنه لا يأثم بترك غيرها، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يختلف

стр. 1183

المعذور وغيره في الفرض، فغير المعذور يلزمه إتيان الجمعة، ويأثم بتركها، والمعذور لا يلزمه ذلك، فلهذا فرقنا بينهما. واحتج المخالف: بأن المعذور تصح له الجمعة؛ بدلالة: إذا صلاها معه في الثاني، يجب أن يصح؛ كمن عليه الجمعة، وإذا صحت الجمعة، لم تجزئه الظهر عن الفرض؛ قياسًا على من عليه الجمعة. والجواب: أن من عليه فرضها مأمور بإتيانها، عاصٍ بتركها، فلهذا إذا صلاها مع الإمام، كان فرضه الجمعة، ولم تجزئه الظهر، وليس كذلك هذا؛ لأنه ليس عليه إتيان الجمعة، وفرضه الظهر، وقد صلاها، فيجب أن تجزئه، ولا تبطل بإتيان الجمعة بعد ذلك، كما قلنا في صلاة الظهر إذا صلاها في بيته، ثم حضرها مع الإمام، والله أعلم. * * * ١٥٥ - مَسْألَة: لا يكره للعبد والمسافر والمريض أن يصلُّوا الظهر في يوم الجمعة جماعة (١): وقد قال أحمد ﵀ في رواية حنبل (٢): في المسافرين إذا أدركهم يوم الجمعة، وحضرت صلاة الظهر: صلوا بأذان وإقامة، إنما هي ظهر.

стр. 1184

وقال في رواية المروذي (١): في القوم تفوتهم الجمعة، فإن كانوا ثلاثة أو أربعة، جمعوا، قد صلى عبد الله بعلقمة والأسود ﵃، فقال له رجل: إنا جمعنا في المسجد، فاجتمع الناس علينا، فتبسم، وقال: [ … ] (٢) من العامة، ونحو هذا نقل حنبل، وقال في رواية الأثرم (٣): فيمن فاتتهم الجمعة إذا كانوا اثنين وثلاثة، جمعوا، فإذا كانوا أكثر من ذلك، فلا أعرفه، وبهذا قال الشافعي (٤) ﵁. وقال أبو حنيفة ﵀: يكره ذلك (٥). دليلنا: ما رُوي عن النبي ﷺ قال: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمسة وعشرين درجة" (٦)، ولم يفرق. ولأنه إجماع السلف ﵏، فروى أحمد ﵀ (٧)،

стр. 1185

ذكره أبو بكر الخلال في العلل قال: نا عبد الرحمن (١) عن سفيان، عن الحسن بن عبيد الله (٢) قال: فاتتني الجمعة أنا وزِرٌّ (٣)، فصلينا في جماعة، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: قد فعله ابن مسعود بعلقمة والأسود في يوم جمعة (٤). وروى أيضًا أحمد ﵀ (٥) قال: نا زيد بن حُباب (٦) قال:

стр. 1186

أخبرني جميل بن عبيد (١) الطائي (٢) قال: جئت إلى المسجد يوم الجمعة، فوجدت الناس قد صلوا، وجاء إياس (٣) - وهو يومئذ قاضي (٤) البصرة - قال: فصلى بنا في الزاوية (٥)، فتقدم، فصلَّى بنا في جماعة (٦). وروى أيضًا أحمد ﵀ (٧) قال: نا عبد الرحمن عن أبي عوانة (٨)، عن بعض أصحابه: أن سويد بن غفلة فاتته الجمعة، فصلى الظهر في جماعة (٩). وروى أحمد (١٠) عن عبد الرزاق عن سفيان: أنه كان ربما جمع

стр. 1187

الأعمش (١) بعد الجمعة (٢). ولأنها صلاة، فاستحب فعلها في جماعة؛ دليله: سائر الصلوات، وسائر الأيام. فإن قيل: لما استحب إظهار الجماعة في غير يوم الجمعة، لهذا استحب فعلها فيه، وليس كذلك في يوم الجمعة؛ لأنه لا يستحب إظهارها في المساجد، ولا تكثير الجمع فيها، وقد قال أحمد ﵀ في رواية الأثرم (٣): إذا كانوا اثنين أو ثلاثة، جمّعوا، وإذا كانوا أكثر، فلا أعرفه. قيل له: أما قولك: إنه لا يستحب إظهارها، فليس عن أحمد ما يمنع منه، وقد نقل المروذي عنه: أن رجلًا ذُكر له أنه جمع في المسجد، واجتمع الناس، فلم ينكر عليه ذلك، ولا كرهه، وتبسم إلى ذلك. وقد نقل إسحاق بن إبراهيم بن هانئ (٤) قال: فاتت الجمعة لي ولأبي عبد الله ولرجل آخر، فدخل أبو عبد الله بعض المساجد، فصلى بنا، وقام وسطنا.

