← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

على ذلك، فروى ابن بطة (١) بإسناده عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من كان له ثوبان، فليتَّزِرْ وليرتَدِ (٢)، ومن لم يكن له ثوبان، فليتزر، ثم ليصلِّ" (٣). وروى أبو حفص في تعاليقه بإسناده عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاةٌ في عِمامة أفضلُ من سبعين صلاة بغير عمامة، إن الله وملائكته يصلُّون على المتعَمِّمين" (٤). وروى ابن بطة بإسناده عن نافع قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي في ثوب واحد، فقال: ألم أكسُكَ؟ قلت: بلى، قال: أرأيتَ لو بعثتك في

стр. 177

حاجة، كنت تذهب هكذا؟ قال: لا. قال: الله أحقُّ أنَ تَزَيَّنَ له (١). واحتج: بأن كل بقعة صحت فيها صلاة الجمعة (٢) صحت فيها بقية الصلوات، كسائر البقاع، وقد قال أحمد ﵀ في رواية حنبل: في المسجد الغصب يُصلي فيه الجمعة، ولا يتطوع فيه (٣). ونحو ذلك نقل صالح (٤)، وابن منصور (٥). والجواب: أن هذا مبني على صلاة الجمعة (٦) خلف الفاسق: أنه يتبع؛ لأنها تقف على إمام واحد، وكذلك تختص ببقعة واحدة، وفي الإعادة روايتان: إحداهما (٧): تجب، فعلى هذا: لا فرق. والثانية: لا يعيد؛ لأنه مأمور بمتابعته، وبالصلاة في هذا المكان،

стр. 178

وليس كذلك في غير الجمعة؛ فإنه ممنوع منها (١). واحتج: بأنه لو بطلت الصلاة في البقعة الغصب، لبطلت إذا صلى في أرض بنيانها غصب، والأرض ليست بغصب (٢)؛ لأنه ممنوع من الانتفاع بذلك كما يمنع من الأرض. والجواب: أن أبا بكر المروذي قال: قيل لأبي عبد الله: أليس ينظر في البناء؟ قال: نعم، كان أبو مسلم (٣) قد بنى مسجدًا، فكان المبارك لا يصلي فيه إلا الفرض - يعني: الجمعة - (٤). وظاهر هذا: المنعُ، ويشهد له من أصله: منعُ الصلاة في موضعٍ قبلتُه إلى الحُشّ (٥)، فمنع من الصلاة إلى حائط الحش، وإن لم تكن البقعة من الحش. واحتج: بأنه لو صلى في ثوب غصب، أو بقعة غصب، وهو لا يعلم

стр. 179

بذلك، ثم علم، صحت صلاته، كذلك إذا كان عالمًا به. والجواب: أن الجاهل بذلك لا مأثم عليه، والعالم مأثوم ممنوع، والقُرَبُ إذا وقعت على الوجه (١) نافت القربة، فأما حق الآدمي، فلا يسقط بالنسيان، وهو آخره (٢). واحتج: بأنه لو توضأ في دار مغصوبة بماء يملكه، صحت الطهارة، وإن كان الفعل محرمًا، وكذلك إذا باع، أو تزوج في دار مغصوبة، كذلك ها هنا. والجواب: أن التحريم هناك لم يرجع إلى شرط من شرائط الطهارة، ولا إلى شرط من شرائط العقد، تبين صحة هذا: أن الكون ليس بشرط في صحة العقد، ولا الطهارة؛ لأنه يصح أن يوجبا العقد، وهما يَسْبحان، أو يَهْويان من عُلْو، وكذلك الطهارة تصح في حال سباحته، وليس كذلك الصلاة؛ لأن التحريم رجع إلى شرط من شرائطها، فإن الكون شرط فيها، وكذلك السترة، تبين صحة هذا: لو توضأ لتجديد الطهارة لا عن حدث في دار غصب، لم يؤثر في صحة الطهارة، ولو صلى فيها نافلة، لم تصح، وكان الفرق ما ذكرنا، على أنه قد رُوي عن أحمد ﵀ ما يدل على أنه إذا باع في أرض، لم يصح البيع، فقال في رواية ابن بختان (٣)

стр. 180

في رجل اكترى دكانًا غصبًا، وهو لا يعلم، وقد خرج، ما يصنع بما اشترى؟ قال: يرده في الموضع الذي أخذ منه، وقال في موضع آخر: يرجع فيلقيه في المدينة، ويخرج (١). فإن قيل: فما تقول إذا تضايق وقت الصلاة، وهو في أرض غصب، هل يصليها، أم يؤخرها حتى يخرج منها وإن فاتت الصلاة؟ قيل: ينظر في هذا، فإن كان محبوسًا فيها، فإنه يصلي ولا يؤخرها، كما لو كان محبوسًا في حُشّ، صلَّى، ولم يؤخر الصلاة شغلًا للوقت، وفي الإعادة روايتان، وإن كان هو الغاصب، وضاق الوقت عن خروجه منها، لم يجز له الصلاة؛ كما لو ضاق الوقت عليه وهو محدِث، وخاف إن تشاغل خرج الوقت، لم يجز له الصلاة، وتشاغل بالطهارة، كذلك ها هنا. فإن قيل: فما تقولون إذا غصب سكينًا، فذبح بها؟ قيل له: على قول أبي بكر من أصحابنا: لا تصح الذكاة؛ لأنه قال: إذا غصب شاة فذبحها، تكون ميتة (٢)، ولا يقطع السارق بإخراجها، والمنصوص عن أحمد ﵀: أن الذكاة صحيحة، نص عليه في الشاة

