← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وروى بإسناده عن إبراهيم: أن أبا قتادة كان إذا خرج لصلاة العيد يكبر ويذكر الله تعالى حتى ينتهي إلى المصلى. وروى بإسناده عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن قالوا: كانوا في الفطر أشد منهم في الأضحى، يعني في التكبير. ولأنها ليلة من التكبير في يومها فسن فيها، دليله: عيد الأضحى. ولأنه يوم يصلى فيه صلاة العيد، فسن فيه التكبير، دليله: يوم الأضحى. واحتج أبو حنيفة ﵀ في نفي التكبير ليلًا ونهارًا: بأنه لو كان التكبير مسنونًا لنقل نقلًا عامًا كما نقل في عيد الأضحى. والجواب: أنا قد روينا ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم فعلوه وأظهروه. واحتج: بأنه لو كان من سننه التكبير لكان فيه عقيب الصلوات كالأضحى، ولما لم يكن مسنونًا عقيب الصلوات، لم يكن مسنونًا في غيره. والجواب: أنه لا يمتنع أن يوافق عيد الفطر لعيد الأضحى في التكبير وإن اختلفا في محله، فكما أن العيد والجمعة يتفقان في الخطبة، وإن اختلفا في محلها، وكذلك سجود التلاوة وسجود السهو يتفقان في أن كلًا منهما مشروع، وإن اختلفا في المحل فسجود التلاوة عقيب سنته، وسجود السهو آخر الصلاة.

стр. 1437

واحتج أصحاب مالك ﵀ في أنه لا يكبر ليلًا: بأنه ذكر يختص استحبابه بالعيد، فوجب أن يكون يوم العيد دون ليلته، كالتكبيرات الزوائد في الصلاة. والجواب: أنه يبطل بليلة عيد الأضحى، على أن ذلك التكبير يقيد بالصلاة، وهذا التكبير مطلق لا يختص الصلاة، فجاز أن يستوي فيه الليل والنهار، والله أعلم. * * * ١٩ - مَسْألَة: ينقطع التكبير إذا فرغ الإمام من الخطبتين: نص عليه في رواية حنبل وقد سئل: يقطع التكبير إذا صار إلى المصلى؟ فقال: يكبر حتى يخرج الإمام، وتنقضي الخطبة، ألا ترى أن الإمام إذا أراد أن يخطب كبر؟! وفيه رواية أخرى: يقطع إذا جاء إلى المصلى وخرج الإمام، وقد قال أحمد ﵀ في رواية الأثرم: يكبر إلى مصلاه، فإذا بلغ ذلك قطع وأقبل على الذكر، ومعناه إذا بلغ إلى مصلاه وخرج الإمام. وبهذا قال مالك ﵀. وللشافعي ﵁ ثلاثة أقوال: أحدهما: يكبر إلى أن يظهر الإمام في المصلى. والثاني: إلى أن يحرم الإمام بالصلاة.

стр. 1438

والثالث: إلى أن يفرغ من الصلاة. فالدلالة على أنه يكبر حتى يفرغ من الخطبة: أن الناس تبع للإمام، ثم الإمام يكبر حتى يفرغ من الخطبة كذلك المأموم، يبينه أن النبي ﷺ كان يكبر إلى أن يفرغ من الصلاة، ولأن الإمام إلى أن يحرم بالصلاة الكلام مباح، فأولى أن يكون التكبير جائزًا. واحتج من قال: يقطع بظهور الإمام: أن الإمام إذا ظهر فإن الناس يتاهبون للصلاة، والتأهب للصلاة أولى من التكبير. والجواب: أن التأهب لا يمنع التكبير كما لا يمنع التلبية في حق المحرم، والله أعلم. * * * ٢٠ - مَسْألَة: تكبير التشريق من صلاة الفجر من يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق: نص عليه في رواية عبد الله، وأبي طالب، وهارون بن عبد الله، والفضل بن زياد، وأبي الحارث، والحسن بن ثواب، وهذا إذا لم يكن محرمًا، فأما إن كان محرمًا فإنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، نص عليه في رواية أبي الحارث، والفضل. وقال أبو حنيفة ﵀: يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من النحر.

стр. 1439

وقال مالك ﵀: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من رابعه. وللشافعي ﵁ أقوال: أحدها: من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق. والثاني: من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، مثل قولنا إلا أنه لم يفرق بين المحل والمحرم. والثالث: من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، مثل قول مالك، وهي رواية المزني عنه. وقال داود: من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق. فالدلالة على أنه يكبر من يوم عرفة: قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: المعلومات أيام التشريق منها يوم النحر، وقال علي، وابن عمرو ﵃ هي أيام النحر، فقد حصل من اتفاق الجميع على أن يوم النحر من المعلومات، فثبت على أن المعلومات مرادة بالتكبير لاتفاق الجميع، على أنه يكبر يوم النحر ولو خلينا والظاهر لأوجبنا التكبير في سائر أيام العشر، فلما اتفق الجميع على سقوطه قبل يوم عرفة أخرجناه عن الظاهر بالاتفاق، وأوجبناه فيما عداه من أيام التشريق، وهو يوم عرفة ويوم النحر،

стр. 1440

إذ هما من المعلومات. فإن قيل: لما قال الله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، دل على أنه لم يرد بالآية تكبير التشريق، وإنما أراد به الذكر عند رؤية الأضاحي؛ لأن تكبير التشريق يفعل عقيب الصلوات لا على الأضاحي والهدايا. قيل له: قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وكما يقول: اشكروا الله على نعمه، يريد لنعمه، فكأنه أمرهم بالتكبير شكرًا لله على نعمته عليهم بأن جعل لهم من القربة في هذه الأيام في بهيمة الأنعام. وأيضًا روى أبو الحسن الدارقطني في سننه فقال: حدثنا عثمان بن السماك قال: حدثنا أبو قلابة قال: حدثني نائل بن نجيح قال: حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر وعبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح من غداة عرفة يقبل على أصحابه ﵃ فيقول: "على مكانكم" ويقول: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد"، فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق. وروى أيضًا بلفظ آخر فقال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن يحيى الطلحي بالكوفة قال: حدثنا عبيد بن كثير (١) قال: حدثنا محمد بن جنيد قال:

стр. 1441

حدثنا مصعب بن سلام عن عمرو عن جابر عن أبي جعفر عن علي بن الحسين عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: كان رسول الله ﷺ يكبر من صلاة الضحى يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق حين يسلم من المكتوبات. فإن قيل: هذا الحديث ضعيف؛ لأنه يرويه نائل بن نجيح، وعمرو بن شمر، وجابر الجعفي، وكلهم ضعفاء. قيل له: هذا لا يكفي في رد الحديث حتى تبين وجه الضعف مع أن سفيان وغيره قد روى عن جابر. واحتج أحمد ﵀ بما رواه النجاد بإسناده عن أبي عبد الرحمن قال: كان علي ﵁ يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق ويكبر بعد العصر ثم يقطع، قال أحمد ﵀ في رواية الأثرم: أذهب إلى حديث علي ﵁، وهو عن علي مستفيض، وهو حسن. وروى النجاد أيضًا بإسناده عن عمر ﵁: أنه كان يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة الظهر أو العصر من آخر أيام التشريق، شك شعبة. وروى عن مطرف عن الحكم: أن عمر وعليًا ﵄ كانا يكبران من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطعان في العصر من آخر أيام التشريق. ورواه أيضًا بإسناده عن عكرمة قال: كان ابن عباس ﵄ يكبر غداة عرفة إلى آخر أيام التشريق لا يكبر في المغرب.

