← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

والثاني: أن أخبارنا تشهد الأصول لها وهي سائر الصلوات، وأخباركم تخالف الأصول. والثالث: أن قوله: "كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة" قول، وما رأيتموه حكاية فعل، والفعل لا يعارض القول. قيل: أما قولك: إنها متفق على استعماله، فلا نسلم لك هذا؛ لأن عندنا أنه متى صلى ركعتين كسائر الصلوات على ظاهر الأخبار التي يرويها فقد خالف السنة، وكان تاركًا لها، فلا نسلم الاتفاق. أما قولهم: بأن أخبارنا تشهد لها الأصول، وهي سائر الصلوات، فقد بينا أن الصلوات في ذلك منقسمة، وأن صلاة العيد تشهد لقولنا. وأما قولكم: إن أخبارنا قول، وهو قوله: "فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة" فقد بينا أن هذا اللفظ مطرح بالإجماع، وعلى أن في خبر ابن عمر ﵄ أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الكسوف فوصف مثل مذهبنا قال: ثم أقبل على الناس فقال: "إن كسوف الشمس والقمر ليس لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة"، وهذا أمر وظاهره ينصرف إلى الصلاة المعهودة التي فعلها. واحتج: بأنها صلاة من الصلوات فوجب أن لا يكون في ركعة منها ركوعان، دليله: سائر الصلوات. والجواب: أن هذا قياس يعارض النص، فلم يصح الاحتجاج به،

стр. 1472

وعلى أنا قد بينا أن الصلوات منقسمة منها ما يختص بمعنى يباين سائر الصلوات وهو العيد، كذلك جاز أن يكون من جنس النوافل ما يختص بمعنى يباين سائر النوافل، والله أعلم. * * * ٢٨ - مَسْألَة: المستحب في خسوف القمر أن يصلوا في جماعة، كما يصلون في كسوف الشمس: وقد قال أحمد ﵀ في رواية إسماعيل بن سعيد: صلاة كسوف الشمس، والقمر، والزلزلة يصلون جماعة ثمان ركعات وأربع سجدات. فنص على أن الجماعة مستحبة في خسوف القمر مثل كسوف الشمس، وبه قال الشافعي ﵀. قال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: ليس في خسوف القمر صلاة مسنونة في جماعة، ويصلون في بيوتهم فرادى كهيئة صلاتنا. دليلنا: ما روى ابن المنذر في كتابه عن الحسن البصري ﵁ قال: خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة في زمان علي بن أبي طالب ﵃، ثم خرج يصلي بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين ثم ركب، وقال: إنما صليت كما رأيت النبي ﷺ يصلي. وهذا يدل على أن السنة في خسوف القمر كالسنة في كسوف الشمس.

стр. 1473

فإن قيل: هذا غير معروف، وإنما المعروف: أنه صلى بنا لكسوف الشمس. قيل له: قد بينا أن ابن المنذر نقله في كتابه، وأيضًا ما روى عن عائشة، وابن عمر ﵃ وغيرهما، وأن النبي ﷺ صلى لكسوف الشمس وقال: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"، فوجه الدلالة: أنه سوى بينهما في الأمر بالصلاة، والفزع إليها، فدل على أن حكمهما واحد في صفة واحدة. فإن قيل: الخبر يقتضي الحث على الصفة، وليس فيها بيان الصفة. قيل له: لما سوى بينهما في الأمر دل على التسوية في الصفة. والقياس: أنه كسوف يُصلى لأجله فكان من سنته الجماعة، دليله: كسوف الشمس، وإن شئت قلت: كسوف واحد النيِّرين، فاستحب له الاجتماع كالشمس. واحتج المخالف: بما روى علقمة عن عبد الله ﵄ قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فقال النبي ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله تعالى وسبحوه وكبروه حتى تنجلي"، ونزل رسول الله ﷺ فصلى ركعتين. وروي أنه قال: "فإذا رأيتم شيئًا من هذه الأفزاع فافزعوا إلى الصلاة"، ولم يذكر الجماعة.

стр. 1474

والجواب: أنا قد جعلنا ذلك حجة لنا؛ لأن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف في جماعة ثم عطف عليها الأمر بالصلاة لخسوف القمر، فدل على اتفاقهما في الصفة. واحتج: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". والجواب: أن هذا عموم نخصه، ونحمله على غير الخسوف بما تقدم. واحتج: بأنه قد كان في عهد النبي ﷺ خسوف القمر كما كان كسوف الشمس، فلو كانت فيه صلاة مسنونة في جماعة، لفعلها النبي ﷺ ، ولو فعل لنقل كما نقل في كسوف الشمس. والجواب: أنه قد فعل ذلك وأمر به على الوجه الذي رويناه عن ابن عباس ﵄ وغيره. واحتج: بأن خسوف القمر في الغالب يتفق في وقت يتعذر على الناس الاجتماع فيه، فيجب أن لا يكلفوا ذلك كما نقول في صلاة الليل. والجواب: أن الكسوف قد يكون في وقت العتمة في وقت لا يتعذر الخروج، ويكون بمنزلة خروجهم [إلى] العشاء الآخرة، وعلى أن المشقة لا تسقط العبادات؛ لأنها موصولة بالمشاق، وقال النبي ﷺ : "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات"، وعلى أن هذا يبطل بالتراويح. واحتج: بأنها صلاة تفعل ليلًا لحادث أشبه الزلزال.

стр. 1475

والجواب: أنه يستحب فعل ذلك في جماعة، وقد نص عليه أحمد ﵀ في رواية إسماعيل بن سعيد، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى، وعلى أن لا تأثير له عندك؛ لأن الزلازل لا فرق بين أن تكون ليلًا أو نهارًا. واحتج: بانها صلاة نافلة تختص بالليل في رمضان وغيره، أشبه النافلة بالليل. والجواب: أن اعتبار هذه بكسوف الشمس أولى بغيرها من النوافل؛ لما بينهما من المشاركة في الاسم والمعنى، والله أعلم. * * * ٢٩ - مَسْألَة: السنة في صلاة كسوف الشمس الجهر بالقراءة: نص عليه في مواضع في رواية أبي داود: يجهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس. وقال أيضًا في رواية صالح، وابن منصور، وقد سئل: هل يعلن أو يسر؟ فقال: حديث الزهري أنه جهر. وقال أيضًا في رواية الميموني: إن جهر لم أكرهه، وبهذا قال أبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي ﵃: يسر بالقراءة. دليلنا: ما روى أحمد - ذكره أبو بكر - قال: حدثنا عبد الصمد

