← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

والثانية: يجوز، قال في رواية أبي طالب (١): خرجنا من اليمن نريد عبد الرزاق يوم الجمعة، ولم نصلِّ، فأصابنا شقاء لا يعلمه إلا الله من شدة المطر والريح والحبس، ويقال: لا يكاد أحد يخرج قبل الصلاة إلا أصابه بلاء. فظاهر هذا: أنه يجوز السفر؛ لأنه سافر قبل الصلاة، إلا أنه كرهه، ولم يحرمه. والثالثة: يجوز في النفير خاصة، سواء تعين بالنفير، أو لم يتعين، ولا يجوز السفر لغيره، قال في رواية أبي طالب (٢): لا يسافر يوم الجمعة قبل الصلاة حتى يصلي، فقيل: حديث ابن عباس ﵄ (٣): أن النبي ﷺ بعث عبدَ الله بنَ رواحة، وجعفر [اً]﵄، فتخلف عبد الله؟ فقال: هذا في الجهاد لا بأس به، الجهاد أفضل، وما كان غير الجهاد، فلا يخرج حتى يصلي. فقد صرح بالفرق بين الجهاد وبين غيره. وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز السفر قبل الزوال وبعده ما لم يُحرم بالصلاة (٤).

стр. 1192

وقال مالك ﵀: لا يجوز السفر بعد الزوال، ويجوز قبله، غير مكروه (١). وقال الشافعي ﵀: لا يجوز السفر بعد الزوال، قولًا واحدًا، وهل قبله وبعد طلوع الفجر يجوز؟ على قولين: قال في الجديد: لا يجوز، وفي القديم قال: يجوز (٢). فالدلالة على أنه لا يجوز السفر بعد الزوال خلافًا لأبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فأمر بالسعي إلى الجمعة، والأمر يقتضي الوجوب، ولم يفرق بين أن يكون عازمًا على إنشاء السفر، أو غير عازم، فهو على العموم. فإن قيل: لا فرق عندك بين أن يريد السفر قبل النداء، أو بعده، فلا معنى لهذا التخصيص. قيل له: إذا ثبت وجوب السعي بعد النداء، ثبت وجوبه فيما قبل؛ لأن أحدًا لا يفرق بينهما، ويدل عليه: ما روى الدارقطني في كتاب الأفراد بإسناده عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "من سافر من دار (٣) إقامة

стр. 1193

يوم الجمعة، دعت الملائكة عليه [أن] (١) لا يُصحب في سفره، ولا يُعان على حاجته" (٢)، فلو كان ذلك جائزًا ما تُوعّد (٣) عليه. ولأنه تعين عليه فعلُ الجمعة، فلا يجوز له تركُه بالسفر؛ قياسًا عليه إذا أحرم بها. فإن قيل: لا نسلم أنه تعين عليه فعلُ الجمعة بدخول وقتها. قيل: أما على أصلنا: فهو ظاهر؛ لأنها تجب بدخول الوقت، وأما على أصلهم: ففرضه (٤) فيه إذا نودي للصلاة، وهو في الحضر، وضاق الوقت، فإنه لا يجوز له السفر؛ دليله: لو أحرم بها، وهذا وصف مسلّم. واحتج المخالف: بما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ وجّه عبد الله بن رواحة، وجعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة ﵃ إلى الشام، فتخلف عبد الله بن رواحة، فقال له النبي: "ما خَلَّفك؟ "، قال: أُجمِّع، .................................

стр. 1194

ثم أَروح (١)، فقال النبي ﷺ : "لَغدوةٌ في سبيل الله أو رَوْحَة خيرٌ من الدنيا وما فيها" (٢)، فراح عبد الله منطلقًا. وروى أيضًا بإسناده عن ابن أبي ذئب قال: رأيت ابن شهاب يريد يسافر يوم الجمعة ضحوةً، فقلت له: تسافر يوم الجمعة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ سافر يوم الجمعة (٣). وروى أيضًا بإسناده عن خالد الحذاء: أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلًا قد جمع عليه ثيابه غداة الجمعة، فقال له عمر ﵁: أين تريد؟ قال: أريد سفرًا، فقال له عمر: أما إن الجمعة لا تمنع من سفره (٤).

стр. 1195

وروى أيضًا بإسناده عن صالح بن كيسان (١): أن أبا عبيدة بن الجراح ﵁ خرج يوم الجمعة في بعض أسفاره، ولم ينتظر الجمعة (٢). والجواب عن حديث ابن عباس ﵄: فمن أصحابنا من أخذ بظاهره في الجهاد، وأما من سَوَّى بين الجهاد وغيره، فنجيب عنه: بأنه ليس في الخبر أنه وجّه السرية يوم الجمعة، ويحتمل أن يكون جهزها في آخر الأسبوع قريبًا من يوم الجمعة، فأخر جعفر (٣) الخروج؛ ليصلي الجمعة في يوم الجمعة، فحثه النبي ﷺ على الخروج. وأما حديث ابن شهاب ﵁: أن النبي ﷺ سافر يوم الجمعة، فهو مرسَل، وعلى أنه يحتمل أن يكون سافر إلى موضع آخر تقام فيه الجمعة، ولا تُقصر فيه الصلاة. وأما حديث عمر ﵁، فقال مهنا: سألت أحمد ﵀ عن حديث عمر ﵁: لا تحبس الجمعةُ عن سفر، فقال: ليس له إسناد (٤)، الأسود بن قيس عن أبيه، ولم يذكر عمر. وعلى أنا نقابله، ونقابل غيره

стр. 1196

من الصحابة؛ بما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عطاء عن عائشة ﵂: إذا أدركتَ ليلةَ الجمعة، فلا تخرجْ حتى تصلِّي الجمعة (١). وروى أيضًا بإسناده عن الأوزاعي (٢) عن حسان بن عطية (٣) ﵁ قال: من خرج يوم جمعة قبل الصلاة، دُعِي (٤) عليه أن لا يصاحَب في سفره، ولا يُعان على حاجته (٥). وبإسناده عن مجاهد ﵁: أن قومًا خرجوا في سفر يوم الجمعة قبل الصلاة، واضطرم عليهم خباؤهم نارًا، وما تقربهم نار (٦).

