* فصل:
والدلالة على أنها ليست بواجبة على الأعيان ما احتج به أبو إسحاق من قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فدل على أنها خمسة لا أكثر؛ إذ ستة وسطها صلاتان لا واحدة، وقول النبي ﷺ : "خمس صلوات كتبهن الله على العباد" وذكر الحديث، وقال الرجل: يا رسول الله ما فرض الله علي في اليوم والليلة؟ قال: "خمس صلوات" قال: هل علي غيرهن؟ قال: "لا، إلَّا أن تطوع"، ولأنها صلاة يتوالى فيها التكبير حال القيام فلم تكن واجبة على الأعيان كصلاة الجنازة.
أو نقول: صلاة لم يسن لها الأذان والإقامة في الأصل فلم تكن واجبة على الأعيان.
دليلنا: ما ذكرنا، ولا يلزم عليه الصلاة الثانية في الجمع؛ لأنها في الأصل سن لها الأذان.
واحتج المخالف: بأنها صلاة سن لها الاجتماع والخطبة، فكانت واجبة على الأعيان كالجمعة.
والجواب: أن الجمعة شرع لها الأذان والإقامة في الأصل، وهذه لم يشرع لها فهي كصلاة الجنازة، والله أعلم.
* * *
٨ - مَسْألَة
يكبر في صلاة العيدين سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية
стр. 1402
سوى تكبيرة الإحرام:
نص عليه في رواية أبي طالب، وأبي داود، وصالح، والميموني، وبهذا قال مالك ﵀.
وقال أبو حنيفة ﵀: في الأولى خمسًا، وفي الثانية أربعًا، وتكبيرة الافتتاح، والركوع معتدًا بهما من تكبيرات العيد، فيكون الزوائد عنده ستة ثلاثة في الأولى، وثلاثة في الثانية.
وقال الشافعي ﵁: يكبر في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا سوى تكبيرة الإحرام.
دليلنا: ما روى أحمد ﵀ في المسند قال: نا يحيى بن إسحاق قال: أنا ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن ابن شهاب عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الأولى سبعًا في الركعة الأولى، وخمسًا في الركعة الأخرى سوى [تكبيرتي] (١) الركوع.
ورواه أبو بكر النجاد بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃: أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين في الأولى سبعًا وفي الآخرة خمسًا.
وروى أيضًا عن نافع عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين سبع تكبيرات في الأولى وخمسًا في الآخرة.
стр. 1403
وروى أيضًا بإسناده عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده ﵃: أن رسول الله ﷺ كبر في العيدين في الركعة الأولى سبعًا وفي الآخرة خمسًا.
ففي هذه الأخبار دلالة على أبي حنيفة ﵀ في قوله: يكبر في الأولى خمسًا مع تكبيرة الإحرام وفي الثانية أربعًا.
ودلالة على الشافعي ﵀ في قوله يكبر في الأولى ثمانية مع تكبيرة الإحرام، وظاهر الخبر يقتضي أن جملة تكبيره كان سبعًا في الأولى.
فإن قيل: يحمل قوله: كبر سبعًا على التكبير الزائد، ولم يذكر تكبيرة الافتتاح؛ لأنها مفعولة في كل صلاة، والذي يبين صحة هذا أن ابن بطة روى في سننه عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يكبر في العيدين ثنتي عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح، وهذا فيه زيادة فهو أولى.
وروى النجاد بإسناده: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يكبر في العيدين ثنتي عشرة تكبيرة، سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية.
قيل له: لو كان المراد بالخبر بيان التكبيرات الزوائد لم يقل: وخمسًا في الأخيرة سوى تكبيرة الركوع؛ لأن تلك التكبيرة مفعولة في صلاة، فلما استثنى الزوائد في الثانية ولم يستثنها في الأولى علم أنها داخلة في جملة العدد.
وأما ما روي فيه أنه قال: سوى تكبيرة الافتتاح، فغير معروف ولا مشهور، ولو ثبت حملنا قوله: ثنتي عشرة سوى تكبيرة الافتتاح على
стр. 1404
أن المراد به منها تكبيرة الركوع في الركعة الأولى، فيكون تقديره: سبعًا في الأولى منها تكبيرة الركوع سوى تكبيرة الافتتاح، ألا ترى أنه استثناها في الركعة الثانية فقال: وخمسًا في الثانية سوى تكبيرة الركوع، ذكره في حديث عائشة ﵂، فيكون تقديره في الأولى سبعًا منها تكبيرة الركوع سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسًا سوى تكبيرة الركوع، فيكون ثنتي عشرة سوى تكبيرة الافتتاح.
والقياس على أبي حنيفة ﵀ على أن صلاة العيد فيها تكبيرات راتب وزائد، ثم ثبت أن الراتب في الركعة الأولى ستة، وفي الثانية خمس يجب أن يكون الزائد كذلك نقله أنه أحد نوعي التكبير.
والقياس على الشافعي ﵁: أن الأولى ركعة من صلاة العيد وجب أن تكون التكبيرات بعدد الراتب كالركعة الثانية، وذلك أن الراتب في الركعة الثانية خمس، والزوائد أيضًا مثلها، والراتب في الركعة الأولى ستة مع تكبيرة الإحرام، كذلك الزوائد.
فإن قيل: لا نسلم أن في الركعة الثانية خمس تكبيرات رواتب؛ لأنه إذا قام إلى الركعة الثانية فنصف التكبير من الركعة الأولى ونصفه من الثانية، فلا يكون لا من الأولى ولا من الثانية.
قيل له: محل التكبير الرفع، وذلك الرفع يتوصل به إلى الركعة الثانية، فلما لم يعتدل فهو في حكم الركعة الأولى، وبهذا (١) قالوا: إذا
стр. 1405
نسي التشهد الأول؛ فإن ذكره قبل أن يعتدل قائمًا رجع، ولأن الركعة الثانية ليس يتعقبها قيام وفيها خمس تكبيرات.
واحتج أصحاب أبي حنيفة: بما رُوي أن سعيد بن العاص دعا أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان ﵄ فسألهما عن التكبير في العيدين؟ فقال أبو موسى: كان رسول الله ﷺ يكبر في العيدين كما يكبر على الجنازة، وصدَّقه حذيفة، قال أبو موسى: وكذلك كنت أصلي بأهل البصرة فأنا عليها، قال أبو عائشة: وأنا حاضر ذلك، فما نسيت قوله: أربعًا كتكبيرة على الجنائز.
وروى الطحاوي عن علي بن عبد الرحمن ويحيى بن عثمان قال: نا عبد الله بن يوسف عن يحيى بن حمزة قال: حدثني الوضين بن عطاء عن (١) القاسم أبي (٢) عبد الرحمن أخبره قال: حدثني بعض أصحاب النبي ﷺ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوم عيد وكبر أربعًا، ثم أقبل علينا بوجهه حين انصرف فقال: "لا تسهوا كتكبير الجنائز" وأشار بأصابعه وقبض إبهامه.