стр. 1188

وهذا يدل على أنه ما كان يكره إظهارها. وأما قلة الجمع (١)، وعلى أنه لو كره إظهارها، وكثرة الجمع فيها، لم يضر؛ لأنه ربما اتهموا بالرغبة عن الصلاة خلف الإمام، فيعاقبهم الإمام إذا لم تكن أعذارهم ظاهرة، أما إذا كانت ظاهرة، فلا يكره ذلك، وعلى أن أبا حنيفة (٢) ﵀: يستحب الأذان والإقامة للظهر في يوم الجمعة، ولا يستحب إظهاره (٣)، ويجيز الفطر في يوم الثلاثين من رمضان إذا رأى هلال شوال وحده، ويُسِرُّ به (٤). فإن قيل: إنما كرهنا إظهار الأذان والإقامة؛ لأنهما يظهران الجماعة، ولما كرهنا الجماعة، كرهنا الأذان. قيل له: فكان يجب أن لا يستسر بالأذان؛ لأنه يستحب إظهاره، ولما قلت: إنه مستحب، وإن كان مستسرًا به، كذلك الجماعة.

стр. 1189

واحتج المخالف: بأن عصر النبي ﷺ لم يخل من عبيد، ومرضى، ومن لا جمعة عليه، وفرضُه الظهر، ولم ينقل أنه ﵇ أمرهم بالصلاة جماعة، ولم نقل أيضًا: إن أحدًا فعل ذلك. والجواب: أن قوله ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (١) يكفي في البيان، وهذا كما قيل لأصحاب أبي حنيفة ﵏: قد كانت بالمدينة مباقل (٢)، ولو كان يجب فيها العُشْر، لكان النبي ﷺ يأخذه، ولو أخذه، لنقل، فقالوا: قوله ﵇: "فيما سقت السماء العُشر" (٣) يكفي في بيان وجوبه، كذلك ها هنا، وعلى أنا قد روينا عن جماعة من السلف فعل ذلك. واحتج: أنه لو جاز فعلُها في جماعة، لما كُره إظهارها في المساجد؛ كالظهر في سائر الأيام، فلما لم يجز إظهارها في المساجد؛ كالظهر في سائر الأيام، لم يجز الإخفاء بها. والجواب عنه: ما تقدم، والله أعلم. * * *

стр. 1190

١٥٦ - مَسْألَة: لا يجوز أن يسافر يوم الجمعة بعد الزوال، رواية واحدة (١): قال أبو داود (٢): قلت لأحمد ﵀: يجيء النفير والإمام يخطب يوم الجمعة، أينفرون؟ فذكر شيئًا كأنه لا يرى أن ينفروا. قال أبو بكر (٣) في كتاب السير (٤): إذا لم يُستغاثوا، ولم يتيقَّنوا أمر العدو، لم يخرجوا حتى يصلوا (٥). وأما السفر قبل الزوال، وبعد طلوع الفجر، ففيه روايات ثلاث (٦): أحدها: لا يجوز، قال في رواية صالح (٧): لا يخرج الرجل يوم الجمعة من أهل المصر حتى يجمِّع، ليس هو بمنزلة المسافر. فقد أطلق القول بالمنع.

стр. 1191

والثانية: يجوز، قال في رواية أبي طالب (١): خرجنا من اليمن نريد عبد الرزاق يوم الجمعة، ولم نصلِّ، فأصابنا شقاء لا يعلمه إلا الله من شدة المطر والريح والحبس، ويقال: لا يكاد أحد يخرج قبل الصلاة إلا أصابه بلاء. فظاهر هذا: أنه يجوز السفر؛ لأنه سافر قبل الصلاة، إلا أنه كرهه، ولم يحرمه. والثالثة: يجوز في النفير خاصة، سواء تعين بالنفير، أو لم يتعين، ولا يجوز السفر لغيره، قال في رواية أبي طالب (٢): لا يسافر يوم الجمعة قبل الصلاة حتى يصلي، فقيل: حديث ابن عباس ﵄ (٣): أن النبي ﷺ بعث عبدَ الله بنَ رواحة، وجعفر [اً]﵄، فتخلف عبد الله؟ فقال: هذا في الجهاد لا بأس به، الجهاد أفضل، وما كان غير الجهاد، فلا يخرج حتى يصلي. فقد صرح بالفرق بين الجهاد وبين غيره. وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز السفر قبل الزوال وبعده ما لم يُحرم بالصلاة (٤).