стр. 1197

وعلى أن قول عمر ﵁: الجمعة لا تمنع من سفر، يحتمل أن يريد به: لا يمنع سفرًا مبتدأ، أما على أنه إذا اجتاز ببلد لا يمنعه الجمعة. واحتج: بأنه إذا أجاز السفر قبل الزوال، جاز بعده؛ قياسًا على سائر الأيام وسائر الصلوات، ولأنه سافر قبل دخوله في الجمعة، فوجب أن يجوز؛ قياسًا على ما قبل الزوال، أو قبل طلوع الفجر من يوم الجمعة. والجواب: أنه فيما قبل الزوال روايتان: إحداهما: أنه لا يجوز، فعلى هذا: لا نسلم هذا، والثانية: يجوز، فعلى هذا المعنى فيه، وفيما قبل طلوع الفجر: أنه سافر قبل وجوب الجمعة، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه سافر بعد وجوبها، أو بعد دخول وقتها، أشبهَ إذا سافر بعد دخول وقتها، وأما سائر الصلوات، فالمعنى فيها: أنه يجوز فعلها في السفر، وليس كذلك الجمعة؛ لأنه لا يجوز فعلها في السفر، فإذا سافر قبل فعلها، كان تاركًا لها، فلهذا فرقنا بينهما. واحتج: بأنه ليس فيه أكثر من سقوط الفرض بسفره، وهذا لا يمنع منه السفر؛ بدليل: الصوم يجوز له أن يسافر في أول يوم من رمضان. والجواب: أن السفر لا يمنع الصوم؛ لأنه يصح فعله فيه، ويمنع صحة الجمعة، ولأن السفر لا يُسقط الصوم، وإنما يتأخر فعلُه. * فصل: والدلالة على أنه لا يجوز السفر بعد طلوع الفجر؛ خلافًا لمالك، وأحد قولي الشافعي - رحمهما الله -، وإحدى الروايتين عن أحمد ﵀ هو: أن ما بعد طلوع الفجر وقتٌ لغسل الجمعة، فمنع السفر؛

стр. 1198

دليله: إذا زالت الشمس، وإن شئت قلت: وقت للسعي إلى الجمعة، فمنع السفر؛ دليله: ما ذكرنا، ومعلوم أنه مندوب إلى السعي إلى الجمعة في أول النهار؛ بدليل قوله ﷺ : "من بكّر وابتكر، وغسل واغتسل، وراح في الساعة (١)، فكأنما قَرَّبَ بَدَنة" (٢)، ولأن الجمعة واجبة، والتسبب إليها واجب، ألا ترى أن من بَعُدَ منزله عن الجمعة، ولم يمكنه إدراكها إلا بأن يمشي من أول النهار، لزمه ذلك كما يلزمه الجمعة؟ فلما لم يجز السفر بعد وجوب الجمعة، لم يجز بعد وجوب التسبب إليها، وإنما

стр. 1199

حددنا ذلك بطلوع الفجر؛ لأن الناس يختلفون في التسبب، فبعضهم يتسبب إليها قبل الزوال بقليل، وبعضهم من أول النهار، فحُدَّ ذلك بطلوع الفجر. واحتج المخالف: بأنه ليس بوقت لوجوب الجمعة، فلم يمنع السفر؛ دليله: قبل طلوع الفجر. والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه ليس بوقت للغسل، أو ليس بوقت للسعي، أو ليس بوقت للتسبب إليها، وهذا بخلافه، فهو كما لو زالت الشمس، والله أعلم. * * * ١٥٧ - مَسْألَة: والخطبة شرط في صحة الجمعة: نص عليه في رواية الميموني (١)، فقال: إن لم يخطب، صلى أربعًا؛ لأن الخطبة تقوم مقام الركعتين، وكذلك نقل الأثرم (١)، وإبراهيم بن الحارث (١)، وهو قول أكثر الفقهاء (٢).