والجواب: أنه روي عن أحمد ﵀: أن حديث سعيد بن العاص حديث منكر، وهذا يدل على ضعفه.
فإن قيل: فقد قال أحمد في رواية هارون بن عبد الله البزاز: ليس
стр. 1406
يروى في التكبير في العيدين حديث صحيح عن النبي ﷺ ، وهذا يدل على تضعيف الأخبار التي تحتجون بها أيضًا.
قيل له: قوله: ليس يروى في التكبير حديث صحيح يريد به في الأربع، وفي الزيادة على السبع، الذي يدل على صحة هذا أنه روى حديث عائشة ﵂ في مسنده، وعلى أنا نقابل هذا بأخبارنا وهي أولى من وجوه:
أحدها: أنها أكثر رواة؛ رواها ابن عمر، وعمرو بن شعيب، وكثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، وعائشة ﵂ وعنهم أجمعين، ورواية الجماعة أولى من رواية اثنين، ولأن أخبارنا عملت عليها الصحابة ﵃، فروى النجاد بإسناده عن نافع قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة ﵁، فكبر في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءة، قال أحمد ﵀ في رواية أبي طالب: أذهب إلى حديث أبي هريرة ﵁.
وروى النجاد بإسناده عن عطاء عن ابن عباس ﵃: أنه كان يكبر في العيدين في الأولى سبع تكبيرات بتكبيرة الافتتاح، وفي الآخرة ست تكبيرات بتكبيرة الركوع كلهن قبل القراءة.
وروى أيضًا بإسناده عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: أدركت مشيخةً من قريش والأنصار أبناءَ المهاجرين الأولين من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم أجمعين يكبرون في العيدين سبع تكبيرات في الركعة الأولى قبل القراءة، وخمس تكبيرات في الركعة الآخرة قبل
стр. 1407
القراءة، ولأن في أخبارنا زيادة، والزيادة تقبل إثبات عبادة.
فإن قيل: أخبارنا قول النبي ﷺ وهو قوله: أربع، وشبهها بالجنائز، وأخباركم فعل، والقول آكد من الفعل.
قيل له: روى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي بإسناده عن النبي ﷺ قال: "التكبير سبع في الأولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما".
وروى أيضًا بإسناده عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "التكبير في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات، وفي الآخرة خمس تكبيرات" وهذا قول.
وكذلك روى أبو عبد الله بن بطة ﵀ في سننه بإسناده عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تكبير الفطر سبع في الأولى وسبع في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما"، وإذا ثبت هذا فقد حصل قول، وفعل، وعمل من الصحابة ﵃ أجمعين.
واحتج: بأنها تكبيرات مفعولة في حال القيام متوالية، فوجب أن تكون أربعًا كتكبيرات الجنازة.
والجواب: أن صلاة الجنازة حذفت أركانها من الركوع والسجود تخفيفًا لها، فجاز أن تخفف تكبيراتها طلبًا للتخفيف، ولم يفعل في مثل هذا المعنى في صلاة العيدين؛ لأن أركانها باقية، ولأنه لا يجوز اعتبار إحدى الصلاتين بالأخرى في عدد التكبيرات، كما لم يجز اعتبارها في عدد الركعات.
стр. 1408
واحتج: بأنها ركعة من صلاة العيد فلم يكن تكبيرها ستًا، دليله: الثانية.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يختلفا كما اختلف صوم المتمتع في الحج ثلاثة، وسبعة إذا رجع، وأن كل واحد منهما صوم في التمتع، وكذلك التكبيرات الراتبة في الصلاة فرق بين الأولى والثانية في العدد.
* فصل:
والدلالة على أن تكبيرة الافتتاح والركوع لا يعتد بهما: ما تقدم من حديث عائشة ﵂: أنه كبر في الثانية خمسًا سوى تكبيرة الركوع، وهذا نص.
ولأن تكبيرة الركوع والافتتاح بهما صلاة العيدين يوجد في سائر الصلوات، فهما كتكبيرات السجود.
واحتج: بأنه تكبير يُبتدأ به في حال القيام، فوجب أن يعتد به من تكبيرات العيد قياسًا على التكبيرة الثانية والثالثة.
والجواب: أنه يبطل بتكبيره التي تنحط بها إلى السجود، وعلى أن المعنى في الثانية والثالثة أنها تختص بصلاة العيد، وهذه لا تختص وهي كتكبيرة السجود.
واحتج: بأن الركوع بمنزلة حال القيام، ألا ترى مدركه في الركوع كمدركه في القيام في باب الاعتداد بالركعة، فإن كان كذلك وجب أن يعتد به من تكبيرات العيد كما يعتد بالزيادة.
стр. 1409
والجواب عنه: ما تقدم، والله أعلم.
* * *
٩ - مَسْألَة: يستحب أن يقف بين كل تكبيرتين يكبر الله تعالى ويحمده ويصلي على النبي ﷺ -:
نص عليه في رواية عبد الله، وحمدان بن علي، وإسحاق بن إبراهيم، وهو قول الشافعي ﵃.
وقال أبو حنيفة ﵀: ليس بين تكبيرات العيد الزوائد ذكر مسنون.
دليلنا: ما احتج به أحمد ﵀ ورواه أبو بكر - بإسناده عن علقمة والأسود عن ابن مسعود ﵃ أنه قال: بين كل تكبيرتين في العيد يحمد الله ويثني عليه، وروى في لفظ آخر: بين كل تكبيرتين حمد الله، ويصلي على النبي ﷺ .
فإن قيل: يحتمل أن يكون هذا مذهبًا له.
قيل له: هذا القول ظهر منه وانتشر ولم يعرف له مخالف، فيجب أن يكون حجة.
والقياس: أنها تكبيرات متوالية، فيجب أن يتخللها الذكر قياسًا على صلاة الجنازة، ولأن صلاة الجنازة مبنية على الحذف والاختصار، فإذا تخلل الذكر تكبيراتها فتكبيرات العيد أولى أن يتخللها الذكر.
стр. 1410
فإن قيل: قد منعت من قياس تكبيرات العيدين على تكبيرات صلاة الجنازة في المسألة التي قبلها، فكيف جاز لك أن تقيس عليها ها هنا؟!
قيل له: إنما منعنا من اعتبار صلاة العيد بصلاة الجنازة في التخفيف والتقصير، فأما اعتبارها بها في إثبات ما شرع فيها فلم يعرف، بل يجب اعتباره للمعنى الذي ذكرنا، وهو أن تكبيرات الجنازة مع أنها مبنية على التخفيف لم يسقط الذكر، والأولى أن لا يسقط ها هنا.
فإن قيل: تكبيرة من صلاة الجنازة قائمة مقام ركعة فما يفصل في سائر الصلوات بين كل ركعتين بذكر، كذلك يفصل بين كل تكبيرتين من صلاة الجنازة، وهذا معدوم ها هنا.