стр. 1476

قال: حدثنا سليمان بن كثير قال: حدثنا الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فأتى النبي ﷺ المصلى فكبر وكبر الناس، ثم قرأ فجهر بالقراءة وأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فقال: "سمع الله لمن حمده" ثم قام فقرأ فأطال القراءة، ثم ركع وأطال الركوع، ثم رفع رأسه، ثم سجد، ثم قام ففعل في الثانية مثل ذلك ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة". وروى النجاد بإسناده عن الحسن ﵁: أن النبي ﷺ صلى في كسوف الشمس ركعتين يقرأ في إحداهما بالنجم. ولأنه إجماع الصحابة ﵃: روى النجاد بإسناده عن حنش عن علي ﵁: أنه جهر بالقراءة. وبإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: أنه قرأ في صلاة الكسوف في الركعة الأولى بالبقرة وفي الركعة الأخرى بسورة آل عمران. وبإسناده عن عامر قال: عن المغيرة بن شعبة ﵁ وأنا شاهد في كسوف الشمس بالبقرة (١)؛ لأنها صلاة نفل من لها الجماعة، فسن لها الجهر، كصلاة التراويح، وصلاة الاستسقاء. ولا يلزم عليه صلاة الجنازة أنه يسر فيها بالقراءة، نص عليه في

стр. 1477

رواية حرب، ومهنا؛ لأنها يسن لها الجماعة، لا يلزم عليه سائر النوافل؛ لأنه لم يسن لها الجماعة. واحتج المخالف: بما روى النجاد بإسناده عن سمرة بن جندب ﵁ قال: صليت خلف النبي ﷺ في كسوف الشمس فلم أسمع له صوتًا. روي عن ابن عباس ﵄ قال: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الكسوف فلم أسمع منه فيها حرفًا من القراءة. والجواب: أنه يحتمل أن يكون سمرة، وابن عباس ﵃ في آخر باب الصفوف. وعلى أنا نعارضه بأخبارنا وهي أولى؛ لأن فيها زيادة، ولأن الصحابة ﵃ عملت عليها. واحتج: بقوله ﷺ : "صلاة النهار عجماء". والجواب: أنه محمول على غير الكسوف، بدليل: ما تقدم. واحتج: بأنها صلاة نهار يفعل مثلها ليلًا فكان من سنتها الإسرار كالظهر، والعصر. والجواب: أن إلحاق هذه بالتراويح، والاستسقاء أولى؛ لمساواتها في أنها نافلة، وأنها لعارض، والله تعالى أعلم. * * * ٣٠ - مَسْألَة: ليس في صلاة الخسوف خطبة:

стр. 1478

وقد قال أحمد ﵀ في رواية المروذي: لا خطبة في الاستسقاء. والكسوف مبني على ذلك. وبه قال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله. وقال الشافعي ﵁: تستحب الخطبة لصلاة الخسوف والكسوف بعد الصلاة خطبتان (١) كما يخطب لصلاة العيد. فالدلالة على أن الخطبة غير مستحبة: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "وإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"، ولم يذكر الخطبة. ولأنها صلاة يجوز لكل واحد فعلها على الانفراد، فلم تشرع الخطبة بعدها، دليله: سائر الصلوات، وعكسه الجمعة، والعيد أنه (٢) لما لم يصح فعلها حال الانفراد شرعت الخطبة فيها، ولم تشرع في الاستسقاء؛ لأنه لا خطبة فيها، ولأن خطبتي الجمعة قائمة مقام الركعتين، وخطبتي العيد يُعرِّفهم فيها ما يخرجون من صدقة الفطر والأضحى، وليس في صلاة الكسوف معنى يقتضي الخطبة؛ لأن المقصود كثرة الدعاء، وليس هذا معنى نحتاج فيه إلى أن تعلم، فلم يشرع له الخطبة، كسائر الصلوات. واحتج المخالف: بما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى رسول الله ﷺ بالناس فقام فأطال القيام إلى أن قالت: ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فخطب

стр. 1479

الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتضرعوا" ذكره النجاد وغيره. والجواب: أنه يجوز أن يكون دعاء فظن السامع أنه قاله على وجه الخطبة، ويحتمل أن يكون خطب؛ لأن الناس قالوا: انكسفت الشمس لموت إبراهيم فخطب الناس ليرد عليهم هذا القول، والدلالة عليه: أنه لما ذكر في خطبته أن الكسوف ليس لموت أحد ولا لحياته دل على أن الخطبة سببه. واحتج: بأنها صلاة سن لها اجتماع الكافة فسن لها الخطبة، دليله: صلاة العيدين. والجواب: أن صلاة العيدين لا يصح فعلها في حال الانفراد، أو نقول: الخطبة في صلاة العيد تفيد معنى، وهو بيان ما يخرجون في الفطر والأضحى، وهذا معدوم ها هنا. فإن قيل: فها هنا يحتاج إلى الوعظ والتذكير والتوبة والحث على الصدقة ورد المظالم للعباد. قيل: فيجب أن يخطب في الزلازل، والأرياح (١)، والعواصف، وكثرة الأمطار؛ لأنه يحتاج في ذلك إلى الوعظ والتذكير، وقد قلت:

стр. 1480

لا يخطب كذلك ها هنا، والله أعلم. * * * ٣١ - مَسْألَة: يصلي الإمام بالناس صلاة الاستسقاء ركعتين: نص عليه في رواية حنبل فقال: يصلي ركعتين مثل صلاة العيد، ويبدأ بالصلاة قبل الخطبة. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد، وداود ﵏. وقال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة، ولكن يخرج الإمام فيدعو. قال الرازي: معناه: ليس فيه صلاة مسنونة ولا واجبة. ومعنى معناه: أن يكره أن تصلى، كما قالوا: التعريف ليس بشيء. ومعناه ليس بشيء مسنون. دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عباد بن تميم عن عمه ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما، وحول رداءه، ورفع يديه، واستسقى، واستقبل القبلة. وروى أحمد ﵀ ما ذكر النجاد - قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر حدثنا أنه سمع عباد بن تميم يحدث أباه (١) عن

