قيل: لا نسلم هذا؛ لأن القتل بغير الحديدة، إما أن يوجب القود فقط أو يوجب أحد الشيئين: القود أو الدية، وعلى أنه إذا قتله بالحديد فقد وجب عن نفسه بدل أيضًا وهو القصاص، بل هذا البدل أعظم وآكد من المال، ثم ثبت أن ثبوت القصاص مع تأكده يمنع الغسل، فأولى أن يمنع ثبوت المال مع ضعفه.
واحتج من أوجب الغسل في الجملة: بما روي أن عمر ﵁ قتل فغسل وصلي عليه، وكذلك عثمان ﵁.
والجواب: أن عمر ﵁ ارتثَّ فلهذا غسل، وكذلك عثمان ﵁، والمُرْتثُّ عندنا: يحصل تارة بالأكل والشرب أو الكلام أو يحمل أو يوصي، وقد وجد منهما ذلك بعد الجرح.
واحتج: بأنه مسلم قتل في غير معترك المشركين فهو كالمقتول خطأ، وقصاصًا، وفي الزنا.
والجواب: أن المعنى هناك أنه لم يقتل ظلمًا، فلم يكن شهيدًا، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه قتل ظلمًا، ولم يرتث ولا وجب عليه غسل في جنابة، فهو كالمقتول في المعترك، وأما إذا قتل خطأ فذلك القتل لا مأثم فيه، فهو كقتل البغاة، والزناة، والله أعلم.
* * *
٥٩ - مَسْألَة: يغسل قتلى أهل البغي ويصلى عليهم:
стр. 1577
ذكره الخرقي في قتال أهل البغي، وهذا الحكم في قُطّاع الطريق.
وبه قال الشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة [﵀] (١): لا يصلى عليهم عقوبة لهم.
دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ قال: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"، وهذا عام.
وذكر سيف الدين في كتاب الفتوح بإسناده عن محمد بن طلحة: أن عليًا ﵁ أقام في عسكره ثلاثًا لا يدخل البصرة، ويدل (٢) الناس إلى موتاهم، وطاف عليٌّ معهم في القتلى فأُتي بكعب بن سور، فقال: زعمتم أنما خرج معهم السفهاء، وهذا الحبر قد ترون، وساق الخبر إلى أن قال: وصلى على قتلاهم من أهل البصرة، وعلى قتلاهم من أهل الكوفة، وساق الخبر.
ولأنه مسلم قتل بحق، فوجب أن يغسل ويصلى عليه، دليله: الزاني المحصن، والقاتل عمدًا، ولا يلزم عليه المقتول شهيدًا؛ لأنه قتل بغير حق، ولأن البغي معصية لا يخرج من الإيمان، فلا يخرج من الغسل، والصلاة، دليله: سائر المعاصي.
وفيه احتراز من الردة؛ لأنها تخرج من الغسل، دليله: سائر المعاصي.
стр. 1578
وفيه احتراز من القتل على وجه الشهادة؛ لأن ذلك بمعصية، تبين صحة أن الصلاة على الميت شفاعة ودعاء واستغفار، وأهل البغي أحوج إلى ذلك من أهل العدل، ولا يلزم عليه المقتول شهيدًا؛ لأن ذلك استغنى بشهادة الله عن الصلاة عليه.
فإن قيل: أليس قد قلتم: إن من قتل نفسه، ومن غلَّ من الغنيمة لا يصلى عليه، وهي معصية لا تخرجه عن الإيمان، وهو محتاج إلى الدعاء.
قيل له: لا نقول: إنه لا يصلى عليه أصلًا، وإنما قلنا لا يصلي عليه الإمام خاصة ردعًا له، فإنما بقية المسلمين فإنهم يصلون عليه ويغسلونه.
واحتج المخالف: بأن عليًا ﵁ لم يغسل قتلى أهل النهروان، ولم يصل عليهم.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون صلى عليهم غيره وغسلهم فاكتفى بذلك، وهذا هو العادة أن الناس يتسارعون إليه.
واحتج: بأن قتالهم وجب للذب عن الدين، فوجب أن يصلى عليهم كأهل الحرب.
وإن شئت قلت: يستحلون قتال أهل الحق ولأن لهم منعًا وقد باينوا أهل الحق، وباينوهم بالقتال فهم كأهل الحرب.
والجواب: أن قتلهم ليس للذب عن الدين، وإنما هو لأجل الإمامة والرئاسة، ولأجل هذا لا تغنم أموالهم، ولأن أهل الحرب كفار، والكفر
стр. 1579
يمنع الصلاة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وليس كذلك هؤلاء؛ لأنهم لم يكفروا بالبغي فهو كغيره من المعاصي.
ولأن أهل الحرب كفار لا ينفعهم الدعاء والاستغفار، وليس كذلك أهل البغي، وقطاع الطريق؛ لأنهم مسلمون فجاز الدعاء لهم والاستغفار، لأن القصد من الصلاة الدعاء.
واحتج: بأن علينا مباينتهم ومجانبتهم والتبرؤ منهم في حياتهم، فكان ذلك بعد موتهم أولى؛ لوقوع الإياس من توبتهم.
والجواب: أنه لا يجب التبرؤ منهم، وإنما يجب التبرؤ من فعلهم الذي هو البغي، وقطع الطريق، كما يجب التبرؤ من فعل الفساق الذي فسقوا به دون التبرؤ من إنابتهم، وسائر طاعاتهم، والله تعالى أعلم.
* * *
٦٠ - مَسْألَة: لا يغسل قتلى أهل العدل ولا يصلى عليهم:
ذكره أبو بكر، ورويناه على من قَتَله اللصوص، وهذا البناء يوجب أن تكون المسألة على روايتين، قلنا فيمن قتله اللصوص في المذهب الصحيح: أنه لا يغسل.
وهو قول أبي حنيفة ﵀.
وللشافعي ﵀ قولان:
стр. 1580
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: يغسل، وهو قول مالك ﵀.
دليلنا: ما روى أبو بكر الخلال بإسناده في العلل أن عمار بن ياسر ﵁ قال: ادفنوني في ثيابي فإني رجل مخاصم.
قال مهنا: سألت أحمد ﵀ عن حديث عمار "ادفنوني في ثيابي" قال: هو حديث إسماعيل بن أبي خالد قال: حدثني يحيى بن عابس، قلت لأحمد: من بني إسماعيل بن أبي خالد؟ قال: وكيع، قلت: وكان هذا عبد وكيع، قال: نعم.
وعن حجر بن عدي ﵁ أنه قال: لا تغسلوا عني دمًا فإني ألتقي ومعاوية على الجادة، ذكره عمر بن شبة في كتاب الكوفة.
وذكر سيف في كتاب الفتوح بإسناد: وقتل عثمان ﵁ يوم الجمعة، وكان شهيدًا فلم يغسل، وكفن في ثيابه ودمائه ولا غلاميه، وترك القوم الآخرون بالبلاط حتى أكلتهم الكلاب.
وفي لفظ آخر: دفن عثمان ﵁ ليلة السبت لم يغسل ولم يمنع أحدًا أن يصلى عليه، صلى عليه مروان (١).
