← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

عليهما، فأمر بالسكوت في حال الخطبة، وأمرُه على الوجوب، ومخالفُنا لا يوجبه. وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قلت للإنسان: أنصِتْ يومَ الجمعة، والإمامُ يخطب، فقد لغوتَ" (١). وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمامُ يخطب: صه، فقد لغا" (٢). وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن عطاء بن يسار، عن أبيّ بن كعب ﵁: أن رسول الله ﷺ قرأ يوم الجمعة [براءة] (٣)، وهو قائم يذكِّرنا بأيام الله، وأُبي بنُ كعب وِجَاه النبي ﷺ ، وأبو الدرداء، وأبو ذر ﵃، فغمز أُبيًّا أحدُهما، فقال: متى نزلت هذه السورة يا أُبيّ؟ (٤) فإني لم

стр. 1227

أسمعها (١) إلا الآن، فأشار النبي ﷺ : أن اسكت، فلما انصرفوا، قال: سألتك: متى أنزلت هذه السورة؟ فلم تجبني! قال أُبيّ: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فذهبتُ (٢) إلى رسول الله ﷺ ، فذكرتُ ذلك له، وأخبرتُه بالذي قال أُبيٌّ، فقال رسول الله ﷺ : "صدق أُبيّ" (٣). وروى بإسناده عن إبراهيم: أن ابن مسعود سأل أُبَيَّ بنَ كعب ﵄ عن آية من كتاب الله ، ورسولُ الله ﷺ يخطب، فأعرضَ عنه، ولم يردَّ عليه شيئًا، فلما قضى صلاته، قال: إنه لا جمعةَ لك، فسأل ابنُ مسعود النبيَّ ﷺ ، فقال: "صدق أُبيّ" (٤).

стр. 1228

وروى أيضًا بإسناده: أن أبا ذر، والزبير بن العوام ﵄ سمع أحدهما من النبي ﷺ أنه يقرؤها وهو على المنبر يوم الجمعة، فقال لصاحبه: متى أنزلت هذه الآية؟ فلما قضى صلاته، قال له عمر بن الخطاب ﵁: لا جمعة لك، فأتى النبيَّ ﷺ ، فذكر له ذلك، فقال: "صدق عمر" (١). وروى أيضًا بإسناده عن جابر ﵁: قال سعد ﵁ لرجل يوم الجمعة: لا صلاةَ لك، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن سعدًا (٢) قال: لا صلاة لك، فقال النبي ﷺ : " [لِمَ] (٣) يا سعدُ؟ "، قال: إنه تكلم وأنت تخطب يا رسول الله، قال: "صدق سعد" (٤). ولأنه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -: روينا عن عمر، وأبيّ، وسعد بن أبي وقاص ﵃: أنه لا صلاة لمن تكلم، وهذا تغليظ منهم. وروى أيضًا أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: إذا قال يوم الجمعة والإمام يخطب: صه، فقد لغا (٥).

стр. 1229

وروى أيضًا عن الرُّكين بن الرُّبيع (١) عن أبيه (٢) عن عبد الله ﵁ قال: كفى لغوًا أن تقول لصاحبك: أنصت، إذا خرج الإمام من الجمعة (٣). وروى أيضًا عن إبراهيم قال: استقرأ رجل عبد الله بن مسعود، والإمام يخطب يوم الجمعة، فلم يكلمه عبد الله، فلما قضى الصلاة، قال له عبد الله: الذي سألتَ عنه نصيبُك من الجمعة (٤). وروى أيضًا عن الزهري: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كلام الإمام يقطع الكلام، وخروج الإمام يقطع الصلاة (٥). وروى أيضًا ......................................

стр. 1230

عن علقمة بن عبد الله (١) قال: قدمنا المدينة يوم الجمعة، فأمرت أصحابي أن يرتحلوا بي (٢)، ثم أتيت المسجد، فجلست قريبًا من ابن عمر ﵄، فجاء رجل من أصحابي، فجعل يحدثني، والإمام يخطب: فعلنا كذا وكذا، فلما كثر، قلت له: اسكت، فلما قضينا الصلاة، ذكرت ذلك لابن عمر ﵄، فقال: أما أنت، فلا جمعة لك، وأما صاحبك، فحمار (٣) (٤). فإن قيل: يعارض هذا ما رواه النجاد بإسناده عن محمد بن عثمان (٥): جاء، وعمر ﵄ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال له عمر: ما حبسك؟ فقال له عثمان: ما زدتُ على أن توضأت، ثم جئت بعد ما