стр. 1442

وهذا لا يلزم المخالف؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين اختلفوا (١) في ذلك، فروي عن عمر، وعلي، وابن عباس ﵃ مثل مذهبنا، وروي عن زيد بن ثابت ﵁: أنه كان يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، وعن ابن عمر ﵄: أنه كان يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة العصر من آخر يوم النفر الأول. وعن عائشة ﵂: أنها كانت تكبر حتى تصلي العصر من يوم عرفة حين يركب الموقف، والخلفاء كذلك. وروى الأسود قال: كان عبد الله ﵄ يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر يوم النحر يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وإذا كان كذلك حصلت المسألة خلاف في الصحابة، فلا يمكن الاحتجاج بقول بعضهم. ويمكن أن نحمل فعل زيد وابن عمر ﵃ إذا كان محرمًا، فلا يُفضي إلى الاختلاف بينهم. والقياس: أنه يوم يجب فيه ركن من أركان الحج، فجاز أن يجب فيه تكبيرات التشريق، دليله: يوم النحر. ولا يلزم عليه يوم عرفة في حق المحرم؛ لأن التعليل لجواز أن يجب فيه التكبير، دليله: أول أيام التشريق. واحتج المخالف: بأن كل وقت من فيه التلبية لم يسن فيه التكبير

стр. 1443

عقيب الصلاة، دليله: يوم التروية. والجواب: أن من تجب التلبية في حقه ليس في حقه تكبير، وهو المحرم، ولأن يوم التروية لا يجب فيه ركن من أركان الحج، ولا سن فيه التلبية، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يجب فيه ركن من أركان الحج أشبه يوم النحر. واحتج: بأن أول صلاة يكبر لها أهل منى صلاة الظهر يوم النحر؛ لأن سنتهم التلبية إلى أن يأخذوا في رمي جمرة العقبة، وآخر صلاة يكبرون لها صلاة الصبح من آخر أيام التشريق؛ لأنهم يرمون الجمار الثلاث، ثم يخرجون من منى إلى المحصب، ويصلون فيها الظهر، ولا يكبرون خلفها، هكذا روي عن عبد الله بن واقد أن عمر وعثمان ﵄ كانا يصليان الظهر يوم الصدر بالمحصب ولا يكبران، وإذا ثبت هذا في أهل منى ثبت في أهل الآفاق؛ لأنهم تبع لهم في التكبير؛ لأنه فضيلة الوقت؛ لكونه وقتًا للنسك، ولهذا سمي يوم عرفة ويوم النحر، وأمر فيه الناس بالنحر تبعًا لأهل منى، فيجب أن يكون تبعًا لهم في التكبير. والجواب: أن هذا في أهل منى لمعنى ينفردون به، وهو أن التلبية مسنونة في حقهم يوم عرفة، وقبل الفجر من يوم النحر، فلم يكن في حقهم تكبير مسنون؛ لئلا يجتمع تكبير وتلبية، فقدمت التلبية؛ لأنها من شعار الحج ومناسكه، وهذا المعنى معدوم في غير أهل منى؛ لأنه ليس عليهم تلبية، فلهذا من في حقهم التكبير، ولهذا المعنى سوينا بينهم في الانتهاء إلى آخر أيام التشريق؛ لأنهم يتساوون في إسقاط التلبية فتساووا

стр. 1444

في مسنون التكبير. والذي روي عن عمر وعثمان ﵄: أنهما لم يكبرا عقيب الظهر من آخر أيام التشريق، فقد روينا عن عمر ﵁ خلافه: أنه كان يكبر في صلاة العصر. فإن قيل: فقد يجتمع التكبير والتلبية عندك؛ لأن عبد الله بن أحمد ﵀ روى عن أبيه أنه قال: وإن كان عليه تكبير وتلبية بدأ بما عليه من التكبير ثم التلبية، وإذا كانا يجتمعان لم يصح ما ذكرته من الفرق. قيل له: ما ذكرنا من الفرق صحيح، وما رواه عبد الله فهو يحمل على الوجه الذي ذكره أبو بكر، وهو: أن يؤخر رمي جمرة العقبة حتى يدخل وقت صلاة الظهر فيجتمع التكبير والتلبية؛ لأنه قد خرج الوقت المستحب للتلبية؛ لأن وقته ينقطع برمي الجمرة، ووقت رميها المستحب ضحى، فإذا أخره إلى الزوال أخره عن وقته المسنون، ولهذا قدم أحمد ﵀ التكبير على التلبية بخروج وقتها المستحب إلا أنه لم يسقطها؛ لأن سقوطها يتعلق برمي الجمار. * فصل: والدلالة على أنه يكبر في أيام التشريق: قوله تعالى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: يوم النحر وثلاثة أيام بعده. والظاهر يقتضي فعل التكبير فيها.

стр. 1445

فإن قيل: المراد بذلك الذكر على الرمي، ألا ترى أنه قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قيل له: أول اللفظ عام، وآخره خاص، وتخصيص آخره لا يوجب تخصيص أوله. وأيضًا حديث جابر ﵁ الذي تقدم وأن النبي ﷺ كان يكبر إلى آخر أيام التشريق. ولأنه يوم من فيه الرمي، فوجب أن يكون التكبير فيه مسنونًا عقيب الصلوات، أصله: يوم النحر. واحتج المخالف: بأنه ليس فيه تلبية مسنونة، فوجب أن لا يكون فيه تكبير مسنون، أصله: بعد أيام التشريق. والجواب: أن عدم التلبية لا يدل على إسقاط التكبير؛ لأن بقاء التلبية دليل على اشتغاله بها عن غيرها من الأذكار، كما أن اشتغاله في الصلاة يمنعه عن التكبير حتى يفرغ منها، وعلى أن المعنى في غير أيام التشريق أنه لا يختص بركن ولا يسن فيه الرمي، وهذا بخلافه. واحتج: بأن إثبات هذا الضرب من المقادير طريقه التوقيف والاتفاق، وقد عُدما بعد يوم النحر، فلا نثبته. والجواب: أنا لا نسلم هذا الأصل؛ لأنا قد نثبت المقادير بالقياس، وعلى أن يوم عرفة قد أثبت التكبير فيه بغير اتفاق، فإن النجاد روى عن زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر ﵃: أنهم كانوا يكبرون من صلاة