стр. 1200

وقال داود: ليست بشرط في الجمعة، ولا هي واجبة في نفسها (١). دليلنا: أن الله تعالى أوجب السعي إلى ذكر الله في يوم الجمعة، ولم يبين الذكر ما هو، وبينه النبي ﷺ بفعله؛ فإنه (٢) صلى وخطب، وبيان الواجب واجب، ولأن الله تعالى أوجب (٣) السعي إلى ذكر الله، والمراد به: الخطبة، فلولا أنه واجب، ما أوجب السعي إليه، وأيضًا: فقد قيل: إن الخطبة أقيمت مقام الركعتين من الصلاة، والركعتان واجبتان، فوجب أن يجب ما قام مقامهما، والذي يدل على أنهما أقيما مقام الركعتين: ما رُوي عن عمر ﵁: أنه قال: إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة (٤)،

стр. 1201

ولأنه لا يجوز ترك عدد الركعات في الحضر، فلما جاز الاقتصار على ركعتين في هذه الحال، دل على أنها مقام ركعتين، وقد قال أحمد ﵀: إنما صليت ركعتين من أجل الخطبة، رواه حنبل ﵀ عنه (١)، وأيضًا: قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢)، وقد صلى وخطب، فوجب أن يجب أن يفعل مثل ذلك، ولأنه ذكرٌ يتعلق بالجمعة يجب استماعه، فكان واجبًا كالقراءة، ولا يلزم عليه الأذان والإقامة؛ لأنه لا يجب استماعه. واحتج المخالف: أنه ذكرٌ يتقدم الصلاة، فلم يكن واجبًا، دليله: الأذان والإقامة. والجواب: أن الأذان لما لم يتغير حال الصلاة لأجله، لم يكن واجبًا، والخطبة لما غير [ت] حكم الصلاة، فجعلت ركعتين بعد أن كانت أربعًا، ثبت أنها أقيمت مقام الركعتين، فكانت شرطًا في الصلاة. واحتج: بأن الأصل براءة الذمة، فمن زعم إيجاب الخطبة، وتعلقها بالذمة، فعليه الدليل. والجواب: أنا قد دللنا على ذلك بما تقدم، على أنا نقابل هذا بمثله، فنقول: الأصل ثبوت الصلاة في ذمته، فمن زعم براءتها بركعتين بغير خطبة (٣)، ........................................

стр. 1202

فعليه الدليل، والله تعالى أعلم. * * * ١٥٨ - مَسْألَة: إذا خطب على غير وضوء، أجزأه، وكذلك إن كان جنبًا، ولم تكن خطبته في المسجد: نص على هذا في رواية صالح (١)، وعبد الله (٢)، فقال: إذا خطب بهم جنبًا، ثم اغتسل وصلى بهم، أرجو أن يجزئه. وبهذا قال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤) - رحمهما الله -. وقال الشافعي ﵀ في القديم: مثلَ قولنا، وقال في الجديد: لا يجزئه (٥).

стр. 1203

دليلنا: أن الخطبتين ذكرٌ يتقدم الصلاة، فلم يكن شرطه الطهارة؛ قياسًا على الأذان والإقامة، تبين صحة هذا: أن فساد الركعتين لا يوجب فساد الخطبتين، كما لا يوجب فساد الأذان والإقامة، ثم ثبت أن الأذان والإقامة ليس من شرطه الطهارة والإقامة (١)، كذلك الخطبة. فإن قيل: المعنى في الأذان: أنه ليس بواجب، وليس كذلك الخطبة؛ لأنها واجبة. قيل: علة الأصل تبطل بصلاة النافلة، وطواف النافلة، ومس المصحف ليس بواجب، ومن شرطه الطهارة، وعلة الفرع تبطل بالشهادتين؛ فإنها واجبة على الكافر، ولا يفتقر ذكرها إلى الطهارة. فإن قيل: فالأذان ليس بشرط في الجمعة، والخطبة شرط في صحتها. قيل: الطواف، ومس المصحف، والكلام في الصلاة في صدر الإسلام ليس بشرط في صحة الجمعة، ومن شرطه الطهارة، وأيضًا: فإنه أتى بألفاظ الخطبة على وجه التعظيم، أشبهَ إذا أتى بها على طهارة، ولأنه ذكرٌ مفعول في غير صلاة، فلم يفتقر إلى طهارة؛ دليله: الشهادتان، والتسمية على الذبيحة، وفيه: احتراز من التكبير، والقراءة. وقد قيل: بأن الخطبة ليس من شرطها القبلة، ويجوز فيها الكلام، فلم تفتقر إلى الطهارة؛ كالصوم، وهذا يفسد؛ لأن النوافل على الراحلة

стр. 1204

والفريضة في حال الخوف ليس من شرطها القبلة، ومن شرطها الطهارة، ومس المصحف من شرطه الطهارة، وليس من شرطه التوجه، وكذلك الكلام كان مباحًا في أول الإسلام في الصلاة، والطهارةُ شرط فيها، وكذلك الطواف، ومس المصحف لا يحرم الكلام، ومن شرطه الطهارة، والصحيح ما ذكرنا. واحتج المخالف: بأن كل ذكر كان شرطًا في صحة الصلاة لم يصح إلا بطهارة؛ دليله: تكبيرة الإحرام، ولا يلزم عليه الشهادتان؛ لأن الشرط هو الإيمان، وهو التصديق بالقلب (١)، وإنما يطالب بالشهادتين؛ ليعلم إيمانه بقلبه. والجواب: أن تكبيرة الإحرام من الصلاة يشترط فيها الطهارة، وليس كذلك الخطبة؛ لأنها ذكرٌ يتقدم الصلاة، فهي بالأذان أشبهُ. فإن قيل: اعتبارها بأركان الصلاة أشبهُ؛ لأنها شرط في الصحة، والأذان ليس بشرط. قيل له: اعتبارها بالأذان أشبه؛ لأن فساد الركعتين لا يوجب فساد الخطبة، كما لا يوجب فساد الأذان، وعلى أن الطواف، ومس المصحف، والكلام في صدر الإسلام ليس ذلك شرطًا في صحة الجمعة، ومع هذا