стр. 1231

سمعتُ النداء، فلما دخل عمر ﵁ بيته، دخل ابن عباس ﵄ عليه، فقال: يا بن عباس! أما تسمع ما قال: ما زدتُ على أن توضأت ثم جئتُ؟ فقال عمر: أما إنه قد علم أنا كنا نؤمر بغير ذلك، قال: ألكم أيها المهاجرون خاصة، أم للناس عامة؟ فقال عمر ﵁: لا أدري. فقد وجد الكلام من عثمان ﵁ في حال الخطبة، ولم ينكره أحد من الصحابة ﵃ أجمعين -. قيل له: كلام عمر ﵁ فيجوز عندنا؛ لأنه الخاطب - وهذا فصل يأتي - وأما كلام عثمان ﵁، فيجوز؛ لأن عمر ﵁ قطع الخطبة في حال سؤاله، وخلافنا في حال الذكر، والقياس: أن الخطبة ذكرٌ جُعل شرطًا في صحة الصلاة، فجاز أن يحرم الكلام؛ دليله: تكبيرة الإحرام، والقراءة، ولا يلزم عليه الخاطب؛ لأن التعليل لجنس الذَّكر، فلا يلزم عليه الأحوال. قيل: إنما نُهِي عن الكلام في حال الصلاة؛ لأنه لا يشترك فيه الإمام والمأموم، فكان يجب أن يشترك الخاطب والمستمع أيضًا في النهي. قيل له: إنما لم يشتركا في الخطبة؛ لأن المستمع إذا تكلم حصل تاركًا للإنصات، وراغبًا عنه، وليس كذلك الخاطب؛ لأنه بالكلام تزول الخطبة، وقد يجوز قطعها، فلا يحصل تاركًا للإنصات، ولأن المأموم يشارك الإمام في نفس الفعل، وها هنا أحدُهما فاعل. فإن قيل: فالمعنى في الصلاة: أن الكلام يُبطل، والخطبة لا يبطلها الكلام، فلهذا لم يجز فيها. قيل له: فيجب أن لا يمنع من التطوع أيضًا؛ لأنه لا يبطلها، وأيضًا:

стр. 1232

فإن في إباحة الكلام ترك الإنصات استخفافًا بالإمام، وإبطالًا لمعنى الخطبة، وإزالة فائدتها، وذلك أولى ما وصف بأنه محرم؛ ولأن في الكلام ترك الإنصات، فيجب أن يمنع منه المستمع ابتداء؛ دليله: صلاة النفل، ولا يلزم عليه تحية المسجد؛ لأنها لا تفعل ابتداءً، وإنما تفعل لسبب، ومثله في الكلام يجوز منه ما له سبب، وهو رد السلام، وتشميت العاطس على إحدى الروايتين. فإن قيل: الصلاة تتصل، والكلام يمكن قطعه. قيل له: تحية المسجد تتصل، وتجوز عندك. واحتج المخالف: بما روى أنس بن مالك ﵁ قال: أصاب أهلَ المدينة قحطٌ على عهد رسول الله ﷺ ، فبينما هو يخطب يوم الجمعة، إذ قام رجل فقال: يا رسول الله! هلك الكراع (١)، وهلك [الشاء] (٢)، فادع لنا أن يسقينا، فمدَّ يديه، ودعا، قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت ريح، ثم أنشأت سحابة، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماء عزاليها، فخرجنا نخوض في الماء حتى أتينا منازلنا، فلم يزل المطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه ذلك الرجل، أو غيره، فقال: يا رسول الله! تهدمت

стр. 1233

البيوت، فادع الله أن يحبسه، فتبسم رسول الله ﷺ ، [ثم] (١) قال: "حوالينا ولا علينا"، فنظرتُ إلى السحاب تصدع حول المدينة كأنها أكليل (٢). وروى أنس بن مالك ﵁ قال: دخل رجل ورسولُ الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فأشار إليه الناس: اسكتْ، فقال له رسول الله ﷺ عند الثالثة: "ويحك! ماذا أعددت لها؟ "، قال: أحبُّ الله ورسوله، قال: "إنك مع من أحببت" (٣). ورُوي عن جرير بن عبد الله ﵁: أنه قال: لما دنوت من المدينة، أنختُ راحلتي، وحللت عَيبتي (٤)، ولبست حُلَّتي، ودخلت على رسول الله ﷺ وهو يخطب، فسلم عليّ رسول الله، فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليسي: يا عبد الله! هل ذكر رسول الله ﷺ من أمري شيئًا؟ قال:

стр. 1234

نعم، ذكرك بأحسن الذكر (١). والجواب: أن هذا محمول على الوقت الذي كان الكلام مباحًا في الصلاة، فكان مباحًا أيضًا في حال الخطبة، فلما نهي عن الكلام في الصلاة، نُهي عنه في حال الخطبة، وتكون الدلالة على صحة هذا: ما ذكرنا من الأخبار. واحتج: بأنه ذكرٌ يتقدم الصلاة، فلا يجب السكوت في حال الاستماع؛ دليله: الأذان والإقامة. والجواب: أن حال استماع الأذان لا تحرم النوافل المبتدأة، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يحرم التطوع لا لأجل الوقت، فحرم الكلام؛ دليله: حال الصلاة. واحتج: بأنه غير متلبس بالصلاة، فلم يحرم عليه الكلام إذا كان على بعد من الإمام؛ بحيث لا يسمع صوت الإمام. والجواب: أن المعنى هناك: أنه غير مستمع لها، وفي مسألتنا هو مستمع، ففي ترك الإنصات استخفافٌ بالإمام، وإبطالٌ لمعنى الخطبة؛ ولأنه لو كان خلف الإمام في صلاة يجهر فيها بها، لم يستحب له القراءة عندهم، ولكن مع سكتاته، ولو كان في صلاة يجهر بها، قرأ أي وقت