стр. 181

المغصوبة، فعلى هذا: الفرقُ بينهما: أن الضرورة تبيح ذلك؛ بدليل أنه لو اضطر إلى شاة الغير، أو سكين الغير ليذبح بها، جاز له أخذه، فلهذا لم يؤثر الغصب فيها، وليس كذلك في باب الصلاة؛ لأنه لو عدم السترة أو البقعة، لم يجز له أن يأخذ ثوب غيره ليصلي فيه؛ فبان بذلك: أن السكين أخف، والسترة أغلظ. فإن قيل: فما تقولون لو صلى في بَرَاح (١) لرجل ليس عليه [سَتْرٌ] (٢). قيل: ليس فيه رواية تحتمل أن نسلّمه؛ لأن الظاهر: أن مالكه لا يمنع من الصلاة فيه. * * * ١٥ - مَسْألَة: اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في كلام العامد في الصلاة لمصلحتها، هل تبطل الصلاة، أم لا ؟:

стр. 182

فنقل حنبل (١)، وحرب (٢): أنه يَقْطع، فقال في رواية حرب بعد كلام كثير: ولو أن إمامًا تكلم اليوم، وأجابه أحد، أعاد الصلاة (٣). وقال أيضًا في رواية حنبل: إنما كان ذلك للنبي ﷺ ، ولمن أجابه، ولو فعل هذا إمام ومن وراءَه، فسدت صلاته وصلاتهم، وأعادوا، وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا (٤)، وبهذا قال أبو حنيفة (٥)، والشافعي (٦)، وداود (٧) ﵏. ونقل صالح (٨)، وأبو داود (٩)، وأبو طالب (١٠): إن تكلم الإمام، لم تنقطع صلاته، وإن تكلم المأموم، انقطعت صلاته. فقال في رواية صالح: في إمام صلى ركعتين، ثم سلم: أنه يعيد

стр. 183

كلُّ من أجابه وتكلم، والإمام لا يعيد إذا كان يستثبت. وكذلك نقل أبو داود عنه: في إمام صلى ركعتين وسلَّم: فكل (١) من تكلم وراءه يعيد، فإذا تكلم الإمام، فقال: صليت ركعتين؟ وأشاروا إليه برؤوسهم، يبني على صلاته. وكذلك نقل أبو طالب: في إمام سلم من ركعتين، وسألهم، فأخبروه، أعادوا؛ لأنه ليس بواجب على أحد أن يجيب أحدًا، وإنما يتم الإمام إذا كان عنده أنه صلى تمامًا أربعًا على ما فعل النبي ﷺ . وهو اختيار الخرقي من أصحابنا (٢). وقال مالك ﵀ (٣): لا يقطع الصلاة الإمام والمأموم. وجه الرواية الأولى، وأن الصلاة تنقطع: ما روى زيد بن أرقم ﵁ قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت (٤). وروى أبو داود بإسناده عن ابن مسعود ﵁: كنا نسلِّم في الصلاة،

стр. 184

ونأمر بحاجتنا، فقدمتُ على رسول الله ﷺ وهو جالس، فسلمت عليه، فلم يردَّ عليّ السلام، فأخذني ما قَدُم وما حَدُث، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال: "إن الله يُحدِث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدَث أن لا تَكَلَّموا في الصلاة"، وردَّ عليَّ السلام (١). وروى أبو داود بإسناده (٢) عن معاوية بن الحكم ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم. فقلت: واثُكْل أمتاه (٣)! ما شأنكم تنظرون إليّ؟ قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يُصَمِّتوني. وروي: فلما رأيتهم يُسَكِّتوني، لكني سكتُّ، فلما صلى رسول الله ﷺ بأبي وأمي -، ما ضربني، ولا كَهَرني (٤)، ولا سبَّني، قال: "إن هذه الصلاة لا يحلّ فيها شيء من كلام الناس هذا؛ إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله ﷺ ، وذكر الخبر (٥).