قيل له: لا نسلم لك أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، وهذا فصل سيأتي الكلام عليه في مسائل الجنائز إن شاء الله تعالى؛ لأنه تكبير يتوالى حال القيام، فلا يقوم مقام الركوع كتكبيرة الإحرام، وتكبير العيد.
وقياس آخر: وهو أن كل تكبيرة مشروعة في الصلاة فإنه يتعقبه ذكر مسنون قياسًا على التكبير في سائر الصلوات.
واحتج المخالف: بأنه ذكر تكرر في ركن، فوجب أن يوالي بين الأول وبين ما بعده ولا يفصل بذكر، دليله: تسبيحات الركوع والسجود.
والجواب: أنه ينتقض بتكبيرات الجنازة، وعلى أنا نقابله بقياسنا، وهو أولى؛ لأن قول ابن مسعود ﵁ يعضده، والله أعلم.
* * *
стр. 1411
١٠ - مَسْألَة: يبدأ بالتكبير قبل القراءة في الركعتين جميعًا في أصح الروايتين:
رواها صالح، وأبو طالب، وهو قول مالك والشافعي ﵄.
وروى الميموني: أنه يوالي بين القراءتين فيكبر في الأولى قبل القراءة، وفي الثانية بعد القراءة، وهو اختيار أبي بكر، وهو قول أبي حنيفة ﵀.
وجه الرواية الأولى: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده ﵀ عن القاسم أنه سأل عائشة ﵂ عن تكبير رسول الله ﷺ قالت: كان يكبر سبعًا ثم يقرأ، ثم يكبر خمسًا ثم يقرأ، فقال: هل سألت أمك عائشة ﵂؟ فقال: قد فعلت فكأنه وجد في نفسه إذ لم يكتف بقولها.
وروى أبو عبد الله بن بطة في سننه بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "تكبير الفطر سبع في الأولى وسبع في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما".
وروى أيضًا بإسناده عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده ﵃ أن النبي ﷺ [قال] (١): "التكبير سبع في الأولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما".
وروى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي ﵁
стр. 1412
عن النبي ﷺ : "التكبير سبع في الأولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما".
وروى أيضًا بإسناده عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده ﵃: أن النبي ﷺ كان يكبر في العيدين سبع تكبيرات في الأولى، وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة. ذكره البخاري.
والقياس: أنها تكبيرات زائدة في صلاة العيد، فوجب أن تكون قبل القراءة، أصله: الركعة الأولى، ولأنه ذكر مقدم على الركوع، فوجب أن يكون قبل القراءة كذكر الاستفتاح، ولأنه ذكر شرع في الركعتين جميعًا، فوجب أن يكون محلهما واحدًا قياسًا على تكبيرات الركوع والسجود.
واحتج المخالف: بما روى أبو موسى وحذيفة ﵄: أن النبي ﷺ صلى صلاة العيد فكبر أربعًا ووالى بين القراءة.
والجواب: أن قوله: ووالى بين القراءة، غير محفوظ عن النبي ﷺ وعلى أن الخبر يقتضي المتابعة في القراءة، وهم لا يقولون بذلك، بل يقولون: إنه يتخلله تكبير، وعلى أنا نحمل الخبر على أنه والى بين قراءة الفاتحة والسورة.
واحتج: بما روي عن علي، وابن مسعود، وأبي موسى، وحذيفة ﵃، فروي أن سعيد بن العاص دعا عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان ﵃ فسألهم عن التكبير في العيدين؟ فأسندوا أمرهم إلى ابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وقال ابن مسعود ﵁: يقوم فيكبر تكبيرة
стр. 1413
الافتتاح، ثم يكبر ثلاثًا (١)، ثم يقرأ سورة، ثم يكبر تكبيرًا ثم يركع بها، ثم يقوم إلى الثانية فيقرأ سورة، ثم يكبر أربعًا يركع بإحداهن (٢).
والجواب: أن المسألة خلافٌ في الصحابة ﵃، فروى النجاد بإسناده عن نافع قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة ﵁ فكبر في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءة، وإذا كان خلافًا بينهم لم يكن قول بعضهم بأولى من قول الآخر، وقد قال أحمد ﵀ في رواية الميموني: اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في التكبير، وكل جائز.
واحتج: بأنه ذكر مسنون في حال القيام، فيجب أن يؤخر عن القراءة في الركعة الثانية قياسًا على القنوت في الوتر.
والجواب: أن القنوت يختص بالركعة الآخرة، فكان بعد القراءة كالتشهد في صلاة الفجر، وليس كذلك التكبيرات، فإنه يشترك فيها الركعتان، فاستوى محلهما في الركعتين كالتسبيحات وسائر التكبيرات في الصلاة، والله أعلم.
* * *
стр. 1414
١١ - مَسْألَة: يرفع يديه مع كل تكبيرة:
نص عليه في رواية أبي داود، وعبد الله، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي ﵄.
وقال مالك ﵀: يرفعها في تكبيرة الإحرام.
دليلنا: ما روى النجاد عن بكر بن سوادة (١): أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يرفع يديه في كل تكبيرة في صلاة العيد وفي صلاة الجنازة، ولأنها تكبيرة يُؤتى بها في حال القيام، وكان من سنتها الرفع، دليله: تكبيرة الإحرام.
واحتج المخالف: بأنه تكبير ليس بركن، فلم يسن له الرفع، دليله: تكبيرات السجود.
والجواب: أن ذلك لا يؤتى به في حال القيام، فهو كتكبيرة الإحرام، والله أعلم.
* * *
١٢ - مَسْألَة: يؤخر التعوذ إلى بعد التكبير:
نص عليه في رواية عبد الله فقال: إذا كبر أول تكبير يقول: سبحانك
стр. 1415
اللهم وبحمدك، وإن آخر ذلك إلى بعد أن يفرغ من التكبير، لم يكن به بأس إن شاء الله، ثم يستعيذ ثم يقرأ إذا فرغ من التكبير.
وبهذا قال الشافعي ﵀.
وقال أبو يوسف: يتعوذ عَقيب الاستفتاح ثم يكبر، وليس عن أبي حنيفة في ذلك شيء.
دليلنا: أن الاستعاذة مسنونة للقراءة، بدلالة قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، فوجب أن يؤخرها إلى حال القراءة.
فإن قيل: التكبير لا يفصل بين الاستعاذة والقراءة، ألا ترى أن له أن يقول بعد الاستعاذة: إن الله هو السميع العليم، ولا يكون فاصلًا بين التعوذ والقراءة؟! كذلك التكبيرات.
قيل له: قوله: إن الله هو السميع العليم، من تمام الاستعاذة، ومن صفاتها، فلهذا لم [تكن] (١) فاصلًا، والتكبير بخلاف ذلك، فجاز أن يكون فاصلًا، ولأنه تعوذ، فوجب أن تتعقبه القراءة، دليله: سائر الصلوات.