стр. 1446

الظهر يوم النحر إلى صلاة العصر يوم النفر الأول، وعلى أنك قد تركت هذا الأصل في مواضع فأثبت مقادير لغير توقيف ولا اتفاق، فمنها: تقدير المسح بثلاث أصابع، وكذلك خرق الخف، ومسح الرأس بالربع. * * * ٢١ - مَسْألَة: لا يكبر إلا من صلى في جماعة: نص على هذا في رواية صالح وعبد الله فقال: التكبير على من صلى في جماعة، ومن صلى وحده لا يكبر. وكذلك نقل الميموني عنه أنه قال: أعلى شيء في الباب حديث ابن عمر ﵄ أنه صلى وحده ولم يكبر، وإليه يذهب. وكذلك نقل مهنا وهارون بن عبد الله وقد سئل: هل يكبر إذا صلى وحده؟ فقال: سمعنا من محمد بن سلمة (١) عن أبي عبد الرحمن (٢) عن زيد بن أبي أنيسة عن عمر بن نافع عن أبيه عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان إذا صلى وحده أيام التشريق [لم يكبر] (٣). وبهذا قال أبو حنيفة ﵀.

стр. 1447

وقال الشافعي ﵁: يكبر من صلى فرادى. وقد حكى الخرقي ﵀ رواية عن أحمد ﵁ فقال: وعن أبي عبد الله رواية أخرى يكبر لصلاة الفرض وإن كان وحده. فالدلالة على أنه لا يكبر: إجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وروى أحمد بإسناده عن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا صلى وحده أيام التشريق لا يكبر، وهذا فعل انتشر عنه ولم ينكر عليه. وروى أبو بكر بإسناده عن علقمة عن ابن مسعود ﵁ قال: ليس التكبير أيام التشريق على الواحد والاثنين، التكبير على من صلى في جماعة. ولأنها صلاة مفعولة في حال الانفراد، فلم يسن التكبير خلفها، دليله: صلاة النافلة. فإن قيل: لنا في النافلة قولان: أحدهما: التكبير. قيل له: إن لم تسلم نقلنا الكلام إلى الصلاة، والكلام عليه يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى، وكل ذكر أُخص بصلاة دون صلاة، جاز أن يختص بمصلى دون مصلى كالأذان، ونريد باختصاصه بصلاة الفرض دون النفل. واحتج المخالف: بأن كل ذكر يستحب للمسبوق يستحب للمنفرد، أصله: التسليمة الثانية.

стр. 1448

قالوا: وقد نص أحمد ﵀ على أن المسبوق يكبر وإن كان يعلم أنه صار منفردًا، فقال في رواية أبي طالب والأثرم: إذا فاته ركعة في أيام التشريق يكبر مع الإمام، ولكن يقضي الركعة ويكبر. والجواب: أن المسبوق حصلت صلاته في جماعة، بدليل: أنه حصل له ثواب الجماعة، فلهذا كان من سنته التكبير والتسليمة الثانية، فهي شرط في صحة صلاته عندنا، فلهذا المعنى استوى فيها المنفرد والجماعة. ولأن التسليمة الثانية لا يفترق الحال فيها بين الفرض والنفل، وهكذا التكبير يفترق الحال فيه بين الفرض والنفل، فبان الفرق بينهما. واحتج: بأنه ذكر ينقضي بالفريضة إذا صليت جماعة، فوجب أن يتعلق بها إذا صليت فرادى كالأذان، والإقامة، والأذكار المشروعة فيها. والجواب: أنا قد جعلناه حجة لنا، وأنه يختلف باختلاف الصلاة، فيجب أيضًا أن يختلف التكبير باختلافها، والله أعلم. * * * ٢٢ - مَسْألَة: فإن صلى في جماعة في السفر فإنه يكبر: نص عليه في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث، وأبي داود في المسافر إذا صلى في جماعة يكبر. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يكبر.

стр. 1449

دليلنا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، فندب الحاج إلى التكبير وهم مسافرون. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وهذا عام. وروي أن النبي ﷺ صعد الصفا وكبر عليه، وكان حاجًا مسافرًا. وكل من صلى الفرض في جماعة سن له التكبير، دليله: المقيم. ولا يلزم عليه المرأة إذا صلت في جماعة فإن من سنتها التكبير، نص عليه في رواية ابن منصور، وقد سئل سفيان: ما ترى في المرأة تكبر في أيام التشريق؟ قال: لا إلا في جماعة، قال أحمد ﵀: أحسن. فظاهر هذا: أنهن إذا صلين في جماعة يكبرن. ونقل صالح، وعبد الله: لا تكبر المرأة والنساء أيام التشريق. وهو محمول على أنهن إذا صلين منفردات؛ لأن الغالب من أحوالهن يصلين منفردات. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع"، والتشريق: التكبير، وقد منع منه في غير المصر. والجواب: أن التشريق هو صلاة العيد. قال أبو عبيد عن الأصمعي قال: وسمي ذلك تشريقًا؛ لأن وقت الصلاة عند إشراق الشمس، وهكذا فسره أحمد ﵀ في رواية أبي

стр. 1450

داود، وعلى هذا يدل ما روي عن النبي ﷺ : "من ذبح قبل التشريق … " يريد الصلاة، وإذا كان المراد الصلاة قلنا بموجبه، وأنه لا يصلي صلاة العيد في السفر، وقد ذكرنا فيما تقدم، والله أعلم. * * * ٢٣ - مَسْألَة: لا يكبر خلف النوافل: نص عليه في رواية حرب، وأبي داود، وهو قول أبي حنيفة ﵀. وقال الشافعي ﵁ في أحد القولين: مثل قولنا. وفي القول الآخر: يكبر. دليلنا: ما تقدم من حديث جابر ﵁: كان رسول الله ﷺ يكبر من صلاة الضحى يوم عرفة إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق حين يسلم من المكتوبات، وأخبر أن تكبيره كان خلف الفرض دون النفل. ولأنها صلاة نافلة، فلا يستحب التكبير خلفها، دليله: النوافل المفعولة في عرفة. فإن قيل: المعنى في ذلك اليوم أنه لا يستحب التكبير خلف الفرائض. قيل له: لا نسلم لك هذا. واحتج المخالف: بعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ

стр. 1451

مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، والمراد به: التكبير، ولم يفرق. والجواب: أن المراد به الصلوات المفروضات؛ لما ذكرنا. واحتج: بأنها صلاة تامة في أيام التشريق، فيسن لها التكبير بعدها، دليله: الفريضة، وكل ذكر يستحب بعد التحلل من الفريضة يستحب بعد التحلل من النافلة، أصله: التسليمة الثانية. والجواب: أنه لا يجوز اعتبار النفل بالفرض فيما يرجع إلى التكبير كما لم يجز اعتبارهما فيما يرجع إلى الأذان والإقامة، وعلى أن التسليمة الثانية لا نسلم أنها تفعل بعد التحلل من الصلاة الفرض؛ لأن التحلل بها يقع عندنا، وقد تقدم الكلام على ذلك. فان قيل: لا اعتبار عندكم بفعل الجماعة؛ لأن أحمد ﵀ قد قال في رواية أبي الحارث هل يكبر الإمام ومن خلفه إذا صلى العيد في يوم النحر؟ فقال: قد قال ذاك بعض التابعين، والذي نعرفه إنما يكبر الإمام ومن خلفه في المكتوبة. ونحو هذا نقل عبد الله، وإذا لم يعتبر الجماعة وجب اعتبار الصلاة النافلة. قيل له: قد قال أبو بكر في كتاب الشافي لما ذكر كلام أحمد ﵀ في هذا الباب، فقال: لما كانت صلاة العيد تجب بإمام، وخطبة، ومصر جامع، وجماعة كجماعة الجمعة، فعلى هذا القول ثبت التكبير، فقد اختار التكبير عقيبها؛ لأنها فرض على الكفاية على أصلها،

стр. 1452

ويعتبر فيها ما يعتبر في الجمعة، والمذهب على هذا، فسقط السؤال. فظاهر كلام أحمد ﵀ أنه لا يكبر؛ لأنه قال: الذي نعرفه إنما يكبر الإمام ومن خلفه في المكتوبة، وهذه ليست مكتوبة، فلا يكبر لها؛ لأنها صلاة لم يشرع لها الأذان والإقامة. فعلى هذا: الاعتبار بصلاة الجماعة لصلاة شرع لها الأذان والإقامة. * * * ٢٤ - مَسْألَة: تكبير التشريق أن يقول: الله أكبر الله أكبر مرتين لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد: نص على هذا في رواية أبي داود، والميموني، وهو قول أبي حنيفة ﵀. وقال الشافعي ﵁: يكبر ثلاثًا نسقًا فيقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر إلى آخره. دليلنا: ما تقدم من حديث جابر ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح من غداة عرفة يقبل على أصحابه فيقول: "مكانكم" ويقول: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد". فإن قيل: لو كان هذا الحديث صحيحًا لم يخالفه جابر، وقد رُوي عن سعيد بن أبي هند أنه سمع جابر بن عبد الله ﵃ يكبر في صلاة التشريق: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثًا.

стр. 1453

قيل له: قد يروي الحديث ويخالفه، ولا يدل على ضعفه؛ لجواز أن يكون قد نسي الحديث، ألا ترى أن ابن عباس ﵄[روى] (١) حديث بريرة، وأن النبي ﷺ خيرها بعد العتق، وهذا الخبر يدل على أن العتق لا يكون طلاقًا. وروي عنه أنه كان يقول: بيع (٢) الأمة طلاقها. وكذلك روى أبو هريرة ﵁ (٣) عن النبي ﷺ في غسل الولوغ سبعًا. ثم روى عنه أنه كان يرى غسله ثلاثًا، ولم يدل ذلك على ضعف الرواية، كذلك ها هنا. ولأنها تكبيرات متوالية تفعل خارج الصلاة، فكانت شفعًا، دليله: تكبيرات الأذان. ولا يلزم عليه التكبير في صلاة العيد أن يكون وترًا؛ لقولنا بفعل خارج الصلاة. واحتج المخالف: بما روي أن النبي ﷺ لما طاف وسعى صعد الصفا وقال: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر" ثلاثًا، ودعا عند ذلك، فثبت أنه مسنون. والجواب: أن خلافنا في التكبير خلف الصلوات الذي هو تكبير

стр. 1454

التشريق، وهذا التكبير لم يكن بين التشريق، وإنما كان على الوجه المستحب في حق الحاج أن يكبر كلما علا شرفًا. واحتج: بأنه إجماع الصحابة ﵃: روي عن جابر ﵁ أنه كبر ثلاثًا. وروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق ولا يكبر في المغرب يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرًا الله أكبر الله وأجل الله أكبر ولله الحمد. وعن ابن عمر ﵄ أنه كان يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد وهو على كل شيء قدير. والجواب: أن المسألة خلاف في الصحابة ﵃ أجمعين: روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي الأحوص عن عبد الله ﵁ أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وعلى هذا اعتمد أحمد ﵀. وروى أيضًا النجاد بإسناده عن عاصم بن ضمرة أن عليًا ﵁ كان يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وروى أيضًا بإسناده عن منصور بن إبراهيم قال: كانوا يكبرون يوم عرفة وأحدهم مستقبل القبلة حال الصلاة: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

стр. 1455

وهذا إشارة إلى إجماعهم. واحتج: بأنه تكبير جعل شعارًا للعيد، فكان وترًا، دليله: التكبير في صلاة العيد (١). والجواب: أنا لا نسلم الأصل؛ لأن زوائد التكبير في الركعة الأولى ست، والسابعة هي تكبيرة الإحرام، وأما في الثانية فلعمري أنه وتر؛ لأنه يكبر خمسًا سوى تكبيرة الركوع، فعلم أن ليس العلة عندنا أنه يكبر فعل شعارًا للعيد؛ لأن هذا المعنى يوجد في الركعة الأولى وهو شفع، وإنما ذلك عندنا معتبر بالتكبيرات الراتبة، ويكون إلحاق هذا بالتكبير في الأذان أولى؛ لأنه يفعل خارج الصلاة، كما أن هذا التكبير يفعل خارج الصلاة، والله أعلم. * * * ٢٥ - مَسْألَة: إذا غُمَّ هلال الفطر فلم يصل الإمام بالناس صلاة العيد حتى زالت الشمس، ثم علم بعد الزوال أنه رُئي صلى بهم من الغد ما بينه وبين الزوال، وإن لم يصلها حتى زالت الشمس من ذلك اليوم لم يصل بهم بعد ذلك، وكذلك عيد الأضحى: وقد قال أحمد ﵀ في رواية هارون بن عبد الله: ولو أن هلال

стр. 1456

شوال صحت رؤيته قبل الزوال أفطروا وصلوا، وإذا رُئي بعد الزوال أفطروا وخرجوا لعيدهم من الغد، واحتج بحديث أبي عمير بن أنس عن عمومته من الأنصار. وقال أصحاب أبي حنيفة ﵏ مثل قولنا في هلال الفطر، وأما الأضحى فإنه يصلي بهم في اليوم الثالث. وقال مالك ﵀: لا يُصلى العيد في غير يوم العيد. وللشافعي ﵁ قولان: أحدهما: مثل قول مالك. والآخر: يصلي من الغد وبعد الغد، ولا يختلف مذهبه أن البينة إذا ثبتت بالليل صلى بهم الإمام من الغد. دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن أبي عمير بن (١) أنس بن مالك ﵁ عن عمومته من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ قال: أعمي علينا هلال شوال فصمنا، فجاء ركب من آخر النهار فقال: رأينا الهلال بالأمس، فقال رسول الله ﷺ : "أفطروا واخرجوا غدًا لعيدكم". وفي لفظ آخر عن عمير بن أنس بن مالك عن عمومته من أصحاب النبي ﷺ قال: أصبحوا صيامًا في شهر رمضان، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا وإذا أصبحوا غدوا إلى المصلى، وهذا نص.

