ونقل أبو طالب عنه: إذا ترك الفجر عامدًا حتى وجبت عليه أخرى ولم يصلها، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
وظاهر هذا: أنه إذا تضايق وقت الثانية وجب كفره وقتله، وهو أصح؛ لظاهر الأخبار التي رويناها من ترك صلاة العصر، ومن ترك صلاة الفجر، ومن ترك صلاة فقد حبط عمله، فعلق حبط العمل بصلاة واحدة.
ولأن القتل لهما بترك الصلاة المفروضة في وقتها، وهذا موجود في الصلاة الأولة، وليس تأخيره ثلاث صلوات بأولى من تأخيره أربعًا وخمسًا.
فإن قيل: فإذا كانت الاستتابة بعد خروج وقت الأولة، فهو وقت متسع للقضاء، فلا يجوز الكفر والقتل مع سعة الوقت، كما لا يجوز بتأخير الصلاة عن أول الوقت إلى آخره.
قيل له: وقت القضاء مضيق عندنا إذا كان الترك من غير عذر، ويكون على الفور، وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية عبد الله: فيمن ترك صلاة شهر يعيد ما ترك حتى يضعف، ولا يكون له ما يقيمه يومه فيكسب ما يقيمه يومه ثم يعود (١) إلى الصلاة، فإن ضعف تركها حتى يقوى.
وكذلك نقل صالح عنه: فيمن فرط في صلاة شهرين أو ثلاثة يصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة الذي ذكر فيها، ثم يصلي هذه التي يخاف
стр. 1507
فواتها، ثم يعود فيصلي حتى يخاف فوات الصلاة التي بعدها، إلا أن يكثر عليه فيكون ممن يطلب المعاش.
وهذا يدل على أن القضاء على الفور، وأصله يقتضي هذا أيضًا، وهو وجوب الترتيب في قضاء الفوائت، على أن هذا لا يوجب أن لا يقتل ولا يحبس لهذا المعنى، وقد قيل: يقتل.
فإن قيل: لا يجوز إثبات القتل والكفر بأخبار الآحاد.
قيل: يجوز ذلك كما قلنا نحن وأبو حنيفة: تصح ردَّة الصبي، وقلنا نحن والشافعي: تصح ردَّة السكران، وذلك بالاجتهاد، وأوجبنا الحد على شارب النبيذ بالاجتهاد، وأوجب أبو حنيفة على الواطئ بالشبهة الحد، والله أعلم.
* * *
стр. 1508
مَسَائِلُ الجَنَائِزِ
٣٧ - مَسْألَة: المستحب أن يغسل الميت في قميص:
نص عليه في رواية المروذي فقال: يعجبني أن يغسل الميت وعليه ثوب يدخل يده من تحت الثوب، كذا يروى أن النبي ﷺ غسل وعليه ثوب.
وبه قال الشافعي ﵁.
وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: يغسل الميت مجردًا، ويطرح على عورته خرقة.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عبد الله بن الحارث بن نوفل أن علي بن أبي [طالب] (١) ﵁ غسل النبي ﷺ وبيد علي خرقة يتبع بها من تحت القميص.
وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: غُسِّل رسول الله ﷺ في قميصه.
стр. 1509
وهذا يدل على أن الأفضل ذلك؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم فعلته.
فإن قيل: النبي ﷺ كان مخصوصًا بذلك، يدل عليه ما روى ابن بطة بإسناده عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: لما أرادوا غسل النبي ﷺ فقالوا: والله ما [ندري أ] (١) نجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: اغسلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم.
فوجه الدلالة: أنهم قالوا: ما ندري أنجرده كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه.
فدل على أن السنة في حقهم ذلك.
قيل له: أما قولكم: إنه كان مخصوصًا، فيحتاج إلى دليل؛ لأن الظاهر إنما فعله فهو شرع لأمته ما لم يرد دليل التخصيص، وعلى أنه قد روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ لما حضره الموت قال: إن أنا مت فاصنعوا بي كما صنع بالنبي ﷺ ، وهو مخصوص بذلك.
وإن قولهم: لا ندري أنجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا، معناه:
стр. 1510
لا ندري نتخير في تجريد رسول الله ﷺ كما نتخير في تجريد موتانا أو لا نتخير ونعزم على غسله من غير تجريد؛ لأن على قولنا: إنه يجوز التجريد، ويجوز غيره، وإنما الخلاف في الأفضل، فكان الأفضل في حق النبي ﷺ ترك التجريد بلا تخير.
ولأنه غسل ميت فاستحب أن يكون من فوق ثوب، دليله: غسل النبي ﷺ .
ولأنه بالموت يصير جميع بدنه في حكم العورة، بدليل أنه يستر موضع غسله، ولا ينظر الغاسل ولا من يعينه إلا ما لا بد لهم منه، ولهذا يدَّعى (١) أنه في حكم العورة من جميع الجهات، وإنما ادعينا ذلك في بعض الأحكام فكان الاحتياط مواراته.
واحتج المخالف: بأنه غسل مأمور به فالمستحب أن يكون مجردًا، كالغسل من الجنابة.
والجواب: أن غسل الميت لا يشبه الحي؛ لأن النبي ﷺ كان يغتسل من الجنابة متجردًا، و (٢) غسل بعد موته في القميص.
ولأن الجنب يخلو بنفسه، فيجوز أن يتجرد ويغتسل، والميت يشاهده غيره، فيجب أن يُغسل في قميصه ليكون أستر له.
* * *
стр. 1511
٣٨ - مَسْألَة: ويدخل يده في فيه فيمرُّها على أسنانه بالماء، ويدخل أطراف أصبعيه في منخريه بشيء في الماء فينقيه:
نص على هذا في رواية المروذي فقال: ويلف على يده خرقة ثم يدخل يده في فيه، ويمسح فمه وأسنانه، ويمسح أنفه ولا يصب عليه الماء فينفجر.
وبهذا قال: الشافعي ﵁.
وقال أبو حنيفة: لا يستحب ذلك.
دليلنا: أنه تطهير فيه غسل الوجه، فكان فيه إيصال الماء إلى داخل الفم والأنف، دليله: الغسل من الجنابة، والحيض، والوضوء، وهذا أولى من أن يقال: غسل يعم جميع البدن؛ لأن الوضوء في ذلك بمثابة الغسل في أنه يستحب ذلك في الوضوء كما هو مستحب في الغسل.
واحتج بأن قال: معنى المضمضة والاستنشاق لا يتأتى من الميت؛ لأن المضمضة هو: أن يأخذ الإنسان الماء في فمه فيديره ثم يمجه، والاستنشاق: أن يأخذ الماء بالنفس إلى خياشيمه ثم يرده، وإذا لم يتأتى سقط اعتباره.
والجواب: أنه إذا لم يقدر على إيصال الماء إليه على صفة الكمال، وجب إيصاله على حسب الإمكان، ألا ترى أن المسموم (١) والمحترق
стр. 1512
إذا تعذر غسله على صفة الكمال سقطت الصفة، ووجب إيصال الماء إليه على حسب الإمكان، وكذلك في غسل الجنابة والوضوء في حال الحياة، كذلك ها هنا.