стр. 185

فعموم هذه الأخبار تقتضي النهي عن الكلام في الصلاة، سواء لإصلاح الصلاة، أو لغيره. ولأنه من كلام الناس، فأشبه إذا لم يرد منه إصلاح الصلاة، ولا يلزم ﵇؛ لأنه ليس من كلام الناس، ووجدنا أن السلام مسنون فيها، فلو كان من كلام الناس، ما كان مسنونًا فيها. واحتج المخالف: بما روى أحمد ﵀ (١)، وذكره أبو بكر فقال: نا ابن أبي عدي (٢) عن ابن عون (٣)، عن محمد (٤)، عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشاء، يذكرها أبو هريرة، ونسيها محمد، قال: فصلى ركعتين، ثم سلم، فأتى خشبة في المسجد معترضة، فقال بيده عليها، كأنه غضبان، وخرجت السَّرَعان (٥) من أبواب المسجد

стр. 186

فقالوا: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة. وفي القوم أبو بكر وعمر ﵄، فهابا أن يتكلما، وفي القوم رجل في يده طول يُسمى: ذا اليدين، فقال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: "لم أنس، ولم تقصر الصلاة" ثم قال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم. فجاء فصلى الذي كان ترك، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر. فكان محمدٌ يُسأل: ثم سلم؟ (١). وروى أحمد ﵀ أيضًا (٢)، وذكره أبو بكر قال: نا إسماعيل بن إبراهيم (٣) قال: نا خالد الحذاء (٤) عن أبي قلابة (٥)، عن أبي

стр. 187

المهلب (١)، عن عمران بن حصين ﵁: أن النبي ﷺ [سلَّم] (٢) في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يده طول، فقال: يا رسول الله! فخرج إليه، فذكر صنيعه، فجاء فقال: "أصدق هذا؟ " قالوا: نعم. فصلى الركعة التي ترك، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٣). قالوا: فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ بنى على صلاته، ولم يأمر ذا اليدين، ولا الخرباق باستئناف الصلاة؛ لأنه تكلم لإصلاح الصلاة. والجواب: أن ذلك كان في إباحة الكلام في الصلاة، ألا ترى أنه رُوي في الخبر: "وجاء إلى جذع في المسجد، واستند إليه، وخرج سرعان الناس وهم يقولون (٤): قصرت الصلاة، قصرت الصلاة"، ولم يكن كلامه لإصلاح الصلاة، ومع هذا، فلم يأمر باستئنافها، فعلم أن ذلك كان في حال إباحة الكلام في الصلاة، ثم حُظر الكلام في الصلاة بعد ذلك، وقد

стр. 188

رُوي عن الزهري: أنه قال: كان ذلك قبل استحكام الفرائض (١). واحتج: بأنه كلام أُتي به قصدًا للتنبيه به لإصلاح الصلاة، فلم تبطل به؛ كالتسبيح للإمام بالسهو، وللمار بين يديه. والجواب: أن التسبيح ليس من كلام الآدميين، ألا ترى أن النبي ﷺ فرق بينهما فقال: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" (٢)، فلم يجعله من كلام الآدميين وأجراه مجرى قراءة القرآن، فلهذا إذا قصد به إصلاح صلاته، لم تفسد، وما اختلفنا فيه من كلام الآدميين، فيجب أن يفسد صلاته، كما لو لم يقصد به إصلاح صلاته. واحتج: بأن التنبيه على مصلحة الصلاة قد يقع بما لا يكون مباحًا لغيره. دليله: التصفيق للنساء. والجواب: أن مالكًا (٣) ﵀ منع من التصفيق في حق النساء،

стр. 189

فلا يصح احتجاجه بذلك. على أن التصفيق فعل يسير، فعفي عنه؛ كالخطوة والخطوتين، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ لأنه كلام، وقد سوى في ذلك بين القليل والكثير في الفساد، والله أعلم. * * * ١٦ - مَسْألَة: واختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في كلام الناسي، هل يقطع الصلاة أم لا ؟: فروى عنه صالح (١)، والمروذي (٢)، وإسحاق بن إبراهيم (٣)، وأبو طالب (٤)، ومحمد بن طالب بن الحكم (٥): أنه يقطع الصلاة، فقال في رواية

стр. 190

صالح (١): ومن تكلم عامدًا أو ساهيًا، أعاد الصلاة، ومن قال: إن الخطأ والنسيان مرفوع عنه، يلزمه إذا قتل صيدًا ناسيًا، وكذلك نقل إسحاق بن هانئ عنه: في إمام صلى بقوم، فيتكلم ناسيًا، يعيد الصلاة (٢)، وكذلك نقل أبو طالب: في الرجل يسلم عليه، فيرد السلام ناسيًا، يعيد الصلاة في الفريضة والتطوع (٣)، وكذلك نقل المروذي ﵀: إذا قال في صلاته: اسقني ماءً، عامدًا أو ناسيًا، استقبل (٤)، وكذلك نقل محمد بن الحكم (٥). وقال: كان الشافعي ﵀ يقول: إذا تكلم ساهيًا، لا يعيد (٦)، ويعيد أعجبُ إلي. وبهذا قال جماعة من أصحابنا (٧).

