وبهذا قال الشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز لها أن تغسله.
دليلنا: أنه جاز له أن يغسلها في حال حياته، فجاز لها غسله بعد موته، أصله: الزوجة مع زوجها.
وإن شئت قلت: وطؤها كان وقد وجبت عليها العدة بموته، فلها أن تغسله، دليله: الزوجة إذا مات عنها.
فإن قيل: عدة الزوجية من أحكام النكاح، فإذا كانت أحكام النكاح باقية جاز لها غسله، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن هذه العدة ليست من أحكام ذلك الملك، وإنما هي واجبة عن وطء فأشبه المنكوحة نكاحًا فاسدًا إذا مات عنها.
قيل له: تكفينها ودفنها في هذه الحالة من أحكام الملك، كما أن العدة من أحكام النكاح، فيجب أن يجوز الغسل في هذه الحال كما جاز للمعتدة عن نكاح، وعلى أننا قد بينا أنه إذا كانت عدة الوفاة مبيحة للغسل كانت عدة الوطء في الملك أولى؛ لأنه يجب فيها السكنى والنفقة.
ولأن الوطء من أحكام الملك والعقد، ولا فرق بين ما أوجبه العقد، وبين ما أوجبه حكم العقد من الوجه الذي ذكرنا.
واحتج المخالف: بأن هذه العدة واجبة عن الوطء لا عن الوفاة، فأشبهت المنكوحة نكاحًا فاسدًا، والموطوءة بشبهة إذا مات عنها الواطئ.
والجواب: أنا قد بينا أن الواجب عن العقد، وعلى أن المعنى في
стр. 1542
الأصل أنه لا يجوز له غسلها في حال الحياة، ولأنه كان وطؤها محرمًا، وهذه كان وطؤها مباحًا إلى حين الوفاة، وكان يباح له غسلها حال الحياة.
واحتج: بأن العدة ليس من أحكام الملك، ألا ترى أنه لو أعتق أمته بعد الوطء لم يجب عليها عدة؟! وكذلك لو باعها، فلو كانت العدة من أحكام الملك لوجب أن تزول بزوال الملك بعد الوطء، ألا ترى أنها لما كانت من أحكام النكاح وجبت بزوال النكاح؟! فإذا لم يكن من أحكام الملك لم يكن وجود العدة عليها فتفرقا، [فلم يبق] (١) شيء من أحكام ذلك الملك، ولا يجوز لها أن تغسله كالأجنبية.
والجواب: أنا قد بينا أن الوطء من أحكام العقد، ومن أحكام الملك، ولا فرق بين ما أوجبه الملك والعقد، وما أوجبه حكم العقد والملك من الوجه الذي ذكرنا.
وأما الأجنبية فقد بينا الفرق بينهما وهو: أن الغسل في حال الحياة حرام، وأنه لا عصمة بينهما إلى حين الموت، والله أعلم.
* * *
٤٩ - مَسْألَة: لا يجوز للرجل أن يغسل ذوات محارمه من النساء:
نص عليه في رواية أبي داود وقد سئل: هل يغسل الرجل أمه؟
стр. 1543
فقال: سبحان الله! واستعظم، وقال: أليس قد قيل استأذن على أمك غير مرة.
وكذلك نقل مهنا عنه في الرجل تموت أمه ولم يجد امرأة تغسلها، هل يغسلها هو؟ قال: لا يغسلها وعليها ثيابها.
وبه قال أبو حنيفة ﵀.
وقال مالك والشافعي رحمهما الله: يجوز.
دليلنا: عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.
وروى أبو حفص العكبري في كتاب غض الطرف: حدثنا ابن الصواف قال: حدثنا الحسن بن موسى قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا أبو مسعود يوسف بن معاوية الأنباري عن أبي المليح الرقي عن عبد الله الوراق قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغسلني عمي فان العم والد ولا ينبغي للوالد أن ينظر إلى عورة ولده" وظاهر هذا يقتضي أن الأب لا يغسل ابنته، ومعلوم أنه لم يرد به العورة المغلظة؛ لأن ذلك لا يجوز لغير الوالد أن ينظر إليه، علم أن المراد به ما هو في حكم العورة وهو بقية البدن؛ لأنا قد بينا أن جميع بدن الميت في حكم العورة، ولأن كل امرأة لم يبح له وطؤها في حال الحياة لم يجز له غسلها بعد الموت، دليله: الأجنبية.
ولأن الموت يصيِّر جميع البدن في حكم العورة، ولهذا يستر موضع غسله، ولا ينظر الغاسل ولا من يعينه إلا إلى ما لا بد منه، ويستر
стр. 1544
جميعه بالكفن، ويستحب غسله في ثوب، وإذا كان كذلك يجب أن يعتبر هذا في حق ذوات المحارم، فتصير المرأة في حكم العورة، فلا يجوز النظر إليها.
وتبنى المسألة على أصل: وهو أنه لا يجوز له أن ينظر إلى ما نظر من ذوات محارمه، ويدل عليه بأشياء منها: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، فبين أن الزوجة ليست كالأم، وظاهر هذا أنها ليست كهي في النظر وغيره.
وقول النبي ﷺ : "من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه"، والنظر إلى هذه المواضع مما يدعو إلى جماعها، وإلى أن الظهر والصدر يكون مظاهرًا بالإضافة إليه فلم يجز النظر إليه، دليله: الفرج.
ولأنه لا يباح له وطؤها فلا يباح له النظر إلى صدرها وظهرها كالأجنبية، يبين صحة هذا أن الأجنبية قد تباح بحال، وهذه لا تباح بحال فهي آكد تحريمًا.
واحتج المخالف: بأن الغسل معنى يتعلق بالنظر، وقد كان في حال الحياة يباح له النظر إلى المواضع الباطنة، فيجب أن يباح بعد الموت.
والجواب: أن أبا بكر الأثرم قال: سئل أحمد ﵀: هل ينظر إلى ساق امرأة أبيه وصدرها؟ فقال: لا يعجبني، وقال: أنا أكره أن ينظر من أمه وأخته إلى مثل ذلك، وإلى كل شيء لشهوة.
وظاهر هذا: المنع من النظر إلى ما بطن من البدن كالصدر والظهر.
стр. 1545
فإن قيل: فيدل عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية.
والجواب: أن المراد بالزينة ما يظهر، ألا ترى أنها أفادت جواز ذلك في حق الأزواج من جميع الجهات؟! ولم يبح مثل ذلك في ذوات المحارم، والله أعلم.
* * *
٥٠ - مَسْألَة: لا يجوز للمسلم غسل قريبه الكافر ودفنه:
نص على ذلك في رواية ابن مشيش في الرجل يموت له قرابة يهودي أو نصراني، وله عنده أيادٍ: لا يغسله المسلم.
وكذلك نقل أبو طالب في الرجل يموت وهو يهودي وله ولد مسلم: يركب دابته، ويسير أمام الجنازة، ولا يكون خلفه، فإذا أرادوا أن يدفنوه رجع مثل قول عمر.