стр. 1205

فإنه يفتقر إلى الطهارة. فإن قيل: الخطبة تفتقر إلى قراءة آية من القرآن، والجنب ممنوع من ذلك. قيل: نحن نمنعه أن يقرأ ذلك في خطبته وهو جنب، ونقول له: اغتسل قبل قراءتها، فإن قرأ قبل الغسل، أثم، وأجزأه، كما قال مخالفنا: يمنع من الصلاة في أرض غصب، ويجزئه، وكذلك الجنب إذا صلى بقوم وهو لا يعلم، تجزئهم صلاتهم، وإن كان ممنوعًا من القراءة، وقد حصل الاعتداد بها، كذلك ها هنا، والله أعلم. * * * ١٥٩ - مَسْألَة: إذا خطب جالسًا لغير عذر، فقد أساء، وتجزئه: نص على هذا في رواية علي بن سعيد (١)، فقال: يخطب قائمًا، خطب رسول الله ﷺ قائمًا، فإن خطبهم جالسًا، وصلى، يجزئهم، ولا يعيدون. وقد أطلق القول في رواية الأثرم (٢)، وعبد الله (٣)، فقال: يخطب قائمًا. وهذا محمول على الاستحباب.

стр. 1206

وبه قال أبو حنيفة (١)، ومالك (٢) - رحمهما الله -. وقال الشافعي ﵀: لا يجزئه تركُ القيام مع القدرة عليه، ولأنه من قيامين بينهما جلسة، وإن كان مريضًا، خطب جالسًا، ويفصل بين الخطبتين بسكتة تنبه (٣). دليلنا: أنه ذكرٌ يتقدم الصلاة، فلم يكن من شرط صحته القيام؛ دليله: الأذان والإقامة، ويبين صحة هذا: ما ذكرنا: أن فساد الركعتين لا يوجب فساد الخطبة، كما لا يوجب فساد الأذان، ويبين صحة هذا: أن القيام شرع في الأذان كما شرع في الخطبة، وليس بشرط في صحة الأذان، كذلك الخطبة. فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الأذان ليس بشرط في صحة الصلاة، وليس كذلك الخطبة، لأنها شرط في صحة الصلاة، فكان من شرطها القيام. قيل له: يبطل بالقراءة في صلاة النافلة، القراءة شرط في صحتها، وليس القيام شرطًا في صحتها، كذلك التشهد الأخير، والصلاةُ على النبي ﷺ في الصلاة الفرض هو شرط في الصلاة، وليس من شرطه القيام،

стр. 1207

ولأنه أتى بألفاظ الخطبة على وجه التعظيم، أشبهَ إذا أتى به في حال القيام، ولأنه ذكرٌ ليس من شرطه استقبال القبلة بحال، فلم يكن من شرطه القيام؛ دليله: لفظ الشهادتين، والتلبية، والتسمية على الذبيحة. فإن قيل: قد يسقط الاستقبال، والقيام شرط، وهي في حال شدة الخوف. قيل له: قد احترزنا عنه بقولنا: بحال، وذلك أن الذكر من شرطه استقبال القبلة بحال، وهو في حال الأمن. فإن قيل: المعنى في الشهادتين، والتسمية، والتلبية: أنه لم يشرع فيها القيام، وليس كذلك الخطبتان؛ لأنه قد شرع فيها القيام. قيل له: ليس إذا شرع فيها ينبغي أن يجب؛ بدليل: الأذان والإقامة، قد شرع فيه القيام، وليس بواجب. واحتج المخالف: بما روى جابر (١)، وابن عمر (٢)، وأبو هريرة (٣) ﵃ أجمعين -: أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة قائمًا

стр. 1208

خطبتين، يفصل بينهما بجلوس، وفعلُ النبي ﷺ إذا تعلق بالقربة وجب الاقتداءُ به؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (١)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. والجواب: أنه قد اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في أفعال النبي ﷺ ، فقال في رواية إسحاق بن إبراهيم (٢): الأمر من النبي ﷺ سوى الفعل؛ لأن النبي ﷺ قد يفعل الشيء ﵇ على جهة الفضل (٣)، ويفعل الشيء ﵇، وهو له خاص. وظاهر هذا: أنه لا يقتضي الوجوب، فعلى هذا: لا يلزمنا ذلك. وقال في رواية الأثرم (٤): إذا رمى الجمار، فبدأ بالثالثة ثم الثانية ثم الأولى، لم يعجبني، قد فعل النبي ﷺ الجمار، وسن فيها سنة، وكذلك نقل الجماعة عنه (٥): المغمى عليه يقضي؛ لأن النبي ﷺ أُغمي عليه، ..........................................

стр. 1209

فقضى (١). وهذا يدل على أن أفعاله ﵇ على الوجوب؛ لأنه (٢) جعلها حجة في ترتيب الجمار، وفي حق المغمى عليه، فعلى هذا: إطلاقها يقتضي الوجوب، ويجوز أن يحمل على الندب بدلالة، فنحن نحمل ذلك على الندب. فإن قيل: فأفعاله ﵇ إذا خرجت مخرج البيان، اقتضت الوجوب بإجماع، وهذا يخرج مخرج البيان بمجمل في القرآن، فاقتضى الوجوب. قيل له: ويجوز حمله على الندب بدلالة، كما يجوز حمل الألفاظ من الوجوب إلى الندب بدلالة. واحتج: بأنه ذكرٌ جُعل شرطًا في صحة الصلاة المفروضة، ليس من شرطه القعود، فكان من شرطه القيام مع القدرة عليه؛ دليله: تكبيرة الإحرام، والقراءة. والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون شرطًا في صحة الصلاة، ولا يكون من شرطه القيام؛ كالقراءة في صلاة النافلة، وعلى أن تكبيرة الإحرام من شرطها استقبالُ القبلة، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يتقدم الصلاة، أو