стр. 191

وبه قال أبو حنيفة ﵀ (١). وروى عنه أبو الحارث (٢)، ويوسف بن موسى (٣): لا تبطل الصلاة إذا تكلم ساهيًا. وأومأ إليه في رواية أبي طالب: في إمام سلم من اثنتين فسأل، فقال بعضهم: هي اثنتان، وقال بعضهم: هي أربع، فالذين قالوا: اثنتان يعيدون، ومن قال: إنها أربع، وظن أنها أربع، فهم مثل الإمام لا يعيدون، إنما تكلموا في أمر الصلاة، وهم يظنون أنهم أتموا؛ فقد حكم بصحة صلاتهم؛ لاعتقادهم أنهم في غير صلاة. وبهذا قال مالك (٤)، والشافعي (٥)، وداود (٦) ﵏. فالدلالة على أن ذلك يقطع الصلاة: ما تقدم (٧) من حديث معاوية بن الحكم ﵁، وقول النبي ﷺ : "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس هذا".

стр. 192

فلو كان كلام الناسي لا يفسد، لكان قد صلح فيها شيء من كلام الناس. فإن قيل: فالخبر حجة عليكم، معتمد في المسألة؛ لأنه لم يأمره بإعادة الصلاة؛ لأنه كان جاهلًا بالحكم. قيل له: لم يعلم بالنهي، فلم يلزمه حكمه، كما لم يلزم أهل قباء حكم النسخ قبل العلم به، بل استداروا في الصلاة (١). وقد قال أحمد ﵀ في رواية حنبل: فيمن صلى في أعطان الإبل ولم يعلم، ولم يسمع الخبر عن رسول الله ﷺ : رجوت أن لا يلزمه (٢)؛ يعني: لا يلزمه الإعادة. وقال في رواية صالح: ذو اليدين تكلم، ولا يدري لعلها قد قصرت (٣). فإن قيل: قوله: "لا يصلح" لا يفيد بطلان الصلاة؛ لأن الالتفات لا يصلح في الصلاة، والعبث في ثيابه، ولحيته، والخطوة، والخطوتين، ونحو ذلك.

стр. 193

قيل له: رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "يصلح الالتفات، أو الخطوة والخطوتان" (١)، لكنا نقول: إن ظاهره يقتضي بطلان الصلاة. فإن قيل: هذا أمر بالامتناع من الكلام في الصلاة، وأن (٢) في صورة الخبر؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والناسي لا يتوجه إليه الأمر والنهي. قيل له: ظاهره الخبر، ويمكنّا حملُه عليه، فلا نصرفه إلى غيره إلا بدلالة، على أن الناسي يجوز أن يكون حكم الخطاب قائمًا عليه في فساد صلاته إذا ترك شرطًا من شروطها، ولم يجز توجه الخطاب إليه في حال النسيان؛ كما لو نسي الطهارة، وصلى، أو نسي القراءة أو الركوع، فسدت صلاته، وكذلك إذا تكلم ساهيًا. وروى أبو شيبة (٣) عن يزيد أبي خالد (٤)، .................

стр. 194

عن أبي سفيان (١)، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الكلام ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء" (٢)، وهذا عام في العمد والسهو؛ ولأن مثله غير مسنون في الصلاة، فوجب أن لا يختلف عمدُه وسهوه؛ كالجماع، ولا يلزم ﵇؛ لأن مثله مسنون في الصلاة، وهو قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" (٣). ولا يلزم عليه الخطوة والخطوتان (٤)؛ لأنه لا يختلف عمدها وسهوها، وكذلك الالتفات. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يبطل الطهارة والصلاة، فأبطل

стр. 195

الصلاة في الحالين، والكلام لا يبطل الطهارة، ويبطل الصلاة، فاختلف عمده وسهوه؛ كالسلام. قيل له: العمل الكثير لا يبطل الطهارة، ويبطل الصلاة، ويستوي عمده وسهوه؛ ولأنه من كلام الناس، فوجب أن يفسد الصلاة؛ كما لو تعمد. ولا يلزم ﵇؛ لأنه ليس من كلام الناس، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" (١)؟ ووجدنا السلام مثله مسنون في الصلاة، فلو كان من كلام الناس، لما كان مسنونًا في الصلاة. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكْرِهوا عليه" (٢). والجواب: أن ظاهره يقتضي أن يكون نفسُ النسيان مرفوعًا عن الأمة، وقد علمنا وقوع النسيان منهم، فعلم أن المراد بالخبر غيرُ ما يقتضي ظاهره، فلا يخلو إما أن يكون المراد به المأثم، أو الحكم، وليس واحد منهما مذكورًا في الخبر، فسقط التعلق به. فإن قيل: نحمله عليهما. قيل له: العموم يُدّعى في الألفاظ، والمأثم والحكم غير مذكورين (٣)