стр. 1457

فإن قيل: يحتمل أن يكون شهدوا بذلك ليلًا، فلهذا أمرهم بالخروج. قيل له: قد روينا في الخبر أن الركب جاءهم من آخر النهار فأمرهم بالفطر، ولو كان ليلًا لم يأمرهم بالفطر؛ لأنهم مفطرون، فسقط هذا. والقياس: أن رؤية الهلال ثبتت عند الإمام بعد فوات وقت صلاة العيد، فله أن يصلي بهم من الغد كما لو ثبت بالبينة بالليل. فإن قيل: إذا ثبت بالبينة بالليل حصل الفطر في الغد، قال النبي ﷺ : "فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون"، فإذا صلوا من الغد لم تكن صلاتهم قضاء، وليس كذلك إذا ثبت بالنهار؛ لأن الفطر يحصل في ذلك اليوم، فإذا صلوا من الغد كانت صلاتهم قضاء، وصلاة العيد لا تقضى. قيل له: إذا ثبتت الرؤية بالليل علم أن اليوم الذي صاموا فيه كان فطرًا، وأن وقت صلاة العيد قد فات، كما لو ثبت بالنهار بعد الزوال فإذا صلوا من الغد كانت قضاء؛ لأن القضاء هو أن يفعل بعد فوات الوقت على الوجه الذي يفعل في الوقت، وهذا المعنى موجود في الأصل المقيس عليه، ولا فرق بينه وبين مسألتنا. واحتج: بأنها صلاة لا تقضى بعد فوات وقتها في يومها، فوجب أن لا تقضى من الغد، كصلاة الكسوف، والجمعة. والجواب: أن صلاة الكسوف حجة لنا؛ لأنه لا فرق بين أن يعلم

стр. 1458

بفوات وقتها بالنهار أو بالليل، فلما ثبت أنه إذا علم بالليل صلاها من الغد، كذلك إذا علم بالنهار. وأما الجمعة فإنها لا تقضى بحال، وليس كذلك هذه الصلاة؛ لأنها قد تفعل بعد خروج وقتها، وهو إذا شهد برؤية الهلال ليلًا فإنها تصلى من الغد، وإن كان الوقت قد فات. واحتج: بأنها لو كانت تقضى لوجب أن تقضى في يومها الذي هو أقرب إلى وقتها، فلأن لا تقضى في غدها الذي هو أبعد منه أولى. والجواب: أن الليلة التي تلي يوم الفطر أقرب إلى وقت صلاة العيد من الغد، ثم اتفقوا أنه لو علم بالفطر بالليل لم يقض فيه صلاة العيد وقضاها في الغد، كذلك إذا علم بالنهار. واحتج: بأن هذه صلاة يختص بها يوم العيد؛ لشرف اليوم وفضيلته، فإذا فات ذلك اليوم لم تقضى، كالوقوف بعرفة إذا فات وقته. والجواب: أن هذا يوجب أن لا تقضى وإن قامت البينة على الرؤية بالليل؛ ولوجب أيضًا أن لا يقضى صوم رمضان بعد مضي الشهر؛ لأن هذا الصوم خص به رمضان؛ لشرف الوقت وفضيلته، واتفقوا أنه يقضى مع وجود هذا المعنى، فبطل ما اعتبروه من هذا الباب، والله تعالى أعلم. * * * ٢٦ - مَسْألَة فإن فاتته صلاة العيد مع الإمام استحب قضاءها في حال

стр. 1459

الانفراد مع بقاء الوقت وبعد خروجه: نص عليه في رواية الجماعة خلافًا لأبي حنيفة، ومالك رحمهما الله في قولهما: لا قضاء. وللشافعي ﵁ قولان، بناء على اختلاف قوله في قضاء النوافل الراتبة إذا فاتت. فالدلالة على أنها تقضى: ما روي عن النبي ﷺ قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، وهذا عام. ولأنه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين: وروى أبو بكر الأثرم في مسائله قال: نا أبو الوليد نا أبو عوانة عن مطرف قال: حدثني الثقة عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله قال ﵁: من فاته العيد فليصل أربعًا. وروى أحمد عن هشيم قال: أنا عبيد الله بن أبي بكر أن أنسًا ﵁ فاته العيد فأمر مولاه عبد الله بن أبي عتبة فصلى بهم ركعتين، وهذا فعل ظاهر، ولم ينقل خلافه. ولأن كل صلاة صح قضائها بعد خروج وقتها مع الإمام صح قضاءها منفردًا، دليله: سائر الصلوات. وبيانه: ما تقدم من أنه إذا غم الهلال، فلم يصل الإمام بالناس حتى زالت الشمس، ثم علم بعد الزوال صلى بهم من الغد عند أبي حنيفة ﵀، وعند الشافعي ﵁: إذا علم بذلك في الليل، وعكسه الجمعة

стр. 1460

إذا فاتت، لما لم يصح قضاء مع الإمام لم يصح منفردًا. فإن قيل: إذا ثبت بالبينة بالليل حصل الفطر في الغد، قال النبي ﷺ : "فطركم يوم تفطرون"، فلا يكون قضاء. قيل: القضاء هو: أن يفعل بعد فوات الوقت على الوجه الذي يفعل في الوقت، وهذا المعنى موجود إذا قامت البينة ليلًا، قد علم أن اليوم الذي صاموا فيه كان فطرًا، وأن وقت العيد قد فات. فإن قيل: لو كان قضاء لوجب أن ينوي نية القضاء، وأجمعنا على أنه يصلي مع الإمام بنية الأداء. قيل: من أين لك هذا؟ ولا يمتنع أن يقول: إنهم ينوون نية القضاء. وقياس آخر: وهو أن خروج وقت العيد لا يمنع من صحة القضاء، دليله: إذا غم الهلال وعلموا به بعد خروج الوقت. فإن قيل: حكم الوقت باق، بدليل: الإمام، والعدد، والخطبة. قيل: هذه المعاني موجودة في صلاة الجمعة ولا قضاء، فامتنع أن تكون العلة في هذا الموضع ما ذكرت. ولأنها صلاة مؤقتة فلم تسقط بفوات وقتها إلى غير قضاء كالوتر والفرض، ولا يلزم عليه صلاة الجمعة؛ لأنها تسقط إلى الظهر، ولا يلزم عليه الكسوف، والاستسقاء؛ لأنها غير مؤقتة. واحتج المخالف: بأنها صلاة شرع لها الخطبة، فلم يشرع قضاؤها كالجمعة، والاستسقاء، والكسوف.