стр. 1210

نقول: ليس من شرطه استقبال القبلة، أشبهَ الأذان، والإقامةَ، والتسميةَ، والتلبيةَ. واحتج: بأن الأصل الظهر، وإنما نقلوا عنها إلى الجمعة بشرائط، ولم تقم الدلالة على وجود تلك الشرائط، فيجب أن يكون فرض الظهر باقيًا. والجواب: أن قد أقمنا الدلالة على وجود شرائطها، فوجب الانتقال عن الظهر إليها، والله أعلم. * * * ١٦٠ - مَسْألَة: القعود بين الخطبتين ليس بواجب: نص عليه في رواية بكر بن محمد عن أبيه (١): إذا خطب بهم، فأحب أن يجلس بين الخطبتين، فإن لم يجلس، وصلى، تجزئهم صلاتهم، قد فعل ذلك المغيرةُ بن شُعبة ﵁ (٢)، وغيره.

стр. 1211

وبهذا قال أبو حنيفة (١)، ومالك (٢) - رحمهما الله -. وقال الشافعي ﵀: هو واجب، إن تركه، لم تجزئه الخطبة (٣). وحكى أبو إسحاق في تعاليقه عن أبي بكر النجاد: أنه لا يجوز تركها (٤)، وحكى عن أبي بكر الخلال: جواز تركها (٥). دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ولم يشرط الجلوس. وروى أيضًا أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يخطب خطبة واحدة قائمًا، فلما ثقل وسمن، جعلها خطبتين، جلس بينهما جلسة يستريح فيها (٦). وروى أيضًا بإسناده عن طاوس قال: لم يكن أبو بكر ولا عمر ﵄ يقعدون على المنبر يوم الجمعة، وأولُ من قعد معاويةُ ﵁ (٧).

стр. 1212

وروى بإسناده عن أبي إسحاق (١) قال: رأيت عليًا ﵁ كان يخطب على المنبر، فلم يجلس حتى فرغ (٢). ولأنه قال: أتى بألفاظ الخطبة على وجه التعظيم، فأجزأه من الخطبة؛ كما لو خطب خطبتين، وجلس بينهما، ولأنهما فضلان من الذكر يتقدمان الصلاة، فلم يكن من شرط صحتهما جلوسٌ بينهما؛ دليله: الأذان والإقامة. واحتج المخالف: بما روى جابر بن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم (٣)، وكذلك روى ابن عمر (٤)، وابن عباس (٥) ﵃. والجواب: أنا نحمل ذلك على المسنون.

стр. 1213

فإن قيل: فعلَه ﵇ بيانًا للآية، وفعلُه إذا ورد مورد البيان، اقتضى الوجوب. قيل له: قد بين الواجب والمستحب، فنحمله على المستحب بما تقدم. * * * ١٦١ - مَسْألَة: يجمع في الخطبة الأولى بين حمد الله، والصلاة على رسوله، والوصية بتقوى الله ، وقراءة آية من القرآن، ويأتي في الثانية مثل ذلك: ذكره الخرقي في مختصره (١)، وقد أومأ إليه ﵀ في رواية أبي طالب (٢) - وقد سئل: عن الإمام يخطب يوم الجمعة، يجزئه أن يقرأ سورة من القرآن؟ - فقال: عمر ﵁ قرأ (٣) سورة الحج على المنبر، قيل له: فيجزئه؟ قال: لا، لم يزل الناس يخطبون بالثناء على الله ،

стр. 1214

والصلاة على النبي ﷺ ، ويسلمون - يعني: على النبي ﷺ . وقال أيضًا في رواية بكر بن محمد عن أبيه (١) - وقد سئل: عن الرجل يخطب يوم الجمعة، فيكبر ويصلي على النبي ﷺ ويحمد الله ؟ -، فقال: لا تكون خطبة إلا كما خطب النبي ﷺ ، أو خطبة تامة. وبهذا قال الشافعي ﵁، إلا أنه قال: إن لم يقرأ في الثانية، وقرأ في الأولى، أجزأه (٢). وقال أبو حنيفة: إذا خطب بتسبيحة واحدة، أجزأه (٣). وحكى ابن نصر (٤) عن مذهب مالك: أنه إذا أتى بكلام مرتب ممتد يجمع موعظة، أجزأه، وإن لم يقرأ، ولم يصلِّ (٥) على النبي ﷺ . وحكى ابن القصار عن مالك ﵁ روايتين: إحداهما: نقلها ابن القاسم (٦) مثلَ قولنا، ..................................