وروى حنبل عنه في الرجل المسلم: إذا كان له أب أو أخ أو قرابة قريبة فوليه فلا بأس، واحتج بحديث علي ﵁، قيل له: فترى أن يغسل هو؟ قال: لا يغسل إنما يكون معهم حتى إذا ذهبوا به تركهم معه يلونه.
قال أبو حفص العكبري: لا بأس أن يغسل أباه، وأخاه، ويتبع جنازته، على ما رواه الجماعة، قال: ولعل ما رواه ابن مشيش قول قديم
стр. 1546
أو يكون قرابة بعيدة، وإنما يؤمر إذا كانت قرابة مثل ما روى حنبل.
والمذهب: أنه لا يجوز ذلك على ما روينا عنه، وما رواه حنبل عنه لا يدل على الجواز؛ لأنه قال: يحضر ولا يغسل.
وبهذا قال مالك ﵀.
وقال الشافعي ﵀: يجوز ذلك.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وهذا عام في كل شيء إلا ما خصه الدليل.
وروى أبو بكر الخلال في كتاب العلل بإسناده عن كعب بن مالك عن أبيه قال: جاء ثابت بن قيس بن شماس ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: إن أمه قد توفيت وهي نصرانية وهو يحب أن يحضرها، فقال له النبي ﷺ : "اركب دابتك وسر أمامها فإنك إذا ركبت دابتك وسرت أمامها فلست معها"، فوجه الدلالة: أنه قال: "اركب دابتك وسر أمامها" فلو كان اتباعها جائزًا لما أمره بالتقدم عليها، ويخبره أنه ليس معها.
ولأنه لم يصل عليه فلم يغسل، دليله: الشهيد، والجنين إذا لم يبلغ أربعة أشهر.
ولأن الغسل طهارة للمسلم وتعظيم له، وهذا المعنى معدوم في حق الكافر، ولهذا لم يصل عليه.
واحتج المخالف: بما روى أبو بكر بإسناده عن محمد بن إسحاق
стр. 1547
عن ناجية بن كعب (١) عن علي ﵁: أن النبي ﷺ أمره أن يغسل أبا طالب ويدفنه.
والجواب: أن هذا الحديث ضعيف يرويه ناجية [ … ] (٢)، وعلى أن المشهور من هذا الخبر ما رواه أبو داود أن النبي ﷺ قال له: اذهب فواره، ولم يذكر فيه الغسل، وعلى أنه محمول على الوقت التي كانت الصلاة عليهم جائزة، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾، وهذا هو الظاهر؛ لأنه نزل ذلك بالمدينة، وأبو طالب مات بمكة.
واحتج: بما روى أبو بكر الخلال بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: عارض رسول الله ﷺ جنازة أبي طالب وقال: "وصلتك رحم وجزيت خيرًا يا عم".
والجواب: أن أبا بكر المروذي قال: ألقيت على أبي عبد الله ﵀ حديثًا رواه الفضل بن موسى عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: عارض رسول الله ﷺ جنازة أبي طالب، فقال: هذا منكر، هذا رجل مجهول.
وعلى أنه لو صح فتأويله ما تقدم.
стр. 1548
واحتج: بما روى سعيد بن جبير: أن رجلًا سأل ابن عباس ﵃ عن أم ولد له نصرانية ماتت، فقال ابن عباس ﵄: اتبعها وادفنها ولا تصل عليها.
وروى إسحاق بن الحارث قال: ماتت أم الحارث بن أبي ربيعة وهي نصرانية فشهدها الفقهاء، وغيرهم.
والجواب: أن هذا يعارضه ما روى إسرائيل قال: سمعت ابن عمر ﵄ وسأله الحارث بن أبي ربيعة: عن أم له نصرانية ماتت؟ فقال: تأمر بأمرك، وتسير أمامها (١)، فإن الذي يسير أمامها ليس معها، ولا تصل عليها.
وهذا يدل على منع الاتباع.
واحتج: بأن غسله تنظيف، ويجوز للمسلم أن ينظف المشرك، وتكفينه ستره، ويجوز له ذلك، ودفنه موارته لئلا يذهب ويهلك ونحو ذلك.
والجواب: أن الغسل في حال الحياة لا يراد لأجل عبادة، وبعد الموت يراد لأجل الصلاة، والكافر لا يصلى عليه، ألا ترى أنه لا يجوز الصلاة على الميت قبل الغسل؟!
فإن قيل: هذا يدل على أنه يجب غسله، ونحن نقول: لا يجب، وخلافنا في جواز الغسل.
стр. 1549
قيل: إذا كان معناه التطهير والتعظيم للميت لم يجز فعله في الكافر كالصلاة عليه، وفارق غسله وحياته؛ لأنه لا يقصد به ذلك، والله أعلم.
* * *
٥١ - مَسْألَة: يغسَّل السقط، ويُصلى عليه إذا استكمل أربعة أشهر، وإن لم يستهل:
نص على هذا في رواية أحمد بن أبي عبدة فقال: إذا أتى عليه أربعة أشهر صلي عليه؛ لأنه ينفخ فيه الروح.
وكذلك في رواية حنبل، وأبي الحارث، وقال: يغسل السقط ويصلى عليه بعد أربعة أشهر فإن كان أقل من ذلك فلا، واحتج بحديث ابن مسعود ﵁: في عشرين ومائة ينفخ فيه الروح، وتنقضي به العدة، وتعتق الأمة إذا دخل في الخلق الرابع.
وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: إذا لم يستهل لم يغسل ولم يصل عليه.
وقال الشافعي ﵀: يغسل قولًا واحدًا، وفي الصلاة عليه قولان، قال في الجديد: لا يصلى عليه، وفي القديم: يصلى عليه.
دليلنا: ما روى أحمد ﵀ في المسند بإسناده عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها والطفل يصلى عليه".
стр. 1550
قال أحمد ﵀ في رواية أحمد بن [أبي] (١) عبدة: حديث المغيرة بن شعبة: "والطفل يصلى عليه" مرفوع صحيح.
فوجه الدلالة: أنه قال: "يصلى عليه"، ولم يفرق بين أن يستهل أو لا يستهل.
وروى أبو بكر الأثرم في مسائله قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا خالد (٢) ابن عبد الله عن يونس عن زياد بن جبير بن حية الثقفي عن أبيه عن المغيرة بن شعبة، قال يونس: وأحسب أهله أخبروني أنه رفعه إلى النبي ﷺ قال: السقط يصلى عليه ويدعى لولديه بالمغفرة.
ولم يفرق بين الاستهلال وغيره.
ولأنه مسلم جرت فيه الروح، فجاز أن يغسل ويصلى عليه، دليله: إذا استهل، ولا يلزم عليه ما دون أربعة أشهر، لأنه لم تجر فيه الروح.
فإن قيل: ليس كل ما جرى فيه الروح وحصلت له الحياة يصلى عليه، ألا ترى أنه لو قطع عضوًا لم يصل عليه، وإن كنا قد علمنا الحياة فيه؟!
قيل له: إن انفصل العضو بعد موته صلي عليه، وءان انفصل في حال حياته لم يصل عليه؛ لأنه تبع للجملة، والجملة لم يصل عليها.
وليس كذلك السقط؛ لأن له حكم نفسه.