وعن زيد بن صوحان ﵁ قال: لا تغسلوا عني دمًا.
فإن قيل: يعارض هذا ما روي أن أسماء بنة أبي بكر ﵄ غسلت
стр. 1581
ابنها قال عبد الله بن الزبير ﵄ بعد ما أوصى له (١)، وكان ذلك بمحضر من الصحابة والتابعين ﵃.
قيل: لعله أن يكون ارتثَّ، ولأنه مسلم قتل ظلمًا لم يرتث ولا وجب غسله في حال حياته فأشبه إذا قتله أهل الحرب.
فإن قيل: المعنى في تلك الشهادة أنها أكمل؛ لأنها عن المسلمين، وهذا قتال للمسلمين على الإمام والرئاسة.
قيل: نقصان الكمال لا يوجب الغسل، بدليل ما ذكرنا: من تجار العسكر إذا قتلوا فإنهم أدون في الشهادة ممن خرج مجاهدًا، ومع هذا لا يغسل.
وقد قيل: قتال أهل البغي واجب للذب عن الدين، ويصلي بهم الإمام صلاة الخوف كما يصلي في قتال المشركين، فهو كقتال أهل الحرب، والمخالف يمنع من هذا، أو يقول: هذا القتال ليس للذب عن الدين، وإنما هو للإمامة والرئاسة، ولهذا لا يغنم أموالهم، وأما صلاة الخوف فإنها تجوز في قتال اللصوص، وقتال من أراد دم رجل مسلم.
واحتج المخالف: بأنه مقتول في غير معترك المشركين فغسل وصلي عليه، دليله: المقتول قصاصًا، وفي الزنا؛ ولأنه مسلم قتل مسلمًا أشبه ما ذكرنا.
والجواب: أن المعنى هناك أن القتل بحق، وليس كذلك ها هنا؛
стр. 1582
لأن هذا مسلم قتل ظلمًا يرتث ولا وجب عليه غسل في حياته أشبه المقتول في معترك المشركين، والله أعلم.
* * *
٦١ - مَسْألَة: إذا اختلط أموات المسلمين بأموات المشركين، وكانوا ممن يجب الصلاة عليهم فإنه يصلى على جميعهم بالنية سواء كان المسلمون أكثر أو المشركون أو استوى عددهما:
نص عليه في رواية أبي طالب: في مسلمين ونصارى غرقوا ولا يعرفون فلا بد من الصلاة عليهم وينوي المسلمين.
وهو قول مالك، والشافعي رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة ﵀: إن كان المسلمون [أكثر] صلي عليهم، وينوي المسلمين، وإن تساووا أو [كان] (١) كفار أكثر لم يصل عليهم.
دليلنا: قوله ﷺ : "صلوا على من قال: لا إله إلا الله".
ولأنه اختلط من يصلى عليه ومن لا يصلى عليه، فوجب أن يصلوا على الجميع قياسًا على المسلمين إذا كانوا أكثر، ولأن الصلاة الواجبة إذا اشتبهت بما لم يجب صار الجميع واجبًا احتياطًا للواجب، كما يقول فيمن نسي صلاة من الصلوات الخمس في اليوم والليلة: صارت الصلوات
стр. 1583
الخمس واجبة عليه.
ولأن الصلاة على المسلمين بالقصد والنية دون الكفار، وقصد الأكثر من الجماعة بالنية غير قصد الأقل، ولا فرق بينهما، تبين صحة هذا: أنه لو وضع بين يديه جنائز فصلى وهو متوجه إليها ونوى الصلاة على إحداهما بعينها لم يسقط فرض الصلاة عن الأخرى، وإن كان متوجهًا إلى الجميع بالصلاة، ولوجود القصد في بعضها، وبهذا (١) قلنا: إن من حلف لا يكلم فلانًا ولا يسلم عليه، فسلَّم على قوم هو فيهم وعزاه بنيته لم يحنث، نص عليه في رواية أبي طالب في رجل حلف أن لا يكلم رجلًا فمر به في جماعة فسلم عليه وهو فيهم ولم يعلم فرد عليه، فقال: إنما القوم لم يرده.
فاعتبر نيته في ذلك ولم يحنثه إذا قصد غير المحلوف عليه.
وروى عنه مهنا: في رجل حلف لا يكلم رجلًا فدخل يومًا وهو في المسجد وفيه جماعة فقال: سلام عليكم، فأخرج رأسه من ردائه في المسجد كان قد استتر بها فقال له: وعليكم السلام، فقال: قد حنث الحالف.
فظاهر هذا: أنه لم يعتبر نيته في ذلك، وإنما اعتبر مواجهة الجميع بالخطاب، والمذهب: الصحيح اعتبار النية والقصد فيه.
واحتج المخالف: بأنه إذا تساوى فقد استوى جهة الحظر وجهة
стр. 1584
الإباحة، والمحظور منهما، وهو الصلاة على الكفار، وذلك لا يجوز استباحته بحال، فوجب أن يكون الحكم للحظر كما لو كان معه إناءان أحدهما ماء، والآخر بول، وإذا كانت امرأتان إحداهما أخته من الرضاعة، والأخرى أجنبية، ولا يعرفها بعينها إن الحكم للحظر.
والجواب: أنا لا نسلم أن ها هنا فعل محظور؛ لأنه إنما يصلي على المسلمين والصلاة يتصرف فيها بقصده ونيته إليهم، وإذا كان كذلك لم يكن مصليًا على الكفار، ولا متناول المحظور، وليس كذلك الماء والبول، وأخته وأجنبية؛ لأنه يجوز أن يصيب المحظور ويواقعه، فلهذا منع منه، وعلى أن هذا يبطل بمن نسي صلاة من صلوات اليوم والليلة، فإنه يجب عليه أن يصلي جميع الصلوات بنية الفرض، وإن كنا نعلم أن فعل ما ليس بواجب من الصلوات بنية الواجب محظور محرم كما يحرم الصلاة على الكافر.
واحتج: بأن الغلبة للكفار فوجب أن يكون الحكم لهم إذا لم يتميز المسلمون منهم، ألا ترى أنا إذا دخلنا دار الحرب جاز لنا استغراقهم كلهم بالقتل، وإن كان فيهم ممن لا يجوز قتلهم كالأسير والمستأمن، وعكس هذا دار الإسلام لما كان الغلبة فيها للمسلمين كان الحكم لهم ولم يجز الإقدام على قتل من فيها، وإن كنا قد علمنا أنها لا تخلو من مرتد وملحد يكون فيها، وكذلك إذا وجدنا ميتًا في دار الكفر ولم نعلم أنه مسلم، ولم يكن عليه سيما أهل الإسلام لم يصل عليه؛ لأن الغلبة للكفار فكان محكومًا له بالكفر، ولو وجدناه في دار الإسلام صلينا عليه؛ لأن
стр. 1585
الغلبة للمسلمين، فكان الظاهر أنه مسلم.
وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية علي بن سعيد: في رجل لو وجد قتيلًا في أرض العدو، وقد قطع رأسه، ولا يدرى من المسلمين هو أم من العدو يستدل عليه بالختان والثياب، فإن لم يعرف فلا يصلى عليه، فإن وجد في أرض الإسلام على هذه الحال يغسل ويصلى عليه.