* * *
٣٩ - مَسْألَة: لا يسرح شعر الميت:
نص عليه في رواية أبي طالب فقال: لا يسرح شعر الميت، قالت عائشة ﵂: علام (١) تُنَصُّون ميتكم؟!
وكذلك نقل المروذي فقال: لا يسرح لحية الميت، فذكر له حديث أم عطية مشطناها ثلاث ذوائب فقال: إنما ضفر لم يسرح.
بهذا قال أبو حنيفة ﵀.
قال الشافعي ﵁: يسرح تسريحًا خفيفًا، وذهب شيخنا إلى (٢) هذا.
دليلنا: ما روى إبراهيم عن عائشة ﵂: أنها رأت ميتًا يُسرَّح رأسُه فقالت: لم تنصون ميتكم؟! ذكره أبو عبيد في الغريب.
وروى أبو بكر بإسناده عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: لا تسرح شعر الميت.
стр. 1513
ولا نعرف لها مخالف.
ولأن العادة لا تسلم من نتف الشعر في حال التسريح، وذلك مكروه، فلذلك كره التسريح؛ لأنه يؤدي إلى ذلك.
فإن قيل: لسنا نسرح تسريحًا شديدًا يؤدي إلى ذلك.
قيل له: لا يمكن في العادة فعل ذلك إلا بنتف شيء من الشعر.
واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "افعلوا بميتكم كما تفعلون بعروسكم".
والجواب: أن هذا محمول على الغسل والطيب وغير ذلك.
واحتج: بأن فيه تنظيفًا أشبه إزالة الدرن.
والجواب: أن إزالة الدرن لا يحصل معه نتف شعر، وها هنا يحصل معه، فلذلك كره، والله أعلم.
* * *
٤٠ - مَسْألَة: يضفر شعر المرأة ثلاثة قرون ويلقى خلفها:
نص على هذا في رواية حنبل فقال: يضفر ثلاث قرون على ما فعل بابنة رسول الله ﷺ .
وكذلك نقل أبو داود عنه: أنه يضفر ثلاث قرون، ويسدل من خلفها.
стр. 1514
وهو قول الشافعي ﵁.
وقال أبو حنيفة ﵀: يكره ذلك، ولكن ترسله الغاسلة غير مضفور بين يديها من الجانبين ثم يسدل خمارها عليه.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن أم عطية ﵂ قالت: ضفرنا رأسها ثلاث قرون ثم ألقيناها خلفها مقدم رأسها وقرنيها.
فإن قيل: يحتمل أن الغاسلة فعلت ذلك بغير أمر النبي ﷺ .
قيل له: النبي ﷺ كان حاضرًا لما تفعله، هكذا روي في الحديث أن رسول الله ﷺ كان جالسًا عند الباب، تعني أنه (١) يناولنا ثوبًا ثوبًا.
ولأنه لا يجوز أن يفعلن شيئًا في سنن الموتى من غير علمه وهو حاضر.
ولأن ضفره أجمع له؛ لأنه متى لم يضفر تفرق وانتشر، وما كان أجمع فهو أولى، مثل شد الكفن عليها.
واحتج المخالف: بأن تضفير شعرها لا يمكن إلا بالتسريح، وذلك مكروه؛ لما فيه من نتف شعره.
والجواب: أن التضفير ممكن من غير تسريح إذا نشف من الماء، والله أعلم.
* * *
стр. 1515
٤١ - مَسْألَة: ويقلم أظفار الميت، ويحلق شعر عانته وإبطيه، ويؤخذ من شاربه إن كان طويلًا:
نص على هذا في رواية صالح وقد سئل: هل يقلم أظفار الميت ويؤخذ من شعره أو يقص شاربه؟ قال: إذا كان شيئًا فاحشًا، فإن سعد بن أبي وقاص ﵁ غسل ميتًا فدعى بموسى.
وكذلك روى إسحاق بن إبراهيم عنه في الميت يكون الشارب الطويل يأخذه الغاسل.
وبهذا قال الشافعي ﵁ في الجديد.
وقال في القديم: لا يفعل ذلك، وهو قول أبو حنيفة ﵀، ومالك أيضًا.
دليلنا: قوله ﷺ : "افعلوا بموتاكم كفعلكم بعروسكم".
وأيضًا قوله ﷺ : "عشر من السنة"، وذكر منه قص الأظفار، وحلق العانة، ولم يفرق.
وأيضًا روى أحمد ﵀ ذكره أبو بكر - قال: حدثنا وكيع عن خالد عن أبي قلابة أن سعد بن أبي وقاص ﵁ جزَّ عانة ميت، ولا نعرف له مخالف.
ولأنها فطرة لا يتعلق بقطع عضو، فجاز فعلها بالميت كالغسل.
ولأنه تنظيف بدنه فأشبه إزالة الدرن.
стр. 1516
واحتج المخالف: بأنه لو كان أقلف لم يختن؛ لأن فيه قطع حرمته، كذلك أخذ الشعر، وقلم الأظافر، وكذلك إذا سرق ثم مات لم تقطع يده، كذلك ها هنا.
والجواب: أنه لم يختن، ولا تقطع يده، وقد نص على هذا في رواية أبي داود قد سئل عن الميت تؤخذ أظفاره فقال: من الناس من يقول ذلك، ومنهم من يقول: إن كان أقلف أي يختن، يعني من لا يفعل ذلك، وكان المعنى: [أنه] قد تاب، قطع اليد يراد للزجر والردع، وهذا المعنى معدوم في الميت؛ لأنه قد أمن من الفعل ثانيًا، والختان يراد للطهارات في المستقبل؛ لأنه بعدمه تحتقن النجاسات، وهذا المعنى يعدم بعد الموت، وليس كذلك إزالة الشعر؛ لأنه يراد للنظافة، وهذا المعنى مقصود في حق الميت، فإن النظافة مقصودة في حقه.
واحتج: بأنه لو كان شعر رأسه طويلًا لم تحلق، وقد قال أحمد ﵀ في رواية المروذي: له طُرَّة لا تقص وتفرق.
والجواب: أن حلق الرأس يراد للزينة أو النسك، وليس الميت واحدًا منهما، وليس كذلك حلق العانة، والإبط، وأخذ الشارب؛ لأنه تنظيف، وهذا معتبر في حق الميت كالغسل.
واحتج: بأنه من الفطرة، وقد سقطت فطرته بموته، ولأنه يصير إلى بلى عن قليل.
والجواب: أنه يبطل بإزالة الوسخ عنه بالغسل، والله أعلم.
* * *
стр. 1517
٤٢ - مَسْألَة: إذا خرج من الميت شيء بعد الغسل أعيد عليه الغسل:
نص عليه في رواية صالح، وأبي الحارث: في الميت ينتقض بعدما يفرغ منه فإنه يغسل ثلاثًا، فإن خرج منه شيء بعد ذلك فإلى سبع، فإن خرج منه شيء بعد ذلك فإلى تسع، ويرفع.
وبهذا قال الشافعي ﵁، ومن أصحابه من قال: لا يجب ذلك، وإنما يستحب، ويغسل الموضع من النجاسة ويجزئه، وهو قول أبي حنيفة ﵀.