стр. 1235

شاء، وقد قال أحمد ﵀ (١): إن كان على بعد؛ بحيث لا يسمع قراءته، قرأ، وإن كان بحيث يسمع، لم يقرأ. فالحكم في سماع الخطبة، وقراءة الإمام سواء. احتج: بأن خطبة العيد لا يجب الإنصات فيها، كذلك خطبة الجمعة. والجواب: أنه قد اختلفت الرواية في خطبة العيد، فروى حنبل: أنه قال (٢): إذا خطب يوم العيد، أنصت إذا سمع الخطبة، فإذا لم يسمع، يرد السلام. وهذا يدل على الإنصات، وروى حمدان بن علي عنه: أنه قال (٣): يتكلم والإمام يخطب يوم العيد، ليس هو مثل الجمعة؛ فقد فرق بينهما، وكأنّ المعنى فيه: أن الخطبة للجمعة قائمة مقام الركعتين، فجاز أن يحرم الكلام، وهذا معدوم في خطبة العيد. * فصل: والدلالة على جواز الكلام للخاطب: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن جابر ﵁ قال: دخل النعمان بن قوقل ورسولُ الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال له النبي ﷺ : "يا نعمان! صلِّ ركعتين، تجوَّزْ فيهما، وإذا

стр. 1236

دخل أحدُكم يوم الجمعة، فليصل ركعتين، وليخففهما" (١). وروى أيضًا بإسناده عن جابر ﵁ قال: جاء سُلَيك الغَطَفاني، والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال له النبي ﷺ : "صلِّ ركعتين تجوَّزْ فيهما" (٢)، وهذا نص؛ لأن النبي ﷺ تكلم في خطبة الجمعة، وهو يخطب. فإن قيل: هذا محمول على الوقت الذي كان الكلام مباحًا، وعلى أنه كان يخطب لغير الجمعة؛ بدليل: أنه رُوي في حديث سليك: أنه دخل والنبي ﷺ جالس على المنبر (٢)، ومعلوم أنه ما كان يخطب لغير الجمعة جالسًا، ورُوي أنه أمسك عن الخطبة حتى صلى ركعتين (٣). قيل له: هذا التأويل لا يصح؛ لأنه رُوي في الخبر: "صل ركعتين تجوز فيهما"؛ يعني: خفف، ولو كان الكلام مباحًا، لم يأمر بالتخفيف؛ لأن ذلك جائز.

стр. 1237

ولا يصح أيضًا حملُه على الخطبة لغير الجمعة؛ لأن الراوي ذكر أنه كان يخطب يوم الجمعة، والخطبة إذا ذكرت يوم الجمعة، فالظاهر أنها للجمعة. وقولهم: إنه رُوي أنه دخل وهو جالس، وأنه أمسك عن الخطبة حتى صلى، فغير ثابت، وقد قال محمد بن أبي حرب: قلت لأحمد: يُروى: أن النبي ﷺ أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه، قال: ليس بالجيد، أو من وجه ضعيف. وروى أيضًا بإسناده عن عطاء قال: كان النبي ﷺ يخطب، فقال للناس: "اجلسوا"، فسمعه عبد الله بن مسعود ﵁ وهو على الباب، فجلس، وفي لفظ آخر: فرآه رسول الله ﷺ ، قال: "تعال (١) يا عبد الله" (٢). وروى أيضًا بإسناده عن قيس (٣) قال: جاء أبي، والنبي ﷺ يخطب، فقام بين يديه في الشمس، فأمره فتحول إلى الظل (٤).

стр. 1238

وروى أيضًا بإسناده عن ابن بريدة عن أبيه ﵄ قال: بينا رسول الله ﷺ على المنبر يخطب، إذ أقبل حسن وحسين ﵄، وعليهما ثوبان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ ، فحملهما، فقال: "صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، إني رأيت هذين الغلامين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى نزلتُ فحملتُهما" (١)، وهذا كله يدل على جواز الكلام من الخاطب، والظاهر: أنها خطبة الجمعة؛ لأنها المعهودة. وروى أيضًا بإسناده عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت عمر ﵁ على المنبر يقول: أنا ابن بضع وخمسين، وإنما أتاني المشيب من قبل أخوالي بني المغيرة (٢).

стр. 1239

وبإسناده عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت عمر ﵁ على المنبر يقول: كان رسول الله ﷺ إذا مدّ يده للدعاء، لم يردهما حتى يمسح بهما على وجهه (١)، ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلافه. والقياس: أنها عبادة لا يفسدها الكلام، فلم يحرم فيها على فاعلها؛ دليله: الطواف. وفيه: احتراز من الصلاة؛ لأن الكلام يفسدها، ومن المستمع؛ لقولنا: على فاعلها. ولأنه ذكر يتقدم الصلاة، فلم يحرم الكلام على فاعله في حال الاشتغال به؛ كالأذان. واحتج المخالف: بما تقدم من الأخبار المذكورة في أول المسألة. والجواب: أنها واردة في المستمع دون الخطيب، ونحن نقول بظاهرها في المستمع. واحتج: بأنه ذكرٌ جُعل شرطًا في صحة الجمعة، فكان الكلام منهيًا عنه في حال الاشتغال به؛ دليله: المستمع، وكالقراءة في حق الإمام في الصلاة.