стр. 1551
فإن قيل: [السقط] (١) لا حكم له، ألا ترى أنه لا يرث، ولا يورث، ولا يضمن متلفه دية النفس الكاملة، ولا يصح له الوصية فهو كعضوٍ من أعضائها.
قيل له: إنما لم يرث؛ لأنها لم تتحقق حياته عند موت موروثه، وقولهم: لا يورث لا نسلمه؛ لأن ديته تكون موروثة عنه، وقولهم: لا يضمن بدية غير صحيح هو مضمون بالدية التي هي الغرة، ويضمن بالكفارة عندنا، وأما الوصية له فلم تصح؛ لأنه لا تتحقق حياته حين الوصية.
واحتج بعض من نصر هذه المسألة: أنه يُضمن بالغرة، وتنقضي به العدة، وتصير به أم الولد إن يغسل ويصل عليه، وهذا غير صحيح؛ لأن وجوب الضمان على الضارب؛ لأن [ … ] (٢) الحياة فيه، بدلالة أن وجوبه عليه قبل بلوغ الحد الذي يحصل فيه الحياة، وكذلك انقضاء العدة، وثبوت حكم الاستيلاد لا يتعلقان بحصول الحياة فيه، وإنما يتعلقان بكونه ولدًا، ألا ترى أنه لو استبان بعد خلقه انقضت به العدة، وصارت أم ولد، وإن لم يبلغ الحد الذي فيه الروح؟! وقد نص أحمد على هذا في رواية المروذي، وإبراهيم بن الحارث، إذا تبين منه يده أو رجله أو شيء من خلقه فقد عتقت [ … ] (٣) أسقطت ففيه الغرة، ولم
стр. 1552
يعتبر الحد الذي فيه الروح.
واحتج المخالف: بما روى جابر ﵁ عن النبي ﷺ : "إذا استهل الصبي يصلى عليه"، دليله: إذا لم يستهل لم يصل عليه.
والجواب: أن دليل الخطاب ليس بحجة على أصل أبي حنيفة، وأما على أصلنا فهو حجة ما لم يعارضه دليل أخص منه، وقد عارضه القياس الذي ذكرنا، وهو أولى منه، وعلى أن دليل الخطاب عام في أربعة أشهر فيما (١) دون، فتحمله على ما دون أربعة أشهر بدليل ما ذكرنا.
واحتج: بما روى الزهري في مسند الحسين بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استهل الصبي صلي عليه وسمي وورث، وإن لم يستهل لم يصل عليه ولم يرث ولم يسم".
والجواب: أنا نحمل قوله: "ولم يستهل" ولم يبلغ الحد الذي فيه الروح، بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بأنه ينفصل من الأم ميتًا، فوجب أن لا يصلى عليه كما لو لم يستكمل أربعة أشهر.
والجواب: أنه إذا لم يستكمل أربعة أشهر علم أنه لم تجر فيه الروح، وما لم تجر فيه الروح فلا معنى من الصلاة عليه والدعاء له؛ لأنه لا يبعث ولا يحيى، وليس كذلك إذا استكمل، لأنه قد علم حصول الحياة
стр. 1553
فيه فهو كما لو استهل.
* * *
٥٢ - مَسْألَة: إذا قتل المسلم في معركة مع المشركين لم يصل عليه في أصح الروايتين:
نقلها حنبل، وصالح، وهو قول الشافعي ﵁.
ونقل إسحاق بن إبراهيم: يصلى عليه، وهو اختيار أبو بكر الخلال، وأبو بكر عبد العزيز، وبه قال أبو حنيفة، ومالك رحمهم الله تعالى.
وروي عن أحمد ﵀ التخير في الصلاة وفي تركها، فقال في رواية جعفر بن محمد في الصلاة على الشهيد: إن صلي عليه فلا بأس.
وكذلك نقل المروذي عنه فقال: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصل عليه أجزأ.
وكذلك نقل يعقوب بن بختان.
ولأنه تختلف الرواية (١) أنه لا يغسل.
وجه الرواية الأولة: ما روى أبو عبد الله بن بطة في سننه عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد
стр. 1554
في ثوب واحد، ثم أيهم أكثر أخذًا للقرآن، فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا.
وروى أيضًا بإسناده عن الزهري عن أنس ﵄ قال: مرَّ نبي الله ﷺ بحمزة عمه ﵁ يوم أحد وقد مثِّل به فقال: "لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته تأكله العافية حتى يحشر من بطونها"، فدعا بنمرة، وكانت إذا مدت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مدت على رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله ﷺ : "اجعلوا على رأسه"، وقلَّت الثياب، وكثر القتلى، فكان الرجل والرجلان والثلاث يكفنون في الثوب الواحد، وكان رسول الله ﷺ يسأل: "أيهم أكثر قرآنًا؟ " فيقدمه إلى القبلة فيدفنهم ولم يصل عليهم.
قال ابن مشيش: قلت لأحمد: حديث الزهري عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ لم يصل على قتلى أحد، فقال: يحدث به أسامة بن زيد عن الزهري وكأنه ضعفه، وقال: الليث بن سعد يحدثه عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن جابر بن عبد الله، قال: أخلق به أن يكون حديث الليث بن سعد أشبه الصحيح، فقد رجح حديث جابر على حديث أنس في الصحة.
فإن قيل: يحتمل أن يكون صلى عليهم في غيبة من جابر وأنس فلم يشاهد الصلاة.
قيل: لما لم يجز أن يقال في ترك الغسل مثل هذا لم يجز أن يقال
стр. 1555
في ترك الصلاة كذلك، وعلى [هذا] (١) إذا بقي الحكم على الإطلاق وجب نفيه كما قال علي بن أبي طالب ﵁: إن رسول الله ﷺ لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة و [ … ] (٢) ذلك، ولأنه لا يجوز أن يقال: إنهما نفيا ذلك من غير علم بأن النبي ﷺ تركها؛ لأنه يؤدي إلى الجرح والقدح في دينهما.
فإن قيل: يحتمل أن يكون صلى على بعضهم ولم يصلِّ على بعض، ولكن أمر غيره بالصلاة.
قيل له: قوله: "لم يصل على قتلى أحد" إشارة على جميعهم، فلا يجوز حمله على بعضهم؛ لأن الصلاة على البعض يمنع الإطلاق في الكل.
والقياس: أنه لا يغسل فلا يصلى عليه، دليله: الشهيد إذا اختلط بالكفار.
فإن قيل: هناك قد وجبت الصلاة عليه إلا أنا لا نعرفه فلا نتوصل بالصلاة عليه.
قيل له: كان يجب أن يصلى عليه بالنية (٣) نحن إذا اختلط بهم غير الشهيد؛ لأن الغسل شرط في صحة هذه الصلاة، بدلالة أنه إذا صلي
стр. 1556
عليه قبل الغسل لم تصح الصلاة، فإذا كان كذلك سقط الغسل يجب أن تسقط الصلاة، دليله: الكافر والسقط إذا لم يصور.
فإن قيل: إنما لم يصل على الكافر لانقطاع الموالاة، وأما السقط فلأنه لم تجر فيه الروح.