стр. 1215

ونقل ابن [عبد] (١) الحكم (٢): مثلَ قول أبي حنيفة (٣). دليلنا: أن الله تعالى أوجب السعي إلى ذكر الله، ولم يبين ذلك الذكر، وبيانُه من فعل النبي ﷺ ، وقد كان يأتي بجميع ما ذكرنا في خطبته، فثبت وجوب ذلك من وجهين: أحدهما: أن بيان الواجب واجب. والثاني: أنه ﵇ قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤). وقد روى النجاد بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يخطب خطبتين، يجلس بينهما يقرأ القرآن، ويذكِّر الناس (٥). وروى أيضًا بإسناده عن عبد الله بن محمد بن معن (٦) عن بنت حارثة

стр. 1216

ابن النعمان قالت: كانت تَنُّورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدًا، وما حفظت سورة ﴿ق﴾ إلا من في رسولِ الله ﷺ ، وهو يخطب يوم الجمعة على المنبر (١). وروى جابر بن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقرأ على المنبر يوم الجمعة آياتٍ وكانت صلاته ﵇ قصدًا، وخطبته قصدًا (٢). وروى بإسناده عن عبادة (٣) عن الحكم بن حزن (٤) الكُلَفي ﵁: وفَدْنا إلى رسول الله ﷺ ، وأقمنا عنده حتى حضرت الجمعة، فخرج رسول الله ﷺ ، وتكلم بكلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: "أيها

стр. 1217

الناس! إنكم لن تستطيعوا، أو لن تطيقوا [كلَّ] (١) ما أمرتكم به، وسَدِّدوا وقارِبوا وأبشروا" (٢). وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ كان إذا خطب، حمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد" (٣). وروى أيضًا بإسناده عن جابر بن سمرة - رضي الله [عنه] (٤) - قال: كان لرسول الله ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن، ويذكر الناس (٥). وأيضًا: ما روى أبو بكر الخلال في كتاب العلم بإسناده عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، فذكر الحديث، وذكر إسراء النبي ﷺ ، وذكر فيه: قولَ الله تعالى له: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، فلا أُذْكَر إلا ذُكرتَ معي، وجعلتُ أمتك

стр. 1218

لا تجوز لهم خطبةٌ حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي (١)، وهذا يدل على وجوب ذكره في الخطبة. وأيضًا: فإن الجمعة لا تصح إلا بخطبة، وهذا المقدار من الكلام لا يسمى (٢) خطبة؛ لأنه لا يقال لمن حمد الله على الطعام: هو خطيب، ولا يقال للحارس إذا ذكر الله هو خطيب، ولا لمن سمى الله على وضوئه: هو خطيب، ولأنه لو كان ذلك المقدار خطبة، لكان الناس كلهم خطباء؛ لأن أحدًا لا يعجز عن إتيان كلمة فيها ذكر الله تعالى، وإذا لم تسم هذه الخطبة، لم تصح الجمعة؛ لأن صحتها تقف على شرائط، منها: الخطبة، ولأنه ذكرٌ يتقدم صلاة مفروضة، فوجب أن يتنوع أنواعًا؛ دليله: الأذان، ولا يلزم عليه قوله: الصلاة جامعة، من صلاة العيد؛ لقولنا: صلاة مفروضة، وتلك غير مفروضة. فإن قيل: بعلَّته، فنقول: فلم يكن من شرطه قراءة القرآن، والوصية بتقوى الله، والأذان. قيل له: ليس إذا اختلفا في صفة النوع يجب أن يختلفا في أصل

стр. 1219

النوع؛ بدليل: الخطبة المسنونة يخالف الإمام في صفة النوع، ويوافقه في أصل النوع، وعلى أن الأذان القصدُ منه: الدعاء إلى الصلاة، فلهذا لم يشرط فيه القرآن، والوصية، والخطبةُ القصدُ منها: الوصية، فاعتبرت فيه. واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، والذكر الذي يلي النداء هو: الخطبة، والظاهر يقتضي جواز أيِّ ذكر كان. والجواب: أن الذكر الذي أمرهم بالسعي إليه، هو الذي يأتي به النبي ﷺ ، وأجمعوا على أنه لم يقتصر على تسبيحة واحدة، وفعلُه ﵇ خرج مخرج البيان للواجب، وبيانُ الواجب واجب. واحتج: بما رُوِيَ: أن عمارًا ﵁ خطب فأوجز، فقيل له: ما تنفست؟ فقال: أمرنا رسول الله ﷺ بإقصار الخطبة، وإطالة الصلاة (١)، وهذا يبقي ما اعتبره مخالفنا شرطًا في الخطبة. والجواب: أن الصحيح من حديث عمار ﵁: ما رواه أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي وائل قال: خطبنا عمار بن ياسر، فأبلغ وأوجز، فلما نزل، قلنا: يا أبا اليقظان! لقد أبلغتَ وأوجزتَ، فلو كنت تنفستَ؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن طولَ صلاة الرجل، وقِصَر

стр. 1220

خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة؛ فإن من البيان. سحرًا" (١)، وإذا كان هذا أصل الحديث، فلا حجة فيه؛ لأنه أمر بإقصار الخطبة، وقول: سبحان الله ليس بخطبة، وكذلك: باسم الله، ولا إله إلا الله، وإنما إقصار الخطبة أن يوجزه، فيأتي بما يقع عليه اسم الخطبة. واحتج: أن عثمان ﵁ صعد المنبر، فأُرْتِج عليه (٢)، وقال: إنكم إلى إمام فعّال أحوجُ منكم إلى إمام قوّال، وإن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يعدان لهذا المقام مقالًا، وأنا أستغفر الله العظيم لي ولكم، ونزل، وصلى بالناس (٣)، وكان يحضره الناس من الصحابة من غير نكير من أحد منهم. والجواب: أنه قد قيل: إنه كان في خطبة البيعة؛ لأنها اتفقت بغتةً، وخطبةُ الجمعة لا تكون إلا بعد التمكن من إعداد المقال لها، ولأنه يحتمل أن يكون أرتج عليه في إتيانها، واقتصر على ما تقدم. واحتج: بأن هذا القدر من الكلام يسمى خطبة؛ بدلالة: ما رُوي أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! علمني عملًا يُدخلني