стр. 1240

والجواب: أن الكلام يبطل الصلاة، فلهذا حرم على الفاعل للصلاة، وليس كذلك الخطبة؛ لأنها لا تفسد بالكلام، فلم يحرم الكلام على الفاعل له؛ كالطواف، وأما المستمع، فإنما حرم الكلام عليه؛ لأنه بالكلام يحصل تاركًا للإنصات، وهذا المعنى معدوم في الإمام؛ لأنه إذا تكلم، فليس هناك ما ينصت إليه؛ لأنه تنقطع الخطبة، وليس من شرطها أن تقع متوالية، والله أعلم. * * * ١٦٣ - مَسْألَة: لا بأس بالكلام بعد خروج الإمام (١)، وقبل أن يأخذ في الخطبة، وما بين نزوله إلى افتتاح الصلاة: نص عليه في رواية صالح (٢)، وعبد الله (٢)، فقال: لا بأس بالكلام بعد الخطبة إذا نزل الإمام من المنبر. وبه قال مالك (٣)، ............................................

стр. 1241

والشافعي (١)، وأبو يوسف، ومحمد ﵏ (٢). وقال أبو حنيفة ﵀ (٢): خروج الإمام يقطع الكلام، ويُكره الكلام ما بين فراغه من الخطبة، ودخوله في الصلاة. دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن ثابت عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ينزل يوم الجمعة من المنبر، فيقوم معه الرجل، فيكلمه في الحاجة، ثم ينتهي إلى مصلاه (٣). فإن قيل: هذا محمول على الوقت الذي كان الكلام مباحًا في الصلاة.

стр. 1242

قيل له: قوله: (كان) إخبارٌ عن دوام الفعل في عموم الأوقات، وعلى أن هذا ادعاءُ (١) نسخ بغير دليل، وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن سماك بن سلمة (٢) قال: قال عمر ﵁: خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام (٣). فبيّن أن الخطبة تقطع الكلام. وروى الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك (٤) ﵄ قال: خروج الإمام يقطع السبحة، وكلامه يقطع الكلام، وإنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة، وعمر بن الخطاب ﵁ جالس على المنبر، فإذا سكت المؤذن، وقام عمر ﵁، لم يتكلم أحد حتى يفرغ من الخطبتين كلتيهما، فإذا أقيمت الصلاة، ونزل عمر، تحدثوا (٥).

стр. 1243

وهذا إشارة إلى جماعة الصحابة ﵃. ولأنها حالة يتقدم استماع الخطبة، فأشبه قبل خروج الإمام، وإن شئت قلت: بأنها حالة أذان، فلم يكره الكلام؛ دليله: ما ذكرنا. واحتج المخالف: بما روى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد، والإمامُ على المنبر، فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام" (١). والجواب: أن ظاهر الخبر يقتضي أنه إذا فرغ من الخطبة، يجوز الكلام؛ لأنه لم يقل: حتى يفرغ من الصلاة، وعلى أن هذا محمول على حال الخطبة بما تقدم. واحتج: بأنه منهي عن ابتداء التطوع في هذه الحال لا لأجل الوقت، وجب أن يكون منهيًا عن الكلام؛ قياسًا على الكلام. والجواب: أن الصلاة لأنها تتصل بحال الخطبة، والكلام يمكن قطعه حال خروج الإمام، فلم (٢) يتصل بحال الخطبة، فلهذا فرقنا بينهما، وأما حال الخطبة، فإنما منع من الكلام؛ لأنها حال استماعها، فلهذا نهي

стр. 1244

عن الكلام فيها اعتبارًا بما قبل خروج الإمام. واحتج: بأنه منهي عنه في حال الخطبة، فوجب أن يكون منهيًا عنه قبل الخطبة، وبعد خروج الإمام؛ كالصلاة. والجواب عنه: ما تقدم، وقد روى عبد الله بن أحمد ﵄ (١) قال: رأيت أبي يصلي يوم الجمعة ركعات قبل الخطبة، ركعتين ركعتين، فإذا قرب الأذان أو الخطبة، جلس متربعًا، ونكّس رأسه، والله أعلم. * * * ١٦٤ - مَسْألَة: إذا دخل المسجد، والإمام يخطب يوم الجمعة استُحِب له أن يركع ركعتين تحيةَ المسجد: نص عليه في رواية الميموني (٢)، وأحمد بن الحسن (٢)، فقال: يصلي الركعتين، والإمام يخطب، ويخففهما، كما جاء إسنادان جيدان عن الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر، وعمر ﵄، وسمع جابرًا.