قيل: أما قولك: إن المولاة منقطعة بيننا وبين الكافر، وها هنا هي باقية، فيبطل بالسقط الذي جرت فيه الروح، وإذا خرج ميتًا الموالاة باقية ولا يصلى عليه عنده، وعلى أنه لا يمتنع أن تكون الموالاة باقية، وتسقط بالشهادة كالغسل.
وأما قوله: السقط لا روح فيه، فلا معنى له؛ لأن عنده لو كان فما جرت فيه الروح لم يصل عليه.
فإن قيل: إنما سقط الغسل لأنه يراد تطهيرًا له، والشهادة طهارة.
قيل له: كما استغنينا بفضيلة الشهادة عن الغسل كذلك في الصلاة.
ولأنها صلاة من شرطها الطهارة فما أسقط الصلاة قياسًا على الحيض والنفاس في حال الحياة.
ولأنه ليس في ترك الصلاة كسر للميت، فجاز أن يسقط بالشهادة كالغسل.
واحتج المخالف: بما روى شداد بن الهاد ﵁ أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أريد أن أهاجر معك، فغزا معه فقسم له من الغنيمة فقال: لم أهاجر معك لهذا، وإنما هاجرت لكي أرمى في هذا
стр. 1557
- فأشار إلى حلقه - فأموت فأدخل الجنة، فقال النبي ﷺ : "لأن صدقت صدقك الله"، قال: فجاء سهم فوقع في حلقه فمات ﵁، فقال النبي ﷺ : "صدق الله فصدقه" ثم صلى عليه فقال: "إن هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا وأنا شهيد عليه".
والجواب: أنه يحتمل أن يكون صلى عليه بمعنى: دعا له كما قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي ادع لهم.
وكما قال الأعشى:
تقول بنتي وقد قرَّبتُ مرتحلًا … يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي (١) … نومًا فإن لجنب المرء مضطجعا
ولأنه محتمل أن يكون مات بعد انقضاء الحرب، فلهذا صلى عليه.
واحتج: بما روى شعبة عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك الغفاري ﵁ عن النبي ﷺ : أنه صلى على قتلى أحد وعلى حمزة ﵃، يؤتى بتسعة وعاشرهم حمزة فيصلي عليهم ثم يحملون، ثم يؤتى بتسعة وحمزة مكانه، حتى صلى عليهم رسول الله ﷺ .
وروى ابن عباس، وعبد الله بن الزبير ﵃: أن النبي ﷺ كان يوضع
стр. 1558
بين يديه يوم أحد عشرة فيصلي عليهم، ثم يرفع العشرة وحمزة موضعه، ثم يوضع عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة.
والجواب: أن أحمد ﵀ ضعف هذه الأخبار، فقال مهنا: سألت أبا عبد الله قلت: أليس قد صلى رسول الله ﷺ على حمزة؟ فأنكره وقال: ليس له إسناد.
وقال الميموني: قلت: حديث حمزة أنه صلى عليه وهو شهيد فذكر من يرويه عن الشعبي وغيره ممن يرويه من الكوفيين هذه الأسانيد لا تكافئ ذلك.
وهذا يدل على ضعف ذلك، وعلى أنا نحمل ذلك على أنه صلى عليهم بمعنى دعا لهم، أو على أنهم لم يموتوا في الحال وإنما ماتوا بعد زمان، وتكون الدلالة على صحة هذا ما تقدم من أخبارنا الصحاح.
فإن قيل: فأخبارنا مثبتة، وفيها زيادة، وأخباركم نافية، وفيها نقصان، والمثبت أولى.
قيل له: الزيادة ها هنا مع النافي؛ لأن الأصل في الموتى الغسل والصلاة، ولأن العلم بالترك والعلم بالفعل سواء في هذا المعنى، ولهذا نقول: إن من قال: صبحت (١) فلانًا في يوم كذا فلم يقذف فلانًا (٢) قبلت
стр. 1559
شهادته كما يقبل في الإثبات.
واحتج: بما روى عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين.
والجواب: أن هذا متروك بالإجماع، فلا يحتج به، وعلى أنه محمول على أنه دعا لهم.
واحتج: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله".
والجواب: أن هذا عام وخبرنا خاص، والخاص يقضي على العام.
واحتج: بأن الصلاة على الميت تفضيل وتشريف، ألا ترى أن النبي ﷺ صلي عليه تشريفًا له؟! وكذلك سائر المسلمين صلي عليهم تشريفًا لهم، والشهيد يستحق التشريف والتفضيل، فوجب أن يصلى عليه كسائر الموتى.
والجواب: أن فضيلة الشهادة أسقطت الغسل جاز أن تسقط الصلاة؛ لأن العلة فيهما واحدة.
يبين صحة هذا: أن هذه الصلاة لا تصح إلا بطهارة فما أسقط الطهارة يجب أن يسقط الصلاة كما قلنا في الحيض والنفاس في حال الحياة.
فإن قيل: ليس علة الصلاة علة الطهارة؛ لأن الطهارة تراد للتطهير من الذنوب، والشهادة تكفير للذنوب.
стр. 1560
قيل له: ليس الأمر كذلك؛ لأن الطهارة تجب للتنظيف والتطهير من حدث الموت (١) أن هذا يوجب أن لا يغسل الصبي، ولا الأنبياء؛ لأنهم مطهرون من الذنوب، ويجب إذا أحدث ثم أسلم أن تقوم طهارته بالإسلام مقام طهارة الحدث.
واحتج: بأن سقوط الصلاة على الميت في الأصول متعلقة بانقطاع الموالاة، ووجوب البراءة كالكفارة، والقتل على وجه الشهادة يؤكد الموالاة ولا يقطعها، وليس كذلك الغسل؛ لأنه قد يغسل من لا يصلى عليه، وهو أن النبي ﷺ أمر عليًا ﵁ أن يغسل أبا طالب.
والجواب: أن هذا المعنى أن يغسل السقط ويصلى عليه إذا جرت فيه الروح إلا أنه خرج ميتًا؛ لأن الموالاة غير منقطعة بيننا، ومع هذا فقد قال أبو حنيفة ﵀: لا يغسل ولا يصلى عليه، وعلى هذا المعنى لما أسقط الغسل مع تأكد الموالاة جاز أن يسقط الصلاة، وما ذكره من أنه قد يغسل ولا يصلى عليه وهو الكافر لا نسلمه، وأما حديث أبي طالب فقد تكلمنا عليه بما فيه كفاية.
ووجه الثالثة: أن الأخبار متعارضة في ذلك، فلهذا كان مخيرًا كما قلنا في رفع اليدين إن شاء إلى الأذنين، وإن شاء إلى المنكبين، والله أعلم.
* * *
стр. 1561
٥٣ - مَسْألَة: إذا رفسته دابته فمات أو عاد عليه سلاحه أو تردى من جبل أو في بئر فمات في معركة المشركين فإنه يغسل ويصلى عليه:
نص عليه أحمد ﵀ في رواية الحسن بن محمد فقال: إذا عثرت به دابته في المعركة فمات أرى أن يغسل إلا إن تصيبه جراحة فيموت في مقامه فلا يغسل.