стр. 1221

الجنة، فقال: "لئن أقصرت (١) الخطبة، لقد أعرضت المسألة" (٢). ورُوي: أن رجلًا قال بحضرة النبي ﷺ : من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما، فقد غوى، فقال: "بئسَ الخطيبُ أنتَ" (٣)، فسماه خطيبًا بهذا القدر من الكلام، فدل على أن قول: لا إله إلا الله، وسبحان الله، ونحو ذلك يسمى: خطبة (٤). والجواب: أن قوله: علِّمني عملًا يدخلني الله به الجنة، لا يسمى خطبة بالإجماع، وإنما هو سؤال سأل رسول الله ﷺ أن يعلمه، ومن قال: علمني كذا، لا يسمَّى: خاطبًا، ولا يسمَّى قوله هذا: خطبة، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون هذا تصحيفًا منهم، ويكون ذلك خِطبة - بكسر الخاء - من قولهم: خطب خِطبة: إذا طلب، وكذلك قوله: من يطع الله ورسوله، فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، لا يسمى خطبة؛ لأنه (٥)، ولأنه رُوي في هذا الخبر: أن رجلين أتيا النبي ﷺ ، فخطب

стр. 1222

أحدهما، فقال: من يطع الله ورسوله، فقد رشد، فقال له النبي ﷺ ما قال، فسماه خطيبًا؛ لأنه أراد أن يشرع في الخطبة، وعلى أنه يحتمل أن يكون سماه [خطيبًا] مجازًا. واحتج: بأن القصد من الخطبة: ذكرُ الله تعالى على وجه التعظيم له؛ بدلالة: أنه لو أطلق الكلام، ولم يذكر الله، لم يجزئه من الخطبة، وإذا كان كذلك، فقد أتى بذكر الله تعالى على وجه التعظيم له، فوجب أن يجزئه؛ كما لو أتى بخطبة طويلة. والجواب: أنه يبطل به إذا (١) بالله، واللهمَّ اغفرْ لي، ثم المعنى في الأصل: أنه إذا أتى بما يسمى خطبة، وليس كذلك ها هنا؛ لأن الاسم غير موجود من الوجه الذي ذكرنا، فلم تصح جمعته. واحتج: بأنه ذكرٌ شُرط في صحة الصلاة، فأجزأ فيه ما يقع عليه الاسم؛ كالتكبير. والجواب: أن هذا لا يصح في الأصل، ولا في الفرع، على الأصلين جميعًا؛ لأن عندنا: إذا دخل في الصلاة بغير لفظ التكبير، لم يصح، وعندهم: إذا دخل بغير لفظ يقتضي التعظيم، لم يصح، وفي الفرع أيضًا: إذا لم يأت عندهم بلفظ يقتضي التعظيم، لم يصح، فامتنع من هذا أن يجري ما يقع عليه الاسم، وعلى أن التكبير يستفتح به الصلاة، فاعتبر فيه التخفيف، وهذا ذكرٌ يتقدم صلاة مفروضة، فتنوع أنواعًا؛ دليله: الأذان.

стр. 1223

* فصل: والدلالة على وجوب القراءة في الخطبة الثانية: أن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين، فلما كانت القراءة شرطًا فيهما، كذلك الخطبتان، ولأن ما كان شرطًا في أحد الخطبتين، كان شرطًا فيهما؛ كالحمد، والموعظة. واحتج المخالف: بأن النبي ﷺ كان يقرأ سورة ﴿ق﴾ (١)، فاقتضى الخبر وجوبَ القراءة، وقد قرأ، فوجب أن يجزئه. والجواب: أنه اقتضى وجوب القراءة في الجملة، وخلافنا في محلها، وليس في الخبر ما يدل عليه. واحتج: بأن القصد من الخطبة الموعظة، فهي شرط فيهما، والصلاة محل للقراءة، فهي شرط في كل ركعة. والجواب: أن القصد من الخطبة الموعظة، وتعظيم الله تعالى، وقراءة القرآن. والله أعلم. * * * ١٦٢ - مَسْألَة: الكلام في حال الخطبة محظورٌ على المستمع دون الخاطب في أصح الروايتين:

стр. 1224

نص عليه في رواية الميموني (١)، وحنبل (٢) - وقد سئل عن الإمام يخطب يوم الجمعة، فيتكلم، وهو على المنبر في الخطبة -، فقال: لا بأس بذلك، يأمر وينهى، قد رُوي عن النبي ﷺ من غير وجه: أنه تكلم، وهو على المنبر. فقد نص على جواز الكلام في حق الخاطب. وقال في رواية أبي طالب (٢)، وأبي داود (٣): إذا سمعتَ الخطبةَ، فأنصتْ واستمعْ، ولا تقرأ، ولا تشمّت، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وإذا لم تسمع الخطبة، فاقرأ، وشَمِّت، ورُدَّ السلام. فقد نص على جواز ذلك إذا لم يكن بحيث لم يسمع الخطبة، وجوازه إذا كان بعيدًا منه لا يسمعها. وفيه رواية أخرى: لا يحرم ذلك على الخطيب، ولا على المستمع، رواها أحمد بن الحسن (٤)، فقال: سألت أحمد - رحمة الله عليه -: إن