стр. 1245

وبهذا قال الشافعي (١)، وداود (٢) - رحمهما الله -. وقال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤) - رحمهما الله -: يجلس ولا يركع. دليلنا: ما روى أحمد (٥) ﵀، ذكره أبو بكر قال: نا أبو معاوية (٦) قال: نا الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء سُلَيك الغَطَفاني ﵁ إلى النبي ﷺ ، والنبيُّ يخطب، فقال رسول الله ﷺ : "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب يوم الجمعة، فليصلِّ ركعتين خفيفتين" (٧). وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن جابر ﵁: قال: جاء سليك الغطفاني والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال له: "أصليت؟ "، قال: لا، فقال: "فصلِّ ركعتين تجوَّزْ فيهما" (٨). وروى أيضًا بإسناده عن جابر قال: دخل النعمان بن قوقل ﵁

стр. 1246

ورسولُ الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال له النبي ﷺ : "يا نعمان! صلَّ ركعتين، ولتخففهما" (١). وروى بإسناده عن عياض بن عبد الله (٢) قال: رأيت أبا سعيد الخدري ﵁ دخل المسجد يوم الجمعة، ومروانُ يخطب، فقام يصلي الركعتين، فجاء إليه الأحراس ليُجلسوه، فأبى حتى صلى الركعتين، فلما انصرف، قمنا إليه، فقلنا: يا أبا سعيد! كاد هؤلاء أن يقعوا بك، فقال أبو سعيد: ما كنت لأدعهما لشيء، وقد رأيته من رسول الله ﷺ ، رأيت رجلًا دخل المسجد، والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال له النبي ﷺ : "أصليت يا فلان؟ "، قال: لا، قال: "فصل ركعتين"، ثم دخل ذلك الرجل في الجمعة الثانية، والنبي ﷺ قائم يخطب يوم الجمعة، فقال النبي ﷺ : "أصليت يا فلان؟ "، قال: لا، قال: "فصل ركعتين" (٣)، وهذه الأخبار نصوص في المسألة.

стр. 1247

فإن قيل: ليس في الخبر أنه كان يخطب للجمعة، ويجوز أن تكون خطبته لغير الجمعة، يدل عليه: ما روى قتيبة (١) عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسولُ الله ﷺ قاعد على المنبر، فقعد سُليكٌ قبل أن يصلي، فقال له: "اركع ركعتين" (٢)، ومعلوم أن النبي ﷺ ما كان يخطب للجمعة جالسًا. قيل له: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه قال في رواية أحمد ﵀: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب يوم الجمعة، فليصل ركعتين"، ولا يجوز أن يقول هذا، وهو يريد غير خطبة الجمعة. والثاني: أن الراوي أضاف الخطبة إلى يوم الجمعة، والخطبة لأمر عارض لا تختص بيوم الجمعة، فعلم أنه قصد الخطبة المعهودة ليوم الجمعة. وقوله: إنه دخل، وهو جالس، فغير مشهور، وقد روينا في حديث أبي سعيد ﵁: أن رجلًا دخل، والنبي ﷺ قائم يخطب؛ ولأنه يجوز أن يكون جالسًا لعذر، وذلك لا يمنع الخطبة جالسًا. فإن قيل: يحتمل أن يكون هذا في الوقت الذي كان الكلام مباحًا في الصلاة.

стр. 1248

قيل له: في الخبر ما يمنع من هذا، وهو قوله ﵇: "وتجوّز فيهما"، ولو كان في ذلك الوقت، لم يأمر بالتخفيف. فإن قيل: فقد رُوي في بعض الألفاظ: أن النبي ﷺ حين أمره أن يصلي ركعتين، أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد إلى الخطبة (١). قيل له: قال محمد بن حرب: قلت لأحمد ﵀: يروى: أن النبي ﷺ أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه؟ قال: ليس بالجيد، أو من وجه ضعيف (٢)، وعلى أن عندهم أن إمساكه عن الخطبة لا يبيح له ركعتين، فلا يصح الاحتجاج به. فإن قيل: رُوي: أن النبي ﷺ قال له: "اركع ركعتين، ولا تَعُدْ لمثل هذا" (٣). قيل له: أراد به: ولا تعد إلى التأخير إلى مثل هذا الوقت؛ ولأن الخطبة ذكرٌ يتقدم الإقامة، فلم يمنع تحيةَ المسجد؛ دليله: الأذان. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لا يمنع غير تحية المسجد، فلهذا لم يمنع تحية المسجد، وها هنا يمنع غير تحية المسجد، فمنع تحية المسجد.

стр. 1249

قيل له: لا يمتنع أن يمنع غير تحية المسجد، ولا يمنع تحية المسجد، كما قلت في حال زوال الشمس يمنع غير الفرض، ولا يمنع الفرض، وكذلك بعد العصر، وبعد الفجر لا يمنع قضاء الفوائت، ويمنع غيرها من النوافل. فإن قيل: تحية المسجد لا تجوز عندك في وقت النهي، وإن كان لها سبب. قيل له: النهي هناك يختص الصلاة، ألا ترى أنه لا ينهى عنه غيرها؟ والنهي ها هنا لا يختص الصلاة، ألا ترى أنه ينهى عن غيرها، وهو الكلام؟ واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وروي: أن هذه الآية نزلت في شأن الخطبة، ورُوي: أنها نزلت في القراءة خلف الإمام (١)، وهي عليهما جميعًا، فأمر باستماع الخطبة، والاشتغالُ بالصلاة يمنع من استماعها. والجواب: أن هذا محمول على وجوب الإنصات، وترك الاشتغال، ما عدا تحية المسجد؛ بدليل: ما ذكرنا. واحتج: بما رُوي عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا دخل أحدكم المسجد والإمامُ على المنبر، فلا صلاة له ولا كلام حتى يفرغ الإمام" (٢).