دليلنا: ما روي في حديث أم عطية أن النبي ﷺ قال: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا إن رأيتن ذلك"، ففرض لهم الثلاث، وجعل لهم الاجتهاد إلى السبع فيما يرونه من الغسل، يريد به: إن حدث أمر يوجب الغسل فاغسلوه، أو معناه: إن أمنتم على الميت من تكرار الغسل.
ولأن الموت في معنى الإغماء، والنوم؛ لأنه سقوط الحواس، وذهاب التمييز، وقد ثبت أن موجب الإغماء، والجنون، والحدث يبطله، وجب أيضًا أن يبطل الحدث موجب الموت، وهو الغسل.
واحتج المخالف: بأن خروج الحدث بعد الغسل لا يبطله، أصله: غسل الجنابة، والجمعة.
والجواب: أنا قد بينا أن الموت يجري مجرى الإغماء، والنوم، ثم ثبت أن الحدث يبطل موجب الموت، كذلك يجب أيضًا أن يبطل
стр. 1518
موت الموت الذي هو مثله، فكان اعتباره بنظيره الأولى من اعتباره بالجنابة والجمعة.
واحتج: بأن الغسل لم يجب بالحدث، فوجب أن لا يبطل بالحدث.
والجواب: أنا لا نسلم هذا؛ لأنه وجب بالموت، وهو من جنس الأحداث.
واحتج: بأن طريان الحدث بعد غسل الميت لا يوجب إعادة غسله، دليله: لو خرج منه الحدث وهو في أكفانه أو خرج منه بعد السابعة، فإن أحمد ﵀ نص في هذا الموضع أنه لا يعاد عليه الغسل في رواية إبراهيم بن الحارث فقال: إذا خرج منه شيء وقد وقع في أكفانه لم يعد عليه الغسل، فإنه انتقض وهو على المغتسل وقد غسل سبعًا قال: يوضأ ويرفع.
والجواب: أن ابن منصور قد روى عنه إذا أدرج في الأكفان ثم خرج منه شيء، فإن كان كان شيئًا قليلًا رفع إلا أن يكثر ويظهر من الكفن شيء فاحش فيعاد عليه الغسل.
قال أبو بكر الخلال: إذا أدرج في أكفانه ثم بدا منه شيء، فقد روى عنه جماعة أنه يحمل ولا يعاد الغسل، وما نقله ابن منصور فأرجو أن يكون قاله مرة ثم رجع عنه.
فقد بين أن المذهب أنه لا يعاد عليه الغسل، وهو الصحيح؛ لأن في إعادة الغسل مشقة عظيمة؛ لأنه يحتاج فيه إلى إعادة الغسل، وغسل
стр. 1519
الأكفان، ولا يؤمن عليه دفعة ثانية وثالثة، وكذلك إذا غسل سبعًا، وهو على مغتسله لو قلنا يعاد عليه خيف عليه أن تسترخي أعضاؤه وتنفصل، فوجب أن يسقط الغسل، ويعدِل في ذلك إلى الحشو بالقطن والطين، وهذا المعنى معدوم، وإنما حدَّه أحمد ﵀ بالسبع لما روي في حديث أم عطية قال رسول الله ﷺ : "اغسلوها بالماء والسدر ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك".
قالت حفصة: "اغسلوها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا".
ولأن السبع قد جعلت حدًا في نوع من الاغتسال، وهو ولوغ الكلب، والخنزير.
فإن قيل: لو وجب إعادة الغسل بعد الحدث لوجب إعادة الوضوء أيضًا كالدفعة الأولة لما كانت واجبة والوضوء معها.
قيل له: هكذا نقول، وأنه كلما انتقض فإنه يعاد عليه الوضوء والغسل، نص عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم فقال: إذا غسل فبدا منه الشيء بعد الغسلة الثانية يوضأ ويغسل، وكذلك في الثالثة كل ذلك يغسل.
وكذلك نقل صالح قال: يوضأ الميت مرة واحدة إلا إن خرج منه شيء، فيعاد عليه الوضوء والغسل إلى سبع.
قال أبو بكر الخلال: قوله: توضأ مرة، إذا غسل مرات ولم يبد منه حدث، فأما إذا بدا منه حدث فكلهم اتفقوا عنه أنه يوضأ في كل غسلة
стр. 1520
إلى سبع ثم يرفع، والله تعالى أعلم.
* * *
٤٣ - مَسْألَة: الآدمي لا ينجس:
وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية جعفر بن محمد وقد سئل عن الميت يغسل في البيت فيدخل الماء الحفيرة هل ينجس البيت؟ قال: لا، ولكن يرش عليه.
وظاهر هذا أنه طاهر؛ لأنه حكم بطهارة الماء المنفصل منه، ولأن أصوله تقتضي طهارته؛ لأنه أجاز الصلاة في الثوب الذي نشف فيه الميت، نص عليه في رواية مهنا، فلو كان ينجس بالموت لم يطهر بالغسل؛ لأن نجاسة الموت لا تزول، ولهذا قال: الدباغ لا يطهر، وقد علق القول في رواية المروذي في الماء الذي ينتضح من غسل الميت فيصيب الثوب أو الخف ترى أن يغسله؟ قال: نعم.
وهذا محمول على أنه أصابه من انجائه فبهذا أوجب غسله.
وقال أيضًا في رواية المروذي في الرجل يموت في البئر فقال: كم فيها؛ قيل: قلتان، فلم ير به بأسًا.
وقال أيضًا في رواية صالح في صبي وقع في بئر فيها ماء غزير فمات فيها: ينزح الماء حتى يغلبهم.
وكذلك نقل أبو الحارث.
стр. 1521
قال أصحابنا: إنما قال هذا لأن الغالب من حال الميت أنه يحدث عند خروج جروحه، فحكم أحمد ﵀ بنجاسة الماء لهذه العلة إلا (١) أن الآدمي ينجس بالموت.
وبهذا قال الشافعي ﵁.
قال أبو حنيفة ﵀: ينجس بالموت، ويطهر بالغسل.
دليلنا: ما روي عن عطاء بن أبي رباح عن (٢) عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا تنجسوا موتاكم، فإن المسلم ليس بنجس حيًا ولا ميتًا".
فإن قيل: معناه ليس بنجس نجاسة لا تزول كالخنزير.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأن الخبر يقتضي نفي النجاسة، وإثبات الطهارة، فهو كقوله ﵇: "لا تحرموا لحم الفرس فإنه ليس بحرام"، فإنه يقتضي نفيًا لتحريمه، وإثباتًا لطهارته، وعلى أن هذا التأويل لا يصح في حال الحياة؛ لأنه في حال الحياة اقتضى نفيًا للنجاسة وإثباتًا للطهارة يجب أن يكون في حال الموت كذلك؛ لأن لفظ المنع في الحالتين سواء.
ولأنه أذى فيجب أن لا ينجس بموته، أصله: الشهيد.
فإن قيل: القتل على وجه الشهادة يوجب التطهير، ألا ترى أنه
стр. 1522
لا يغسل وسائر الموتى يغسلون؟!