والجواب: أنه يبطل بالصلاة المنسية من صلوات اليوم والليلة، والأثواب النجسة إذا اختلطت بثوب طاهر، وجهة القبلة إذا اختلطت بغيرها من الجهات، وعلى أنا لا نعتبر غلبة الكفار في دار الحرب، ولا غلبة المسلمين في دار الإسلام، وإنما اعتبرنا جري الأحكام، فإن كان يجري فيها أحكام المسلمين فهي دار الإسلام سواء أكثر أهلها المسلمين أو مشركين، وإن كان تجري فيها أحكام الكفر فهي دار الكفر سواء كان أكثر أهلها المسلمين أو مشركين، فلم يعتبر كثرة العدد، وإنما اعتبرنا جري الأحكام، والله تعالى أعلم.
* * *
٦٢ - مَسْألَة: يكفن الشهيد في ثيابه التي كانت عليه لا يغيرها:
نص عليه في رواية ابن مشيش في الشهيد يحمل القيد والخف، وكل شيء يكون من الجلود، قيل له: فإن حضر بعض الأولياء فأحب
стр. 1586
أن ينزع عنه تلك الثياب ويكفنه بغيرها؟ قال: لا؛ لأن النبي ﷺ قال: "زملوهم في كلومهم".
خلافًا لأصحاب الشافعي ﵀ في قولهم: وليه بالخيار بين أن يكفنه بها، وبين أن يكفنه بغيرها وينزع ما عليه.
دليلنا: ما روى ابن عباس ﵄ قال: أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم.
وقوله: "يدفن بثيابهم" أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
فإن قيل: نحمله على وجه الاستحباب.
قيل: إطلاقه يقتضي الإيجاب؛ ولأن الغالب أن ثيابهم يحصل عليها من دمائهم، فلا يجوز إزالة ذلك عنهم كما لم يجز إزالته عن أبدانهم؛ لأنه أثر الشهادة.
واحتج المخالف: بما روي أن صفية بنت عبد المطلب أرسلت ثوبين ليكفن فيهما حمزة ﵄ ابن عبد المطلب، فكفنه النبي ﷺ في أحدهما، وكفن بالآخر رجلًا من الأنصار.
والجواب: أن هذا محمول على أن حمزة ﵁ كان قد سلبت (١) ثيابه، وهذا هو الظاهر من حاله؛ لأنه يقال: مُثِّل به، ولهذا كفنه في ثوب، ويحتمل أن يكون ضم الثوب إلى ما كان عليه من الثياب، ولم يسلبه إياها.
стр. 1587
واحتج: بما روي أن مصعب بن عمير ﵁ قتل يوم أحد ولم يكن له إلا نمرة، فكنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فقال النبي ﷺ : "غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر"، فقد كفنه بغير ما كان عليه، وهو الإذخر.
والجواب: أن النبي ﷺ كفنه فيما كان عليه، وزاد على ذلك زيادة لعجز الذي كان عليه عن تمام الكفن.
واحتج: بأنه تكفين فوجب أن لا يتغير لغير الشهيد، ولأن الناس ضربان حال الحياة وبعد الوفاة، ثم ثبت أن ما كان حال الحياة لا يتغير، كذلك بعد الوفاة.
والجواب: أنه لا فائدة في تعين الكفن في حق غير الشهيد، وفي حال الحياة، وليس كذلك الشهادة؛ لأن فيه فائدة، وهو بقاء أثر الشهادة عليه، تبين صحة هذا: أنه لو أصابه من دم جرح في سبيل الله ولم يمت وجب عليه له، ولو مات من ذلك لم يغسل، والله أعلم.
* * *
٦٣ - مَسْألَة: إذا وجد بعض جسد الميت غسل وصُلي عليه قلَّ أو كثر:
نص عليه في رواية عبد الله، وصالح، وأبي الحارث فقال: إذا أصيب منه عضو رأس أو رجل أو بعضه يغسل ويكفن ويحنّط ويصلى عليه، واحتج بحديث أبي أيوب: أنه صلى على رجل، وصلى أبو عبيدة
стр. 1588
على رأس، وعمر ﵁ كان يجمع العظام ويصلي عليها.
ونقل إسحاق بن منصور عنه: لا يصلي على الجوارح.
وقال أبو بكر: انفرد إسحاق بهذا، وأصحابه المتقدمون والمتأخرون رووا خلاف ما رواه، والعمل عليه.
وبه قال الشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة ﵀: إذا وجد من الميت أقل من النصف أو النصف سواء لم يصل عليه، وإن وجد أكثر من النصف صلي عليه.
وقال مالك ﵀: إذا وجد عضوًا يسيرًا لا يُصلى عليه.
دليلنا: ما احتج به أحمد ﵀ إجماع الصحابة ﵃، فروي أن يوم اليرموك كان رجل من المشركين لا يحمل على ناحية من المسلمين إلا أوجع فيها، فحمل عليه رجل من المسلمين فقتله، وأخذ خرجًا كان معه فإذا فيه رؤوس من رؤوس المسلمين، فأتى بها أبا عبيدة بن الجراح ﵁ فأمر بها فغسلت وكفنت وحنطت وصلى عليها.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى على عظام بالشام، ذكره ابن المنذر في كتابه.
وروى أن طائرًا ألقى يدًا بمكة من وقعة الجمل فعرفت بالخاتم فصلي عليها.
وهذا يدل على إجماعهم على ذلك.
فإن قيل: يحمل هذا على الدعاء.
стр. 1589
قيل له: هذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز بغير دليل.
والقياس: أنه بعض من الجملة لا يزال عنها بحال السلامة انفصل عنها بعد وجوب الصلاة عليها، فوجب غسله والصلاة عليه، كما لو وجد الأكثر.
ولا يلزم عليه الشعر والظفر؛ لأن ذلك يزول عنها في حال السلامة، على أن الخرقي قد قال: وإن كان شاريه طويلًا أخذ وجعل منه في أكفانه.
ولا يلزم عليه إذا انفصل في حال حياته بعض أعضائه بالقطع في السرقة أو قصاصًا؛ لقولنا: بعد وجوب الصلاة عليها، وهناك لم يجب، وكذلك أعضاء الشهيد حكمها حكم جملته، وقد قيل: اليد تضمن بالدية فجاز إفرادها بالصلاة، دليله: جملة البدن.
فإن قيل: الأكثر بمنزلة الكل، فلهذا أوجب الصلاة عليها، وليس كذلك الأقل.
قيل له: ليس الأمر كذلك؛ لأن أكثر ركعات الصلاة ليس بمنزلة جميعها، وغسل أكثر أعضاء الوضوء ليس بمنزلة جميعها، وغسل أكثر البدن ليس بمنزلة جميعه، وصوم أكثر شهر رمضان ليس بمنزلة جميعه، وملك أكثر النصاب ليس بمنزلة جميعه، وإخراج أكثر الزكاة ليس بمنزلة جميعها، كذلك يجب أن يكون في مسألتنا.