стр. 1250

والجواب: أنه محمول على ما زاد على تحية المسجد؛ بدليل: ما ذكرنا. واحتج: بما رُوي: أن النبي ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب: أنصت، فقد لَغَوْتَ" (١)، والأمرُ بالإنصات في تلك الحال من المعروف، وقد جعله النبي ﷺ لغوًا، ونهى عنه، والصلاة أكثر منه، فأحرى أن يكون منهيًا عنها. والجواب: أنه يجوز أن ينهى عن ذلك القول، ولا يكون تنبيهًا على النهي عن الركعتين؛ كما لم يكن ذلك تنبيهًا (٢) على المنع من قضاء الفوائت والوتر في حال الخطبة، ولا فرق بينهما؛ لأن تلك صلوات لها سبب، وركعات المسجد كذلك. واحتج: بما روى أبو داود (٣) عن عبد الله بن بسر صاحب النبي ﷺ ، و- ﵁، قال: جاء رجل يتخطَّى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبيُّ ﷺ يخطب، فقال له رسول الله ﷺ : "اجلس، فقد آذيتَ" (٤)، وروى أبو

стр. 1251

عبيد في غريب الحديث (١): "وآنيت" (٢)، ولم يأمره بالصلاة. والجواب: أنه يجوز أن يكون قال له ذلك بعد ما كان صلى ركعتين. واحتج: بأنه منهي عن الكلام في حال الخطبة، فوجب أن يكون منهيًا عن ابتداء الصلاة التطوع؛ قياسًا على من كان حاضرًا، فخرج الإمام، وابتدأ بالخطبة. والجواب: أن الكلام لا سبب له، ألا ترى ما له سبب يجوز، وهو: إذا رأى ضريرًا تردَّى، فإنه يحذره البئر، وليس كذلك تحية المسجد؛ لأنه مندوب إليها في الجملة، فهي صلاة لها سبب، فجاز فعلها، وإن لم يجز فعلها نافلة مبتدأة، كما جاز قضاء الفوائت بعد العصر وبعد الفجر، وإن لم تجز النوافل؛ لأنه لا حاجة به إليها، ولا سبب لها. واحتج: بأن كل حال لو كان فيها حاضرًا، لم يجز له أن يبتدئ التطوع، فإنه إذا أدركه في تلك الحال، لم يجز له أن يبتدئ به، أصله: حال اشتغاله بالجمعة. والجواب: أنه إذا دخل والإمام يصلي، فصلى معه، يتضمن التحية؛

стр. 1252

لأنه قد اشتغل بالصلاة، ألا ترى أنه لو دخل المسجد، وعليه صلاة فريضة، فإنه يشتغل بالفريضة؛ لأن ذلك يتضمن التحية؟ وليس كذلك المستمع؛ فإنه لم يأت بالتحية، ولا بما يتضمنها، فلهذا فرقنا بينهما، والله أعلم بالصواب. * * * ١٦٥ - مَسْألَة: إذا استوى الإمام على المنبر، واستقبل الناس بوجهه، سَلَّمَ: نص عليه في رواية الأثرم (١)، وإبراهيم بن الحارث (١)، وحرب (١)، فقال: إذا صعد المنبر للخطبة، يسلِّم على الناس، وبه قال الشافعي ﵁ (٢). وقال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤) - رحمهما الله -: لا يسلِّم. دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد يوم الجمعة، سلَّم على مَنْ عند

стр. 1253

المنبر جالس، فإذا صعد المنبر، توجه [إلى] (١) الناس وسلَّم (٢). روى النجاد بإسناده عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر، سلم (٣). وقوله: [كان] إخبارٌ عن دوام الفعل، ولا استقبال بعد استدبار، فسن السلام عنده؛ دليله: إذا استقبل قومًا بعد أن فارقهم. واحتج المخالف: بأن ترك السلام عملُ أهل المدينة المتصلُ بينهم، فلو كان عندهم فيه شيء عن النبي ﷺ ، [لم] (٤) يعدلوا عنه. والجواب: أن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن أبي نضرة (٥) قال:

стр. 1254

كان عثمان ﵄ قد كبر، فإذا صعد المنبر، سلَّم، فأطال قدر (١) ما يقرأ الإنسان أم الكتاب (٢). وروى أيضًا عن عمرو بن مهاجر (٣): أن عمر بن عبد العزيز (٤) ﵁: كان إذا استوى على المنبر، سلَّم على الناس، وردُّوا عليه (٥). ورُوي عن سليمان بن أبي داود (٦) قال: رأيت ابن الزبير ﵄: صعد المنبر، فلما قام عليه، سلَّم، ثم جلس (٧). وإذا كان كذلك، لم يكن ادعاءُ إجماع المدينة على خلاف ذلك،

стр. 1255

بل كان الإجماع على فعله. واحتج: بأن صعود المنبر اشتغالٌ بافتتاح عبادة، فلم يشترط فيه السلام؛ كسائر العبادات، وكالخطبة الثانية. والجواب: أن هناك لم يحصل الاستدبار، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه قد حصل الاستقبال بعد الاستدبار، فلهذا كان مستحبًا، والله أعلم. * * * ١٦٦ - مَسْألَة: إذا خطب يوم الجمعة، وصلى آخرُ، جاز في أصح الروايتين: نقل ذلك صالح (١)، وابن منصور (٢)، وأبو طالب (٣): في إمام خطب يوم الجمعة، ثم أحدث قبل أن يدخل في الصلاة، فقدَّم مَنْ شهد الخطبة، أو من لم يشهدها، جاز أن يصلي بهم ركعتين، وبه قال أبو حنيفة ﵀ (٤).