стр. 196

في اللفظ، فلا يصح ادعاء العموم فيهما. واحتج: بحديث معاوية، وأن النبي ﷺ لم يبطل صلاته (١)، وقد أجبنا عنه، وجعلناه حجة لنا من الوجه الذي بينا. واحتج: بحديث أبي هريرة ﵁: أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشاء، فسلم في الركعتين، ثم استند إلى جذع في المسجد، وخرج سرعان الناس وهم يقولون: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة [، أم نسيت]؟ فقال: "لم تقصر، ولم أنس"، فقال: بل نسيت، قال: "كل ذلك لم يكن"، ثم أقبل على أبي بكر وعمر ﵄، فقال لهما: "أحق ما يقول ذو اليدين؟ "، فقالا: نعم، فعاد إلى مكانه، وأتم صلاته (٢). فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ تكلم، وعنده: أنه قد أتم الصلاة، فكان بمنزلة الناسي، وكذلك ذو اليدين تكلم، وعنده: أن الصلاة قد قصرت، فظن أنه يتكلم في غير الصلاة، فكان في حكم الناسي، ومع ذلك فلم يستأنف النبي ﷺ ، بل بنى على ما مضى منها. والجواب: أن الكلام في الصلاة كان مباحًا في ذلك الوقت، ورُوي عن الزهري: أنه قال: [كان ذلك قبل استحكام الفرائض]، ويدل على ذلك أيضًا: أن النبي ﷺ قال: "لم تقصر، ولم أنس" قال ذو اليدين: بل نسيت،

стр. 197

هكذا رواه أبو داود (١)، فتكلم عامدًا بعد ما علم أن الصلاة لم تقصر، وأنه بعدُ في الصلاة، وكذلك أبو بكر وعمر ﵄ تكلما بعد علمهما أنهما في الصلاة، ولم يأمرهما النبي ﷺ بإعادة الصلاة. فإن قيل: روى أبو داود (٢) هذا الحديث بإسناده عن أبي هريرة ﵁ إلى قوله: "قال له ذو اليدين: بل نسيتَ يا رسول الله، فأقبل على القوم، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فأومؤوا (٣)؛ أي: نعم، ففي هذا الخبر أنهم أشاروا ولم يتكلموا، ويروى: "أنهم قالوا: نعم" (٢)، وإنما أراد به الإيماء، وسمّاه قولًا؛ لأن ذلك سائغ في اللغة، تقول العرب: قلتُ برأسي ويدي، وقال بعضهم (٤): تقُول إِذا دَرأْتُ لها وَضِينِي … أَهذا دِينُه أَبَدًا ودِيني (٥)

стр. 198

يريد: الناقة، فعبّر عن الإشارة والإيماء بالقول. قيل له: في هذا الخبر: "أن القوم أومؤوا؛ أي: نعم"، وفي رواية أحمد التي تقدم ذكرها (١): أن أبا بكر وعمر ﵄ قالا: نعم، فثبتهما جميعًا، ونقول: أشار القوم؛ أي: نعم، وقال أبو بكر وعمر ﵄ بلسانهما: نعم. فإن قيل: لم تبطل صلاة أبي بكر وعمر ﵄، وإن تكلما عامدين؛ لأن النبي ﷺ لما سألهما عما يقول ذو اليدين، لزمهما أن يجيباه، ألا ترى أن النبي ﷺ دعا أُبيًّا وهو في الصلاة، فلم يجبه، فلما فرغ، قال له النبي ﷺ : "ما منعكَ أن تجيبني إذ دعوتُكَ؟ "، فقال: كنت أصلي، فقال: "أما سمعتَ الله يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؟ فقال: لا أعود (٢). فدل على أن إجابته في الصلاة كانت واجبة، وإذا وجبت، لم تبطل بها الصلاة، وجرت مجرى القراءة، والركوع، والسجود. قيل: لزوم الإجابة لرسول الله ﷺ لا يمنع الفساد، ألا ترى أنه لو

стр. 199

رأى رجلًا يقتل رجلًا، وأمكنه أن يمنعه، لزمه أن يمنعه؟ وإذا فعل، فسدت صلاته. فإن قيل: حظرُ الكلام في الصلاة كان بمكة، وقصةُ ذي اليدين بالمدينة، يدلك على صحة ذلك: ما روي أن عبد الله قدم من الحبشة، والنبي ﷺ كان يصلي عند الكعبة، فسلم عليه، فلم يرد عليه، الخبر (١). قيل له: الكلام كان مباحًا بالمدينة، ألا ترى أن أبا عمرو الشيباني (٢) روى عن زيد بن أرقم قال: كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام (٣). وروى رجاء الحافظ (٤) في كتابه ........................