قيل له: الغسل لا يدل على النجاسة؛ لأن الجنب يجب أن يغتسل وليس بنجس، ولأن الغسل ليس للنجاسة؛ لأن نجاسة الموت لا يزيلها الغسل، ألا ترى أن البهيمة إذا ماتت وصارت نجسة لم تطهر بالغسل، بل تزيد نجاستها بالغسل.
واحتج المخالف: بما روي أن زنجيًا مات في بئر زمزم فنزح ماء البئر، وهذا يدل على أنه تنجس بالموت، فتنجس ماء البئر.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون فعله تنظيفًا لا واجبًا، ويحتمل أن يكون ظهر على الماء لون الدم، [و] الذي يدل على صحة هذا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تنجسوا موتاكم، فإن المؤمن ليس بنجس حيًا ولا ميتًا".
واحتج: بأن له دمًا سائلًا ولا يعيش في الماء، فوجب أن ينجس بالموت، دليله: الإبل، والبقر، والغنم.
والجواب: أنه ينتقص بالشهيد، وعلى أنا نقابله فنقول: وجب أن يكون قبل الموت وبعده سواء قياسًا على ما ذكرت.
واحتج: أنه لو قطع طرف من أطرافه لكان نجسًا كذلك الجملة إذا ماتت.
والجواب: أن في ذلك روايتين:
إحداهما: أنه طاهر كالجملة، نص عليه في رواية الأثرم وسئل في الرجل يقتص منه من أذن أو أنف فيأخذ المقتص منه فيعيده بحرارته
стр. 1523
فيبت (١)، هل يكون ميتة؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأسًا.
وكذلك نقل صالح فيمن قطع عضو من أعضائه فأعاده مكانه فلا بأس، فقيل له: يعيد سنّه؟ قال: أما من نفسه فلا بأس.
وهذا يدل على طهارته، فعلى هذا يسقط السؤال.
والثانية: أنه ينجس، أومأ إليه في رواية المروذي في الرجل ينقلع سنَّه (٢) ثم يرده إلى موضعه فيمكث أيامًا يصلي فيه ثم ينقلع، فقال: كان الشافعي ﵁ يقول: يعيد؛ لأنه صلى في ميتة، وما أبعد ما قال! بل لو أخذ سن شاة فوضعه لم يكن به بأس، وذهب إلى أن يعيد ما صلى.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم عنه في رجل وقع ضرس من أضراسه فأعاده في موضعه ثم نظر إليه بعد أيام أو شهر فإذا هو قد انقلع ولم يلتحم، يعيد الصلاة من يوم رجعه إلى يوم قلعه، ولو وضع سن شاة أو سن شيء ذكي أجزأه، ولم يعد الصلاة، وهو أصح، فعلى هذا يبطل بالشهيد، فإنه لو قطع طرفه لكان نجسًا ولو قتل لكان طاهرًا.
ولأن للجملة من الحرمة ما ليس للطرف إذا بان منها في حال الحياة، ألا ترى أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، والجملة تغسل ويصلى عليها؟! والله أعلم.
* * *
стр. 1524
٤٤ - مَسْألَة: إذا مات المحرم لم ينقطع حكم إحرامه بالموت، فلا يخمر رأسه، ولا يقرب طيبًا:
نص عليه في رواية أبي داود فقال: إذا مات المحرم لم يقرب مسكًا، ويكفن في ثوبين، ولا يغطى رأسه، وذكر حديث ابن عباس ﵄.
وكذلك نقل ابن مشيش عنه إذا مات المحرم لا يمس طيبًا، ولا يغطى رأسه، ويغطى (١) وجهه.
ونقل إسماعيل بن سعيد الشالنجي في المحرم يموت قال: لا يغطى رأسه ولا وجهه.
فقد اتفقت الرواية على أن الإحرام لا ينقطع.
واختلف في الوجه هل يغطى أم لا؟ وهذا الاختلاف يرجع إلى أصل: هل يتعلق بالوجه حكم الإحرام أم لا؟ ويأتي ذلك في مسائل الحج إن شاء الله تعالى.
وبهذا قال الشافعي، وداود رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة، ومالك - رحمهما الله -: يبطل إحرامه، ويعمل به ما يعمل بغير المحرم إذا مات.
دليلنا: ما روى أحمد ﵀ في المسند قال هشيم: قال أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: أن رجلًا كان مع النبي ﷺ فوقصته
стр. 1525
ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا"، وهذا نص.
وروى أبو عبيد هذا الحديث وقال: إن محرمًا وقصت به ناقته في أخاقيق جرذان، قال أبو عبيد: والأخاقيق: شقوق في الأرض، يقال: أخاقيق، ولخاقيق، وأحدها (١): أخقق، ولخقوق.
فإن قيل: النبي ﷺ منع من تغطية رأسه، وبين المعنى لأجله منع، وهو أنه يبعث ملبيًا، ونحن لا نعلم أن غيره من المحرمين يبعثون ملبين، ولو علمنا ذلك لمنعنا.
قيل له: لا يصح هذا؛ لأنه حكم في المحرم الذي مات بحكمين:
أحدهما: أنه لا يخمر رأسه.
والثاني: أنه يبعث ملبيًا، فوجب أن يكون كل واحد من الحكمين متعلقًا بالسبب الذي تقدمه، فأي محرم مات وجب أن لا يغطى رأسه، ويبعث ملبيًا؛ لأن الحكم إذا نقل مع السبب تعلق به وجرى مجرى العلة، فيكون تقديره: لا تقربوه طيبًا، ويبعث ملبيًا؛ لأنه مات محرمًا، وهذا كما قال في شهداء أحد: "زملوهم بدمائهم وكُلُومهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دمًا"، وروي: "اللون لون الدم والريح ريح المسك"، ثم كان هذا حكمًا جائزًا في سائر الشهداء، ولم يكن مقصورًا
стр. 1526
على شهداء أحد، كذلك هذا، أو كما قال في الذي وقع على امرأته: أعتق رقبة، فكان ذلك عامًا في كل من وقع على امرأته؛ لوجود سبب الحكم من جهته.
فإن قيل: لو روي أن ماعزًا زنا فرجم؛ لأنه كان محصنًا لم يقض أن يكون كل من زنا محصنًا، وإنما يقتضي أن من زنا يرجم إذا وجدت العلة، وهو كونه محصنًا، كذلك قوله ﵇: "يبعث ملبيًا"، لا يقتضي أن من مات على إحرامه يبعث ملبيًا، وإنما يقتضي أن من مات على إحرامه لا يخمر رأسه إذا وجدت فيه العلة وهو أنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، ولسنا نعلم أن سائر المحرمين إذا ماتوا على إحرامهم يبعثون ملبين، ولم نستفد بقوله في شهداء أحد بانهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دمًا إسقاط الغسل في حق غيرهم، وإنما استفدناه بخبر آخر وهو قوله ﵇: "الشهيد لا يغسل".