стр. 1256

ونقل حنبل: إذا أحدث بعد ما خطب، فقدم رجلًا، فلا يصلي المقدَّم إلا أربعًا، فإن أعاد الخطبة، صلى ركعتين (١). وللشافعي ﵁ قولان (٢)، كالروايتين. وجه الرواية الأولة: أن الخطبة ذكرٌ يتقدم الصلاة، فجاز أن يصح من غير الإمام؛ كالأذان. ووجه الثانية: أن الخطبة قائمة مقام الركعتين من الوجه الذي تقدم، فحري لو أحدث في أثناء صلاته، فإنه لا يجوز له الاستخلاف، كذلك ها هنا. والجواب: أنا قد بينا - فيما تقدم (٣) - جواز الاستخلاف في الصلاة، على أن الخطبة لا تجري مجراها؛ بدليل: أنه لا تفسد الخطبة بفساد الركعتين، وفساد الأُخريين من الصلاة يوجب فساد الأُوليين؛ ولأنه ليس من شرطها القبلة، والله أعلم. * * *

стр. 1257

١٦٧ - مَسْألَة: ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة بفاتحة الكتاب، وسورة الجمعة، وفي الثانية بفاتحة الكتاب، والمنافقين: نص عليه في رواية حنبل (١)، فقال: يقرأ يوم الجمعة بسورة الجمعة، و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]. وهو قول الشافعي ﵁ (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: ليس في صلاة الجمعة شيء مؤقت، وله أن يقرأ بفاتحة الكتاب، وما شاء من القرآن (٣). وقال مالك ﵀: المستحب أن يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب، وسورة الجمعة، وفي الثانية بفاتحة الكتاب، والغاشية، فإذا قرأ المنافقين، جاز (٤). دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة، ....................

стр. 1258

وبسورة المنافقين (١). وروى أيضًا عن عبيد الله بن أبي رافع (٢) قال: استخلف مروان أبا هريرة ﵁ على المدينة، فخرج (٣) إلى مكة، فصلى أبو هريرة الجمعة، فقرأ بسورة الجمعة في السجدة الأولى، وفي الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]، قال عبيد الله بن أبي رافع (٤): فأدركت أبا هريرة حيث انصرف، فقلت: إنك قرأت بسورتين، كان عليٌّ (٥) ﵁ يقرأ بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة ﵁: إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما (٦). وروى أيضًا بإسناده عن أبي عنبة الخولاني (٧) ﵁ وكان من

стр. 1259

أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ : أنه كان يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة، التي يذكر فيها الجمعة، و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (١). وروى أيضًا عن أبي جعفر محمد بن علي ﵄: أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة، والسورة التي يذكر فيها المنافقون (٢). وهذه الأخبار تدل على أن المستحب ما ذكرنا؛ لأن فيها إخبار [اً] عن دوام الفعل، ولا يُدَاوَمُ على ترك الفضل؛ ولأن في سورة الجمعة ذكرَ الجمعة، والحثَّ عليها، والترغيبَ فيها، وفي ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ التحذيرُ من النفاق، فكان ذلك أولى. واحتج: بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. والجواب: أن قراءة الجمعة والمنافقين ما تيسر عليه قراءته، فيجب

стр. 1260

بحق الظاهر أن يقرأه؛ ولأنه قد قيل: إن معناه: فصلوا ما تيسر منه، وعبر عن الصلاة بالقراءة؛ كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، معناه: صلاة الفجر. واحتج: بما روى سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ يوم الجمعة بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] (١). وروى النعمان بن بشير ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين، والجمعة بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٢). قالوا: فلما رُوي أنه قرأ ما رويتم، ورُوي أنه قرأ ما روينا، علمنا أنه ليس فيها شيء مؤقت، وأن للإمام أن يقرأ ما شاء. والجواب: أن ما روينا أولى بالتقديم؛ لأنه عملت عليه الصحابة: علي بن أبي طالب، وأبو هريرة (٣)، وقد رُوي عن عثمان ﵃.

стр. 1261

روى النجاد عن إبراهيم بن عبد الله بن فروخ (١) عن أبيه (٢) قال: صليت مع عثمان ﵁ الجمعة، فقرأ بسورة الجمعة، و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٣). واحتج: بأنها صلاة من الصلوات، فله أن يقرأ بعد الفاتحة بما شاء؛ دليله: سائر الصلوات. والجواب: أنه ليس في سائر الصلوات ما يختص السورة بذكرها، وفي هذه السورة ذكر الجمعة، والحث عليها، والترغيب فيها، والتحذير من النفاق؛ ولأن صلاة الجمعة تختص بالجمعة، وشرائط لا يشاركها غيرها فيها، فجاز أن تختص بسورة من القرآن، والله أعلم. * * * ١٦٨ - مَسْألَة إذا دخل وقت العصر قبل الفراغ من الجمعة، بنى على

стр. 1262

الجمعة، ولا فرق بين أن يدخل وقت العصر وقد صلى ركعة، أو أقل (١): وهو ظاهر كلام أبي بكر (٢)؛ لأنه قال في كتاب التنبيه: فإن صلى بهم فمِن قبل تكَمُّلِها دخل وقت العصر، أتم بهم الصلاة، ولا يختلف القول فيه، ولم يفرق، وكذا ذكر شيخنا أبو عبد الله (٢). وقال أبو القاسم الخرقي (٣): متى دخل وقت العصر، وقد صلوا ركعة، أتموا بركعة أخرى، وأجزأتهم جمعة. فظاهر هذا التقييد بالركعة يقتضي: أنه إذا دخل الوقت قبل الركعة، لم يبن عليها. وكذا حكى الأبهري (٤) .................................