واحتج المخالف: بأنه ذكر مسنون مفعول في حال القيام، فوجب أن يبتدأ به على التكبيرات، مثل دعاء الاستفتاح.
والجواب: أن أبا الحارث قال: سألت أحمد ﵀ عن الافتتاح قبل التكبير أو بعده؟ قال: بعد التكبير. فقد نص على أنه بعد التكبير
стр. 1416
كالاستعاذة، وبه قال أبو بكر الخلال، وأبو بكر عبد العزيز، فعلى هذا لا فرق بين الاستفتاح والاستعاذة.
وقال في رواية حنبل، وعبد الله: إذا كبَّر أوَّل تكبيرة يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، فإن أخَّر ذلك إلى أن يفرغ من التكبير فلا بأس.
وظاهر هذا: أن المستحب التقديم، وأنه يجوز التأخير، فعلى هذا نقول: دعاء الاستفتاح شُرع لافتتاح الصلاة فأتي به عَقيبه، والتعوذ شرع لإرادة القراءة، فوجب أن يكون موضعه حيث تريد القراءة، وهو بعد التكبير.
واحتج: بأن ذكر الاستفتاح مفعول قبل التكبير، فوجب أن يفعل التعوذ عقب الاستفتاح، دليله: سائر الصلوات.
والجواب: أنه إنما كان كذلك في سائر الصلوات؛ لأن القراءة تتعقب الاستعاذة، ولهذا المعنى لو أراد القراءة في غير صلاة استحب له الاستعاذة، وليس كذلك في صلاة العيد؛ لأن القراءة تتأخر عنها، فلهذا استحب تأخيرها، والله تعالى أعلم.
* * *
١٣ - مَسْألَة: يقرأ في صلاة العيد ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] في أصح الروايتين:
رواها عبد الله وحنبل عنه فقال: يقرأ في العيد بالأعلى والغاشية
стр. 1417
يرويه سمرة ﵁ عن النبي ﷺ ، والنعمان ﵁.
وفيه رواية أخرى: يقرأ بما شاء من القرآن، رواها حرب عنه: أنه سئل عن القراءة في العيدين؟ فقال: يقرأ بما شاء، ولم يصحح فيه حديثًا، إلا أنه قد جاء في صلاة الجمعة وأظنه قال: والمنافقون.
قال أبو بكر الخلال في كتاب العلل: قول حرب: إن أبا عبد الله لم يصحح فيه حديثًا، توهم منه على أبي عبد الله، وقد روى عنه جماعة مذهبه.
وقال أبو حنيفة ﵀: يقرأ بما شاء.
وقال مالك ﵀ فيما حكي عنه: يقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
وقال الشافعي ﵁: يقرأ بسورة ﴿ق﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١].
دليلنا أنه يستحب أن يقرأ بما ذكرنا خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا يستحب تخصيص شيء من القرآن: ما روى أحمد ﵀ وذكره أبو بكر قال: نا يزيد بن هارون قال: نا المسعودي وأبو نعيم قال: نا المسعودي عن معبد بن خالد عن زيد بن عقبة عن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيد: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وهذا إخبار عن دوام فعله، وروى أبو بكر الخلال في العلل قال: أخبرني حرب قال: حدثني سعيد بن منصور قال: نا أبو عوانة عن إبراهيم
стр. 1418
ابن محمد بن المنتشر (١) عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الجمعة والعيدين: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وروى أبو بكر النجاد حديث النعمان بن بشير: أن النبي ﷺ كان يقرأ في العيد: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وروى أيضًا بإسناده عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يقرأ في العيد: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
فإن قيل: فهذا يقابله ما رُوي: أن (٢) عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبا واقد الليثي ﷺ ماذا كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾.
وروت عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكبر في العيد اثنتي عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح ويقرأ بـ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، وهذا يدل على أنه لا توقيت في القراءة.
قيل: قد روينا في حديث سمرة والنعمان ﵄: أنه كان يقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ والغاشية، وهذا إخبار عن دوام الفعل، وهو لا يداوم إلا على المستحب، وما روينا أولى من حديث عائشة ﵂ وأبي واقد لأمرين:
стр. 1419
أحدهما: أن الصحابة ﵃ عملت عليه، فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن عبد الملك بن عمير قال: حدثت (١) عن عمر ﵁ أنه كان يقرأ في العيدين: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وروى أيضًا بإسناده عن عمارة الصيدلاني عن مولى لأنس قد سماه قال: انتهيت مع أنس ﵁ يوم العيد إلى الزاوية، فإذا مولى له يقرأ في العيد: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ قال: فقال أنس: إنهما السورتان اللتان قرأ بهما رسول الله ﷺ ، فقد بيَّن عن عمر وأنس ﵄ الأخذ بذلك.
والثاني: أن أخبارنا أكثر رواة؛ لأنه رواه سمرة، والنعمان، وابن عباس ﵃، وأيضًا فإن هذا اليوم مشبه بيوم الحشر؛ لأن الناس يجتمعون من كل موضع و (٢) من العوالي والسوادات والنساء والمخدرات والصبيان بعضهم يكون لهم فرح، وبعضهم يكون لهم غم على ألوان مثل يوم المحشر، وإذا كان هذا اليوم مشبهًا بالمحشر استحب أن يقرأ فيه ما يوقظهم من الغفلة، ويذكرهم بالآخرة وفي سورة الغاشية ذكر القيامة، وكذلك في سورة الأعلى.
واحتج أصحاب أبي حنيفة ﵏ بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
стр. 1420
والجواب عنه: ما تقدم في الجمعة، وفي غيرها.
واحتج: بأنها صلاة من الصلوات، فلم تتوقت فيها القراءة، دليله: سائر الصلوات.
والجواب: أنها قد تتوقت عندنا في الجمعة أيضًا، وهي صلاة من الصلوات، وعلى أن هذا قياسٌ يعارض السنة، والله أعلم.
* * *
١٤ - مَسْألَة: إذا أدرك الإمام في الركوع في صلاة العيد اتبعه ولم يكبر في الركوع:
نص عليه في رواية ابن مشيش فقال في الرجل يدرك الإمام، وقد سبقه بالتكبير وأدرك معه الركوع، فلا يقضي التكبير، ولكن إذا فاتته ركعة فإنه يعجبه أن يقضي الركعة بالتكبير.
وكذلك نقل أبو داود عنه، فمن أدرك ركعة من العيد يكبر في التي يقضي، وإن أدرك وكبر بعض التكبير يكبر ما أدرك، ولا يكبر ما فاته، وبهذا قال الشافعي ﵁، وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة، ومحمد رحمهما الله: إذا أدركه في الركوع فخاف إن كبر تكبير العيد يرفع رأسه، فتفوته الركعة الأولى فإنه يكبر تكبيرة الافتتاح قائمًا ثم يركع ويكبر راكعًا تكبير العيد الذي سبقه به الإمام.