قيل له: إنما لم يكن كل زانٍ محصنًا؛ لأن الإحصان يفتقر إلى شرائط، منها: الحرية، والإصابة في نكاح، والبلوغ، ليس كل زانٍ يوجد فيه هذه الشروط، فلهذا لم يكن الزاني محصنًا، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه جعل العلة في كشف رأسه، وكونه ملبيًا في الآخرة وجود الإحرام من جهته، فيجب أن يحكم بذلك في حق كل من وجد الإحرام من جهته، والذي يبين صحة هذا أنه لو قال: يحشر ملبيًا لأنه محرم لصح، ولو قال: هو محصن لأنه زانٍ لم يصح، ويبين صحة هذا هو أنه مروي عن الصحابة ﵃، فروى أبو بكر النيسابوري في الزيادات بإسناده عن
стр. 1527
الضحاك عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إذا مات لم يغط رأسه حتى يلقى الله محرمًا، فأخبر أن كل محرم يلقى الله محرمًا.
وروى الشافعي ﵁ أن ابنًا لعثمان ﵄ مات وهو محرم، فلم يخمر رأسه، ولم يقربه طيبًا، وفعل ذلك بمحضر من الصحابة ﵃ فلم ينكر عليه، ولم يقولوا: إن ذلك المحرم كان مخصوصًا من هذا، على أن العمل من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يدل على حكم عموم الحكم في كل المحرم.
والقياس: أنه مات قبل تحلله من الإحرام بالنسك، فوجب أن لا يبطل إحرامه، دليله: المحرم الذي مات على عهد رسول الله ﷺ .
ولأنه مات على لباس محرم، فوجب أن يبقى تحريمه، أصله: تحريم تكفينه بالحرير، وإن شئت أن تقول: كل لبس كان محرمًا حال الحياة لم يحل بالموت، أصله: ما ذكرنا.
ولأن الإحرام عبادة ثبتت للموصوف بها فعله وفعل غيره، فلم ينقطع حكمها بالموت كالإيمان.
وبيان هذا: أن الطفل يحصل مسلمًا بإسلام أحد أبويه ويصير محرمًا بإحرام الولي عندنا، وعندهم بإحرام الرفقة عنه، ثم ثبت أن الإسلام لا يبطل حكمه بالموت، كذلك الإحرام، ولا يلزم عليه الصلاة، والصيام؛ لأنه لا يثبت الموصوف بها بفعله وفعل غيره.
فإن قيل: الإيمان يتعلق به أحكام منها ما يختص به ويلزمه في نفسه، ومنها ما يتعلق بنا، ويلزمنا لأجله أحكام مثل: الموالاة، والميراث،
стр. 1528
والتزكية، وقبول الشهادة، وما أشبهها مما يختص به ويلزمه هو فإنه ينقطع بموته، وما يلزمنا لأجله فإنه يبقى بعد موته، فأما الإحرام فإن أحكامه تلزمه هو، ولا يتعلق بنا حكم من أجله، فيجب أن ينقطع بموته كالصلاة، والصيام.
قيل له: هذا المعنى يوجد في المحرم الذي مات في وقت النبي ﷺ ، وهو أن أحكامه تلزمه هو ولا يتعلق بها حكم، ومع هذا فلا ينقطع حكم إحرامه بموته، وأما الصلاة، والصيام، فيأتي الكلام عليهما، وعلى أنه لا يمتنع أن تتعلق به أحكام تخصها، ويسقط بعارض وهو الإحرام، كما سقط بالشهادة غسله والصلاة عليه.
واحتج المخالف: بما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "غطوا رؤوس موتاكم ولا تشبهوا باليهود" وروي: "وجوه موتاكم".
وروي عن ابن عباس ﵄ في المحرم يموت: خمروه ولا تشبهوه باليهود.
والجواب: أن هذا محمول (١) على غير المحرم، بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بما روي عن النبي ﷺ قال: "إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، وولد صالح يدعو له، وعلم ينتفع به بعده"،
стр. 1529
ومعلوم أنه أراد به حكم عمله، والإحرام من أحكام عمله، فوجب أن ينقطع، وإذا انقطع إحرامه صار كسائر الموتى.
والجواب: أن المراد به: أجر العمل ينقطع بالموت إلا في هذه الثلاثة، فإنه يتجدد أجر هذه الأعمال الثلاثة بعد الموت، كأنه يعملها بنفسه، وإذا كان المراد به هذا لم يكن فيه حجة؛ لأن الإحرام ينقطع أجره وإن كان عقده باقيًا.
واحتج: بأن الحج عبادة لا يصح إلا بعد تقدم الإسلام، فوجب أن يخرج منها بالموت كالصلاة والصوم، وإن شئت قلت: عبادة لها تحريم وتحليل.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الإحرام بالصلاة والصيام، بدليل: أن المحرم الذي مات مع النبي ﷺ لم يبطل إحرامه بالحج وبطل إحرامه بالصلاة والصيام، ولأن الصلاة والصيام يبطلهما الجنون، والإحرام لا يبطله الجنون، ومنهم من [ … ] (١) ويمنع من ذلك ويقول: الجنون يبطله.
واحتج: بأن إحرامه لو كان باقيًا بعد موته لوجب أن يوقف بعرفة أو يطاف به حول البيت لعجزه عن ذلك بنفسه كالمريض، فلما لم يجب ذلك دل على أن إحرامه قد انقطع بالموت.
والجواب: أن هذا باطل بالمحرم الذي مات مع النبي ﷺ فإن
стр. 1530
إحرامه لم يبطل، ومع هذا لم يوقف بعرفة ولم يُطَف به، وعلى أنه إنما لم يطف به ولم يوقف بعرفة؛ لأنه لا يحس بذلك، فهو كما لو جنَّ.
واحتج: بأنه لما لم يلزمه الفدية إذا طُيِّب أو ألبس دل على بطلان الإحرام.
والجواب: أنه إنما لم يلزمه الفدية؛ لأن وجوب الفدية يتعلق بحصول الانتفاع بذلك، وبالموت يزول، والمنع من ذلك هو لحق الله تعالى، وذلك لا يزول بالموت، وعلى أن هذا باطل بالمحرم الذي مات على عهد النبي ﷺ فإنه لا يلزمه الفدية بذلك، وإحرامه لم ينقطع، ولأنه لا يمتنع أن يبقى التحريم بعد الموت، ويزول الضمان بالمال، كما أن المسلم إذا مات فإن كسر عظمه محرم، ولا يجب الضمان، ووطئ الميتة محرم، ولا يجب المهر والحد.
واحتج: بأن الإحرام عبادة تحرم الطيب، فانقطع حكمها بالموت كالعدة.
والجواب: أن المعتدة منعت من الطيب؛ لأن لا تدعوها نفسها إلى الجماع فيدخل على الزوج ما [ … ] (١) فاسد، وهذا المعنى يزول بالموت، والمحرم منع من ذلك لحق الله تعالى، وهذا لا تزول بالموت.
وعلى أن الإحرام بالحج لم يصح فسخه من غير عذر بحال، والعدة تبطل وتزول بفعل المعتدة، وفعل المطلق، ثم يبطل بالمحرم الذي مات
стр. 1531
في وقت النبي ﷺ فإن إحرامه لم يبطل بموته، وليس في جنس العدد ما لا يبطل بالموت، والله أعلم.