ولأن الصلاة على الميت؛ لحرمته (١)، ولهذا لا يصلى على الكافر؛
стр. 1590
لعدم حرمته، وحرمة بعضه كحرمة جميعه في منع إتلافها وضمانها بما يضمن به الجملة كالأنف، والذكر، واللسان، ونحوه، ثم الجملة يصلى عليه كذلك البعض.
واحتج المخالف: بأنه جزء منه غير زائد على النصف، فوجب أن لا يصلى عليه، قياسًا على القتل في المعترك إذا وجد منه أقل من النصف أو النصف سواء أو كاليد إذا قطعت قصاصًا، وفي السرقة، والشعر، والظفر.
والجواب: أن المعنى في جميع ذلك أنه لا يفصل عن جملة لا يجب الصلاة عليها، فلهذا لم يصل عليها، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه منفصل عن جملة تجب الصلاة عليها لا يزال عنها في حال السلامة.
واحتج: بأنه لو صلى على أحد النصفين؛ لوجب إذا وجد النصف الآخر أن يصلي عليه، فيؤدي ذلك إلى إيجاب الصلاة على ميت مرتين أو أكثر، وهذا لا يجوز.
قالوا: ولا يلزمنا على هذا أنه إذا صلى على الأكثر ثم وجد الأقل فإنه لا يصلي عليه.
والجواب: أنا نجوِّز تكرار الصلاة على الجنازة من لم يصل عليها، وإن لم يصل عليها صلى القبر، وهذه مسألة ويأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 1591
٦٤ - مَسْألَة: المستحب أن يكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة:
نص عليه في رواية بكر بن محمد فقال: والرجل في ثلاث لفائف يدرج فيها إدراجًا على حديث عائشة ﵂ هو أثبت.
وبهذا قال الشافعي ﵀.
وحكي عن أبي حنيفة ﵀: أنه يكفن في إزار وقميص ولفافة.
فالخلاف في الاستحباب عندنا لا يستحب القميص وعنده هما سواء.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية ليس فيها قميص ولا عمامة.
وفي لفظ آخر عن عائشة ﵂ قالت: كفن في ثلاثة أثواب بيض يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة، فقيل لعائشة ﵂: إنهم كانوا يزعمون أنه كفن في حبرة، فقالت: قد جاؤوا ببرد حِبَرة فلم يكفنوه.
وفي لفظ آخر رواه أحمد ﵀ بإسناده عن عائشة ﵂: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة رياط (١) يمانية، واستحسنه أحمد.
стр. 1592
ولأن المُحيط إنما يلبس حال الحياة؛ لأنه يمشي ويتصرف في حوائجه، فإذا صارت إلى السكون وهو حال النوم ألقى المحيط كذلك بعد وفاته، ولأن أفضل حالة الحي في حال إحرامه، وفي تلك الحال يُجنب المحيط، فاستحب حمله بعد موته على تلك الحال.
واحتج المخالف: بما روى ابن عباس ﵄ قال: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب: حلة نجرانية، الحلة: ثوبان (١)، وقميصه الذي مات فيه.
والجواب: أن الصحيح ما روته عائشة ﵂، قال أبو بكر المروذي: قال أبو عبد الله: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة.
وقال حرب الكرماني: أنه سمع أبا عبد الله يقول: أصح ما يروى في هذا حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: ليس فيها قميص ولا عمامة.
وقال حنبل أيضًا: قال أبو عبد الله: أصح الأحاديث في كفن النبي ﷺ حديث عائشة؛ لأنها أعلم من غيرها، وعلى أنهما لو تعارضا كان خبرنا أولى؛ لأنه يطابق الأصول، وهو حال الإحرام.
واحتج: بأن المرأة تكفن في قميص، كذلك الرجل.
стр. 1593
والجواب: أن المرأة في حال إحرامها لا تجنب القميص، وكذلك بعد موتها.
فإن قيل: القميص أجمع وأستر، فكان أولى.
قيل له: السراويل أجمع وأستر من القميص، فيجب أن تكون أولى.
فإن قيل: هذه حالة يجوز لبس الإزار فيها، فجاز فيها لبس القميص كحال الحياة.
قيل له: يبطل بحال الإحرام، والله تعالى أعلم.
* * *
٦٥ - مَسْألَة: ويستحب أن يكون الكفن ثيابًا بيضًا:
قال الفضل بن زياد: كتبتُ إلى أبي عبد الله أسأله عن الكفن البياض أعجب إليك أم غير ذلك؟ فأتاني الجواب: أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة.
وبهذا قال الشافعي ﵀.
وحكي عن أبي حنيفة ﵀: ثوبان بياض وحبرة.
دليلنا: ما تقدم من حديث عائشة ﵂: وأن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية.
وروى أحمد ﵀ فيما ذكره الخلال في العلل قال: حدثني
стр. 1594
إسماعيل قال: حدثني أيوب عن أبي قلابة عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بهذه البياض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم فإنها من خير ثيابكم".
واحتج المخالف: بما تقدم من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب: حلة نجرانية، الحلة: ثوبان (١) وقميص.
والجواب: أنا قد روينا عن أحمد ﵀ أنه قال: أصحها حديث عائشة ﵂، ولم يذكر فيه حلة ولا قميصًا.
وعلى أن أحمد قد روى فيما ذكره أبو بكر الخلال في العلل قال: حدثني الوليد بن مسلم قال: حدثني الأوزاعي قال: حدثني الزهري عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ قالت: أدرج رسول الله ﷺ في ثوب حبرة ثم أُخِّر عنه، قال القاسم: إن بقايا ذلك لعندنا، وهذا زائد، والأخذ بالزائد أولى.
* * *
٦٦ - مَسْألَة: يكره أن تكفن المرأة في المعصفر والمزعفر:
وقد قال أحمد ﵀ في رواية عبد الله: وقد [سألته] (٢) عن
стр. 1595
المرأة تكفن بالحرير؟ فقال: مكروه.
وبهذا قال الشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يكره.
دليلنا: ما تقدم من حديث سمرة: "عليكم بهذه البياض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم"، وهذا عام في النساء والرجال.
ولأنه يكره لها في حال الإحرام، فوجب أن يكره لها بعد الموت، قياسًا على الرجل.
واحتج المخالف: بما روى ابن عباس ﵄ أنه قال: اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعروسكم، ولنا أن نلبس العروس المعصفر والمزعفر، فكذلك الميت.
والجواب: أنا نحمل هذا على غير المعصفر من الطيب وغيره، بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بأن حال جاز أن تطيب فيها المرأة، جاز أن تلبس فيها المعصفر والمزعفر، دليله: حالة الحياة، وعكسه حال الإحرام، وحال العدة.
والجواب: أن الرجل يطيب في هذا الحال، ولا يلبس المعصفر والمزعفر، وكذلك المرأة، والله أعلم.
стр. 1596
٦٧ - مَسْألَة: كفن المرأة من مالها:
نص عليه في رواية أبي الحارث: وقد سئل عن المرأة تموت هل على زوجها كفنها؟ فقال: لا يجب وتكفن من مالها، ولا شيء على زوجها.