دليلنا: أنه ذكر مشروع قبل الركوع فلا يستحب فعله في الركوع،
стр. 1421
أصله: دعاء الاستفتاح، والقراءة، والقنوت، ولأن الركوع ركن شرع فيه التسبيح، فلم يكن محلًا للتكبير، دليله: السجود.
أو نقول: الركوع ليس بموضع للقراءة، فلم يكن موضعًا للتكبير، دليله: السجود، ولأنه تكبير فات محله فلم يقضه في حال الركوع، دليله: لو ركع قبل أن يكبر للركوع فإنه لا يقضيها في حال الركوع، كذلك لو سجد قبل أن يكبر فإنه لا يقضي في حال السجود، كذلك ها هنا، والذي يدل على أنه قد فات محله أنه ذكر مسنون، فوجب أن يفوت بفوات محله قياسًا على دعاء الافتتاح.
واحتج المخالف: بأن حال الركوع حال تكبيرة العيد، بدلالة أن تكبيرة الركوع معتد به من تكبيرات العيد، وهو مفعول في حال الانحطاط إلى الركوع، وإذا كان كذلك جاز فعلها في هذه الحال كما جاز في حال القيام.
والجواب: أنا لا نسلم أن حال الركوع حال تكبير العيد، وأن تكبير الركوع معتد به من تكبيرات العيد، وقد دللنا على ذلك في فصل قد تقدم، وهو أنه تكبير لا تختص به صلاة العيد، بل يوجد في سائر الصلوات، فهو كتكبيرات السجود.
واحتج: بأن مدرك الإمام في هذه الحال مدرك للركعة، فوجب أن يكون مدركًا لموضع التكبيرات قياسًا على حال القيام.
والجواب: أن حال الركوع لا يجري مجرى حال القيام، بدلالة أن
стр. 1422
حال القيام يأتي بالأذكار على ترتيبها، فيأتي بدعاء الاستفتاح، والاستعاذة، والقراءة، والتكبير، ولهذا يقول: لو لم يتمكن من جميع ذلك بدأ بالقراءة؛ لأنها فرض، وهذا المعنى معدوم في حال الركوع؛ لأنه يسقط فيها دعاء الاستفتاح، فيجب أن يسقط فيها التكبير أيضًا.
ويبين صحة هذا أن الإمام إذا نسي دعاء الاستفتاح فقرأ فإنه يكبر بعد ذلك عندهم، ولو نسي التكبير حتى ركع لم يكبر الإمام، فافترقت الحال في حق الإمام بين القيام والركوع، كذلك يجب أن يفترق في حق المأموم، ومنهم من يسلم ذلك في حق الإمام، ومنهم من يمنع.
ونقول: ليس عن أبي حنيفة نص في الإمام، والله أعلم.
* * *
١٥ - مَسْألَة: فإن قرأ قبل التكبير ساهيًا ثم ذكر قبل أن يركع فقياس المذهب: أنه يركع ولا يعود إلى التكبير:
وللشافعي ﵁ قولان:
قال في الجديد مثل هذا، والثاني: أنه يأتي ببقية التكبير، ويعيد القراءة، وهو قول مالك ﵀.
دليلنا: أنه ذكر مسنون شرع قبل القراءة، فإذا نسيه حتى دخل في القراءة سقط، دليله: دعاء الاستفتاح، ولأنه ذكر بعد القراءة فلم يكبر،
стр. 1423
دليله: لو ذكر وهو راكع.
واحتج المخالف: بأنه ذكر (١) قبل الركوع، فأشبه إذا ذكر قبل أن يشرع في القراءة.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الشروع في القراءة بما قبله، كما لم يجز في ذلك الاستفتاح، وكما لو ذكر في الركوع، والله تعالى أعلم.
* * *
١٦ - مَسْألَة: لا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها لا الإمام ولا المأموم لا في المصلى ولا في المسجد:
نص على هذا في رواية الجماعة منهم: أبو داود، وابن القاسم، والأثرم، وعبد الله.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يصلي قبلها، ويصلي بعدها إن شاء.
وقال مالك ﵀: إن كانت الصلاة في المصلى فالحكم فيه كما ذكرنا، وإن كانت في المسجد ففيه روايتان: روي عن نافع عنه أن حكمه حكم المصلى أيضًا، ونقل ابن القاسم، وابن الحكم: أنه يتنفل فيه قبل الجلوس بخلاف المصلى.
стр. 1424
وقال الشافعي ﵁: يجوز أن يصلي قبلها وبعدها.
دليلنا: ما روى أبو عبد الله بن بطة بإسناده في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃: أن النبي ﷺ كان يكبر في العيدين سبعًا وخمسًا وكان يقول: "لا صلاة قبلها ولا بعدها".
وروى النجاد بإسناده في كتابه عن جرير بن عبد الله بن جرير البجلي ﵃ عن أبيه عن جده جرير قال: كنت آخر الناس إسلامًا، فحفظت من رسول الله ﷺ : "لا صلاة في العيدين قبل الإمام".
وهذا نهي، وأقل أحوال النهي الكراهة.
وأيضًا ما روى النجاد بإسناده عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ خرج يوم العيد لم يصل قبلها ولا بعدها.
وروى أيضًا عن جابر ﵁ أنه قال: لم يصل النبي ﷺ قبلها ولا بعدها.
وعن ابن عمر ﵄: أنه خرج يوم عيدٍ فلم يصل قبلها ولا بعدها، وذكر أن النبي ﷺ فعله.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃: أن النبي ﷺ لم يصل قبلها ولا بعدها.
وهذا إخبار عن دوام فعله ﵇، فلو كان جائزًا لم يداوم على تركه مع ترغيبه في فعل الطاعات.
ولأنه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين.
стр. 1425
فروى النجاد بإسناده عن أيوب قال: كان حذيفة، وابن مسعود ﵄ يقومان في يوم العيد فينهيان الناس عن الصلاة قبل العيد، هما أو أحدهما.
وروى أيضًا عن ثعلبة بن زهدم الحنظلي أن أبا مسعود الأنصاري ﵁ قام يوم عيد فقال: لا صلاة في هذا اليوم حتى يخرج الإمام.
وروى أيضًا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵃: أنه كان يكره أن يُصلى يوم العيد قبل الإمام.
وروى عن الشعبي قال: رأيت ابن أبي أوفى، وابن عمر، وجابر ﵃ لا يصلون قبل العيد ولا بعدها.
وروى عن أبي عبد الله عن علي ﵁: أنه كان لا يصلي قبل العيد ولا بعدها.
وروى عن الأسود النهدي قال: رأيت طنفسة أنس بن مالك ﵁ أخرج بها يوم عيدٍ فلم يصل قبلها ولا بعدها.
وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن الحارث عن علي ﵁ أنه خرج في يوم عيدٍ فرأى قومًا يصلون يوم عيدٍ فقال: لولا أني أكون الذي قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ [العلق: ٩] لنهيت هؤلاء، ولكنا نخبرهم بما كان يصنع على عهد رسول الله ﷺ ، كان بعضنا يغتسل، وبعضنا يتوضأ، ثم نخرج فلا يصلي أحد منا حتى النبي ﷺ ، فإذا صلى النبي ﷺ فمن شاء صلى، ومن شاء لم يصل.