وقال الشافعي ﵀: لا يغسل ولا يصلى عليه، كما لو قتله مشرك.
دليلنا: ما روي أن الملائكة غسلت آدم ﵇ وكفنته، وقالت هذه سنة موتاكم يا آدم، وهذا عام في كل ميت إلا ما خصه الدليل.
وقوله: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"، وهذا عام.
ولأن الميت في الأصل سنته الغسل، فكان قياسه الغسل فيمن قتله المشركون أيضًا، لكن تركنا القياس في الشهداء المتفق عليه وأبقي غيره على موجب القياس.
ولأن موته حصل بسبب من غير جهة آدمي فغسل وصلي عليه، كما لو غرق أو تردى من جبل أو رفسته دابته في غير معترك المشركين.
واحتج المخالف: بأنه مسلم مات في معترك المشركين بسبب من أسباب القتال، فأشبه لو قتله مشرك.
والجواب: أن المعنى هناك أن الموت حصل بسبب من جهة
стр. 1562
المشركين، وليس كذلك ها هنا؛ لأن موته حصل بسبب من غير جهة آدمي فأشبه ما ذكرنا، والله أعلم.
* * *
٥٤ - مَسْألَة: وإن وجد بيننا في معترك المشركين ولا أثر به غُسِّل وصلي عليه:
نص عليه في رواية الحسن بن محمد فقال: إذا وجد ميتًا ولم يكن به جراحة فلعله مات موت نفسه، وذهب إلى أن يغسل إلا أن يكون به كَلْم.
وهو قول أبي حنيفة ﵀.
وقال الشافعي ﵀: لا يغسل.
دليلنا: ما تقدم من قول الملائكة ﵈: هذه سنة موتاكم.
ومن (١) أن الغسل وجوب الغسل إلا ما انتقلنا عنه بالدليل، وهو الشهيد المتفق عليه، فيجب أن يبقى ما عداه على موجبه.
ولأنه قد تقابل ها هنا أصلان:
أحدهما: وجوب الغسل في الأموات.
стр. 1563
والثاني: أن الظاهر من الحرب إذا التحمت ووجد ميتًا في المعترك أنه لم يمت حتف أنفه وإنما قتل، وإذا تقابل وجب أن يرجع إلى الأصل الذي هو الغسل؛ لأنه متحقق، وهذا الظاهر محتمل فلا ينتقل عن يقين بمحتمل.
ولأننا لا نعلم أن سبب موته من جهة آدمي، فيجب أن يغسل، دليله: إذا علم أنه مات حتف أنفه، إذ لو كان مقتولًا لكان به أثر؛ لأن الظاهر من حال المقتول أن يكون به أثر.
واحتج المخالف: بأن الظاهر من الحرب إذا التحمت ووجد ميتًا أنه قتل، فيجب أن يحكم بالظاهر كما لو كان به أثر فإنه يحكم بقتله، وإن جاز أن يكون جرح نفسه.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه قد قابل هذا الظاهر أصل آخر وهو: وجوب الغسل، ولا يشبه هذا إذا وجد به أثر؛ لأن الظاهر أنه مقتول، وأنه لا يجرح نفسه في العادة، وإذا لم يكن به أثر فالظاهر موته حتف أنفه، فلهذا غسل.
فإن قيل: كان يجب أن لا يعتبروا الأثر ها هنا، كما لم يعتبروه في القسامة.
قيل: لم يعتبره في القسامة احتياطًا لوجوب الدم، واعتبرناه ها هنا احتياطًا للغسل، والله أعلم.
* * *
стр. 1564
٥٥ - مَسْألَة: إذا خرج في المعترك ثم تكلم أو شرب أو صلى أو وصى ومات، غُسِّل وصلي عليه:
نص عليه في رواية إسحاق بن هانئ فقال: إذا قتل في المعترك لم يغسل ويصلى عليه، وحمل وبه رمق أو أكل أو شرب أو بال أو نام أو عطس غسل وصلي عليه.
وكذا نقل الأثرم عنه في الرجل يوجد مقتولًا لعله قد مشى لعله قد تكلم إنما يترك غسل القتيل في المعركة، فأما إن حمل أو صار إلى موضع آخر غسل.
وبه قال أبو حنيفة ﵀.
وقال مالك ﵀: إذا حمل من المعترك مثخنًا بالجراح فعاش ثم مات؛ فإن كان في غَمْرة الموت بالجراحات فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وإن بقي يومين أو ثلاثة أو أكل أو شرب فهو كسائر الموتى.
وقال الشافعي ﵀: إن وجد منه شيء من ذلك والحرب قائمة لم يغسل، وإن انقضت الحرب ثم مات غسل وصلي عليه، فالاعتبار عنده ببقاء الحرب ونقضها.
دليلنا: ما تقدم من الخبر والاستدلال، ولأنه إذا وجد منه شيء من ذلك فقد صار إلى حال من أحوال الدنيا فنقصت فيه معنى الشهادة، فصار كما لو مات بعد تَقَضِّي الحرب.
стр. 1565
واحتج المخالف (١): بأنه مسلم مات في معترك المشركين بسبب من أسباب القتال فشأنه إذا مات قبل أن يتكلم.
والجواب: أن المعنى هناك أنه لم يصر إلى حال من أحوال الدنيا فشهادته كاملة، فلهذا لم يغسل، وليس كذلك ها هنا؛ لأن شهادته نقصت فغسل كما لو مات بعد مضي الحرب، والله أعلم.
* * *
٥٦ - مَسْألَة: إذا قتل صبي في المعترك لم يغسل:
وهو [قول] (٢) مالك، والشافعي رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة ﵀: يغسل.
دليلنا: أنه مسلم قتل ظلمًا لم يذنب ولا وجب عليه غسل في حال حياته، فلم يغسل، دليله: البالغ، ولا يلزم عليه المقتول قصاصًا، وفي الرجم في الزنا، والمقتول على وجه الدفع؛ لأن ذلك القتل بحق.
ولا يلزم عليه إذا تكلم أو أكل أو شرب أو حمل وفيه الحياة ثم مات، لقولنا: لم يرث.
ولا يلزم عليه: إذا قتل جنبًا؛ لأنه وجب عليه الغسل في حال حياته.
стр. 1566
ولا يلزم عليه من قتل ظلمًا في غير معترك المشركين؛ لأنه لا يجب غسله على الصحيح من الروايتين، كما لا يجب إذا قتل في معترك المشركين.
ولأن الصغير في سنن الموتى وفروضها (١) بمنزلة الكبير لا فرق بينهما فيما تساويا في معناه، الدليل عليه غير الشهيد، ثم تثبت أن الشهادة تسقط الغسل عن الكبير جاز أن تسقط عن الصغير، ولا يلزم عليه اختلافهم في الكفن، والدعاء في الصلاة، وفي الغاسل، وأن الصبية قد تنقص في عدد أكفانها عن الكبير، وكذلك ينقص الصغير عن الكبير في الدعاء له في الصلاة، فلا يقال: إن كان محسنًا فجازه وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، وكذلك يجوز للمرأة أن تغسل الصبي عندهم؛ لأنهم مختلفون في معناه، وذلك أن القصد من الزيادة في الأكفان فضل ستر العورة، وهذا لا يقصد به الصبي، وكذلك النظر إليه، والدعاء له بالمغفرة؛ لأنه لا ذنوب عليه.