وكذلك نقل عنه قد سئل: كفن المرأة من مالها أو من مال زوجها؟ فقال: من مال زوجها.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم قال: ثمن الكفن من مالها، قيل له: فإن لم يكن لها؟ قال: من ربعها أو من ثمنها.
وبهذا قال الشعبي، ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة، والشافعي رحمهما الله: كفنها على زوجها.
دليلنا: أن الموت معنى يزيل النكاح ويقطعه، فيجب أن يمنع وجوب الكفن على الزوج، دليله: الطلاق.
فإن قيل: فرق بين الموت والطلاق، بدليل أن الطلاق يقطع الإرث، والموت لا يقطع الإرث، فحكم النكاح باق.
قيل له: الزوجة ترث زوجها، ولا يلزمها كفنه، وكذلك المولى من فوق يرث المولى من أسفل، ولا يلزم كفنه، كذلك عندهم في الأقارب يتوارثون، ولا يلزم الكفن.
стр. 1597
وعلى أنا نجعل أصل العلة المبتوتة في المرض، فإنها (١)، ولا نسلم المعارضة.
ولأنه أحد الزوجين، فلا يلزمه كفن الآخر، دليله: الزوجة لا يلزمها كفن زوجها.
فإن قيل: المعنى في الزوجة أنها لا يلزمها كسوته في حال، فلهذا لم يلزمها بعد الموت، والزوج يلزمه كسوتها في حال الحياة، فلزمه بعد الموت.
قيل: حال الحياة الزوجية باقية، وبعد الموت الزوجية قد انقطعت، فلا يجوز اعتبار أحدهما بالآخر في الكفن، كما لم يجز اعتبارهما بالطلاق، ولأن الكسوة في مقابل الاستمتاع، وقد تعذر ذلك من جهتها، فيجب أن يسقط دليله حال الحياة إذا تعذر ذلك بنشوزها، بل هذا آكد؛ لأنه لا يرجى زواله، والنشوز يرجى زواله.
فإن قيل: فالمشرف على الموت، فإنه قد تعذر الاستمتاع، ولها الكسوة.
قيل: سبب الاستحقاق وهو العقد وذلك معدوم ها هنا.
واحتج المخالف: بأن كسوتها في حياتها عليه، فوجب أن يكون كفنها بعد موتها عليه، قياسًا على مدبرته، وأم ولده، وكل من كانت نفقته عليه في حياته كان كفنه عليه بعد موته، قياسًا على
стр. 1598
الوالدين، والمولودين.
والجواب عن الوالدين والمولودين: أن السبب الذي يستحق به النفقة باق لم ينقطع وهو النسب، وهذا معدوم في الزوجة.
وجواب آخر عن ذلك، وعن أمته، وأم ولده: أن الوالد والولد إذا كانا فقيرين أنه لا مال لهم، فيجب أن يكون كفنهم في أقرب المال إليهم، وأقربه ماله.
ولأنه يملك على أم ولده في حال حياتها ما لا يملكه على زوجته في حياتها وتزويجها، فجاز أن يملك عليه بعد الموت ما لا يملكه الزوجة، والله تعالى أعلم.
* * *
٦٨ - مَسْألَة: المشي أمام الجنازة أفضل، فإن كان راكبًا فالمشي وراءها أفضل:
نص عليه في رواية عبد الله وقال: الماشي أمامها أفضل، والراكب وراءها.
وقال أبو حنيفة ﵀: المشي خلفها أفضل، ولم يفرق بين الماشي والراكب.
وقال مالك، والشافعي رحمهما الله: المشي أمامها أفضل، ولم يفرقا بين الراكب والماشي.
стр. 1599
دليلنا: أن الماشي أمامها أفضل ما روى أحمد ﵀ في المسند قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه ﵄: أنه رأى النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر ﵄ يمشون أمام الجنازة.
وروى أحمد فيما ذكره أبو بكر الخلال في كتاب العلل قال: حدثنا حجاج قال: حدثنا ليث عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله أخبره أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يمشي بين يدي الجنازة، وأن رسول الله ﷺ كان يمشي بين يدي الجنازة، وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃.
وروى أحمد قال: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي أنا إبراهيم بن سعد قال: حدثني ابن أخي ابن شهاب عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ يمشون أمام الجنازة.
فإن قيل: فأحمد قد ضعف هذا الحديث، قال الأثرم، وإبراهيم بن الحارث: قيل لأبي عبد الله: حديث الزهري عن سالم عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ ، وأبا بكر وعمر ﵄ يمشون أمام الجنازة محفوظ؟ قال: ما أراه محفوظًا، رواه عدة أرسلوه، وما أراه إلا من كلام الزهري، قيل له: فنذهب إلى المشي أمام الجنازة؟ قال: نعم، ابن المنكدر سمع ربيعة: رأيت ابن عمر ﵄ يقدم الناس أمام الجنازة.
قيل: أكثر ما قال: إنه مرسل، والمرسل عنده حجة، وعلى أنه قد وصل من طريق آخر، وعلى أن أبا طالب قال: قلت لأبي عبد الله: زياد بن جبير يروي عن أبيه عن المغيرة بن شعبة ﵁: الراكب خلف الجنازة،
стр. 1600
والماشي حيث شاء؟ قال: نعم، ولكن ابن عمر قال: رأيت النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة، فهذا أحسن.
فهذا تصريح منه بصحة الحديث، واتصاله.
فإن قيل: نحمل ذلك على الجواز دون الفضل.
قيل له: قوله كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ يمشون أمام الجنازة إخبار عن دوام الفعل، ولا يجوز أن يظن بهم أنهم يدعون على ترك الفضيلة.
وقد روى في المسند حديثًا آخر من غير طريق ابن عمر ﵄ يرويه محمد بن بكر البرساني عن يونس عن الزهري عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ﵃ كانوا يمشون أمام الجنازة، وقد ضعف أحمد ﵀ هذا الحديث، فقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: حديث الزهري عن أنس: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ يمشون أمام الجنازة، فقال: باطل.
وكذلك نقل أحمد بن هاشم الأنطاكي قلت لأحمد: حديث الزهري عن أنس رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ يمشون أمام الجنازة، فقال: باطل ليس بصحيح.
واعتمد أحمد في المسألة على حديث ابن عمر ﵄ فروى أبو بكر الخلال في كتاب العلل فقال: حدثنا الدراوردي قال: حدثنا مراد (١) قال:
стр. 1601
حدثنا الماجشون عن محمد بن المنكدر عن عمه ربيعة بن عبد الله بن هدير قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يضرب الناس يقدمهم أمام جنازة زينب بنت جحش ﵂.
وهذا أظهر في أن الفضل في المشي أمامها، وهذا فعل بحضور الصحابة، ولم ينقل عن أحد خلافه.
فإن قيل: يجوز أن يكون ذلك لعارض، وهو كثرة النساء مع الرجال خلف الجنازة، فكره مخالطتهم.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأنه لا يظن أحد أنه كان في زمن عمر ﵁ مع عظم نفسه يخرج النساء مع الجنائز مع تقدم النهي عنه.
ولأن من يصلي على الميت شفعاء له، هكذا وردت السنة عن النبي ﷺ وكذلك يدعى له فيقال: جئناك شفعاء له، ومن شأن الشفيع أن يتقدم بين يدي المشفوع.