стр. 1263

في مذهب مالك ﵀ (١). والمذهب: على ما حكينا، وأنه لا فرق بين الركعة وغيرها، وهو قياس المذهب فيمن زال عذره قبل غروب الشمس؛ فإنه يصلي الظهر والعصر، ولم يعتبر مقدار ركعة. والمنصوص عن أحمد ﵀ في هذه المسألة في رواية صالح (٢)، وعبد الله (٣): في إمام صلى الجمعة، فلما تشهد قبل أن يسلم، دخل وقت العصر؟ قال: تجوز صلاته. وقال أبو حنيفة ﵀: يستقبل الظهر أربعًا (٤). وقال الشافعي ﵁: يبني عليها ظهرًا أربعًا (٥). فالدلالة على أن الصلاة لا تبطل؛ خلافًا لأبي حنيفة: ما رُوي عن النبي ﷺ قال: "لا يقطع صلاة المرء شيء" (٦)، وظاهره يقتضي: أن

стр. 1264

لا تبطل صلاته بخروج الوقت، وإذا لم تبطل، جاز له البناء؛ ولأن الجمعة صلاة مؤقتة، فلم تبطل بفوات وقتها؛ قياسًا على سائر الصلوات. فإن قيل: سائر الصلوات يجب قضاؤها بعد خروج الوقت، فلو كانت الجمعة بمنزلتها، لوجب أيضًا قضاؤها. قيل له: إنما افترقا في باب القضاء؛ لأن الوقت شرط في فعل الجمعة، وليس بشرط في سائر الصلوات، وليس إذا كان شرطًا في الابتداء يكون شرطًا في الاستدامة؛ كما قال أبو حنيفة ﵀ (١): في العدد شرط في ابتداء الجمعة، وليس بشرط في استدامتها، فلو انفضوا بعد أن عقدها بركعة، بنى عليها جمعة عندهم، كذلك ها هنا. وعلى أنها لم تقض لعدم شرائطها، وهو: العدد، والخطبة، وسائر الصلوات توجد شرائطها بعد خروج وقتها. واحتج المخالف: بأن وقت الظهر غير وقت العصر، فلم يجز فعلها في وقت العصر، كما لا يجوز فعلها في وقت المغرب. والجواب: أنه يجوز فعلها في وقت المغرب، كما يجوز في العصر، ولا فرق بينهما. فإن قيل: الوقت شرط، كما أن العدد شرط، ثم ثبت أنه لو تفرق العدد قبل الفراغ منها، استقبل الصلاة، كذلك الوقت.

стр. 1265

قيل له: عندك: أنه لا يستقبل الصلاة إذا عقدها بسجدة، وفي الوقت يستقبل الصلاة في كل حال، فهما مختلفان في الاعتبار، وأما على أصلنا هو: أن الوقت إنما سقط اعتباره في حال الاستدامة لأجل العذر؛ لأن الوقت إذا فات، لم يمكن استدراكه، فهذا عذر، ومثله نقول في العدد: يسقط اعتباره في حال العذر، وهو المسبوق، وإذا قام يقضي منفردًا، فإن جمعته صحيحة؛ لأن هناك عذر [اً]، وهو أنه لا طريق إلى استدراك العدد، فأما مع بقاء الوقت، فلا عذر؛ لأنه يمكن عقد الجمعة، وكذلك بقية الشرائط تسقط بالعذر. وجواب آخر: وهو أن العدد لم يحصل عنه بدل، وليس كذلك الوقت؛ لأنه قد حصّل عنه بدل، وهو وقت الثانية. وجواب ثالث: وهو أن بعض الوقت قد أقيم مقام جميعه؛ بدليل: أن الحائض إذا طهرت، وقد بقي من الوقت مقدار ركعة، لزمها فرض الصلاة؛ كما لو أدركت جميعه؛ فجعل إدراك بعضه يجري مجرى إدراك جميعه، ولم نجد بعض العدد يقوم مقام جميعه بحال، وهو أنه لو صلى ببعض الأربعين، لم يقم مقام الأربعين في الإجزاء بحال من الأحوال، فأما إذا خرج وقت العصر، ودخل وقت المغرب، فيحتمل أن نقول: يبني، ويحتمل أن نقول: يبطل؛ لأن وقت المغرب لم يجعل وقتًا للجمعة، ووقت العصر قد جعل وقتًا للظهر التي الجمعة بدل عنها. * فصل: والدلالة على أنه يبني عليها جمعة؛ خلافًا للشافعي ﵀ -
следующие страницы →