* * *
٤٥ - مَسْألَة: يغسل الرجل امرأته:
نص عليه في رواية حنبل فقال: لا بأس أن تغسل المرأة زوجها، والزوج امرأته، ويكون من وراء قميص.
فقد نص على جواز ذلك.
وقد توقف عنه في موضع آخر فقال في رواية الأثرم: أما المرأة فتغسل زوجها، وأما الرجل فيغسل امرأته ففيه اختلاف، وكذلك نقل صالح.
وهذا التوقيف لا يمنع الجواز؛ لأنه قد صرح في رواية حنبل، وهو قول مالك، والشافعي، وداود ﵏.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
دليلنا: ما روت عائشة ﵂ قالت: رجع رسول الله ﷺ من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي وأقول: وارأساه فقال: "بل أنا وارأساه" ثم قال: "ما ضرك لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك" فقالت: كأني بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فعرست من بعض نسائك، فتبسم رسول الله ﷺ .
стр. 1532
وهذا ظاهر في جواز غسل الرجل امرأته.
فإن قيل: قوله: "غسلت" معناه: أمرت بغسلك، وقمت عليه، كما روي أن النبي ﷺ غسله ستة فأضيف الفعل إليهم وإنما تولاه علي والفضل بن العباس ﵃، والباقون كانوا يعينون عليًا.
قيل له: يجب حمل اللفظ على حقيقته، وهو فعل الغسل كما وجب حمله على حقيقته في الصلاة على المعين في الغسل، والقائم عليه كالغاسل من الخلوة بها، والنظر إليها.
فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : "زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة"، وقال: "كل سبب ونسب منقطع إلا سببي ونسبي"، وهذا يقتضي أن الموت لم يكن يقطع النكاح بينه وبين زوجاته، فلهذا قال: "لو مت غسلتك".
ولأنه لا يحل نكاحهن بعده.
قيل له: لا يجوز أن يقال: إن النكاح لا ينقطع بالموت؛ لأنه لو كان كذلك لكانت المرأة إذا ماتت لم يجز للنبي ﷺ أن يتزوج بأختها، وعمتها، وخالتها، فلما أجمعنا على جواز ذلك دلَّ (١) على أن النكاح قد زال.
стр. 1533
فإن قيل: إنما جاز ذلك؛ لأنه يؤدي إلى فساد ذات البين، وفي حال الحياة يؤدي إلى ذلك، وإلى العداوة بين الأختين.
قيل: لو جاز ذلك بعد موتها للمعنى الذي ذكرته لجاز أن يتزوج بأختين في السر، ويخفي كل واحدة منهما عن الأخرى، ولكان يجوز أن يتزوج بأختين صغيرتين أو مجنونتين؛ لأنه لا يؤدي إلى المعنى الذي ذكرته، فلما لم يجز ذلك، دل على فساد هذا.
فأما قوله ﵇: "زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة"، فهذا لكل مسلم، بدلالة ما روي عن النبي ﷺ قال: "تكون الزوجة مع زوجها في الجنة".
وأما قوله ﵇: "كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي نسبي"، فمعناه: أن الانتفاع في الآخرة بالإسلام، معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، وقال النبي ﷺ : "ايتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم"، وقال ﵇ لفاطمة ﵂: "إذا أردت أن تلقيني فأكثري من السجود".
وأما تحريم زوجاته من بعده فإنما هو لأنهن أمهات المؤمنين فحرمهن لهذا المعنى دون بقاء عقد النكاح.
فإن قيل: إنما كان هذا منه على طريق المزاح دون التحقيق. قيل له: كلام النبي ﷺ يحمل على الحقيقة بكل حال، ولو كان
стр. 1534
مزاحًا فإنه قد قال ﵇: "إني لا أمزح ولا أقول إلا حقًا".
وأيضًا روى أبو بكر بإسناده عن أسماء بنت عميس أن عليًا ﵁ غسل فاطمة ﵂، قالت (١) أسماء: وأعنته عليها.
فإن قيل: فقد روى بكر بن محمد عن أبيه قال: قيل لأبي عبد الله: غسل علي فاطمة ﵃؟ قال: ليس له إسناد.
وكذلك روى الفضل بن زياد عنه قال: يروى من طريق ضعيف.
وكذلك روى هارون المستملي وقد ذكر أحمد ﵀ حديث ابن عباس ﵄ قال: الرجل أحق بغسل امرأته وبالصلاة عليها، فقال: هذا منكر ما أراه إلا من حديث ابن أبي يحيى.
قيل له: يحتمل أن يكون قال ذلك مرة ثم تبين صحته في الثاني؛ لأن أصحابنا رووا واعتمدوا عليه.
فإن قيل: روي أن أم هانئ كانت تغسلها، وكان علي ﵁ يعطيها الماء، فأضيف الفعل إليه؛ لأنه كان يعين على غسلها.
قيل له: قد روينا أنه كان يغسلها، وأن أسماء كانت تعينه، وهذا صريح في وجود الفعل من جهته.
فإن قيل: إنما غسلها؛ لأن النكاح كان عليهما باقيًا بعد موتها؛ لأن النبي ﷺ قال له: "هي زوجتك في الدنيا والآخرة".
стр. 1535
قيل له: قد تكلمنا في هذا فيما تقدم، وبينا أن أزواجه تنقطع بالموت.
وأيضا روى أبو بكر بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس ﵃ قال: يغسل الرجل امرأته.
ولا نعرف له مخالفًا في الصحابة فدل على جوازه.
والقياس: أن كل فرقة حصلت بالوفاة لم تحرم الغسل، كما لو مات الزوج وهي في العدة، فإنها تغسله.
فإن قيل: فإذا مات الزوج فأحكام الزوجية باقية؛ لأنها معتدة عنه، فلذلك جاز لها غسله ما دامت في العدة، ولهذا نقول: لو كانت حاملًا فوضعت قبل أن تغسله لم يجز لها غسله، وإذا ماتت المرأة فلم يبق لأحكام الزوجية شيء.
قيل له: في حيثية تحريم أم الزوجة عليه، وذلك حكم من أحكام العقد، ولأن عليه نفقتها عندهم وتجهيزها، وكذلك من أحكام العقد فيبطل هذا.
وجواب آخر: وهو أنه لو طلقها ثلاثًا ثم مات في أثناء العدة، فإنها لا تغسله، وإن كانت أحكام الزوجية باقية.
فإن قيل: عدة الطلاق من أحكام الوطء، ألا ترى أنه لو طلقها قبل الدخول، فلا عدة عليها؟! وليس كذلك عدة الوفاة؛ لأنها من أحكام العقد، ألا ترى أنه لو مات عنها قبل الدخول لزمتها العدة؟!
стр. 1536
قيل له: هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأنه يقول في المختلعة: يلحقها الطلاق ما دامت في العدة، ويزعم أن عدتها من أحكام النكاح، وعلى أن الوطء من أحكام العقد، ولا فرق بين ما أوجبه العقد، وبين ما أوجبه حكم العقد، ألا ترى أنهم قالوا: إن سجود السهو يفعل قبل السلام، ويكون بمنزلة سجود الصلاة؛ لأنه لا فرق بين ما أوجبه تحريمة الصلاة وما أوجبه موجب التحريمة وهو قراءة القرآن.