стр. 1481

عمه عبد الله بن زيد الذي أُرِي النداء أن رسول الله ﷺ خرج يستسقي، واستقبل القبلة، وقلب رداءه، وصلى ركعتين. وروى أحمد ﵀ ذكره النجاد - قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم قال: حدثني أبي قال: سمعت نعمان بن راشد يحدث عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ يستسقي يومًا، فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطب، ودعا الله تعالى، وحول وجهه نحو القبلة رافعًا يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن. وروى النجاد بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ استسقى فصلى قبل أن يستسقي. وروى النجاد بإسناده عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: بعثني مروان إلى ابن عباس ﵄ فسألته عن سنة الاستسقاء؟ فقال ابن عباس ﵄: سنة الاستسقاء سنة العيدين إلا أن رسول الله ﷺ كان يكبر التكبير في الاستسقاء، وأنه كبر سبع تكبيرات في الأولى، وفي الثانية خمس تكبيرات. وفي لفظ آخر رواه بإسناده عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة عن أبيه قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس ﵄ أسأله عن الصلاة في الاستسقاء؟ فقال ابن عباس: ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول الله ﷺ متخشعًا متبذلًا متضرعًا فصلى ركعتين كما يصلي في العيدين ثم خطب خطبة ذكرها.

стр. 1482

وروى النجاد بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: شُكي إلى النبي ﷺ قحط المطر، فخرج رسول الله ﷺ فقعد على المنبر، ثم نزل فصلى. وروى أيضًا بإسناده عن صالح مولى التوأمة عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة ثم خطب، وحول رداءه، واستقبل القبلة. وهذه الأخبار نصوص في المسألة. فإن قيل: يحمل ذلك على الجواز. قيل له: إن ابن عباس ﵄ صرح بأنه سنة الاستسقاء، ولأن السنة ما فعله النبي ﷺ ، وقد استسقى بالصلاة، فيجب أن يكون هو السنة. ولأنه قد سن الاجتماع، والدعاء لطلب الحاجة، فوجب أن تكون الصلاة مسنونة قياسًا على الكسوف. ولأن (١) أعم ضررًا من الكسوف؛ لاتصاله بضرر أقوات الآدميين والبهائم، واتفقوا على [أن] الصلاة للكسوف مسنونة، فلانقطاع المطر وحدوث الجذب والقحط أولى. واحتج المخالف: بما روي عن أنس ﵁: أنه أصاب أهل المدينة على عهد رسول الله ﷺ قحط، وروى: أصاب الناس سنة فبينما

стр. 1483

رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل، وروى: وأجدبت الأرض، وروى: هلك المال، وجاع العيال، فادع الله أن يسقينا، فمد رسول الله ﷺ يده ودعا، فقال أنس: وإن السماء كمثل الزجاجة ليس فيها قزعة، فهاجت ريح، وثارت سحابة كأنها جبل، وأرسلت السماء غزائلها، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، فلم تزل تمطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله هدمت البيوت، وتقطعت السبل، فادع الله أن يحبسها، فتبسم رسول الله ﷺ ومد يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، وروى "على الآكام ومنابت الشجر" فتقشعت السماء حتى صارت كالإكليل حول المدينة. فوجه الدلالة: أنه اقتصر على الدعاء، ولم يصل، فلو كانت مسنونًا لما تركها. والجواب: أن تركها في هذه الحال لا يدل على أنها ليست مسنونة؛ لأن ترك المسنون يجوز، ولأنه تركها لعذر، وهو أنه كان يخطب للجمعة في تلك الحال. وعلى أن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن [شريك بن] (١) عبد الله بن أبي نمر عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ استسقى فاستقبل القبلة، وقلب رداءه، وصلى ركعتين.

стр. 1484

واحتج بما روي عن عمر ﵁ أنه استسقى بعم النبي ﷺ العباس ﵁ فقال: اللهم هذا عم نبيك نتوسل به إليك، وما زاد على الاستغفار، وقيل له في ذلك فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها الغيث، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١]، فلو كان هناك صلاة مسنونة لما تركها عمر ﵁. والجواب: أن هذه حجة لنا؛ لأن القوم خاطبوه في ذلك، وهذا مطالبة منهم بالصلاة، فدل على أنه كان مشهورًا بينهم، ولكن تركه واقتصر على الدعاء؛ لأنه يجوز ذلك. وقد روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن جده فقال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ خرج يستسقي، فكبر وصلى ركعتين بالناس، ثم خطب، ثم استقبل القبلة، ورفع يديه مدًا، وحول رداءه، وأنا في الصف الرابع، وإني لأسمع تسبيح عمر ﵁. وروى أيضًا عن عروة بن أذينة عن أبيه قال: رأيت عثمان ﵁ استسقى بالمصلى فرأيته صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة، ثم خطب الناس، ثم حول وجهه إلى القبلة، ورفع يديه، وحول رداءه، فجعل اليسار على اليمين واليمين على اليسار. وهذا يدل على أنه كان مشهورًا بينهم الصلاة. واحتج: بأنه لا خلاف أنه ليس في الزلازل، والرياح، والعواصف، وكثرة الأمطار، صلاة مسنونة، والمعنى فيه خوف الضرر منها في الدنيا،

стр. 1485

وهذا المعنى موجود في مسألتنا، ولا يلزم عليه الكسوف، ولأنه لا يخاف منه الضرر في الدنيا، وإنما فيه تذكير لأمر الآخرة؛ لأن من علامات الآخرة، [كثرة] (١) الجدب والقحط، فإنه يخاف منه ضرر في الدنيا كالزلازل والرياح والعواصف. والجواب: أن أحمد ﵀ قال في رواية إسماعيل بن سعيد: يُصلى جماعة لكسوف الشمس، والقمر، والزلزلة، ثمان ركعات وأربع سجدات، وهذا يدل على [أن] (٢) الأصل غير مسلم، وأنه يستحب الصلاة لأجل ذلك؛ لما فيه من خوف الضرر منها في الدنيا، فهو كصلاة الاستسقاء؛ لما فيها من خوف الضرر في الدنيا. وقد روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس ﵄: أن البصرة زلزلت، فقام ابن عباس ﵄ فقرأ ثم ركع ثم قام، فقال أحدهما: قرأ، وقال الآخر: دعا، فصلى ست ركعات في ركعة ثلاث ركوعات، وهذا يدل على أنه كان مشهورًا بينهم، وعلى أن هذا الاعتبار يبطل بالكسوف، فإنه يخاف منها الضرر، والله تعالى أعلم. * * * ٣٢ - مَسْألَة صفة صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيدين، يكبر في الأولى