فإن قيل: تقدم وتأخر على واحد ليس بعض ذلك أفضل من بعض، ليس كذلك المشي خلف الجنازة أو أمامها؛ لأنهم اتفقوا أن أحدهما أفضل من الآخر ولا يجوز اعتباره بما ذكرت.
قيل: لا لك هذا بل التقدم بالخطاب في الشفاعة، وإظهار نفسه، والمبالغة في ذلك أفضل من التأخر فيها، فلا فرق بينهما.
стр. 1602
ولأن المشي أمامها احتياطًا للصلاة؛ لأنها تفوته، وإذا مشى خلفها فربما سبقته ففاتته الصلاة، ولا يلزم على هذا الراكب؛ لأن العادة أنها لا تسبقه.
واحتج المخالف: بما روي أن أبا سعيد الخدري ﵁ سأل علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا أبا الحسن أخبرني عن المشي مع الجنازة أي ذلك أفضل، المشي أمامها أم خلفها؟ فقال علي ﵁: إن فضل المشي خلفها على المشي أمامها كفضل صلاة المكتوبة على التطوع.
وروي عنه كفضل [صلاة المكتوبة في جماعة على الوحدة] (١).
سمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: شيء سمعته من رسول الله ﷺ .
وروي أن عليًا ﵁ مشى خلف الجنازة، وأبو بكر وعمر ﵄ أمامها قال: إنهما ليعلمان أن المشي خلفها أفضل كفضل صلاة الرجل في الجماعة على فضل صلاة الفذ، ولكنهما سهلان مسهلان على الناس الطريق.
والجواب: أن أبا بكر الأثرم قال: ذكرت لأبي عبد الله الحديث الذي يروى عن علي ﵁ أنه مشى خلف الجنازة، فقال: يرويه زائدة بن خراش، وهو مجهول ليس بمعروف، وعلى أنه لو صح فنقابله بما روينا عن عمر ﵁، وهو أولى؛ لأنه أصح سندًا، ولأنه يعضده السنة الصحيحة عن النبي ﷺ .
стр. 1603
واحتج: بما روى عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الجنازة متبوعة وليست بتابعة ليس معها من يتقدمها".
والجواب: أن أحمد ﵀ ضعفه، فقال مهنا: سألت أحمد عن حديث أبي ماجد (١) عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ في الجنازة: ليس معها من يتقدمها؟ فقال: ليس بصحيح، وضعف أبا ماجد (١) وقال: الحديث حديث ابن عمر ﵄.
وعلى أنه لو صح فقوله: "الجنازة متبوعة" معناه مقصودة، وأن الناس يمشون لأجلها، وقد يكون الشيء مقصودًا ثم يتأخر عن تابعه، ألا ترى أن الناس إذا شفعوا لرجل تقدموا عليه؟! وكذلك جند السلطان يتقدمون وهم تبع.
وأما قوله: "ليس معها من يتقدمها" معناه: من يتقدمها ويبعد عنها.
واحتج: بما روى البراء ﵁: أن النبي ﷺ أمرنا باتباع الجنائز، واتباعها أن نمشي خلفها.
والجواب: أنه متبع لها، وإن كان أمامها من الوجه الذي ذكرنا فيما قبل.
وجواب آخر: وهو على أصولهم الاحتجاج بمثل هذه الأخبار لا يصح؛ لأن ذلك مما يقع البلوى به، وما هذا سبيله فلا يثبت بخبر الواحد إذا لم ينقل نقلًا عامًا.
стр. 1604
واحتج: أنه مأمور باتباعها فوجب أن يكون خلفها، دليله: المأموم خلف الإمام.
والجواب: أن المأموم مقتد بأفعاله، وأن لا يسبقه بها، ولا يمكنه ذلك بالتأخر عنه؛ لأنه [لا] يقف على فعله إلا والإمام قدامه، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه شافع وقد يتقدم الشافع على المشفوع فيه، فبان الفرق.
ولأن التقدم على الإمام يبطل الصلاة، والتقدم ها هنا لا يخرجه عن ثواب الاتباع، فبان الفرق بينهما.
واحتج: بأن المشي خلفها أبلغ في التذكير والوعظ؛ لأن بصره يقع عليها في كل وقت فيتذكر الموت والآخرة، وإذا حصل أمامها ينتهي ذلك، وتقسم فكره في أمور الدنيا، فيجب أن يكون المشي خلفها.
والجواب: أن من ينسى الموت والجنازة خلفه فإنه ينسى وهي أمامه، فلا فرق بينهما.
واحتج: بأنه تابع للجنازة فكان السير خلفها أفضل، دليله: الراكب.
والجواب: أن الفرق بينهما من وجهين: من جهة الظاهر.
والثاني: من جهة المعنى.
أما من جهة الظاهر فهو: أن الأخبار مختلفة في ذلك، وقد روينا عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ كان يمشي أمامها وعن أبي بكر وعمر وعثمان ﵃.
وروى أحمد في المسند قال: حدثنا عبد الواحد الحداد قال: حدثنا
стр. 1605
سعيد بن عبيد الله (١) الثقفي عن زياد بن جبير عن أبيه عن المغيرة بن شعبة شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء"، فنص على الراكب خلفها، فتعارضت الأخبار في ذلك فنص في الماشي أمامها والراكب خلفها.
قال أبو طالب: قلت لأبي عبد الله: زياد بن جبير؟ قال: من الثقات، قلت: يروي عن أبيه عن المغيرة بن شعبة: "الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء"؟ قال: يونس إن شاء الله لا يرفعه وإلى جبير يرفعونه، وابن المبارك رفعه رواه عن زياد بن جبير، فقد بين أحمد أنه صحيح الإسناد، وأن بعضهم وصله وبعضهم وقفه على المغيرة.
ولأننا قد بينا أن الأفضل المشي أمامها، فلو قلنا: إن الراكب يسير أمامها تأذى الناس بمركوبه، فلهذا سار خلفها، وليس يمنع أن تزول الفضيلة لعارض كما قالوا: المشي خلفها أفضل إلا أن يعرض عارض، وهو كثرة النساء خلفها، فيكون المشي أمامها أفضل، كذلك ها هنا، والله أعلم.
* * *
٦٩ - مَسْألَة: التربيع في حمل الجنازة أفضل من الاقتصار على الحمل بين العمودين:
стр. 1606
نص عليه في رواية الجماعة: صالح، وعلي بن سعيد، والأثرم، وأبي داود، والفضل بن زياد، وحرب، وأبي طالب، والميموني: بألفاظ مختلفة، وسأله أبو طالب عن الحمل بين عمودي السرير؟ فقال: لا.
ومعناه: لا أختاره.
ونقل ابن منصور عنه وقد سأل عن الحمل بين العمودين؟ فقال: ابن عمر ﵄ كرهه، فإن فعله فاعل لم أر به بأسًا.
وهذا يقتضي نفي الكراهة، لا يدل على تفضيله على التربيع.
وهو قول أبي حنيفة ﵀.