ويبين صحة هذا: أن تحريم الربيبة، وتحريم أم الزوجة واحد، وإن كانت حرمة الربيبة بالوطء، وحرمة أم المرأة بالعقد فإنهما يحرمان على التأبيد ويصيران محرمين حتى يجوز له أن يخلو بهما ويسافر بهما؛ ولأن عدة الوفاة لو كانت مبيحة للغسل لوجب أن يكون عدة الطلاق أولى بذلك؛ لأن الطلاق يوجب لها فيها النفقة والسكنى.
وقياس آخر: وهو أن كل شخص حل له غسل شخص، حل لذلك الشخص غسله كالأخوين، والأختين، ولا يلزم على هذا أم الولد؛ لأن لها أن تغسل سيدها، وله أن يغسلها أيضًا، ولأن كل معنى لو حدث بالزوج لم يمنع الغسل، فإذا حدث بالمرأة لم يمنع الغسل كالجنون.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ وهذا عام.
والجواب: أن هذا أمر بالغض من بعض الأبصار؛ لأن (من) للتبعيض، وعلى أن هذا محمول على غض البصر عن الأجنبيات.
واحتج: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ينظر الله إلى رجل ينظر
стр. 1537
إلى فرج امرأة وبنتها"، فوجه الدلالة: أنها إذا ماتت قبل الدخول جاز له أن يتزوج بنتها، وينظر إلى فرجها، فلو جاز أن يغسل هذه لنظر إلى فرجها وفرج بنتها، وقد منع النبي ﵇، فيجب أن يحرم عليه غسلها.
والجواب: أن المراد بذلك المنع على وجه الاستمتاع والتلذذ بهما، وهذا لا يجوز بعد وفاتها، فلم يكن له فيه حجة.
واحتج: بأن له أن يتزوج أختها وأربعًا سواها، فمنع من غسلها كالأجنبية.
والجواب: أنه ينتقض برجل ملك جارية، فإن له أن يتزوج بأختها، وبأربع سواها، ويجوز له مع ذلك غسل هذه الجارية، والنظر إليها.
وعلى أن المعنى في الأجنبيين لما لم يجز لأحدهما غسل صاحبه في حال الحياة لم يجز له بعد الموت.
أو نقول: لما لم يجز لأحدهما غسل الآخر بعد الموت لم يجز للآخر غسله (١)، كذلك ها هنا؛ لأنه لما جاز لأحدهما غسله جاز للآخر غسله، دليله (٢): والمرأتان.
واحتج: بأن النظر حكم يستفاد بالنكاح فزال بزواله، كسائر أحكام النكاح.
стр. 1538
والجواب: أنه باطل بنظر الزوجة إلى الزوج بعد موته، وإن قاسوا على منع النظر إلى الفرج، فالجواب: أنه لما لم يجز للزوجة النظر إليه لم يجز للزوج، وغير الفرج بخلافه، والله أعلم.
* * *
٤٦ - مَسْألَة: إذا طلق زوجته طلقة رجعية، ومات وهي في العدة، المذهب: أن لها أن تغسله؛ لأن الرجعية من أصلنا أنها مباحة:
وهو قول أبو حنيفة ﵀.
وقال الشافعي ﵁: لا يجوز لها أن تغسله.
وروي عن مالك ﵀ روايتان.
دليلنا: أن المطلقة الرجعية إذا مات عنها زوجها فعدتها عدة الوفاة لموت الزوجة، فجاز لها غسله، دليله: إذا مات قبل الطلاق، ولا يلزم عليه المبتوتة إذا مات زوجها وهي في العدة؛ لأن عدتها عدة الطلاق لا عدة الوفاة.
وإن شئت قلت: إن عصمة الزوجية بينهما باقية (١) إلى أن فرق الموت بينهما، فجاز له غسله، دليله: ما ذكرنا، ولا شبهة أن عصمة الزوجية قائمة في الرجعية، بدليل: أن خصائص النكاح قائمة بينهما،
стр. 1539
ولا يلزم عليه المبتوتة؛ لأن العصمة انقطعت قبل الموت، ولا يلزم عليه إذا ماتت هي في العدة، فإنه يجوز للزوج أن يغسلها كما قلنا فيه لو لم يكن هناك طلاق، فحكم الرجعية عندنا في باب الغسل من كل واحد منهما لصاحبه كحكمها قبل الطلاق.
واحتج المخالف: بأنه ماتت زوجته في العدة منه أو مطلقة منه، فلم يجز له غسلها، أصله: إذا قال: أنت بائن.
والجواب: لأن المعنى هناك أن الموت حصل بعد البينونة، وليس كذلك ها هنا؛ لأن الموت حصل والعصمة باقية.
أو نقول: المعنى هناك أن عدتها عدة الطلاق، وهذه عدتها عدة الوفاة، والله تعالى أعلم.
* * *
٤٧ - مَسْألَة: إذا ماتت أم ولده جاز له أن يغسلها:
وهو قول الشافعي ﵁.
وقال أبو حنيفة ﵀: ليس له ذلك.
دليلنا: أن حكم الملك المتقدم باق بدلالة: أن عليه تكفينها ودفنها كما كان عليه نفقتها وكسوتها في حياتها، فإذا كان كذلك جاز له غسلها في هذه الحال كما كان له ذلك في حياتها.
ولأنه يجوز له غسلها في حال حياتها، فجاز بعد موتها، دليله:
стр. 1540
الزوجة مع زوجها يجوز لها غسله في حال حياته، ويجوز لها بعد موته، كذلك السيد مع أم ولده.
وإن شئت قلت: الملك سبب يبيح الغسل مع بقائه (١)، فأباحه مع بقاء سببه، دليله: عقد النكاح يبيح للزوجة غسل زوجها مع بقاء النكاح في حال الحياة، ويجوز مع بقاء سببه، وهو العدة.
واحتج المخالف: بأن له أن يطأ أختها في الحال كما يطأ أخت الأجنبية، فلما لم يجز له أن يغسل الأجنبية، كذلك هذه.
والجواب: أن الأجنبية لم يوجد في جهتها سبب إباحة الغسل، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه قد وجد، وهو ما ذكرنا من حكم الملك المتقدم، والملك سبب في إباحة الغسل، بدليل: حال الحياة فأشبه غسل الزوجة لزوجها، يجوز في حال الحياة مع بقاء الملك، ويجوز مع بقاء حكم الملك، وهو العدة، والله أعلم.
* * *
٤٨ - مَسْألَة: يجوز لأم الولد أن تغسل سيدها:
وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي طالب: لا تنظر إلى عورة الرجل إلا زوجته أو [ … ] (٢).
стр. 1541
وبهذا قال الشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز لها أن تغسله.
دليلنا: أنه جاز له أن يغسلها في حال حياته، فجاز لها غسله بعد موته، أصله: الزوجة مع زوجها.
وإن شئت قلت: وطؤها كان وقد وجبت عليها العدة بموته، فلها أن تغسله، دليله: الزوجة إذا مات عنها.