стр. 1486

سبعًا وفي الثانية خمسًا، ويجهر بالقراءة: ذكره في رواية حنبل، وقد حكيناه فيما تقدم من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف قال: بعثني مروان إلى ابن عباس فسألته عن سنة الاستسقاء؟ فقال: سنة الاستسقاء سنة العيدين إلا أن رسول الله كان يكبر التكبير في الاستسقاء، وإنه كبر سبع تكبيرات في الأولى، وكبر في الثانية خمس تكبيرات. وروى إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال: سألت ابن عباس ﵄ عن الاستسقاء فقال: يكبر في الأولى سبعًا وفي الآخرة خمسًا. وروى [ … ] (١) عن جعفر بن محمد عن أبيه ﵃ عن النبي ﷺ مثله. وعن أبي بكر، وعمر ﵄ مثله. ولأنها صلاة شرع فيها الصحراء، والخطبة، فأشبه صلاة العيد. واحتج المخالف: بما روى النجاد بإسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه ﵄: أن رسول الله ﷺ استسقى فصلى سجدتين قبل الخطبة لم يكبر إلا تكبيرة افتتح بها الصلاة، وقرأ فيها ثم خطب. والجواب: أنا قد روينا أنه كبر سبعًا وخمسًا، وهذا زائد فهو أولى. واحتج بأنها غير عيد أشبه سائر النوافل.

стр. 1487

والجواب: أن إلحاقها بصلاة العيد أشبه؛ لما بينهما من الشبه، والله تعالى أعلم. * * * ٣٣ - مَسْألَة: ليس في صلاة الاستسقاء خطبة، ولكن يدعو الإمام، ويكثر من الاستغفار: نص على هذا في رواية المروذي، ويوسف بن موسى وقد سئل عن الاستسقاء هل فيه خطبة؟ فقال: ليس فيه خطبة. وبه قال أبو حنيفة ﵀. وقال الخرقي: فيصلي بهم ثم يخطب، ويستقبل القبلة، ويحول رداءه. وظاهر هذا الكلام: أن الخطبة مستحبة، وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية [ … ] (١) ويصلي ركعتين، ويبدأ بالصلاة قبل الخطبة. وعندي أن هذا محمول على أنه أراد بالخطبة الدعاء. وقال الشافعي ﵁: يخطب خطبتين كالعيد بعد الصلاة، ويكون الدعاء في بعض الخطبة الثانية مستقبل القبلة.

стр. 1488

والدلالة على أنه لا خطبة هناك: ما روى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال: أخبرني أبي قال: أرسلني الوليد بن عقبة وكان أمير المدينة إلى ابن عباس ﵄ أسأله عن صلاة رسول الله ﷺ في الاستسقاء؟ فقال ابن عباس ﵄: خرج رسول الله ﷺ متواضعًا متضرعًا حتى أتى المصلى، فدعا على المنبر، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع، ثم صلى ركعتين كما صلى في العيدين. وهذا نص في أنه ﵇ لم يخطب، وإنما دعا. وروى أيضًا بإسناده عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه ﵁ قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب ﵁ فما زاد عن الاستغفار. ولأنها صلاة يجوز لكل أحد فعلها على الانفراد، فلم يشرع لها خطبة، دليله: سائر الصلوات. ولا يلزم عليه الجمعة والعيدان؛ لأنها لا تفعل في حال الانفراد. ولأن المقصود كثرة الدعاء، والمسألة لما نزل بهم من القحط، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١]، وإذا كان هذا [ … ] (١) هو المقصود فلا معنى للخطبة؛ لأن الدعاء يأتي على المقصود. واحتج المخالف: بما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة ﵁

стр. 1489

قال: خرج رسول الله ﷺ يستسقي يومًا فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة وخطبنا ودعا وحول وجهه نحو القبلة رافعًا يديه يدعو، ثم قلب رداءه فجعل الأيمن الأيسر والأيسر الأيمن. والجواب: أنا نحمل قوله: "وخطب" على الدعاء، فظن السامع أنه قاله على وجه الخطبة. واحتج: بأنها صلاة سن لها اجتماع الكافة، فسن لها الخطبة كالعيدين. والجواب: أن الخطبة يحتاج إليها ليعلمهم ما يخرجون في الفطر والأضحى، وها هنا المقصود هو الدعاء، وقد أتى به، فلم يحتج إلى خطبة معه، والله أعلم. * * * ٣٤ - مَسْألَة: والإمام مخير بين أن يدعو قبل الصلاة وبعدها: نص على هذا في رواية الميموني وقد سئل عن الدعاء هل هو قبل أو بعد؟ فقال: لم أسمع فيه شيئًا، وقبل وبعد واحد، وأي شيء دعا به فهو جائز. وقال الخرقي: يصلي بهم ركعتين ثم يخطب. فظاهر هذا أنه يؤخر ذلك إلى بعد الصلاة، وقد أومأ إليه أحمد

стр. 1490

رحمه الله في رواية حنبل: يصلي ويبدأ بصلاة قبل الخطبة، وهو قول الشافعي ﵁. دليلنا أن الأخبار [في ذلك] (١) مختلفة، فروى النجاد بإسناده في حديث أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا ركعتين وخطبنا ودعا. وروى أيضًا عن عامر بن ربيعة ﵁: أن رسول الله ﷺ استسقى فصلى قبل الخطبة. وروى جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ استسقى فصلى قبل أن يستسقي. وروى أبو سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة ثم خطب وحول رداءه. وهذه الأخبار تدل على التأخر. وروى أيضًا النجاد بإسناده: أن النبي ﷺ في الاستسقاء خطب قبل الصلاة ثم قلب رداءه ثم دعا. وروت عائشة ﵂ قالت: شكي إلى النبي ﷺ قحط المطر، فخرج رسول الله ﷺ فقعد على المنبر ثم نزل فصلى. ورُوي عن جابر، وأنس ﵄: أن النبي ﷺ خرج يستسقي فبدأ بالخطبة ثم صلى ركعتين. وهذه الأخبار تدل على التقديم، فدل من هذا أنه لا توقيت في