стр. 200

قال (١): كنا على عهد رسول الله ﷺ (٢) حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمِرْنا حينئذ بالسكوت. ورُوي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نرد السلام في الصلاة، حتى نُهينا عنه (٣). وزيد بن أرقم وأبو سعيد لم يُسْلِما بمكة، وهما من الأنصار. وقال صالح بن أحمد (٤): قلت لأبي: قصة ذي اليدين قبل بدر أو بعد بدر؟ فقال: أبو هريرة يحكيه، وكان إسلامه بعد وقعة خيبر، وإنما صحب النبي ﷺ ثلاث سنين وشيئًا (٥)، وهذا يدل على أنه رأى النسخ بالمدينة، وقولهم: إن عبد الله بن مسعود قدم والنبي ﷺ يُصلي عند الكعبة غلط؛ لأن في هذا الخبر: أن عبد الله قدم من الحبشة، والنبي ﷺ كان

стр. 201

يتأهب للخروج إلى بدر، وذو اليدين صاحب القصة كان حيًا يومئذ، وقتل ببدر بعد ذلك، فيجوز أن تكون قصته قبل قدوم عبد الله من الحبشة في حال كان الكلام مباحًا، ثم حظر الكلام، فقدم عبد الله والكلامُ محظور (١)، فخرج ذو اليدين إلى بدر، وقتل، وإذا ثبت أن قدومه كان عند تأهبه، امتنع أن يكون قدومه بمكة؛ لأنه من المدينة خرج إلى بدر. فإن قيل: الذي قتل يوم بدر كان يقال له: ذو الشمالين، والذي تكلم في الصلاة ذو اليدين، والدليل على ذلك: ما روى علي بن سعيد قال: سألت أحمد ﵀ عن قصة ذي اليدين، وقصة الخرباق؟ قال: لا، هما حديثان (٢). وقال أيضًا في رواية الميموني - وقد قيل: لو أنهم يقولون: إنه قتل يوم بدر -، فقال: ليس من هذا شيء. وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (٣): حديث عمران بن

стр. 202

حصين غير حديث أبي هريرة، وكانا في وقتين مختلفين، والخرباق غير ذي اليدين، والدليل عليه: أن عمران بن حصين روى أن النبي ﷺ سلّم من ركعتين، فدل ذلك على أحدهما غير الآخر. ولأن أبا محمد القتبي (١) قال في المعارف (٢): "ذو اليدين، كنيته: أبو محمد (٣)، واسمه: عمير (٤)، وكان من خزاعة، قال: وهو الذي كلمه النبي ﷺ في الصلاة. قيل له: قد قيل: إن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وكان طويل اليدين يعرف بذي الشمالين، فكره النبي ﷺ أن يقال له: ذو الشمالين، فقال: "أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟ ".

стр. 203

وروى الزهري أنه قال (١): ذو اليدين قتل يوم بدر، وأن ذا اليدين وذا الشمالين واحد (٢). وروي عن يحيى بن معين: أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، واسمه الخرباق (٣). وفي بعض الأخبار رُوي عن (٤) [أبي] (٥) قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين ﵁ قال: سلّم رسول الله ﷺ في ثلاث ركعات من العصر، ثم دخل الحجرة، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان طويل اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبًا يجر رداءه، فقال: "أصدق؟ "، قال: نعم، فصلى تلك الركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٦). وقد روى أحمد ﵀ هذا اللفظ (٧)، على أن أكثر ما فيه أن ذا اليدين غير ذي الشمالين، وأن القصة تأخرت عن قدوم ابن مسعود،

стр. 204

وهذا لا يضير (١)؛ لأن الكلام أُبيح بعد ذلك، والدليل عليه: ما روى زيد بن أرقم قال: كنا نتحدث في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت (٢). وزيد بن أرقم أصغر سنًا من أبي هريرة ﵄. فإن قيل: فأبو هريرة هو الذي روى قصة ذي اليدين، وعمران بن حصين، وإسلامُهما متأخر، وقد بين ذلك محمد بن نصر المروزي (٣) في كتابه: الرد على أهل الرأي ومخالفتهم لعلي وعبد الله ﵄، فذكرا لي قال: وأما أبو هريرة، فقال: أسلمتُ والنبيُّ ﷺ قد فتح خيبر، وقدمت المدينة وبها سباع بن عرفطة (٤) الغفاري ﵁، والنبي ﷺ بخيبر، فخرجت إليه، قال: وصحبت النبي ﷺ [ثلاث] سنوات (٥).

стр. 205

وقال أبو بكر الحميدي: وأسلم عمران بن حصين بعد بدر (١). وإذا كان كذلك، دل على أنه كان هذا بعد تحريم الكلام بسنتين. قيل: يحتمل أن يكون حدّث بالقصة عن غيره، وإن لم يكن قد شاهدها، وكذلك زيد بن أرقم وعمران بن حصين ﵄، كما قال البراء: ما كلُّ ما نحدِّثكم عن رسول الله ﷺ سمعناه، ولكن سمعنا، وحدَّثَنا أصحابُنا (٢). وروى حماد بن سلمة (٣) عن حميد (٤)، عن (٥) أنس قال: والله!

стр. 206

ما كلُّ ما نحدِّثكم سمعناه من رسول الله ﷺ ، ولكن كان يحدث بعضنا بعضًا (١). وروى ابن جريج (٢) قال: نا عمرو (٣) عن يحيى بن جعدة (٤): أنه أخبره عن عبد الله بن عبد القاري (٥) أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: لا وربِّ هذا البيت! ما أنا قلت: من أدرك الصبح وهو جنب، فليفطر، ولكن محمدًا قاله، وحقِّ ربِّ هذا البيت (٦).