стр. 1426
فإن قيل: يعارض هذا بما روى قتادة أنه قال: كان أنس، وأبو هريرة ﵄ يصليان قبل صلاة العيد.
وروى أبو أيوب قال: رأيت أنس بن مالك، والحسين ﵄ يصليان قبل العيد.
قيل له: أما أنس فقد روينا عنه أنه كان تفرش له الطنفسة، فلا يصلي قبلها ولا بعدها، فتعارضت الروايتان فسقطتا، وسلم قول غيره، وعلى أنا نحمل ما روي عنه، وعن أبي هريرة على أنهما كانا يصليان في غير موضع صلاة العيد.
وأما الحسين ﵁ فقد روي عن جماعة من التابعين ﵃ خلاف فعله، وأيضًا فإن كان صلاة لا يصلي الإمام قبلها، لم يصل المأموم أيضًا كصلاة المغرب.
فإن قيل: إنما يمنع الإمام من الصلاة إذا جاء وقت إقامة الصلاة، فأما إن بكَّر الإمام إلى موضع وقعد فيه ينتظر فإنه يصلي.
قيل له: نقيس عليه إذا جاء وقت إقامة الصلاة، فإنه لا يستحب له ذلك.
فإن قيل: إنما كرهت للإمام؛ لئلا يقتدي الناس به، ويعتقدون أن ذلك سنة لأجل العيد.
قيل: فكان يجب أن يفرق بهذا المعنى بين الإمام والمأموم في المغرب، وكان يجب أن يمنع الإمام بعدها لهذه العلة.
стр. 1427
فإن قيل: لما جاز التطوع قبل هذه الصلاة وبعدها في غير مكانها الذي صلاها فيه، جاز في مكانها كسائر الصلوات.
قيل: يجوز للإمام أن يطوع قبل مجيئه إلى مصلاه، ولا يجوز في مصلاه كذلك غيره من الناس.
فإن قيل: المعنى في المغرب أن وقتها ضيّق، فإذا اشتغل بالنافلة فاتته الفريضة، فلهذا كره له أن يتنفل.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل عندنا أن وقتها يمتد إلى غيبوبة الشفق.
واحتج المخالف: بأن هذا الوقت خارج من أوقات النهي، وهو ما بعد الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع، وما بعد العصر حتى تغرب، وعند الزوال حتى تزول، فلا يخاف بفعل النافلة فوات ما هو أولى منها، فوجب أن لا يكره فعل النافلة فيها، دليله: سائر الأوقات.
ولا يلزم عليه إذا ضاق وقت الفريضة، وخاف فواتها، وإذا كان يعرف مسلمًا وهو يقدر على تخليصه فإنه أولى من الاشتغال بالنافلة، ويكره التنفل، وكذلك خطبة الإمام؛ لأن هناك ما هو أولى، وربما قالوا: كل وقت لو أحرم بالنافلة لم يؤمر بقطعها، فإنه لا يكره له فعلها، دليله: سائر الصلوات.
والجواب: أن هذا يبطل بالصلاة في خلال الخطبة، وهو لا يسمع الإمام، فإنه ممنوع منه، وإن كان خارجًا عن الأوقات المنهي عنها، وليس
стр. 1428
فيه فوات ما هو أولى منه، ومع هذا يمنع من الصلاة، ونعكسه فنقول: فاستوى فيه الإمام والمأموم.
* فصل:
والدلالة على أنه لا يصلي بعدها خلافًا لأبي حنيفة: ما تقدم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ وأن النبي ﷺ كان يقول: "لا يُصلى قبلها ولا بعدها".
ولما روى ابن عباس وغيره ﵃: أن النبي ﷺ ما كان يصلي قبلها ولا بعدها.
وكذلك ما رويناه عن علي، وابن عمر، وجابر، وابن أبي أوفى ﵃: أنهم لم يصلوا قبلها ولا بعدها.
ولأنها صلاة عيد فاستوى ما قبلها وبعدها في التطوع، دليله: صلاة الجمعة.
ولأنه ضم صلاة نفل إلى صلاة العيد في مكان الصلاة، فأشبه إذا صلى قبلها.
فإن قيل: إنما لم يجز الصلاة قبلها؛ لأنه ليس لإقامتها علامة، فلو جوَّزنا التنفل؛ لأدى أن يصادف بعض صلاته بعد تكبير الإمام؛ لهذا كره، وهذا المعنى معدوم فيما بعد.
قيل له: لإقامتها علامة، وهي قوله: الصلاة، كما أن الإقامة للفرض معلومة، وعلى أن هذا المعنى لا يصح على أصل أبي حنيفة:
стр. 1429
لا يجوز التشاغل عنده بالتنفل، والإمام في الفرض، وهو التشاغل بركعتي الفجر، والإمام في الصلاة إذا أمن فوات الركعة، وكذلك يجوز له أن يصلي تحية المسجد يوم العيد، وإن جاز أن تقام الصلاة وهو يصلي.
فإن قيل: لا يمتنع أن يُنهى قبلها ولا ينهى بعدها كالمغرب، ولا يمنع أن يستويا كالظهر، وعلى أنه لا نسلم المغرب في إحدى الروايتين، ثم إن سلمنا فالمعنى هناك أنه يؤدي إلى تأخرها عن الوقت المستحب، وبعدها بخلافه، وفي مسألتنا يستوي قبل وبعد، فيجب أن يستويا.
* فصل:
والدلالة على أنه لا يصلي في المسجد كما لا يصلي في المصلى خلافًا لمالك في إحدى الروايتين: عموم الأخبار المتقدمة، ولم تفرق بين المسجد والمصلى، ولأنه ضم نفل إلى صلاة العيد في موضعها أشبه المصلى.
واحتج: بقول النبي ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين"، وهذا عام.
والجواب: أنا نحمله ونخصه على غير مسألتنا بما تقدم.
واحتج بأن قال: المعنى الذي كره له ذلك في المصلى راجع إلى الوقت والبقعة وقد زال ذلك.
والجواب: أنا لا نسلم هذا؛ لأن الوقت باق والبقعة هي موضع إقامة الصلاة، وهذا موجود في المسجد كما هو موجود في المصلى.
стр. 1430
* فصل:
وإذا ثبت أنه لا يصلي قبلها ولا بعدها؛ فإن صلى كانت صلاته مكروهة، نص على الكراهة في رواية ابن القاسم فقال: لا يقضي صلاة في ذلك الوقت أن يقتدى به، وكرهه، وشدد فيه.
وقال الرازي: مذهب أبي حنيفة ليس قبلها صلاة مسنونة، وليس معناه: أنه يكره.
دليلنا على الكراهة: ما تقدم من حديث عمرو بن شعيب وقوله ﵇: "لا يُصلى قبلها ولا بعدها".