стр. 1491

ذلك، وأنه قبل وبعد سواء في الاستحباب والجواز. ولأن المقصود الدعاء، وسؤال المطر، فكان تقديم المقصود وتأخير غيره أولى، فلما لم يجز تقديمه، فلا أقل من أن يكون ذلك سواء. وذهب المخالف: أن النبي ﷺ أخر الخطبة بعد الصلاة. والجواب: أنا قد روينا أنه قدم فتعارضا. واحتج: بأنه يشرع لها الصحراء فكانت الخطبة بعدها كالعيد. والجواب: أنا قد بينا أنه لا خطبة فيها وإنما فيها دعاء، وعلى أنه إنما أخرت الخطبة في العيد؛ لأن بيان المقصود يوجد بعد الصلاة، وهو عند انصرافهم إلى بيوتهم، فنبين لهم قدر ما يخرجون في الفطر والأضحى، وها هنا المقصود الدعاء، وهذا المعنى يحصل قبل الصلاة كما يحصل بعدها، فهما سواء، والله أعلم. * * * ٣٥ - مَسْألَة: إذا مضى صدر من الدعاء، واستقبل القبلة بذلك، استحب للإمام أن يحول رداءه، واستحب للناس أيضًا أن يحولوا أرديتهم كالإمام: نص عليه في رواية صالح، وبكر بن محمد عن أبيه، والميموني، وابن القاسم، وغير ذلك، وأنه مستحب في حق الإمام، وجماعة من الناس.

стр. 1492

وهو قول مالك، والشافعي ﵄. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يستحب ذلك. دليلنا ما روى أحمد ﵀ فيما ذكره النجاد قال: حدثنا سريج (١) بن النعمان قال: حدثنا الدراوردي عن عمارة (٢) بن غزية عن عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد ﵄: أن رسول الله ﷺ استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فثقلت (٣) عليه فقلبها عليه الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. وروى النجاد بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ يستسقي يومًا فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة وخطبنا ودعا الله وحول وجهه إلى نحو القبلة رافعًا يديه يدعو ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. وروى أيضًا بإسناده عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : أنه استسقى واستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين. ورواه أيضًا بإسناده عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة ثم خطب وحول رداءه واستقبل القبلة. وإذا أثبت هذا من فعله ﵇ يجب أن يستحب لسائر الناس؛

стр. 1493

لعموم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وإذا ثبتت هذه الأخبار أنه مسنون في حق الإمام، يجب أن يكون ذلك مسنونًا في حق سائر الناس، دليله: سائر ما يعمل في الاستسقاء من الدعاء، والاستغفار، وما تقدم عليه من الصيام، والخروج من المظالم، لأن أبا الحسن الدارقطني روى في سننه عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: استسقى رسول الله ﷺ وحول رداءه ليتحول القحط. وإذا كان المعنى التفاؤل وجب أن يستحب في حق جميع الناس؛ لأنه أبلغ في هذا المعنى. فإن قيل: فيجب أن يفعل ذلك في دعاء الكسوف، وحال الأمطار، والزلازل. قيل له: لا يجب ذلك كما لا يجب عندك رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، وفي دعاء القنوت، وغيره من الأدعية، وكان ذلك مسنونًا في جميع ذلك من الدعاء بعرفات، وعلى الصفا، والمروة، وعند الجمرتين. واحتج المخالف: بأنه لو كان مستحبًا للجميع لفعله الناس، ألا ترى أنه لما خلع نعليه خلعوا نعالهم، نقلوا فعله وفعل الناس؟! والجواب: أنه إنما ينقل فعل النبي ﷺ لما فيه من السنة، ووجوب الاتباع، وليس هذا في فعل الناس، فلهذا لم ينقل، فأما الخلع فإنما نقل؛ لأن النبي ﷺ سألهم عن خلعهم نعالهم، وبيّن لهم سبب خلعه نعله، وهو ما كان عليها من أذى.

стр. 1494

واحتج: بأنه لا يخلو: إما أن تكون في حكم الخطبة، فهو كخطبة العيدين، فلا يستحب فيه ذلك، أو يكون بمنزلة سائر الأدعية المسنونة، فلا يستحب فيه ذلك أيضًا. والجواب: أنه لا يمتنع أن يفارق هذا سائر الأدعية في ذلك، كما فارقت تكبيرة الإحرام غيرها من التكبير عنده في رفع اليدين، وكما فارق الدعاء بعرفات، وعلى الصفا والمروة، وفي المقامين عند الجمرتين في رفع اليدين لسائر الأدعية من دعاء القنوت، وغيره، كذلك ها هنا جاز أن يفترقا، والله تعالى أعلم. آخر الجزء العشرين من أصل المصنف رحمةُ الله عليه وعلى كاتبه ووالديهما ولجميع المسلمين * * * ٣٦ - مَسْألَة: اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في تارك الصلاة عامدًا هل يكفر أم لا؟ فروى عنه أبو داود قال: إذا قال الرجل: لا أصلي فهو كافر: وكذلك روى عنه العباس بن أحمد بن اليماني أنه قال: حديث النبي ﷺ : "من ترك الصلاة فقد كفر لا يرث ولا يورث"، فظاهر هذا أنه حكم بكفره. وروى عنه أبو طالب قال: الكفر لا يقف عليه أحد، ولكن يستتاب،

стр. 1495

فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وكذلك روى عنه المروذي أنه قال في الذي يدع الصلاة: يدعى إليها ثلاثة أيام، فإن صلى وإلا ضربت عنقه، وقد قال النبي ﷺ " [إنه سيكون] (١) أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها"، فلم يكفروا بتأخيرها. فظاهر هذا أنه لم يحكم بكفره، وإنما حكم بقتله بعد الاستتابة. واختلف أصحابه ﵏ بعد هذا، فكان شيخنا أبو عبد الله ينصر أن يكفر بذلك، وهو اختيار أبي إسحاق ذكره في بعض تعاليقه فقال: إن قيل: إن المؤمن غير فاعل لها لا يسمى كافرًا، قيل له: إبليس جحد الأمر أو ترك الفعل، فإذا ترك الفعل قبل فقد كفر بترك الفعل لا بجحده. ورأيت كلامًا لأبي عبد الله بن بطة ﵀ يقول فيه: إنه لا يكفر، ومن قال: إنه يكفر خالف المذهب. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وداود ﵃: لا يكفر بذلك، ثم اختلفوا في حكمه: فقال أبو حنيفة ﵀: يستتاب ويحبس ولا يقتل. وقال مالك، والشافعي: يقتل. فالدلالة على أنه يكفر ويقتل: ما روى أحمد ﵀ قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال

стр. 1496

رسول الله ﷺ : "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة". وروى أحمد ﵀ قال: حدثنا عبد الله بن الوليد العدني (١) بمكة قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة". وروى أحمد ﵀ قال: حدثني زيد بن الحباب من كتابه قال: حدثني حسين بن واقد قال: حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵃ قال: بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة، وبين الرجل وبين الكفر أن يترك الصلاة. وروى أبو بكر النجاد هذه الأخبار في كتابه. فإن قيل: نحمل ذلك على من تركها عن جحود. قيل له: الخبر يقتضي في تعلق الحكم بترك فعل الصلاة لا بترك اعتقاد وجوبها، فوجب حمله على الحقيقة، وعلى أن هذا يبطل من فائدة تخصيص الصلاة؛ لأن من ترك صوم رمضان، وترك الصلاة، والحج جاحدًا، وجب تكفيره، فلم يجز حمله عليه. فإن قيل: نحمله على أن عقابه عقاب الكفار. قيل: هذا يسقط فائدة التخصيص على أنا نحمله عليهما جميعًا. وروى النجاد عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم

стр. 1497

القيامة، ومن لم يحافظ لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبيّ بن خلف". وروى بإسناده عن الحسن ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك الصلاة متعمدًا أحبط عمله". وروى بإسناده عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك العصر متعمدًا حبط عمله". وروى بإسناده عن مكحول ﵁ أن رسول الله ﷺ قال للفضل بن عباس ﵄: "لا تشرك بالله شيئًا وإن قتلت أو بُضِّعت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا، فإنه من ترك صلاة مكتوبة فقد برئت منه الذمة". وروى بإسناده عن أبي قلابة ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك صلاة الصبح متعمدًا حبط عمله". وروى بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه ﵃ أن النبي ﷺ أبصر رجلًا ينقر كما ينقر الغراب، قال ﵇: "لو مات هذا مات على غير دين محمد". وذكر أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده في الجزء الأول من كتاب الصلاة من سننه بإسناده عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أوصانا رسول الله ﷺ فقال: "لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تتركوا الصلاة متعمدًا، فمن تركها متعمدًا فقد خرج من الملة". وبإسناده عن أم أيمن ﵂ مولاة رسول الله ﷺ : أن

стр. 1498

رسول الله ﷺ أوصى بعض أهله لا يترك الصلاة متعمدًا، فإنه من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله. وبإسناده عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵄ قال: أوصاني أبو القاسم ﷺ بسبع: أن لا أشرك بالله شيئًا وإن قطعت أو حرقت، ولا تترك صلاة متعمدًا، فمن تركها متعمدًا برئت منه الذمة. وبإسناده عن ابن عباس ﵄ أنه ذكر أكبر الكبائر قال: ترك الصلاة متعمدًا؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئ من الله ورسوله ونقض العهد". وهذه الأخبار تدل كلها على الكفر. ولأنه إجماع الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين: وروى النجاد بإسناده عن أبي المليح عن عمر ﵁ قال: لا إسلام لمن لم يصل. وروى عن القاسم قال: قال عبد الله ﵄: من ترك الصلاة فهو كافر. وروى عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال الطبيب حين نزل في عينه الماء: استلق سبعة أيام لا تصل، قال ابن عباس ﵄: من ترك الصلاة فقد كفر. وروى عن الحسين قال: بلغني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر. وروى عن أبي الدرداء ﵁ قال: لا إيمان لمن لا صلاة له،

стр. 1499

ولا صلاة لمن لا وضوء له. وروى عن حذيفة ﵁: أنه رأى رجلًا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال: منذ كم صليت هذه الصلاة؟ فقال: منذ أربعين سنة قال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا ﷺ . والقياس: أنها عبادة يحكم بإسلام من يفعلها، فجاز أن يكفر بتركها كالشهادتين، وهذا مسلَّم عند أبي حنيفة، والشافعي ﵄ أيضًا في موضع، وهو المرتد إذا صلى في دار الحرب. وإن شئت قلت: عبادة يكفر بتركها أشبه الشهادتين. وإن شئت قلت: أحد دعائم الإسلام فلا يدخلها النيابة، فجاز أن يكفر تاركها أو فجاز أن يقتل تاركها، دليله: الإيمان. ولا يلزم عليه الزكاة، والصيام، والحج؛ لأن تلك تدخلها النيابة تارة بالمال، وهو الصيام (١)، وتارة بالبدن وهو الحج والزكاة (١). ولا يلزم عليه الصلاة المنذورة، والصلاة الفائتة؛ لأن التعليل لتعلق الكفر بهذه (٢) في الجملة وليس التعليل لأحوالها. فإن قيل: الكافر يستحق القتل والكفر بالجحودية بقلبه (٣) دون القول بلسانه، ولهذا لو أخبرنا الصادق أنه مصدق بقلبه حكمنا بإيمانه،

стр. 1500

وإن لم يصدق بلسانه. قيل له: هذا مذهب المتكلمين، فأما الفقهاء فإن مذهبهم أن الإيمان: تصديق بالقلب وقول باللسان (١)، وأن الكافر لا يحكم بإيمانه بمجرد التصديق، وعلى أنه إن لم يسلم ذلك فرضناه فيمن أسلم، وليس وقته صادق بخبر عن اعتقاده فقال: أنا مصدق بقلبي غير أني لا أشهد بلساني، فلا خلاف أنه لا يقبل منه ذلك، فلا يحكم بإيمانه. فإن قيل: إنما لم يقبل منه؛ لأنا نستدل على كذبه فيما أخبر به؛ لأنه لا مشقة عليه في إيرادها، فإذا امتنع منها اتهمناه في اعتقاده، وليس كذلك في الصلاة إذا أخبر أنه يعتقد وجوبها وامتنع من فعلها؛ لأنه قد يتركها لما عليه من المشقة في فعلها فلا يتهم في خبره أنه معتقد لوجوبها. قيل له: قد يعتقد الشهادتين، ويتركها تكبرًا، وأنفة، وخوف العار، فكان يجب أن يصدق في خبره أنه معتقد لها، والدلالة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، قال قتادة: جحدوا بإيمانها واستيقنتها أنفسهم أنها من عند الله، قال: والجحد لا يكون إلا بعد المعرفة. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، قال الحسن: المعرفة في قلبهم أنه واحد.