стр. 1461

والجواب: أن تلك الصلوات لا تقضى بحال، وليس كذلك العيد؛ لأنها تقضى، بدليل: إذا شهد برؤية الهلال ليلًا. واحتج: بأن هذه الصلاة خص بها يوم العيد؛ لشرف اليوم وفضيلته، فإذا فات ذلك اليوم لم يقض، كالوقوف بعرفة إذا فات وقته. والجواب: أن هذا يوجب أن لا يقضى إذا قامت البينة على رؤية الهلال ليلًا، ويوجب أن لا يقضى صوم رمضان بعد مضي الشهر؛ لزوال فضيلته. واحتج: بأن هذه الصلاة كالجمعة في الشرط، بدليل: اعتبار العدد، والاستيطان، وإذن الإمام في إحدى الروايتين. والجواب: أنها قد فارقها في القضاء من الوجه الذي ذكرنا. * فصل: وإذا ثبت أنها تقضى ففي كيفية القضاء روايات: أحدها: تقضى أربعًا، نقلها أبو طالب، وهو اختيار الخرقي، وأبي بكر. والثاني: يصليها كما يصلي الإمام ركعتين، نقلها بكر بن محمد، وأحمد بن الحسين، وهو قول الشافعي ﵃ على القول الذي نقول: إنها تقضى، وبه قال أبو ثور. والثالث: أنه مخير بين أن يصلي أربعًا أو ركعتين. فالدلالة: على أنها تصلى أربعًا ما تقدم: حديث ابن مسعود ﵁ -

стр. 1462

قال: من فاته العيد فليصل أربعًا. وروى الأثرم في مسائله: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن محمد بن النعمان عن أبي قيس عن الهذيل أن عليًا ﵁ أمر رجلًا أن يصلي بضعفة الناس يوم العيد في المسجد أربع ركعات، ومعلوم أنه ﵁ لم يستخلف عليهم من يصلي بهم صلاة العيد أداء؛ لأن الأداء لا يكون أربعًا، وإنما يكون ركعتين، علم أنه استخلف عليهم من يصلي بعد فوات الصلاة معه. فإن قيل: يعارض هذا ما رواه وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق أن عليًا ﵁ أمره أن يصلي ركعتين. قيل: هذا مرسل، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فيه الحارث؟ قال: لا، هو مرسل. والحديث الذي رويناه متصل، والمتصل أولى من المرسل؛ ولأنها صلاة شرع لها الخطبة، فإذا فاتت لم تصل ركعتين، دليله: الجمعة. فإن قيل: الجمعة إحالة فريضة كما كانت، فإذا فاتت رجع إلى الأصل، وليس كذلك العيد؛ لأنها أصل في نفسها، فكان القضاء كالأداء. قيل: لا نسلم أن الجمعة إحالة فريضة، بل هي أصل في نفسها، ولهذا يدخل وقتها بدخول وقت صلاة العيد، وليس هذا وقت صلاة الظهر؛ ولأنها وإن كانت أصلًا في نفسها، فالقضاء يخالف الأداء؛ لأن الخطبة تسقط في القضاء.

стр. 1463

واحتج المخالف: بما روي عن أنس ﵁ أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الناس بالبصرة جمع أهله وولده وصلى ركعتين. والجواب: أنه يعارضه ما رويناه عن علي، وابن مسعود ﵄، وعلى أنه يحتمل أن يكون أنس صلى صلاة العيد أداء في وقتها، واعتقد أنه يجوز إقامة العيد مرتين، ولهذا جمع أهله وولده. واحتج: بأنها أصل في نفسها، فكان قضاؤها مثل أدائها، كسائر الصلوات. والجواب عنه: أن سائر الصلوات لم يشرع لها الخطبة، وهذا شرع لها الخطبة، فهي كالجمعة. واحتج: بأنه لو وجب قضاؤها أربعًا إذا فاتت، لوجب قضاؤها إذا أدرك الإمام جالسًا في التشهد كالجمعة، وقد قال أحمد ﵀ في رواية حنبل فيمن فاتته صلاة العيد وأدرك التشهد مع الإمام: يصلي ركعتين، فإن أدرك الجمعة كذلك صلى أربعًا. والجواب: أنه إنما صلى ركعتين؛ لأنه قد أدرك الخطبتين وبعض الصلاة مع الإمام، فهو كما لو أدرك معه ركعة، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه لم يدرك الصلاة معه ولا شيئًا منها، فلهذا فرقنا بينهما. وأما الجمعة فلأن الخطبة تتقدمها، فإذا أدركه في التشهد فلم يدرك الخطبة ولا ما يعتد به. ووجه الرواية الثانية: أنها صلاة قد أخذت شبهًا من صلاة الجمعة،

стр. 1464

بدليل: الخطبة، والجهر، وعدد الركعات، وشبهًا من صلاة الفجر؛ لأنها أصل في نفسها، فلهذا كان مخيرًا بين الأربع كالجمعة، وبين الركعتين، والله أعلم. * * * ٢٧ - مَسْألَة: صلاة الكسوف ركعتان يركع في كل ركعة ركوعين: نص على هذا في رواية ابن القاسم، وسندي الخواتيمي (١)، والفضل بن عبد الصمد، وبكر بن محمد عن أبيه، وإسحاق بن إبراهيم، وصالح، والفضل بن زياد، والمروذي، وهو قول مالك، والشافعي ﵃. وروى شيخنا أبو عبد الله في كتابه، وأبو بكر عبد العزيز عن إسماعيل بن سعيد عن أحمد ﵀ أنه قال: يصلي في كسوف الشمس، والقمر، والزلزلة في جماعة ثمان ركعات، وأربع سجدات، ومعناه: يصلي ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات. قال أبو بكر: ما رواه إسماعيل عنه لو فعله فاعل لم يكن عليه جناح، والاختيار حديث عائشة، وابن عباس ﵃. وقال أبو حنيفة ﵀: صلاة الكسوف كهيئة صلاتنا، ثم الدعاء حتى تنجلي.

стр. 1465

دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عطاء عن ابن عباس ﵃ قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ والناس معه، فقام قيامًا طويلًا قال: نحو سورة البقرة قال: ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم انصرف وقد تجلت الشمس فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله ". وروى أيضًا في لفظ آخر بإسناده عن كثير بن عباس عن ابن عباس ﵃ أن النبي ﷺ ركع أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. وروى أيضًا بإسناده عن طاووس عن ابن عباس ﵄ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في كسوف الشمس ثماني ركعات وأربع سجدات. وروى أيضًا بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: انكسفت الشمس في زمان النبي ﷺ فقام فأطال القيام، حتى قيل: لا يركع من طول قيامه، ثم ركع فأطال الركوع، حتى قيل: لا يرفع من طول ركوعه، ثم انتصب قائمًا فقام كنحو قيامه الأول أو أدنى شيئًا، ثم ركع كنحو ركوعه الأول أو أدنى شيئًا، ثم انتصب فسجد، ثم قام في الركعة الأخرى، ففعل مثل ذلك، ثم أقبل على الناس فقال: "أيها الناس إن كسوف الشمس