كذلك قوله في حديث جرير: "لا صلاة في العيدين قبل الإمام"، وهذا لفظ النهي، وكل وقت منع من الصلاة وجب أن يكره فيه، دليله: سائر أوقات النهي، والله أعلم.
* * *
١٧ - مَسْألَة: من شرط صلاة العيد الاستيطان، والعدد، والإمام، على اختلاف الروايتين في اعتبار الإمام في الجمعة:
وقد قال أحمد ﵀ في رواية جعفر بن محمد في أهل القرى إذا خرجوا في العيدين: يصلون أربعًا إلا أن يخطب رجل فيصلون ركعتين.
وذكر شيخنا في كتابه رواية أحمد بن القاسم عن أحمد رحمه الله
стр. 1431
أنه قال: لا يصلي العيد إلا بأربعين رجلًا.
وقال أيضًا في رواية عبد الله وقد سأله عن أهل القرية يكونون (١) ثلاثمائة نفس أيجمعون (٢) للعيدين؟ فقال: لا بأس بإذن الإمام، فإن صلوا وحدانًا يصلون أربعًا، إنما التكبير (٣) إلى الإمام.
وقال أبو بكر في العيدين: هل يصلون جماعة بخطبة بغير إذن الإمام؟ قد ذكرنا في الجمعة على قولين، وبنى صلاة العيد على الجمعة.
وقال أيضًا باب الرد على من قال: إن الرجل إذا صلى وحده أنه يكبر مثل تكبير الإمام بالجماعة.
وقال: لا يكبر إلا في الجماعة إذا كان إمامًا يخطب بهم، فإذا لم تكن خطبة فهي على معنى الجمعة إذا فاتته يصلي أربعًا.
وظاهر ما حكيناه عن أحمد، وعن أبي بكر رحمهما الله يدل على أن من شرطها: الاستيطان، والعدد.
وقد روى أحمد ﵀ ما يدل على أنه ليس من شرطها العدد، وأن لكل واحد من الرجال والنساء أن يصليها منفردًا فقال حنبل: قال مالك: وكل من صلى لنفسه صلاة العيد من رجل أو امرأة فإني أرى أن يكبر في الأولى سبعًا قبل القراءة وخمسًا في الآخرة قبل القراءة، قال
стр. 1432
حنبل: سئل عمي عن ذلك، فقال: إن شاء كبر، إن شاء لم يكبر.
وقال أيضًا في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سئل: على المرأة صلاة؟ فقال: ما بلغنا في هذا شيء، ولكن أرى أن تصلي وعليها ما على الرجال يصلين في بيوتهن.
وهذا يدل على [أنه] ليس من شرطها العدد، ويصح فعلها منفردًا، وإذا ثبت ذلك عنه في إسقاط العدد ثبت إسقاط اعتبار الاستيطان.
وقال أبو حنيفة ﵀: من شرطها المصر، والإمام، والعدد، وبنى ذلك على أصله في الجمعة، وأن من شرط إقامتها: المصر، والإمام، والكلام في العيدين كالكلام في الجمعة وقد مضى.
وقال الشافعي ﵁: ليس من شرطها الاستيطان، والعدد، ولكل واحد من الرجال والنساء أن يصليها منفردًا.
فالدلالة على أن من شرطها الاستيطان: ما روي أن النبي ﷺ فتح مكة في رمضان وخرج منها إلى هوازن، واتفق له العيد في السفر، ولم يُرو أنه صلى في سفره ذلك صلاة العيد، فلو جاز ذلك [لصلاه] (١) النبي ﷺ ، ولو صلى لنقل.
فإن قيل: على المنقول في هذا أن النبي ﷺ خرج من المدينة لفتح مكة لعشرين مضين من شهر رمضان، وفتحها وأقام فيها عشرين يومًا، ومعلوم أن العيد صادف مكة.
стр. 1433
قيل له: لو صادف مكة لأقامها (١)، ولو أقامها لنقل، فلما لم ينقل، علم أنه كان مسافرًا، وإذا ثبت بهذا الخبر أن من شرطها الاستيطان، وجب أن يكون من شرطها العدد.
أو نقول: فلم يصح السفر، دليله: الجمعة، وإن شئت قلت: صلاة شرع لها الاجتماع، والخطبة، فكان من شرطها الاستيطان.
أو نقول: فكان من شرطها العدد.
أو نقول: فلم يصح في السفر، دليله: الجمعة.
أو نقول: صلاة عيد فهي كالعيد.
فإن قيل: الجمعة مردودة إلى ركعتين بشرائط منها: الاستيطان، والعدد، وليس كذلك صلاة العيد؛ لأنها ليست بإحالة فرض، فجاز فعلها في الأسفار.
قيل له: افتراقهما في هذا الموضع لا يوجب افتراقهما فيما اختلفنا فيه، كما لم يوجب افتراقهما في بقية الشرائط من الخطبة، والجهر بالقراءة، وكونها ركعتين، وكونها صلاة عيد.
واحتج أصحاب الشافعي ﵃: بأنها صلاة تجوز للمقيم في الصحراء، فجاز فعلها للمسافر في سفره، أصله: صلاة الخسوف، والاستسقاء، وسائر التطوعات.
والجواب: أن الصحراء في حكم المصر؛ لقربها منه، فجرت
стр. 1434
مجرى البنيان، وليس كذلك فيما بعد عنها؛ لأنها ليست في حكم المصر، وعلى أن المعنى في سائر الصلوات أنها ليست صلاة عيد، وهذه صلاة عيد أشبه صلاة الجمعة.
واحتج أصحاب أبي حنيفة ﵏: بما روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع.
والجواب عنه: ما تقدم في مسائل الجمعة، وعلى أنه قد قيل: التشريق هو الأضحية التي تفعل إذا ارتفعت الشمس، والله تعالى أعلم.
* * *
١٨ - مَسْألَة: التكبير مسنون في ليلة الفطر، وفي يوم الفطر في الطريق والجلوس:
نص عليه رواية عبد الله وصالح فقال: إذا خرج الناس يوم الفطر ويوم النحر يكبرون، ويوم الفطر أشد.
وقال الخرقي: ويظهرون التكبير في ليالي العيد، وفي الفطر أوكد.
وبهذا قال الشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة ﵀: يكره إظهاره في يوم الفطر وليلته.
وقال مالك: يكبر في يوم الفطر دون ليلته.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فأمر بالتكبير عند إكمال عدة رمضان، والإكمال
стр. 1435
يحصل ليلًا، فكان ذلك مسنونًا.
وأيضًا ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن الزهري قال: كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر فيكبر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير.
فإن قيل: قال عبد الله: قال أبي: هذا حديث منكر ثم قال: دخل شعبة على ابن أبي ذئب (١) فنهاه أن يحدث به، وأنكره شعبة.
قيل له: هذا القدر على طريقة الفقهاء لا يمنع الاحتجاج بالخبر، وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده عن الحسن بن علي ﵄ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نظهر التكبير، يعني في العيدين.