стр. 207

ثم لما أُخبر برواية أم سلمة (١) ﵂: أن النبي ﷺ كان يصبح جنبًا من غير احتلام، ثم يصوم يومه ذلك، قال: لا علم لي بهذا، إنما أخبرني به الفضل بن العباس ﵄ (٢). فإن قيل: لو كان كذلك، لما روى أبو هريرة ﵁: صلى بنا رسول الله ﷺ ؛ لأن أبا هريرة لم يكن قد أسلم في ذلك. قيل له: قوله: صلى بنا، يحتمل أن يريد به: صلى بقومنا، ويعني به: المسلمين، كما قال النزال بن سَبْرة (٣) ﵁: قال لنا رسول الله ﷺ (٤). وكما قال طاوس (٥): قدم علينا معاذ، وأراد به: قدم على أهل

стр. 208

بلدنا؛ لأن (١) معاذًا خرج إلى اليمن في عهد رسول الله ﷺ ، وطاوس لم يكن ولد في ذلك الوقت (٢). وكما قال الحسن (٣): خطبنا عتبة بن غزوان، وأراد به خطب أهلَ بلدنا - يعني: البصرة (٤) -. فإن قيل: نحمل حديث زيد بن أرقم على أن المهاجرين كان أحدهم يكلم الرجل إلى جنبه بمكة، ويكون بمعنى قوله: أحدنا يريد به: أحد (٥) الصحابة ﵃، وهم المهاجرون بمكة، فأضافه إليهم على هذا الوجه.

стр. 209

قيل له: لا يصح هذا؛ لأنه ذكر في الخبر: كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وهذا في سورة البقرة (١)، وهي مدنية، قال أحمد ﵀ في رواية المروذي: أربع سور نزلت بالمدينة: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة (٢). واحتج: بأنا قد علمنا بأن الكلام في الصلاة لم يكن يبطلها، وقد تيقنا ورود النسخ في العمد، فيجب أن يكون حكم السهو باقيًا على ما كان في الأصل. والجواب: أن الذي أوجب بطلان الصلاة بكلام العامد هو الذي يوجب بطلانها بكلام الساهي، فلا معنى للفرق بينهما. فإن قيل: الذي يوجب بطلان الصلاة بكلام العامد هي (٣) الأخبار التي فيها نهي عن الكلام، والناسي لا يتوجه إليه النهي. قيل له: إن يتوجه إليه، جاز أن يدخل تحت الخبر الذي صورته الإخبار؛ مثل قوله: الكلام يبطل الصلاة، ولا يبطل الوضوء، ومثل حديث معاوية (٤)، وعلى أن إباحة الكلام في الصلاة ونفي بطلانها بالكلام حكم ثابت في الأصل، فالحكم ببطلانها بكلام الناسي لا يكون نسخًا،

стр. 210

فيجوز أن يثبت بدلالة القياس. واحتج: بأن الناسي كالجاهل في سقوط المأثم، ثبت أنه لو كان جاهلًا بتحريم الكلام في الصلاة، لم تبطل صلاته، كذلك إذا كان ناسيًا. والجواب: أن الجاهل بتحريم الكلام يتكلم بإباحة سابقة؛ لأن الكلام كان مباحًا في صدر الإسلام. بدليل: ما تقدم من الأخبار، فلهذا لم يثبت حكم النسخ في حقه إلا بعد العلم، وليس كذلك الناسي؛ لأن الكلام حصل منه بعد علمه بنسخه، فلهذا لم يعذر فيه. فإن قيل: فالناسي أعذر من الجاهل، بدليل: أنه لو أكل في الصوم ناسيًا، لم يبطل صومه، ولو أكل جاهلًا بتحريم الأكل، بطل صومه. قيل: إنما لم يعذر الجاهل (١)؛ لأنه لم يسبق في الشرع إباحة [الأكل] في حال الصوم، وها هنا قد سبق إباحة الكلام، وأما إذا أكل ناسيًا، فإنما لم يبطل صومه؛ لما يأتي الكلام عليه. واحتج: بأن الكلام معنى يختص بإفساد الصلاة، فوجب أن لا يفسدها بسهوه؛ قياسًا على السلام، وفيه احتراز من الحدث؛ لأنه يفسد الطهارة والصلاة جميعًا، فلم يكن مختصًا بإفساد الصلاة، وربما قالوا: نطقٌ حرّمتْهُ الصلاة، فوجب أن يختلف عمده وسهوه، أصله: السلام. والجواب: إن مثله مسنون في الصلاة، فجاز أن يختلف حكم عمده