وقال مالك ﵀: لا بأس أن يحمل سرير الميت من داخله وخارجه، ويبدأ بأي نواحيه شاء مقدمه أو مؤخره وعن يمينه أو يساره، وليس في ذلك أمر مؤقت، حكاه النجاد عنه، وظاهر كلامه أنه يستحب التربيع.
وقال الشافعي ﵀: الحمل بين العمودين أفضل.
دليلنا: ما رواه أبو بكر النجاد: حدثنا الحارث بن محمد قال: حدثنا حفص بن عمر أو ابن حمزة - شك ابن سلمان - قال: حدثنا سوار بن مصعب عن عمارة الهمداني عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ : "من تبع جنازة فأخذ بجوانب السرير الأربع غفر له أربعون ذنبًا كلها كبيرة".
وهذا يدل على أن ذلك أفضل من غيره؛ لأنه خصه بالفضل والثواب.
стр. 1607
وبإسناده عن أبي عبيدة عن عبد الله ﵄ قال: من تبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإنه من السنة ثم ليتطوع إن شاء.
والصحابي إذا قال: من السنة، يقتضي سنة النبي ﷺ ، وأمر عبد الله بن مسعود ﵁ بذلك يدل على أنه أفضل من غيره.
وبإسناده عن فضل بن عمرو وقال: كان ابن عمر ﵄ يكره أن يحمل الرجل من باطن السرير.
وبإسناده عن علي الأزدي قال: رأيت ابن عمر ﵄ في جنازة فحمل بجوانب السرير الأربع فبدأ بالميامن ثم تنحى منها بمزجر الكلب (١) بين يديها.
وبإسناده عن جابر قال: أخبرني من رأى ابن عمر ﵄ يحمل الجنازة من قبل ميامنها يبدأ باليد ثم الرجل ثم الرجل ثم اليد.
فإن قيل: فقد روي بإسناده عن يوسف بن ماهك قال: رأيت ابن عمر في جنازة عبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ يحمل السرير على كاهله بين العمودين، وهذا يعارض ما رأيتموه عنه.
قيل: ما رويناه عنه أولى؛ لأنا روينا عنه قولًا وفعلًا، وعلى أنه يحتمل أنه لم يتفق أربعة يحملونه.
стр. 1608
وبإسناده عن عامر بن جشيب وغيره من أهل الشام قال: قال أبو الدرداء ﵁: إن من تمام أجر حمل الجنازة أن يشيعها من أهلها، وأن تحمل بأركانها الأربع، وأن يحثوا في القبر.
وبإسناده عن أبي المهزم (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: إذا حملت جوانب السرير الأربع فقد قضيت ما عليك.
فإن قيل: يعارض هذا ما رواه بإسناده عن إبراهيم قال: سعد بن أبي وقاص في جنازة عبد الرحمن بن عوف قائمًا بين العمودين المقدمين واضعًا السرير على كاهله.
قيل: يحتمل أنه لم يتفق أربعة يحملونه.
وهذه الأخبار أخبرني جدي بها أبو القاسم عبيد الله ﵁ (٢) في الإجازة عن أبي بكر أحمد بن سلمان النجاد.
وأيضًا فإن الحمل بين العمودين فيه تشبيه بحمل المتاع، وقد فرق بين حمله وحمل المتاع (٣)، ولهذا كره حمل الجنازة على الدابة إذا كان الموضع قريبًا، وقد قال أبو طالب: سألت أحمد عن الجنازة تحمل على الدابة الصغير والكبير إذا كان مكانًا بعيدًا؟ قال: نعم.
стр. 1609
واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه حمل في جنازة سعد بن معاذ ﵁ بين العمودين.
والجواب: إن صح هذا الخبر فيعارضه ما روى ثوبان، وهو أولى من وجهين:
أحدهما: أنه قول.
والثاني: أنه يعضده قول ابن مسعود، وابن عمر، وأبي الدرداء، وأبي هريرة ﵃.
وعلى أنه يحتمل أن يكون فعل ذلك ليبين الجواز، أو لأنه لم يتفق أربعة يحملونه.
* فصل:
في صفة التربيع، فذكر أبو بكر في كتاب زاد المسافر روايتين:
إحداهما: يبدأ بالرأس فيضعه على كتفه الأيمن، وهو يمين الميت ثم يبلغ إلى رجليه ثم يبدأ بالرأس فيضعه على كتفه الأيسر، وهو يسار الميت إلى رجليه، نقل ذلك الجماعة: صالح، والأثرم، وحرب، والفضل بن زياد، وأبو داود، وأبو طالب، وهو اختيار الخرقي ﵏.
والثانية: يبدأ بالرأس ويختم بالرأس، نقل ذلك حنبل فقال: يبدأ من حمل السرير فيضع أحد جوانب السرير على كتفه الأيمن، وهو يمين الميت ثم يرجع إلى مؤخر السرير فيضعه على يساره وهو يسار الميت،
стр. 1610
هكذا كان ابن عمر ﵄ يفعل وهو أحب إليَّ، خلافًا لمالك في قوله: يبدأ في أي ناحية شاء من مقدمه أو مؤخره وعن يمينه أو عن يساره.
والدلالة على أنه يبدأ بميامنه ما روي عن النبي ﷺ : أنه كان يحب التيامن في طهوره وتنعله وترجله، وهذا يدل على أن جنبه اليمين يستحب البداية بها، ويدل عليه ما روى النجاد بإسناده عن ابن عمر ﵄ قال: أبدأ بميامنها، وفي لفظ آخر: أنه حمل جوانب السرير فبدأ بميامنها ثم قام منها مزجر (١) الكلب.
والدلالة على أنه يبدأ من عند رأسه: ما روى أبو حفص العكبري بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا تبع جنازة يبدأ فيحمل مقدم السرير على عاتقه الأيمن، ثم مؤخر السرير على عاتقة الأيمن، ثم مؤخرها على عاتقه الأيسر، ثم مقدم السرير على عاتقه الأيسر.
وروى بإسناده عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يفعل مثل ذلك، وهذا يدل على أن البداية بالرأس أفضل الأعضاء كلها؛ لأنه مجمع الأعضاء الشريفة، ولهذا قلنا: إذا صلى على جنازة الرجل وقف منه ما يلي رأسه فكانت البداية به أفضل.
والدلالة على أنه يختم بالرجل أحد جانب الأيسر أحد جانب الميت فكانت البداية فيه بالرأس كالأيمن.
ولأنها عبادة تتعلق بالميت فإذا استحب فيه بالميامن قبل المياسر
стр. 1611
كان البداية بالرأس والخاتمة بالرجلين كغسل الميت، فإنه يبدأ إلى الرجل ثم بشماله إلى الرجل.
وإذا قلنا: يختم بالرأس فوجهه ما رواه النجاد بإسناده عن جابر قال: أخبرني من رأى ابن عمر ﵄ يحمل الجنازة من قبل ميامنها يبدأ باليد ثم الرجل ثم الرجل ثم اليد.