فإن قيل: عدة الزوجية من أحكام النكاح، فإذا كانت أحكام النكاح باقية جاز لها غسله، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن هذه العدة ليست من أحكام ذلك الملك، وإنما هي واجبة عن وطء فأشبه المنكوحة نكاحًا فاسدًا إذا مات عنها.
قيل له: تكفينها ودفنها في هذه الحالة من أحكام الملك، كما أن العدة من أحكام النكاح، فيجب أن يجوز الغسل في هذه الحال كما جاز للمعتدة عن نكاح، وعلى أننا قد بينا أنه إذا كانت عدة الوفاة مبيحة للغسل كانت عدة الوطء في الملك أولى؛ لأنه يجب فيها السكنى والنفقة.
ولأن الوطء من أحكام الملك والعقد، ولا فرق بين ما أوجبه العقد، وبين ما أوجبه حكم العقد من الوجه الذي ذكرنا.
واحتج المخالف: بأن هذه العدة واجبة عن الوطء لا عن الوفاة، فأشبهت المنكوحة نكاحًا فاسدًا، والموطوءة بشبهة إذا مات عنها الواطئ.
والجواب: أنا قد بينا أن الواجب عن العقد، وعلى أن المعنى في
стр. 1542
الأصل أنه لا يجوز له غسلها في حال الحياة، ولأنه كان وطؤها محرمًا، وهذه كان وطؤها مباحًا إلى حين الوفاة، وكان يباح له غسلها حال الحياة.
واحتج: بأن العدة ليس من أحكام الملك، ألا ترى أنه لو أعتق أمته بعد الوطء لم يجب عليها عدة؟! وكذلك لو باعها، فلو كانت العدة من أحكام الملك لوجب أن تزول بزوال الملك بعد الوطء، ألا ترى أنها لما كانت من أحكام النكاح وجبت بزوال النكاح؟! فإذا لم يكن من أحكام الملك لم يكن وجود العدة عليها فتفرقا، [فلم يبق] (١) شيء من أحكام ذلك الملك، ولا يجوز لها أن تغسله كالأجنبية.
والجواب: أنا قد بينا أن الوطء من أحكام العقد، ومن أحكام الملك، ولا فرق بين ما أوجبه الملك والعقد، وما أوجبه حكم العقد والملك من الوجه الذي ذكرنا.
وأما الأجنبية فقد بينا الفرق بينهما وهو: أن الغسل في حال الحياة حرام، وأنه لا عصمة بينهما إلى حين الموت، والله أعلم.
* * *
٤٩ - مَسْألَة: لا يجوز للرجل أن يغسل ذوات محارمه من النساء:
نص عليه في رواية أبي داود وقد سئل: هل يغسل الرجل أمه؟
стр. 1543
فقال: سبحان الله! واستعظم، وقال: أليس قد قيل استأذن على أمك غير مرة.
وكذلك نقل مهنا عنه في الرجل تموت أمه ولم يجد امرأة تغسلها، هل يغسلها هو؟ قال: لا يغسلها وعليها ثيابها.
وبه قال أبو حنيفة ﵀.
وقال مالك والشافعي رحمهما الله: يجوز.
دليلنا: عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.
وروى أبو حفص العكبري في كتاب غض الطرف: حدثنا ابن الصواف قال: حدثنا الحسن بن موسى قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا أبو مسعود يوسف بن معاوية الأنباري عن أبي المليح الرقي عن عبد الله الوراق قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغسلني عمي فان العم والد ولا ينبغي للوالد أن ينظر إلى عورة ولده" وظاهر هذا يقتضي أن الأب لا يغسل ابنته، ومعلوم أنه لم يرد به العورة المغلظة؛ لأن ذلك لا يجوز لغير الوالد أن ينظر إليه، علم أن المراد به ما هو في حكم العورة وهو بقية البدن؛ لأنا قد بينا أن جميع بدن الميت في حكم العورة، ولأن كل امرأة لم يبح له وطؤها في حال الحياة لم يجز له غسلها بعد الموت، دليله: الأجنبية.
ولأن الموت يصيِّر جميع البدن في حكم العورة، ولهذا يستر موضع غسله، ولا ينظر الغاسل ولا من يعينه إلا إلى ما لا بد منه، ويستر
стр. 1544
جميعه بالكفن، ويستحب غسله في ثوب، وإذا كان كذلك يجب أن يعتبر هذا في حق ذوات المحارم، فتصير المرأة في حكم العورة، فلا يجوز النظر إليها.
وتبنى المسألة على أصل: وهو أنه لا يجوز له أن ينظر إلى ما نظر من ذوات محارمه، ويدل عليه بأشياء منها: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، فبين أن الزوجة ليست كالأم، وظاهر هذا أنها ليست كهي في النظر وغيره.
وقول النبي ﷺ : "من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه"، والنظر إلى هذه المواضع مما يدعو إلى جماعها، وإلى أن الظهر والصدر يكون مظاهرًا بالإضافة إليه فلم يجز النظر إليه، دليله: الفرج.
ولأنه لا يباح له وطؤها فلا يباح له النظر إلى صدرها وظهرها كالأجنبية، يبين صحة هذا أن الأجنبية قد تباح بحال، وهذه لا تباح بحال فهي آكد تحريمًا.
واحتج المخالف: بأن الغسل معنى يتعلق بالنظر، وقد كان في حال الحياة يباح له النظر إلى المواضع الباطنة، فيجب أن يباح بعد الموت.
والجواب: أن أبا بكر الأثرم قال: سئل أحمد ﵀: هل ينظر إلى ساق امرأة أبيه وصدرها؟ فقال: لا يعجبني، وقال: أنا أكره أن ينظر من أمه وأخته إلى مثل ذلك، وإلى كل شيء لشهوة.
وظاهر هذا: المنع من النظر إلى ما بطن من البدن كالصدر والظهر.
стр. 1545
فإن قيل: فيدل عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية.
والجواب: أن المراد بالزينة ما يظهر، ألا ترى أنها أفادت جواز ذلك في حق الأزواج من جميع الجهات؟! ولم يبح مثل ذلك في ذوات المحارم، والله أعلم.
* * *
٥٠ - مَسْألَة: لا يجوز للمسلم غسل قريبه الكافر ودفنه:
نص على ذلك في رواية ابن مشيش في الرجل يموت له قرابة يهودي أو نصراني، وله عنده أيادٍ: لا يغسله المسلم.
وكذلك نقل أبو طالب في الرجل يموت وهو يهودي وله ولد مسلم: يركب دابته، ويسير أمام الجنازة، ولا يكون خلفه، فإذا أرادوا أن يدفنوه رجع مثل قول عمر.
وروى حنبل عنه في الرجل المسلم: إذا كان له أب أو أخ أو قرابة قريبة فوليه فلا بأس، واحتج بحديث علي ﵁، قيل له: فترى أن يغسل هو؟ قال: لا يغسل إنما يكون معهم حتى إذا ذهبوا به تركهم معه يلونه.
قال أبو حفص العكبري: لا بأس أن يغسل أباه، وأخاه، ويتبع جنازته، على ما رواه الجماعة، قال: ولعل ما رواه ابن مشيش قول قديم