стр. 211

وسهوه، وليس كذلك الكلام؛ لأن مثله غير مسنون في الصلاة، فلا يختلف حكم سهوه وعمده؛ كالجماع. قيل: الحلق مأمور به في الحج والعمرة في موضع، وقتل الصيد غير مأمور به، ثم إذا قدم الحلق في الإحرام على موضعه، كان حكمه حكم قتل الصيد فيما يتعلق به من الفدية، ولم يجز أن يفرق بينهما بأن أحدهما نسك في هذه العبادة، والآخر ليس بنسك، كذلك لا يجوز أن يفرق بين الكلام والسلام بهذا الفرق. قيل له: الحلق غير مأمور به في حال هذه العبادة، فلم يختلف حكمه وحكم قتل الصيد في حال الإحرام، واستوى أيضًا حكم عمده وسهوه؛ كالكلام لما لم يكن مسنونًا في حال الصلاة، وهو قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" (١)، فجاز أن يختلف حكم عمده وسهوه. واحتج: بأنه معنى تمتنع منه (٢) العبادة منعًا يختص بالعبادة، فسهوه لا يبطلها؛ كالأكل في الصوم. والجواب: أنا لا نسلِّم الوصف في الأصل؛ لأن الأكل لا يختص

стр. 212

النهي عنه بالصوم؛ لأنه ممنوع منه في الصلاة أيضًا، وعلى أن الصلاة أعم في الفساد من الصوم؛ لأنه يفسدها ما لا يفسد الصوم من الكلام، والعمل، والحديث. ولأن الصوم حجة عليهم؛ لأنه لو ظن أن الشمس قد غربت، فأكل، ثم بان أنها لم تغرب، فعليه القضاء، ولو ظن أنه قد خرج من الصلاة فتكلم، فصلاته صحيحة، وكان يجب أن يقولوا: تبطل كالصوم، وعلى أن الصوم ينعقد، وإن لم يقصد انعقاده، وهو بكونه (١) نائمًا، أو مغمى عليه حين طلوع الفجر، فجاز أن يكون ما يفسده يختلف بقصده وعدم قصده، والصلاة لا يصح انعقادها من غير قصده، فجاز أن لا يختلف ما يفسدها بالسهو. واحتج: بأن بكر بن محمد روى عن أبيه (٢) عن أحمد ﵀ فيمن قرأ آية رحمة، فجعلها عذابًا، تمت صلاته، ولا يسجد للسهو (٣)، ومعلوم أن هذا لا يكون قرآنًا، وقد حكم أحمد ﵀ بصحة (٤) الصلاة (٥).

стр. 213

والجواب: أن هذا يعتقد أنه يأتي في صلاته بما هو مشروع فيها، فهو كما لو سها، فصلى خمسًا: أن صلاته صحيحة، وكلام الآدميين لم يقصد به هذا، فهو كالعمل في الصلاة إذا كثر من غير اعتقاد أنه من الصلاة، فإن صلاته تبطل، وعلى أنه قد رُوي عن أحمد ﵀ ما يدل على بطلان الصلاة أيضًا، فقال الحسن بن محمد بن الحارث السجستاني (١): سألت أحمد ﵀: عن الرجل يختم آية رحمة بآية عذاب؟ فقال: هذا أشد، كأنه رأى الإعادة للصلاة، قيل له: فأي حروف تعاد منه الصلاة؟ قال: إذا كان حرفًا يغيّر المعنى، أو كلامًا يشبه هذا (٢)، وهذا يدل على البطلان. * * * ١٧ - مَسْألَة: إذا سبقه الحدث في صلاته بطلت الصلاة: نص عليه في رواية الميموني (٣)، ...........................

стр. 214

وإسحاق بن إبراهيم (١)، وصالح (٢)، قال صالح: قلت (٣): قال سفيان في الضحك والريح: يعيد الوضوء والصلاة، وفي الرعاف (٤): يبني؟ فقال: إني أعجبُ إليَّ أن يتوضأ في هذا كله ويستأنف الصلاة (٥). وبهذا قال مالك (٦)، والشافعي - رحمهما الله - في الجديد (٧). وروى حنبل عنه: أنه يتوضأ، ويبني على صلاته (٨). وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٩)، والشافعي ﵀ في القديم (١٠)، وداود (١١).

стр. 215

وروى عنه الفضل بن زياد: إن كان الحدث من السبيلين، يبتدئ الصلاة، وإن كان من غيرهما؛ كالرعاف والفصاد (١) ونحوه، توضأ وبنى (٢). وهو قول سفيان ﵁ (٣). فالدلالة على أنه يبتدئ الصلاة: ما رُوي عن النبي ﷺ قال: "لا صلاة إلا بطهور" (٤)، وهذا لا طهور له، فوجب أن لا يكون صلاة. فإن قيل: لا تجوز الصلاة بغير طهور؛ لأنه لو فعل جزءًا منها بغير طهور، لم يعتد به. قيل له: إلا أنه داخل في الصلاة، ومتلبس فيها قبل أن يتوضأ، والخبر يقتضي: نفي الصلاة إذا لم تكن طهارة. وأيضًا ما روى أبو داود (٥)، وذكره أبو بكر بإسناده عن علي بن طلق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فسا أحدُكم في الصلاة، فلينصرف،
следующие страницы →