стр. 1466

والقمر ليس لموت أحد ولا حياته، ولكنهما آيتان من آيات الله ، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة". وروى أيضًا بإسناده عن عروة عن عائشة ﵄ قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فكبر وكبر الناس ثم جهر بالقراءة وأطال ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع رأسه فقال: "سمع الله لمن حمده" ثم رفع رأسه ففتح بالقراءة فأطال ثم ركع فأطال الركوع ثم سجد ثم قام ثم فعل في الثانية مثل ذلك ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا فعل ذلك فافزعوا للصلاة". وفي لفظ آخر رواه بإسناده عن عروة عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ صلى في كسوف الشمس أربع ركعات وأربع سجدات فقرأ في الأولى بالعنكبوت وفي الثانية بلقمان. وروى بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فنودي بالصلاة جامعة، فركع رسول الله ﷺ ركعتين في سجدة ثم قام فركع ركعتين في سجدة ثم جُلَّي عن الشمس. وهذه الأخبار نصوص في المسألة. فإن قيل: هذه أخبار آحاد وهي مخالفة للأصول، فلا يجب العمل بها. قيل: ليست مخالفة للأصول؛ لأن الأصول هي: الكتاب، والسنة المتواترة، وإجماع الأمة، وليس معنا واحد من ذلك يمنع صحة هذه

стр. 1467

الصلاة، وإنما هي مخالفة لقياس الأصول، وهذا جائز، ويجب تقديمها على القياس، كما قدم أبو حنيفة ﵀ من أكل ناسيًا في صومه لا يفطر، والقياس: أنه يفطر، إلا أنه ترك القياس لحديث أبي هريرة ﵁ استحسانًا، وترك الوضوء بنبيذ التمر على قياس الأصول، كذلك ها هنا. فإن قيل: فقد روي في حديث جابر ﵁ في كل ركعة ثلاث ركعات، رواه أبو بكر النجاد. وفي حديث علي ﵁ في كل ركعة أربع ركعات، رواه النجاد. وفي حديث أبيِّ بن كعب ﵁ قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى بهم فقرأ سورة من الطوال وركع خمس ركعات وسجد سجدتين وجلس كما هو مستقبل القبلة يدعو، رواه أيضًا النجاد. وقد ثبت أنه لا يركع في ركعة ثلاث ركعات ولا أربع ولا خمس ركعات، كذلك لا يركع ركوعين. قيل له: إذا لم يركع ثلاثًا وخمسًا، يجب أن لا يركع ركوعين، وقد علمنا أن ما زاد على الركوعين قد قام الدليل عليه، فأخرجناه، فيجب أن يبقى ما عداه على موجب الخبر، وعلى أنا نقول: جميع ذلك جائز، وإنما نقول: الأولى أن يركع في كل ركعة ركوعين، كما روي عن النبي ﷺ في صلاة الخوف أخبار مختلفة على حسب الحال وكلها جائزة وإنما بعضها أولى من بعض، وإنما كان مذهبنا إليه أولى لأنه أصح سندًا من غيره.

стр. 1468

قال أحمد ﵀ في رواية حبيش بن سندي وقد ذكر له صلاة الكسوف فقال: أصحها حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ﵄، وحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂، والزهري عن عروة عن عائشة ﵃، وإليه أذهب، فقيل له: روي عن جابر، وزعموا أنه أصح شيء في الباب؟ فقال: هذا أو هذا حديث منها. ولأن ما ذهبنا إليه عملت عليه الصحابة ﵃ أجمعين بعد النبي ﷺ : فروى النجاد بإسناده عن أبي شريح الخزاعي ﵁ قال: كسفت الشمس في عهد عثمان بن عفان ﵁ وبالمدينة عبد الله بن مسعود قال: فخرج عثمان ﵄ فصلى بالناس تلك الصلاة ركعتين وسجدتين في كل ركعة ثم انصرف عثمان. وروى أبو بكر الخلال في كتاب العلل بإسناده عن أبي أيوب الهجري قال: انكسفت الشمس على عهد ابن عباس ﵄ بالبصرة وهو أمير عليها، فقام فصلى فقرأ فأطال القراءة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال القيام، ثم سجد، ثم قام ففعل في الثانية مثل ذلك. وهذا يدل على أن الأفضل ما ذهبنا إليه، وأن حكمه باق ولم ينسخ. والقياس: أن الصلاة على ضربين: فرض ونفل، ثم ثبت أن من الفرائض ما يختص بزيادة معنى وهو صلاة العيد عندنا، وعندهم أنها فرض وقد اختصت بزيادة التكبير، وصلاة الجنازة أيضًا، كذلك جاز أن

стр. 1469

يكون من النوافل ما يختص بزيادة معنى يباين به سائر النوافل، وليس في النوافل ما تباين به إلا مسألتنا. واحتج المخالف: بما روى علي، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن عمرو، وسمرة بن جندب، وأبو بكرة، والمغيرة بن شعبة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ صلى في كسوف الشمس ركعتين كهيئة صلاتنا وهيئة صلاتنا المعهودة في كل ركعة ركوع واحد. وروى عبد الله قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتمو ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة. وظاهره يقتضي أن يكون كهيئة صلاتنا المعهودة. والجواب: أن قوله: كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة، مطرح بالإجماع؛ لأن أحدًا لا يعتبر صلاة الكسوف بصلاة الفريضة، وعلى أنا نعارض ما رواه بأخبارنا، وهي أولى من وجوه: أحدهما: أن الصحابة ﵃ عملت بها بعد النبي ﷺ وقد روينا عن عثمان، وابن عباس ﵃، وما عملت عليه الصحابة فهو أولى. والثاني: أنها أصح سندًا؛ لأنا قد حكينا قول أحمد ﵀ أنه قال: أصحها حديث ابن عباس، وعائشة ﵃، وما صحت روايته كان أولى من غيره. والثالث: أن أخبارنا فيها زيادة، والأخذ بالزيادة أولى.

стр. 1470

وجواب آخر: وهو أنا نحمل أخبارهم على أنه فعل ذلك ليبين الجواز، وأخبارنا لبيان الفضيلة والمسنون، ويحتمل أن يكون صلى على تلك الصلاة لاختلاف الحال، وهو أنه افتتحها فانجلت الشمس فخفف، وافتتحها فلم تنجل فأطال على ما تقدم في خبرنا، فيكون فيه جمع بين الأخبار. فإن قيل: فنحن نستعمل أخباركم على معنى أن الراوي كان بعيدًا من النبي ﷺ ، فلما أطال الركوع ظن الناس أنه قد رفع فرفعوا فرآهم الراوي فظن أن النبي ﷺ قد رفع، ثم لما لم يرفع النبي ﷺ عاد القوم إلى الركوع فظن أن النبي ﷺ ركع ثانيًا فنقل على هذا الوجه. قيل له: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أن ابن عباس ﵄ قال: صليت خلف النبي ﷺ صلاة الكسوف، وهكذا رواه النجاد، ومن كان خلفه لا يفوت عليه هذا. والثاني: أن الراوي إذا أضاف الفعل إلى النبي ﷺ كان الظاهر أنه تحقق ذلك وعرفه، فلا يجوز حمله على الخطأ في ذلك، وعلى أن هذا إن كان قد وقع في الركعة الأولى فلا يجوز أن يقع مثله في الثانية، وقد فعل ما ذكرنا في الركعتين جميعًا. فإن قيل: فأخبارنا أولى من وجوه: أحدها: أن أخبارنا متفق على استعمالها وخبركم مختلف في استعماله، والمتفق على استعماله أولى من المختلف فيه.