ولأن كل غسل لا يجب في البالغ لا يجب في الصبي، دليله: الغسلة الثانية، والثالثة، والغسلة الأولة في غير الشهيد.
فإن قيل: لا يجوز اعتبار الثانية بأوله كما لا يجوز اعتباره في غير الشهيد.
قيل: وقد يتساويان بدليل الكافر إذا قتل في المعترك يستوي حكم
стр. 1567
الأولى والثانية في الإسقاط، كذلك ها هنا.
واحتج المخالف: بأن الشهادة تطهير للشهيد من الذنوب، والصبي لا ذنب له فلا يلحقه حكم الشهادة، ويبقى على أصله في وجوب غسله.
والجواب: أنا لا نسلم أن الشهادة تطهير من الذنوب، وإنما الشهادة هو القتل ظلمًا، وهذا معنى موجود في الصغير، وأما غفران الذنوب فإنه من أحكام الشهادة، فإن لم يكن ذنب استغنى عن الغفران ووجبت الجنة له في درجة الشهداء، ومن كان من البالغين منهما لا يغسل، فهذا حكمه وهو إذا بلغ في المعترك ثم قتل عقيب بلوغه فإنه لا ذنب له، ومع هذا فيثبت له حكم الشهادة وإن لم يصادف تطهيرًا.
فإن قيل: يجوز أن يكون قد أذنب ولم يعلم.
قيل له: إذا شاهدناه لم يزل عن موضعه فقتل علم أنه لا ذنب له.
فإن قيل: يجوز أن يكون قد أضمر معصية.
قيل له: نية المعصية واعتقادها معفو عنه ما لم يفعلها، على أن الأصل: عدم الذنب، فكان يجب أن لا يثبت حكم الشهادة؛ لأن سببها غير متحقق.
جواب آخر: وهو أنه لا يمتنع أن يثبت حكم الشهادة بالقتل في حق الصغير، فإن كان معناها التطهير فلا ذنب له كما ثبت إسلامه، وفيه معنى التطهير من الذنوب، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
стр. 1568
وقال النبي ﷺ : "الإسلام يجب ما قبله".
وجواب آخر: وهو أن الشهادة تؤثر في الصغير كتأثيرها في الكبير، وهو أن ترفع له الدرجات أكثر من الصغير الذي ليس بشهيد، فيجب أن تؤثر في باب الغسل.
واحتج: بأنه قبل البلوغ يغسل كما لو قتل في غير المعترك.
والجواب: أنه لا يغسل عندنا كما لا يغسل البالغ إذا قتل ظلمًا في غير المعترك، والله أعلم.
* * *
٥٧ - مَسْألَة: الجنب إذا قتل شهيدًا غسل:
نص عليه في رواية حرب في الشهيد يقتل وهو جنب؟ قال: يغسل غسلًا واحدًا.
وبه قال أبو حنيفة ﵀.
وقال مالك، والشافعي رحمهما الله: لا يغسل.
دليلنا: ما روي أن حنظلة بن أبي عامر ﵁ قتل فسأل النبي ﷺ أهله فقال: "ما شأن حنظلة فإني رأيت الملائكة تغسله؟ " قالوا: خرج جنبًا، رواه محمد بن إسحاق في المغازي بإسناده عن قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن صاحبكم لتغسله الملائكة - يعني حنظلة - فاسألوا أهله
стр. 1569
ما شأنه؟ " فسألت صاحبته (١) فقالت: خرج وهو جنب حيث سمع الهائعة، فقال رسول الله ﷺ : "لذلك غسلته الملائكة"، فلو لم يجب غسله لما غسلته الملائكة كما لم تغسل [ … ] (٢) الشهداء.
فإن قيل: يجوز أن تكون الملائكة غسلته تشريفًا له.
قيل له: ليس في غسل الشهيد تشريف له، بل تشريفه في ترك الغسل، على أن محمد بن إسحاق قد روى فيه أن النبي ﷺ قال: "لذلك غسلته الملائكة" يعني للجنابة.
فإن قيل: الخلاف في غسل الآدميين وليس في الخبر بيان ذلك.
قيل له: غسلته الملائكة، وكفنته، ودفنته وقالت: "هذه سنة موتاكم يا بني آدم"، ولم يأمر ولده بإعادة غسله، فدل على أن غسل الملائكة قائم مقام غسلهم.
فإن قيل: ليس في الخبر أن الملائكة غسلته، وإنما المحفوظ أنها صلت عليه.
قيل: ذكر إسحاق بن بشر القرشي في كتاب المبتدأ: أن جبريل والملائكة ﵈ غسلته وحنطته وكفنته، وكبر جبريل ﵇ عليه أربعًا ثم التفت إلى بني آدم وقال: "هذه سنتكم في الموت،
стр. 1570
فافعلوا بموتاكم مثل ما رأيتمونا صنعنا بأبيكم".
ويدل عليه أيضًا أنه لما مات سعد بن معاذ ﵁ خرج النبي ﷺ وأسرع في المشي، فقيل له في ذلك، فقال: "خشيت أن تسبقنا الملائكة إلى غسله كما سبقتنا إلى غسل حنظلة"، وهذا يدل على أن الملائكة لو لم تغسل حنظلة لغسله النبي ﷺ ، ولكن غسلها قام مقام غسله.
ويدل أيضًا على أن الملائكة لو سبقته إلى غسل سعد سقط فرض الغسل؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما بادر إلى غسله؛ لأنه ﵇ كان يلزمه غسله بعد غسل الملائكة.
ولأن غسل الميت في الأصل سنة، فكان القياس أن يغسل الشهيد إلا أنا تركنا القياس في الشهيد إذا لم يكن جنبًا للاتفاق، وحملنا الجنب على موجب القياس.
ولأنه قتل وعليه واجب قبل القتل، فلا يقوم القتل مقام الغسل، دليله: لو قتل وعليه نجاسة.
ولا يلزم عليه إذا قتل محدثًا؛ لقولنا قبل: وعليه غسل واجب، والحدث الأصغر لا يوجب الغسل.
ولا يلزم عليه إذا قتلت وهي حائض أو نفساء؛ لأنها إن قتلت بعد انقطاع الدم فإنها تغسل، وإن قتلت قبل انقطاعه لم تغسل؛ لأن الحائض والنفساء لا يجب عليها الغسل إلا بالانقطاع، وانقطاعه يحصل بالموت، وإذا كان كذلك لم يكن عليها غسل واجب قبل القتل، فلم يجب غسلهما
стр. 1571
بعد القتل كسائر الشهداء.
ونظير مسألتنا: أن يقتل بعد انقطاع الدم من الحيض والنفاس، فإنا نقول: تغسل كالجنب إذا قتل.