стр. 1225

تكلم والإمام يخطب؟ فقال: ليس شيء، فقال له: حديث أبيّ (١)؟ قال: لا يصح ذلك، وغيرُه أصحُّ حديثُ أنس: أن رجلًا سأل النبي ﷺ وهو يخطب، فقال: استسقِ لنا (٢). وقال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤) - رحمهما الله -: هو محظور على الخطيب، والمستمع، سواءٌ كان بحيث يسمع، أو لم يسمع. وللشافعي ﵀ قولان (٥): قال في القديم، والإملاء: مثل هذا، وقال في الأم (٦): لا يحرم ذلك. فالدلالة على تحريم الكلام في حق المستمع؛ خلافًا للشافعي في أحد القولين، وإحدى الروايتين عن أحمد: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وروي: أنها نزلت في شأن الخطبة (٧)، ورُوي: أنها نزلت في القراءة خلف الإمام (٨)، وهي

стр. 1226

عليهما، فأمر بالسكوت في حال الخطبة، وأمرُه على الوجوب، ومخالفُنا لا يوجبه. وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قلت للإنسان: أنصِتْ يومَ الجمعة، والإمامُ يخطب، فقد لغوتَ" (١). وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمامُ يخطب: صه، فقد لغا" (٢). وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن عطاء بن يسار، عن أبيّ بن كعب ﵁: أن رسول الله ﷺ قرأ يوم الجمعة [براءة] (٣)، وهو قائم يذكِّرنا بأيام الله، وأُبي بنُ كعب وِجَاه النبي ﷺ ، وأبو الدرداء، وأبو ذر ﵃، فغمز أُبيًّا أحدُهما، فقال: متى نزلت هذه السورة يا أُبيّ؟ (٤) فإني لم

стр. 1227

أسمعها (١) إلا الآن، فأشار النبي ﷺ : أن اسكت، فلما انصرفوا، قال: سألتك: متى أنزلت هذه السورة؟ فلم تجبني! قال أُبيّ: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فذهبتُ (٢) إلى رسول الله ﷺ ، فذكرتُ ذلك له، وأخبرتُه بالذي قال أُبيٌّ، فقال رسول الله ﷺ : "صدق أُبيّ" (٣). وروى بإسناده عن إبراهيم: أن ابن مسعود سأل أُبَيَّ بنَ كعب ﵄ عن آية من كتاب الله ، ورسولُ الله ﷺ يخطب، فأعرضَ عنه، ولم يردَّ عليه شيئًا، فلما قضى صلاته، قال: إنه لا جمعةَ لك، فسأل ابنُ مسعود النبيَّ ﷺ ، فقال: "صدق أُبيّ" (٤).

стр. 1228

وروى أيضًا بإسناده: أن أبا ذر، والزبير بن العوام ﵄ سمع أحدهما من النبي ﷺ أنه يقرؤها وهو على المنبر يوم الجمعة، فقال لصاحبه: متى أنزلت هذه الآية؟ فلما قضى صلاته، قال له عمر بن الخطاب ﵁: لا جمعة لك، فأتى النبيَّ ﷺ ، فذكر له ذلك، فقال: "صدق عمر" (١). وروى أيضًا بإسناده عن جابر ﵁: قال سعد ﵁ لرجل يوم الجمعة: لا صلاةَ لك، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن سعدًا (٢) قال: لا صلاة لك، فقال النبي ﷺ : " [لِمَ] (٣) يا سعدُ؟ "، قال: إنه تكلم وأنت تخطب يا رسول الله، قال: "صدق سعد" (٤). ولأنه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -: روينا عن عمر، وأبيّ، وسعد بن أبي وقاص ﵃: أنه لا صلاة لمن تكلم، وهذا تغليظ منهم. وروى أيضًا أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: إذا قال يوم الجمعة والإمام يخطب: صه، فقد لغا (٥).

стр. 1229

وروى أيضًا عن الرُّكين بن الرُّبيع (١) عن أبيه (٢) عن عبد الله ﵁ قال: كفى لغوًا أن تقول لصاحبك: أنصت، إذا خرج الإمام من الجمعة (٣). وروى أيضًا عن إبراهيم قال: استقرأ رجل عبد الله بن مسعود، والإمام يخطب يوم الجمعة، فلم يكلمه عبد الله، فلما قضى الصلاة، قال له عبد الله: الذي سألتَ عنه نصيبُك من الجمعة (٤). وروى أيضًا عن الزهري: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كلام الإمام يقطع الكلام، وخروج الإمام يقطع الصلاة (٥). وروى أيضًا ......................................

стр. 1230

عن علقمة بن عبد الله (١) قال: قدمنا المدينة يوم الجمعة، فأمرت أصحابي أن يرتحلوا بي (٢)، ثم أتيت المسجد، فجلست قريبًا من ابن عمر ﵄، فجاء رجل من أصحابي، فجعل يحدثني، والإمام يخطب: فعلنا كذا وكذا، فلما كثر، قلت له: اسكت، فلما قضينا الصلاة، ذكرت ذلك لابن عمر ﵄، فقال: أما أنت، فلا جمعة لك، وأما صاحبك، فحمار (٣) (٤). فإن قيل: يعارض هذا ما رواه النجاد بإسناده عن محمد بن عثمان (٥): جاء، وعمر ﵄ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال له عمر: ما حبسك؟ فقال له عثمان: ما زدتُ على أن توضأت، ثم جئت بعد ما
следующие страницы →