стр. 1501

فقد بين أن المعرفة في قلوبهم والتكذيب بألسنتهم بقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾، يعني أنهم كانوا يقولون: إنه مجنون. وكذلك قول عمه ﵇ أبي طالب (١) لما دعاه إلى الإسلام: لولا يعيرني قريش لأقررت بها عينك. وهذا يدل على أنه امتنع أنفة من تعيره. وجواب آخر: وهو إن كان الكفر والقتل بالجحود لم يضر؛ لأن الجحود إنما هو ترك للاعتقاد الذي هو الإيمان، وتعليلنا لترك عبادة لا تصح النيابة فيها، وهذا الوصف موجود في الاعتقاد. فإن قيل: قد تصح النيابة في ذلك، وهو إسلام الأب ينوب عن إسلام الطفل. قيل: النيابة أن ينوب الغير عن الغير، وإيمان الأب هو عن نفسه لا عن ولده، وإنما حكم بإسلامه على طريق التبع، وأيضًا فإن الشريعة بعد صحة الإيمان أفعال وترك، فلما كان في نوع من التروك ما إذا فعله استحق به الكفر، وهو الردة، ومنه ما إذا فعله استحق به القتل، وهو الزنا، وجب أن يكون في نوع الأفعال ما إذا تركه استحق الكفر والقتل وليس إلا الصلاة. فإن قيل: لو كان كذلك لوجب إذا استحق القتل بترك أن لا يسقط بعد ذلك كما إذا استحق القتل بالزنا لا يسقط بعد ذلك.

стр. 1502

قيل له: يسقط عندنا بالتوبة في أصح الروايتين في السارق إذا تاب قبل القدرة عليه سقط القطع، قال أبو بكر: وكذلك الزاني إذا تاب قبل القدرة عليه سقط، وفيه رواية أخرى: أنه لا يسقط، أومأ إليه في رواية ابن منصور، ولا تختلف الرواية أنه يسقط بالرجوع في إقراره بالزنا، والسرقة. فإن قيل: ليس في جنس الأفعال ما إذا خالف قطع، وفي جنس التروك ما خالف قطع. قيل: لا يمتنع أن لا يكون في جنس الأفعال ما يقطع بتركه ويستحق به القتل كما أن القتل والزنا ليس من جنسه ما يقطع بفعله، ومع هذا فيستحق به القتل، كذلك في ترك الصلاة، وأيضًا ما وجب بترك الشهادتين وجب بترك الصلاة، دليله: القتل على قول الشافعي ﵁. فإن قيل: الزاني والمحارب يجب قتلهما ولا يكفران. قيل: القتل إذا وجب لترك فعل لا تصح النيابة فيه أوجب الكفر: بدليل الشهادتين. واحتج المخالف على إسقاط الكفر: بما روى عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من جابهن لا ينقص منهن شيئًا كان له عهدًا أن لا يعذبه بالنار، ومن جابهن وقد انتقص منهن شيئًا جاء وأمره إلى الله؛ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له".

стр. 1503

فدل على أنه لا يكفر. والجواب: أنا قد روينا في حديث عبد الله بن عمر ﵄ زيادة وهو قوله ﵇: "ومن لم يحافظ عليها كان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبيِّ بن خلف". وعلى أنا نحمل قوله: "من انتقص منهن شيئًا" معنى من انتقص من مسنوناتها الراتبة معها، مثل: ركعتي الفجر، وركعتي الظهر، وركعتي المغرب، والوتر، ودوام على ترك ذلك، فإنه يأثم بذلك ويعصي ويكون أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. وقد نص أحمد ﵀ على هذا في الوتر فقال: إذا تركه فهو رجل سوء لا تقبل شهادته. مع قوله: إنه سنة. فإن قيل: فالخبر تناول الصلوات الخمس فكيف يحمل على المسنونات؟. قيل له: لما كانت هذه المسنونات مضافة إليها وتبعًا لها جاز أن يكون الخطاب عطفًا على جميع ذلك. واحتج من نفى القتل: بما روى عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس". والجواب: أن هذا كافر عندنا، فيجب قتله بحق الظاهر، وعلى

стр. 1504

أنا نضيف إلى ذلك تارك الصلاة كما أضفتم إليه من طلب دم المسلم أو ماله أو حريمه. واحتج: بما روي عن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم". والجواب: أنه روي في الخبر "إلا بحقها"، ومن حقها الصلاة عندنا. وروي: "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة". واحتج: بأنها عبادة مأمور بها لا تصح إلا بعد تقدم الإيمان، فلم يكفر بتركها. أو نقول: فلم يقتل بتركها، دليله: الصيام، والحج، والزكاة. والجواب: أنه إن كان القياس منصوبًا لنفي الكفر، فهو مسلم في الأصل، وإن كان لنفي القتل فهو غير مسلم؛ لأن جعفر بن محمد، والميموني رويا عن أحمد ﵀ في الذي يقول: الصوم عليَّ فرض، ولا يصوم، يستتاب، فإن تاب وإلا ضرب عنقه. ونقل الميموني أيضًا فيمن منع الزكاة كما منعوا أبا بكر ﵁، وقاتلوا عليها لم يورث ولم يصل عليه، فظاهر هذا أنه حكم بالقتل في ذلك، قال أبو بكر في كتاب الخلاف في مسائل البغاة: من تخلف عن الإقرار بالتوحيد مع القدرة عليه، وعن الصلاة بعد الإقرار، والقدرة على عملها، وإيتاء الزكاة بعد الإقرار بوجوبها عليه، وصوم رمضان بعد الإقرار،