стр. 1192

وقال مالك ﵀: لا يجوز السفر بعد الزوال، ويجوز قبله، غير مكروه (١). وقال الشافعي ﵀: لا يجوز السفر بعد الزوال، قولًا واحدًا، وهل قبله وبعد طلوع الفجر يجوز؟ على قولين: قال في الجديد: لا يجوز، وفي القديم قال: يجوز (٢). فالدلالة على أنه لا يجوز السفر بعد الزوال خلافًا لأبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فأمر بالسعي إلى الجمعة، والأمر يقتضي الوجوب، ولم يفرق بين أن يكون عازمًا على إنشاء السفر، أو غير عازم، فهو على العموم. فإن قيل: لا فرق عندك بين أن يريد السفر قبل النداء، أو بعده، فلا معنى لهذا التخصيص. قيل له: إذا ثبت وجوب السعي بعد النداء، ثبت وجوبه فيما قبل؛ لأن أحدًا لا يفرق بينهما، ويدل عليه: ما روى الدارقطني في كتاب الأفراد بإسناده عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "من سافر من دار (٣) إقامة

стр. 1193

يوم الجمعة، دعت الملائكة عليه [أن] (١) لا يُصحب في سفره، ولا يُعان على حاجته" (٢)، فلو كان ذلك جائزًا ما تُوعّد (٣) عليه. ولأنه تعين عليه فعلُ الجمعة، فلا يجوز له تركُه بالسفر؛ قياسًا عليه إذا أحرم بها. فإن قيل: لا نسلم أنه تعين عليه فعلُ الجمعة بدخول وقتها. قيل: أما على أصلنا: فهو ظاهر؛ لأنها تجب بدخول الوقت، وأما على أصلهم: ففرضه (٤) فيه إذا نودي للصلاة، وهو في الحضر، وضاق الوقت، فإنه لا يجوز له السفر؛ دليله: لو أحرم بها، وهذا وصف مسلّم. واحتج المخالف: بما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ وجّه عبد الله بن رواحة، وجعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة ﵃ إلى الشام، فتخلف عبد الله بن رواحة، فقال له النبي: "ما خَلَّفك؟ "، قال: أُجمِّع، .................................

стр. 1194

ثم أَروح (١)، فقال النبي ﷺ : "لَغدوةٌ في سبيل الله أو رَوْحَة خيرٌ من الدنيا وما فيها" (٢)، فراح عبد الله منطلقًا. وروى أيضًا بإسناده عن ابن أبي ذئب قال: رأيت ابن شهاب يريد يسافر يوم الجمعة ضحوةً، فقلت له: تسافر يوم الجمعة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ سافر يوم الجمعة (٣). وروى أيضًا بإسناده عن خالد الحذاء: أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلًا قد جمع عليه ثيابه غداة الجمعة، فقال له عمر ﵁: أين تريد؟ قال: أريد سفرًا، فقال له عمر: أما إن الجمعة لا تمنع من سفره (٤).

стр. 1195

وروى أيضًا بإسناده عن صالح بن كيسان (١): أن أبا عبيدة بن الجراح ﵁ خرج يوم الجمعة في بعض أسفاره، ولم ينتظر الجمعة (٢). والجواب عن حديث ابن عباس ﵄: فمن أصحابنا من أخذ بظاهره في الجهاد، وأما من سَوَّى بين الجهاد وغيره، فنجيب عنه: بأنه ليس في الخبر أنه وجّه السرية يوم الجمعة، ويحتمل أن يكون جهزها في آخر الأسبوع قريبًا من يوم الجمعة، فأخر جعفر (٣) الخروج؛ ليصلي الجمعة في يوم الجمعة، فحثه النبي ﷺ على الخروج. وأما حديث ابن شهاب ﵁: أن النبي ﷺ سافر يوم الجمعة، فهو مرسَل، وعلى أنه يحتمل أن يكون سافر إلى موضع آخر تقام فيه الجمعة، ولا تُقصر فيه الصلاة. وأما حديث عمر ﵁، فقال مهنا: سألت أحمد ﵀ عن حديث عمر ﵁: لا تحبس الجمعةُ عن سفر، فقال: ليس له إسناد (٤)، الأسود بن قيس عن أبيه، ولم يذكر عمر. وعلى أنا نقابله، ونقابل غيره
следующие страницы →