стр. 1471

والثاني: أن أخبارنا تشهد الأصول لها وهي سائر الصلوات، وأخباركم تخالف الأصول. والثالث: أن قوله: "كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة" قول، وما رأيتموه حكاية فعل، والفعل لا يعارض القول. قيل: أما قولك: إنها متفق على استعماله، فلا نسلم لك هذا؛ لأن عندنا أنه متى صلى ركعتين كسائر الصلوات على ظاهر الأخبار التي يرويها فقد خالف السنة، وكان تاركًا لها، فلا نسلم الاتفاق. أما قولهم: بأن أخبارنا تشهد لها الأصول، وهي سائر الصلوات، فقد بينا أن الصلوات في ذلك منقسمة، وأن صلاة العيد تشهد لقولنا. وأما قولكم: إن أخبارنا قول، وهو قوله: "فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة" فقد بينا أن هذا اللفظ مطرح بالإجماع، وعلى أن في خبر ابن عمر ﵄ أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الكسوف فوصف مثل مذهبنا قال: ثم أقبل على الناس فقال: "إن كسوف الشمس والقمر ليس لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة"، وهذا أمر وظاهره ينصرف إلى الصلاة المعهودة التي فعلها. واحتج: بأنها صلاة من الصلوات فوجب أن لا يكون في ركعة منها ركوعان، دليله: سائر الصلوات. والجواب: أن هذا قياس يعارض النص، فلم يصح الاحتجاج به،

стр. 1472

وعلى أنا قد بينا أن الصلوات منقسمة منها ما يختص بمعنى يباين سائر الصلوات وهو العيد، كذلك جاز أن يكون من جنس النوافل ما يختص بمعنى يباين سائر النوافل، والله أعلم. * * * ٢٨ - مَسْألَة: المستحب في خسوف القمر أن يصلوا في جماعة، كما يصلون في كسوف الشمس: وقد قال أحمد ﵀ في رواية إسماعيل بن سعيد: صلاة كسوف الشمس، والقمر، والزلزلة يصلون جماعة ثمان ركعات وأربع سجدات. فنص على أن الجماعة مستحبة في خسوف القمر مثل كسوف الشمس، وبه قال الشافعي ﵀. قال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: ليس في خسوف القمر صلاة مسنونة في جماعة، ويصلون في بيوتهم فرادى كهيئة صلاتنا. دليلنا: ما روى ابن المنذر في كتابه عن الحسن البصري ﵁ قال: خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة في زمان علي بن أبي طالب ﵃، ثم خرج يصلي بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين ثم ركب، وقال: إنما صليت كما رأيت النبي ﷺ يصلي. وهذا يدل على أن السنة في خسوف القمر كالسنة في كسوف الشمس.

стр. 1473

فإن قيل: هذا غير معروف، وإنما المعروف: أنه صلى بنا لكسوف الشمس. قيل له: قد بينا أن ابن المنذر نقله في كتابه، وأيضًا ما روى عن عائشة، وابن عمر ﵃ وغيرهما، وأن النبي ﷺ صلى لكسوف الشمس وقال: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"، فوجه الدلالة: أنه سوى بينهما في الأمر بالصلاة، والفزع إليها، فدل على أن حكمهما واحد في صفة واحدة. فإن قيل: الخبر يقتضي الحث على الصفة، وليس فيها بيان الصفة. قيل له: لما سوى بينهما في الأمر دل على التسوية في الصفة. والقياس: أنه كسوف يُصلى لأجله فكان من سنته الجماعة، دليله: كسوف الشمس، وإن شئت قلت: كسوف واحد النيِّرين، فاستحب له الاجتماع كالشمس. واحتج المخالف: بما روى علقمة عن عبد الله ﵄ قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فقال النبي ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله تعالى وسبحوه وكبروه حتى تنجلي"، ونزل رسول الله ﷺ فصلى ركعتين. وروي أنه قال: "فإذا رأيتم شيئًا من هذه الأفزاع فافزعوا إلى الصلاة"، ولم يذكر الجماعة.

стр. 1474

والجواب: أنا قد جعلنا ذلك حجة لنا؛ لأن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف في جماعة ثم عطف عليها الأمر بالصلاة لخسوف القمر، فدل على اتفاقهما في الصفة. واحتج: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". والجواب: أن هذا عموم نخصه، ونحمله على غير الخسوف بما تقدم. واحتج: بأنه قد كان في عهد النبي ﷺ خسوف القمر كما كان كسوف الشمس، فلو كانت فيه صلاة مسنونة في جماعة، لفعلها النبي ﷺ ، ولو فعل لنقل كما نقل في كسوف الشمس. والجواب: أنه قد فعل ذلك وأمر به على الوجه الذي رويناه عن ابن عباس ﵄ وغيره. واحتج: بأن خسوف القمر في الغالب يتفق في وقت يتعذر على الناس الاجتماع فيه، فيجب أن لا يكلفوا ذلك كما نقول في صلاة الليل. والجواب: أن الكسوف قد يكون في وقت العتمة في وقت لا يتعذر الخروج، ويكون بمنزلة خروجهم [إلى] العشاء الآخرة، وعلى أن المشقة لا تسقط العبادات؛ لأنها موصولة بالمشاق، وقال النبي ﷺ : "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات"، وعلى أن هذا يبطل بالتراويح. واحتج: بأنها صلاة تفعل ليلًا لحادث أشبه الزلزال.

стр. 1475

والجواب: أنه يستحب فعل ذلك في جماعة، وقد نص عليه أحمد ﵀ في رواية إسماعيل بن سعيد، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى، وعلى أن لا تأثير له عندك؛ لأن الزلازل لا فرق بين أن تكون ليلًا أو نهارًا. واحتج: بانها صلاة نافلة تختص بالليل في رمضان وغيره، أشبه النافلة بالليل. والجواب: أن اعتبار هذه بكسوف الشمس أولى بغيرها من النوافل؛ لما بينهما من المشاركة في الاسم والمعنى، والله أعلم. * * * ٢٩ - مَسْألَة: السنة في صلاة كسوف الشمس الجهر بالقراءة: نص عليه في مواضع في رواية أبي داود: يجهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس. وقال أيضًا في رواية صالح، وابن منصور، وقد سئل: هل يعلن أو يسر؟ فقال: حديث الزهري أنه جهر. وقال أيضًا في رواية الميموني: إن جهر لم أكرهه، وبهذا قال أبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي ﵃: يسر بالقراءة. دليلنا: ما روى أحمد - ذكره أبو بكر - قال: حدثنا عبد الصمد
следующие страницы →