стр. 1505

والقدرة عليه، وكذلك الحج، فعند أحمد ﵀ أنه مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وذكر بعد هذا الكلام بأسطر فقال: لا فرق بين الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج؛ لأن هذه فرض كالتوحيد. وروى أبو طالب عنه فيمن قال: الصوم علي فرض، ولا أصوم، ليس الصوم مثل الصلاة، والزكاة لم يجئ فيها شيء. وظاهر هذا: أنه لا يجب قتله، فعلى هذا المعنى في تلك الأشياء أن النيابة تدخلها، فلهذا لم يكفر، ولم يقتل، وليس كذلك ها هنا؛ لأنها من أحد الدعائم الخمس لا تدخلها النيابة أشبه الإيمان والاعتقاد لإيجاب هذه العبادات إذا تركه فإنه يكفر ويقتل؛ لأنه لا تصح النيابة فيه. واحتج: بأنه لا يخلو: إما أن يكفروه ويقتلوه بعد فوات وقتها أو قبله، لا يجوز بعد فوات وقتها؛ لأن الصلاة قد استقرت في ذمته، ووقتها متسع، وإن كان ذلك قبل خروج وقتها لم يجز أيضًا؛ لأن الوقت باقٍ. والجواب: أنا نقول لهم في الوقت الذي تحسبونه وتقدرونه وتطالبونه بالفعل فيه يحكم بكفره وقتله. على أن الرواية قد اختلفت عن أحمد ﵀ في الوقت الذي يكفر ويقتل، فنقل يعقوب بن بختان عنه: إذا ترك صلاة وصلاتين ينتظر عليه، ولكن إذا ترك ثلاث صلوات؟! فظاهر هذا: أنه إذا تضايق وقت الرابعة عن فعلها وجب كفره وقتله؛ لأنه يجوز أن يكون شبهة دخلت عليه.

стр. 1506

ونقل أبو طالب عنه: إذا ترك الفجر عامدًا حتى وجبت عليه أخرى ولم يصلها، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وظاهر هذا: أنه إذا تضايق وقت الثانية وجب كفره وقتله، وهو أصح؛ لظاهر الأخبار التي رويناها من ترك صلاة العصر، ومن ترك صلاة الفجر، ومن ترك صلاة فقد حبط عمله، فعلق حبط العمل بصلاة واحدة. ولأن القتل لهما بترك الصلاة المفروضة في وقتها، وهذا موجود في الصلاة الأولة، وليس تأخيره ثلاث صلوات بأولى من تأخيره أربعًا وخمسًا. فإن قيل: فإذا كانت الاستتابة بعد خروج وقت الأولة، فهو وقت متسع للقضاء، فلا يجوز الكفر والقتل مع سعة الوقت، كما لا يجوز بتأخير الصلاة عن أول الوقت إلى آخره. قيل له: وقت القضاء مضيق عندنا إذا كان الترك من غير عذر، ويكون على الفور، وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية عبد الله: فيمن ترك صلاة شهر يعيد ما ترك حتى يضعف، ولا يكون له ما يقيمه يومه فيكسب ما يقيمه يومه ثم يعود (١) إلى الصلاة، فإن ضعف تركها حتى يقوى. وكذلك نقل صالح عنه: فيمن فرط في صلاة شهرين أو ثلاثة يصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة الذي ذكر فيها، ثم يصلي هذه التي يخاف

стр. 1507

فواتها، ثم يعود فيصلي حتى يخاف فوات الصلاة التي بعدها، إلا أن يكثر عليه فيكون ممن يطلب المعاش. وهذا يدل على أن القضاء على الفور، وأصله يقتضي هذا أيضًا، وهو وجوب الترتيب في قضاء الفوائت، على أن هذا لا يوجب أن لا يقتل ولا يحبس لهذا المعنى، وقد قيل: يقتل. فإن قيل: لا يجوز إثبات القتل والكفر بأخبار الآحاد. قيل: يجوز ذلك كما قلنا نحن وأبو حنيفة: تصح ردَّة الصبي، وقلنا نحن والشافعي: تصح ردَّة السكران، وذلك بالاجتهاد، وأوجبنا الحد على شارب النبيذ بالاجتهاد، وأوجب أبو حنيفة على الواطئ بالشبهة الحد، والله أعلم. * * *

стр. 1508

مَسَائِلُ الجَنَائِزِ ٣٧ - مَسْألَة: المستحب أن يغسل الميت في قميص: نص عليه في رواية المروذي فقال: يعجبني أن يغسل الميت وعليه ثوب يدخل يده من تحت الثوب، كذا يروى أن النبي ﷺ غسل وعليه ثوب. وبه قال الشافعي ﵁. وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: يغسل الميت مجردًا، ويطرح على عورته خرقة. دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عبد الله بن الحارث بن نوفل أن علي بن أبي [طالب] (١) ﵁ غسل النبي ﷺ وبيد علي خرقة يتبع بها من تحت القميص. وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: غُسِّل رسول الله ﷺ في قميصه.

стр. 1509

وهذا يدل على أن الأفضل ذلك؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم فعلته. فإن قيل: النبي ﷺ كان مخصوصًا بذلك، يدل عليه ما روى ابن بطة بإسناده عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: لما أرادوا غسل النبي ﷺ فقالوا: والله ما [ندري أ] (١) نجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: اغسلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم. فوجه الدلالة: أنهم قالوا: ما ندري أنجرده كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه. فدل على أن السنة في حقهم ذلك. قيل له: أما قولكم: إنه كان مخصوصًا، فيحتاج إلى دليل؛ لأن الظاهر إنما فعله فهو شرع لأمته ما لم يرد دليل التخصيص، وعلى أنه قد روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ لما حضره الموت قال: إن أنا مت فاصنعوا بي كما صنع بالنبي ﷺ ، وهو مخصوص بذلك. وإن قولهم: لا ندري أنجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا، معناه:

стр. 1510

لا ندري نتخير في تجريد رسول الله ﷺ كما نتخير في تجريد موتانا أو لا نتخير ونعزم على غسله من غير تجريد؛ لأن على قولنا: إنه يجوز التجريد، ويجوز غيره، وإنما الخلاف في الأفضل، فكان الأفضل في حق النبي ﷺ ترك التجريد بلا تخير. ولأنه غسل ميت فاستحب أن يكون من فوق ثوب، دليله: غسل النبي ﷺ . ولأنه بالموت يصير جميع بدنه في حكم العورة، بدليل أنه يستر موضع غسله، ولا ينظر الغاسل ولا من يعينه إلا ما لا بد لهم منه، ولهذا يدَّعى (١) أنه في حكم العورة من جميع الجهات، وإنما ادعينا ذلك في بعض الأحكام فكان الاحتياط مواراته. واحتج المخالف: بأنه غسل مأمور به فالمستحب أن يكون مجردًا، كالغسل من الجنابة. والجواب: أن غسل الميت لا يشبه الحي؛ لأن النبي ﷺ كان يغتسل من الجنابة متجردًا، و (٢) غسل بعد موته في القميص. ولأن الجنب يخلو بنفسه، فيجوز أن يتجرد ويغتسل، والميت يشاهده غيره، فيجب أن يُغسل في قميصه ليكون أستر له. * * *
следующие страницы →