وإن شئت قلت: حدث الجنابة يمنع المكث في المسجد فلم يسقط وجوب غسله بالموت، دليله: النجاسة ولا يلزم عليه الحدث الأصغر؛ لأنه لا يمنع المكث في المسجد، ولا يلزم عليه إذا قتلت حائضًا أو نفساء، لقولنا: فلم يسقط وجوب غسله، وهنا ما وجب الغسل قبل القتل؛ لأنه إنما يجب بالانقطاع.
فإن قيل: من أصحابنا من قال: تسقط إزالة النجاسة كما تسقط الطهارة من الحدث.
قيل له: ليس هذا قول يعول عليه، فلا يلتفت إليه.
فإن قيل: قولك: قتل وعليه غسل واجب لا تأثير له في النجاسة؛ لأنه لا فرق بين أن تكون وجبت في حال حياته أو أصابته النجاسة بعد موته في وجوب الإزالة.
قيل: له تأثير في غير الجنب إذا قتل شهيدًا.
واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الشهيد لا يغسل"، وهذا عام.
والجواب: أنا نخصه ونحمله على غير الجنب، بدليل ما ذكرنا.
واحتج: بأنه مسلم مات في معترك المشركين بسبب من أسباب
стр. 1572
القتال، فوجب أن لا يغسل قياسًا على غير الجنب.
والجواب: أن غير الجنب لم يكن عليه غسل واجب قبل القتل، فقام القتل مقام الغسل الواجب بالموت، وليس كذلك الجنب إذا قتل؛ لأنه كان عليه غسل واجب قبل القتل، فلا يقوم القتل مقام الغسل كما لو قتل وعليه نجاسة.
واحتج: بأن الغسل في الجنابة طهارة من حدث فوجب أن يسقط بالشهادة، أصله غسل الحيض والنفاس والوضوء، وربما قالوا: طهارة ينوب عنها التيمم، ولا يلزم عليه غسل النجاسة؛ لأنها ليست عن حدث، ولا ينوب عنها التيمم.
والجواب عن الحائض والنفساء: أنها إن قتلت بعد انقطاع الدم فإنها تغسل كما قلنا في الجنب، وإن قتلت في خلال الدم لم تغسل؛ لأن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الغسل إلا بعد الانقطاع، ويحصل انقطاعه بالموت، فإذا كان كذلك لم يكن عليها غسل واجب قبل القتل، فلم يجب غسلها بعد القتل كسائر الشهداء.
ونظير مسألتنا: أن تقتل بعد انقطاع دم الحيض والنفاس، فإنا نقول: إنها تغسل كالجنب إذا قتل.
فإن قيل: الغسل يجب بخروج الدم لا بانقطاعه؛ لأن الانقطاع لم يخرج منها شيئًا، ولا يجب أن يكون ذلك موجبًا للغسل، ويدل على ذلك أن خروج البول هو الموجب للطهارة.
стр. 1573
قيل له: لو كان الغسل يجب بالخروج لوجب أن يصح الغسل مع بقاء الحيض ومع بقاء جريان البول وسائر الأحداث الجارية، ولأن الغسل من الحيض لا يراد لنفسه وإنما يراد للصلاة، فإذا لم تكن الصلاة واجبة عليها قبل الانقطاع التي هي المقصودة فأولى أن لا تجب كالإغماء في الطهارة.
وأما الوضوء فالمعنى فيه أن الموت يوجب الحدث، فجاز أن يقوم القتل مقام الغسل الواجب به ولا يوجب الجنابة كما لا يوجب ثبوته النجاسة.
فإن قيل: فقد قال سعيد بن المسيب، والحسن البصري ﵃: الميت غسل لجنابته؛ لأنه يجنب بالموت، وقال عبد الله بن الحسن [ … ] (١): الروح نطفة.
وهذا يدل على أن الموت يوجب الجنابة، فيجب أن يقوم القتل مقام الغسل.
قيل له: يجب أن يقال: إن الموت موجب للحدث؛ لأنه زوال عقل فهو كالإغماء، ولا يوجب الغسل؛ لأنه زوال عقل، وذلك لا يوجب الغسل، والإغماء لا يوجب الغسل.
يبين صحة هذا: أن الجنابة تكون مع قوة الشهوة والحواس، ولأن خروج المني على غير هذا الوجه لا يوجب الغسل.
стр. 1574
واحتج: بأن القتل على وجه الشهادة يقوم مقام الغسل، وغسل واحد يسقط ما وجب قبل ذلك وإن اجتمعت أسباب كثيرة، ألا ترى أنها لو كانت حائضًا ثم أجنبت فاغتسلت أجزأها غسل واحد.
قيل له: القتل على وجه الشهادة يقوم مقام الغسل الواجب بالموت، فأما غسل وجب قبله فلا، فلم يثبت أنه يقوم مقامه، وعلى أن القتل لا يسقط الغسل، وإنما يمنع وجوبه بالموت، والغسل الواجب بالجنابة كان واجبًا قبل الموت فلا يجوز أن نقول: إنه يمنع وجوبه، وقد وجب قبل ذلك، والله أعلم.
* * *
٥٨ - مَسْألَة: إذا قتل مسلم في غير المعترك ظلمًا فهو شهيد لا يغسل في أصح الروايتين:
رواها عنه صالح، وأبو الحارث فيمن قتله اللصوص ومات في المعركة لا يغسل، وهو اختيار أبي بكر.
وفيه رواية أخرى: أنه يغسل، رواها عنه أبو طالب: فيمن قتله اللصوص ومات في المعركة يغسل.
وبه قال مالك، والشافعي رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة ﵀: إن قتل بحديدة فهو شهيد لا يغسل، وإن قتل بغيرها غسل.
стр. 1575
وجه الرواية الأولة وأنه لا يغسل في الجملة: أنه مسلم قتل ظلمًا لم يَرِثَّ (١) ولا وجب عليه غسله في حياته، فوجب أن لا يغسل كما لو قتل في المعترك، ولا يلزم عليه من قتل خطأ؛ لأنا نريد بقولنا: ظلمًا [ما] يتعلق به المأثم.
فإن قيل: قتل تلك الشهادة أكمل؛ لأنه دعا إلى الإيمان بالله والرسول، والمنع من كفرهما، وليس كذلك قتل اللصوص في الدفع عن النفس والمال، لأنه دونه في الرتبة.
قيل له: لو كان المقتول صبيًا في المعترك لم يغسل وإن لم يوجد فيه هذا المعنى، وكذلك تجار العسكر إذا قتلوا لم يغسلوا، وإن لم يوجد منهم ذلك، ولأنه لو قتل بحديدة (٢)، فإذا قتل بغير الحديدة لا يغسل (٣)، دليله: المقتول في المعترك.
فإن قيل: إذا قتل بغير الحديدة وجب عن نفسه بدل وهو مال، فصار كقتيل الخطأ.
إذا قتل بالحديدة لم يجب عليه بدل فأشبه القتل في المعترك بحديدة وبغيره.
стр. 1576
قيل: لا نسلم هذا؛ لأن القتل بغير الحديدة، إما أن يوجب القود فقط أو يوجب أحد الشيئين: القود أو الدية، وعلى أنه إذا قتله بالحديد فقد وجب عن نفسه بدل أيضًا وهو القصاص، بل هذا البدل أعظم وآكد من المال، ثم ثبت أن ثبوت القصاص مع تأكده يمنع الغسل، فأولى أن يمنع ثبوت المال مع ضعفه.
واحتج من أوجب الغسل في الجملة: بما روي أن عمر ﵁ قتل فغسل وصلي عليه، وكذلك عثمان ﵁.
والجواب: أن عمر ﵁ ارتثَّ فلهذا غسل، وكذلك عثمان ﵁، والمُرْتثُّ عندنا: يحصل تارة بالأكل والشرب أو الكلام أو يحمل أو يوصي، وقد وجد منهما ذلك بعد الجرح.
واحتج: بأنه مسلم قتل في غير معترك المشركين فهو كالمقتول خطأ، وقصاصًا، وفي الزنا.
والجواب: أن المعنى هناك أنه لم يقتل ظلمًا، فلم يكن شهيدًا، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه قتل ظلمًا، ولم يرتث ولا وجب عليه غسل في جنابة، فهو كالمقتول في المعترك، وأما إذا قتل خطأ فذلك القتل لا مأثم فيه، فهو كقتل البغاة، والزناة، والله أعلم.
* * *
٥٩ - مَسْألَة: يغسل قتلى أهل البغي ويصلى عليهم:
стр. 1577
ذكره الخرقي في قتال أهل البغي، وهذا الحكم في قُطّاع الطريق.
وبه قال الشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة [﵀] (١): لا يصلى عليهم عقوبة لهم.
دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ قال: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"، وهذا عام.
وذكر سيف الدين في كتاب الفتوح بإسناده عن محمد بن طلحة: أن عليًا ﵁ أقام في عسكره ثلاثًا لا يدخل البصرة، ويدل (٢) الناس إلى موتاهم، وطاف عليٌّ معهم في القتلى فأُتي بكعب بن سور، فقال: زعمتم أنما خرج معهم السفهاء، وهذا الحبر قد ترون، وساق الخبر إلى أن قال: وصلى على قتلاهم من أهل البصرة، وعلى قتلاهم من أهل الكوفة، وساق الخبر.
ولأنه مسلم قتل بحق، فوجب أن يغسل ويصلى عليه، دليله: الزاني المحصن، والقاتل عمدًا، ولا يلزم عليه المقتول شهيدًا؛ لأنه قتل بغير حق، ولأن البغي معصية لا يخرج من الإيمان، فلا يخرج من الغسل، والصلاة، دليله: سائر المعاصي.
وفيه احتراز من الردة؛ لأنها تخرج من الغسل، دليله: سائر المعاصي.
стр. 1578
وفيه احتراز من القتل على وجه الشهادة؛ لأن ذلك بمعصية، تبين صحة أن الصلاة على الميت شفاعة ودعاء واستغفار، وأهل البغي أحوج إلى ذلك من أهل العدل، ولا يلزم عليه المقتول شهيدًا؛ لأن ذلك استغنى بشهادة الله عن الصلاة عليه.
فإن قيل: أليس قد قلتم: إن من قتل نفسه، ومن غلَّ من الغنيمة لا يصلى عليه، وهي معصية لا تخرجه عن الإيمان، وهو محتاج إلى الدعاء.
قيل له: لا نقول: إنه لا يصلى عليه أصلًا، وإنما قلنا لا يصلي عليه الإمام خاصة ردعًا له، فإنما بقية المسلمين فإنهم يصلون عليه ويغسلونه.
واحتج المخالف: بأن عليًا ﵁ لم يغسل قتلى أهل النهروان، ولم يصل عليهم.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون صلى عليهم غيره وغسلهم فاكتفى بذلك، وهذا هو العادة أن الناس يتسارعون إليه.
واحتج: بأن قتالهم وجب للذب عن الدين، فوجب أن يصلى عليهم كأهل الحرب.
وإن شئت قلت: يستحلون قتال أهل الحق ولأن لهم منعًا وقد باينوا أهل الحق، وباينوهم بالقتال فهم كأهل الحرب.
والجواب: أن قتلهم ليس للذب عن الدين، وإنما هو لأجل الإمامة والرئاسة، ولأجل هذا لا تغنم أموالهم، ولأن أهل الحرب كفار، والكفر
стр. 1579
يمنع الصلاة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وليس كذلك هؤلاء؛ لأنهم لم يكفروا بالبغي فهو كغيره من المعاصي.
ولأن أهل الحرب كفار لا ينفعهم الدعاء والاستغفار، وليس كذلك أهل البغي، وقطاع الطريق؛ لأنهم مسلمون فجاز الدعاء لهم والاستغفار، لأن القصد من الصلاة الدعاء.
واحتج: بأن علينا مباينتهم ومجانبتهم والتبرؤ منهم في حياتهم، فكان ذلك بعد موتهم أولى؛ لوقوع الإياس من توبتهم.
والجواب: أنه لا يجب التبرؤ منهم، وإنما يجب التبرؤ من فعلهم الذي هو البغي، وقطع الطريق، كما يجب التبرؤ من فعل الفساق الذي فسقوا به دون التبرؤ من إنابتهم، وسائر طاعاتهم، والله تعالى أعلم.
* * *
٦٠ - مَسْألَة: لا يغسل قتلى أهل العدل ولا يصلى عليهم:
ذكره أبو بكر، ورويناه على من قَتَله اللصوص، وهذا البناء يوجب أن تكون المسألة على روايتين، قلنا فيمن قتله اللصوص في المذهب الصحيح: أنه لا يغسل.
وهو قول أبي حنيفة ﵀.
وللشافعي ﵀ قولان:
стр. 1580
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: يغسل، وهو قول مالك ﵀.
دليلنا: ما روى أبو بكر الخلال بإسناده في العلل أن عمار بن ياسر ﵁ قال: ادفنوني في ثيابي فإني رجل مخاصم.
قال مهنا: سألت أحمد ﵀ عن حديث عمار "ادفنوني في ثيابي" قال: هو حديث إسماعيل بن أبي خالد قال: حدثني يحيى بن عابس، قلت لأحمد: من بني إسماعيل بن أبي خالد؟ قال: وكيع، قلت: وكان هذا عبد وكيع، قال: نعم.
وعن حجر بن عدي ﵁ أنه قال: لا تغسلوا عني دمًا فإني ألتقي ومعاوية على الجادة، ذكره عمر بن شبة في كتاب الكوفة.
وذكر سيف في كتاب الفتوح بإسناد: وقتل عثمان ﵁ يوم الجمعة، وكان شهيدًا فلم يغسل، وكفن في ثيابه ودمائه ولا غلاميه، وترك القوم الآخرون بالبلاط حتى أكلتهم الكلاب.
وفي لفظ آخر: دفن عثمان ﵁ ليلة السبت لم يغسل ولم يمنع أحدًا أن يصلى عليه، صلى عليه مروان (١).
وعن زيد بن صوحان ﵁ قال: لا تغسلوا عني دمًا.
فإن قيل: يعارض هذا ما روي أن أسماء بنة أبي بكر ﵄ غسلت