ولأنه لما استحب البداية لفضله استحب أن يختم به كالطواف لما استحب البداية من الحجر الأسود أن يختم بالحجر الأسود، وهذا يلزم عليه السعي فإنه يبدأ بالصفا ولا يختم به بل يختم بالمروة، ولا أسهل على الفاعل؛ لأنه إذا مشى في جانبه الأيمن من رأسه إلى رجليه ثم قيل: اخرج فامش إلى رأسه وامش إلى رجليه يحصل ماشيًا إلى جانبه الأيسر دفعتين:
إحداهما في حمل، والأخرى في غير حمل، وإذا أخذ من رجليه وختم برأسه صار ماشيًا في جانبه الأيسر دفعة واحدة، ولأنه يخلل العبادة من غير جنسها، والله أعلم.
* * *
٧٠ - مَسْألَة: الصلاة على الميت تستفاد بالوصية ويكون الموصى أولى بالصلاة عليه من الولي والوالي:
نص عليه في رواية ابن منصور وقد سئل: من أحق بالصلاة على
стр. 1612
الميت؟ قال: إذا أوصى فهو بيَّن، وإذا لم يوص فلا أدفع (١) الأولياء، وإذا حضر الأمير فهو أحق [به، والأب أحق] (٢) من الزوج.
وكذلك نقل صالح عنه في الرجل يوصي أن يصلي عليه رجل هو أحق من ولده، أبو بكر ﵁ وصَّى أن يصلي عليه عمر ﵁، وعمر وصَّى أن يصلي عليه صهيب ﵁، وهو اختيار الخرقي في المختصر، وأبي بكر عبد العزيز.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي ﵏: لا تستفاد الصلاة بوصيته، والوالي أولى بالصلاة من الوصي.
دليلنا: قوله تعالى ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
ولأنه إجماع الصحابة ﵃: روي أن أبا بكر ﵁ وصَّى أن يصلي عليه عمر، ووصَّى عمر أن يصلي عليه صهيب ﵃، فلما وضع سرير عمر ليصلى عليه ابتدر علي والزبير ﵃ للصلاة عليه، فقال لهما صهيب: ادخلا في الصف ما أحب إليكما الإمرة، ما رأيت من أمركما أعظم من هذا، فدخلا في الصف.
وذكر ابن جرير في تاريخه: تقدم صهيب ﵁ فصلى عليه، وتقدم قبل ذلك رجلان من أصحاب النبي ﷺ عثمان وعلي ﵄، قال: فتقدم واحد من عند رأسه، وآخر من عند رجليه، فقال عبد الرحمن ﵁:
стр. 1613
ما أحرصكما على الإمرة، أما علمنا أن أمير المؤمنين قال: ليصل بالناس صهيب، فصلى عليه صهيب ﵁، وأوصى أبو بكرة أن يصلي عليه أبو برزة (١) ﵄، وأوصى ابن مسعود أن يصلي عليه الزبير بن العوام ﵄، وأوصى أبو سريحة أن يصلي عليه زيد بن أرقم ﵄، فلما وضعت جنازته جاء عمرو بن حريث ﵄ ليصلي وكان أمير الكوفة، فقال له ابنه: أصلح الله الأمير، إن أبي أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم فقدم زيد، وأوصى أبو ميسرة أن يصلي عليه سريج ﵄، وأوصت عائشة أن يصلي عليها أبو هريرة ﵄، فصلى عليها وحضرها ابن عمر، وابن عباس ﵃، وأوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن [زيد] (٢) ﵄، ذكر شيخنا أبو عبد الله هذه الأخبار في كتابه، والظاهر أنه منتشر فيهم، ولم ينقل عن أحد منهم خلافه.
فإن قيل: تحمل هذه الأخبار على أن الأولياء أجازوا الوصية، فحصل ذلك بإذن منهم.
قيل: روى إسماعيل الصفار في فضائل الصحابة في أخبار عمر أن عبد الله بن عمر ﵄ أراد أن يتقدم فقال عبد الرحمن بن عوف: إن عمر أمر صهيبًا ﵃ بالصلاة، وهذا يدل على أنه كان يعتبر اختياره، وإنما اتبع فيه وصية أبيه، وعلى أنه معلوم أن عبد الله بن عمر ﵄ لا تطيب نفسه
стр. 1614
بتقديم غيره، ويدل عليه أن الصلاة عليه ولاية تنتقل إلى الورثة، فجاز نقلها إلى غيرهم بالوصية، دليله: الولاية في المال، والذي تبين أن طريقها الولاية أنه لا مدخل للنساء فيها، ويختص بالعصبات.
ولا يلزم عليه ولاية النكاح؛ لأنها تستفاد بالوصية على الصحيح من الروايتين، وإن شئت قلت: لأنه يستفاد بالنسب جاز أن يستفاد بالوصية كالولاية في المال.
فإن قيل: ولاية المال حق له في حال حياته، فجاز أن يوصي بها، والصلاة عليه لا حق له في حياته، وإنما يثبت هذا الحق بعد موته للعصبة، ولا يملك نقل حقهم عنها كالوصية في أموال الأولاد الكبار.
قيل له: ولاية النكاح حق للأب في حال حياته، ولا يملك أن يوصي بها عندكم، وكذلك ما زاد على الثلث في ماله يملك الولاية ولا أن يوصي به، وقولك: إنه لا حق له في الصلاة في حياته وإنما يثبت هذا بعد الموت حق على المسلمين فلا يصح؛ لأنه وإن كان حقًا على غيره فإنه يجب عليهم لأجله وبسببه؛ لأن الصلاة عليه شفاعة له وتشريف، ولهذا يقال: جئناك شفعاء، ولهذا لا نصلي على الكفار؛ لأنهم لا شرف لهم.
وأما وصيته في أموال أولاده الكبار، فإنه لم يصح؛ لأنه لا حق له في ذلك، وليس كذلك الصلاة؛ لأن الحق له من الوجه الذي بينا.
ولأن أوصى بسبب يستفاد به الولاية في المال في حق الغير، فجاز أن يستفاد به الصلاة على الميت، دليله: النسب، والحكم.
стр. 1615
ولا يلزم عليه ولاية المرأة على مالها، وولاية المكاتب على ماله؛ لأنها حال يستفاد بها في حق أنفسهما لا في حق الغير.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.
والجواب: أن هذا وارد في الميراث؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالحلف والمعاقدة، وكانوا أولى بالميراث، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ فكانوا به ممن حالف وعاقد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.
واحتج: بأن الميت لا حق له في الصلاة على نفسه، فلم تصح وصيته؛ لأنه يوصي بما لا حق له فيه.
والجواب: ما تقدم وهو أن الصلاة شفاعة وتشريف له.
واحتج: بأنها عبادة تتعلق بالميت، فوجب أن يكون الولي أولى من الوصي، دليله: غسله، وتكفينه، ودفنه.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يقول: يلزم الوصية بغسله ودفنه؛ لأنه قد يكون له غرض صحيح في ذلك، وهو أن يكون الوصي ممن له معرفة في ذلك وله ورع ودين، وعلى أنه لا يصح اعتبار أحدهما بالآخر، بدليل: الزوج أولى بغسل زوجته، ولا يملك الصلاة عليها عندهم.
واحتج: بأن القصد من الصلاة على الميت الدعاء له، والمناسب أشفق من الوصي، ودعاءه أحظى فكان أولى.