وبإسناده عن الحلاج (٢) صاحب رسول الله ﷺ : أنه أظهر التكبير في مخرجه إلى العيدين، فقال له ابنه: يا أبت أغضض من صوتك إن الناس ينظرون إليك، قال: وقد بقيت في قوم إن أظهرت فيهم سنة نظروا إلي، وأنكروها علي، اللهم عجل قبضي إليك، فمات من يومه أو من غد ﵁.
وروى أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بإسناده عن داود بن أبي هند عن علي ﵁: أنه كان يكبر يسمع أهل الطريق.
وروى عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: كان يخرج يوم العيد في الأضحى والفطر يكبر ويرفع صوته.
стр. 1436
وروى بإسناده عن إبراهيم: أن أبا قتادة كان إذا خرج لصلاة العيد يكبر ويذكر الله تعالى حتى ينتهي إلى المصلى.
وروى بإسناده عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن قالوا: كانوا في الفطر أشد منهم في الأضحى، يعني في التكبير.
ولأنها ليلة من التكبير في يومها فسن فيها، دليله: عيد الأضحى.
ولأنه يوم يصلى فيه صلاة العيد، فسن فيه التكبير، دليله: يوم الأضحى.
واحتج أبو حنيفة ﵀ في نفي التكبير ليلًا ونهارًا: بأنه لو كان التكبير مسنونًا لنقل نقلًا عامًا كما نقل في عيد الأضحى.
والجواب: أنا قد روينا ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم فعلوه وأظهروه.
واحتج: بأنه لو كان من سننه التكبير لكان فيه عقيب الصلوات كالأضحى، ولما لم يكن مسنونًا عقيب الصلوات، لم يكن مسنونًا في غيره.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يوافق عيد الفطر لعيد الأضحى في التكبير وإن اختلفا في محله، فكما أن العيد والجمعة يتفقان في الخطبة، وإن اختلفا في محلها، وكذلك سجود التلاوة وسجود السهو يتفقان في أن كلًا منهما مشروع، وإن اختلفا في المحل فسجود التلاوة عقيب سنته، وسجود السهو آخر الصلاة.
стр. 1437
واحتج أصحاب مالك ﵀ في أنه لا يكبر ليلًا: بأنه ذكر يختص استحبابه بالعيد، فوجب أن يكون يوم العيد دون ليلته، كالتكبيرات الزوائد في الصلاة.
والجواب: أنه يبطل بليلة عيد الأضحى، على أن ذلك التكبير يقيد بالصلاة، وهذا التكبير مطلق لا يختص الصلاة، فجاز أن يستوي فيه الليل والنهار، والله أعلم.
* * *
١٩ - مَسْألَة: ينقطع التكبير إذا فرغ الإمام من الخطبتين:
نص عليه في رواية حنبل وقد سئل: يقطع التكبير إذا صار إلى المصلى؟ فقال: يكبر حتى يخرج الإمام، وتنقضي الخطبة، ألا ترى أن الإمام إذا أراد أن يخطب كبر؟!
وفيه رواية أخرى: يقطع إذا جاء إلى المصلى وخرج الإمام، وقد قال أحمد ﵀ في رواية الأثرم: يكبر إلى مصلاه، فإذا بلغ ذلك قطع وأقبل على الذكر، ومعناه إذا بلغ إلى مصلاه وخرج الإمام.
وبهذا قال مالك ﵀.
وللشافعي ﵁ ثلاثة أقوال:
أحدهما: يكبر إلى أن يظهر الإمام في المصلى.
والثاني: إلى أن يحرم الإمام بالصلاة.
стр. 1438
والثالث: إلى أن يفرغ من الصلاة.
فالدلالة على أنه يكبر حتى يفرغ من الخطبة: أن الناس تبع للإمام، ثم الإمام يكبر حتى يفرغ من الخطبة كذلك المأموم، يبينه أن النبي ﷺ كان يكبر إلى أن يفرغ من الصلاة، ولأن الإمام إلى أن يحرم بالصلاة الكلام مباح، فأولى أن يكون التكبير جائزًا.
واحتج من قال: يقطع بظهور الإمام: أن الإمام إذا ظهر فإن الناس يتاهبون للصلاة، والتأهب للصلاة أولى من التكبير.
والجواب: أن التأهب لا يمنع التكبير كما لا يمنع التلبية في حق المحرم، والله أعلم.
* * *
٢٠ - مَسْألَة: تكبير التشريق من صلاة الفجر من يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق:
نص عليه في رواية عبد الله، وأبي طالب، وهارون بن عبد الله، والفضل بن زياد، وأبي الحارث، والحسن بن ثواب، وهذا إذا لم يكن محرمًا، فأما إن كان محرمًا فإنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، نص عليه في رواية أبي الحارث، والفضل.
وقال أبو حنيفة ﵀: يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من النحر.
стр. 1439
وقال مالك ﵀: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من رابعه.
وللشافعي ﵁ أقوال:
أحدها: من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق.
والثاني: من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، مثل قولنا إلا أنه لم يفرق بين المحل والمحرم.
والثالث: من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، مثل قول مالك، وهي رواية المزني عنه.
وقال داود: من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
فالدلالة على أنه يكبر من يوم عرفة: قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: المعلومات أيام التشريق منها يوم النحر، وقال علي، وابن عمرو ﵃ هي أيام النحر، فقد حصل من اتفاق الجميع على أن يوم النحر من المعلومات، فثبت على أن المعلومات مرادة بالتكبير لاتفاق الجميع، على أنه يكبر يوم النحر ولو خلينا والظاهر لأوجبنا التكبير في سائر أيام العشر، فلما اتفق الجميع على سقوطه قبل يوم عرفة أخرجناه عن الظاهر بالاتفاق، وأوجبناه فيما عداه من أيام التشريق، وهو يوم عرفة ويوم النحر،
стр. 1440
إذ هما من المعلومات.
فإن قيل: لما قال الله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، دل على أنه لم يرد بالآية تكبير التشريق، وإنما أراد به الذكر عند رؤية الأضاحي؛ لأن تكبير التشريق يفعل عقيب الصلوات لا على الأضاحي والهدايا.
قيل له: قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وكما يقول: اشكروا الله على نعمه، يريد لنعمه، فكأنه أمرهم بالتكبير شكرًا لله على نعمته عليهم بأن جعل لهم من القربة في هذه الأيام في بهيمة الأنعام.
وأيضًا روى أبو الحسن الدارقطني في سننه فقال: حدثنا عثمان بن السماك قال: حدثنا أبو قلابة قال: حدثني نائل بن نجيح قال: حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر وعبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح من غداة عرفة يقبل على أصحابه ﵃ فيقول: "على مكانكم" ويقول: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد"، فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
وروى أيضًا بلفظ آخر فقال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن يحيى الطلحي بالكوفة قال: حدثنا عبيد بن كثير (١) قال: حدثنا محمد بن جنيد قال: