← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

كان البداية بالرأس والخاتمة بالرجلين كغسل الميت، فإنه يبدأ إلى الرجل ثم بشماله إلى الرجل. وإذا قلنا: يختم بالرأس فوجهه ما رواه النجاد بإسناده عن جابر قال: أخبرني من رأى ابن عمر ﵄ يحمل الجنازة من قبل ميامنها يبدأ باليد ثم الرجل ثم الرجل ثم اليد. ولأنه لما استحب البداية لفضله استحب أن يختم به كالطواف لما استحب البداية من الحجر الأسود أن يختم بالحجر الأسود، وهذا يلزم عليه السعي فإنه يبدأ بالصفا ولا يختم به بل يختم بالمروة، ولا أسهل على الفاعل؛ لأنه إذا مشى في جانبه الأيمن من رأسه إلى رجليه ثم قيل: اخرج فامش إلى رأسه وامش إلى رجليه يحصل ماشيًا إلى جانبه الأيسر دفعتين: إحداهما في حمل، والأخرى في غير حمل، وإذا أخذ من رجليه وختم برأسه صار ماشيًا في جانبه الأيسر دفعة واحدة، ولأنه يخلل العبادة من غير جنسها، والله أعلم. * * * ٧٠ - مَسْألَة: الصلاة على الميت تستفاد بالوصية ويكون الموصى أولى بالصلاة عليه من الولي والوالي: نص عليه في رواية ابن منصور وقد سئل: من أحق بالصلاة على

стр. 1612

الميت؟ قال: إذا أوصى فهو بيَّن، وإذا لم يوص فلا أدفع (١) الأولياء، وإذا حضر الأمير فهو أحق [به، والأب أحق] (٢) من الزوج. وكذلك نقل صالح عنه في الرجل يوصي أن يصلي عليه رجل هو أحق من ولده، أبو بكر ﵁ وصَّى أن يصلي عليه عمر ﵁، وعمر وصَّى أن يصلي عليه صهيب ﵁، وهو اختيار الخرقي في المختصر، وأبي بكر عبد العزيز. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي ﵏: لا تستفاد الصلاة بوصيته، والوالي أولى بالصلاة من الوصي. دليلنا: قوله تعالى ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾. ولأنه إجماع الصحابة ﵃: روي أن أبا بكر ﵁ وصَّى أن يصلي عليه عمر، ووصَّى عمر أن يصلي عليه صهيب ﵃، فلما وضع سرير عمر ليصلى عليه ابتدر علي والزبير ﵃ للصلاة عليه، فقال لهما صهيب: ادخلا في الصف ما أحب إليكما الإمرة، ما رأيت من أمركما أعظم من هذا، فدخلا في الصف. وذكر ابن جرير في تاريخه: تقدم صهيب ﵁ فصلى عليه، وتقدم قبل ذلك رجلان من أصحاب النبي ﷺ عثمان وعلي ﵄، قال: فتقدم واحد من عند رأسه، وآخر من عند رجليه، فقال عبد الرحمن ﵁:

стр. 1613

ما أحرصكما على الإمرة، أما علمنا أن أمير المؤمنين قال: ليصل بالناس صهيب، فصلى عليه صهيب ﵁، وأوصى أبو بكرة أن يصلي عليه أبو برزة (١) ﵄، وأوصى ابن مسعود أن يصلي عليه الزبير بن العوام ﵄، وأوصى أبو سريحة أن يصلي عليه زيد بن أرقم ﵄، فلما وضعت جنازته جاء عمرو بن حريث ﵄ ليصلي وكان أمير الكوفة، فقال له ابنه: أصلح الله الأمير، إن أبي أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم فقدم زيد، وأوصى أبو ميسرة أن يصلي عليه سريج ﵄، وأوصت عائشة أن يصلي عليها أبو هريرة ﵄، فصلى عليها وحضرها ابن عمر، وابن عباس ﵃، وأوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن [زيد] (٢) ﵄، ذكر شيخنا أبو عبد الله هذه الأخبار في كتابه، والظاهر أنه منتشر فيهم، ولم ينقل عن أحد منهم خلافه. فإن قيل: تحمل هذه الأخبار على أن الأولياء أجازوا الوصية، فحصل ذلك بإذن منهم. قيل: روى إسماعيل الصفار في فضائل الصحابة في أخبار عمر أن عبد الله بن عمر ﵄ أراد أن يتقدم فقال عبد الرحمن بن عوف: إن عمر أمر صهيبًا ﵃ بالصلاة، وهذا يدل على أنه كان يعتبر اختياره، وإنما اتبع فيه وصية أبيه، وعلى أنه معلوم أن عبد الله بن عمر ﵄ لا تطيب نفسه

стр. 1614

بتقديم غيره، ويدل عليه أن الصلاة عليه ولاية تنتقل إلى الورثة، فجاز نقلها إلى غيرهم بالوصية، دليله: الولاية في المال، والذي تبين أن طريقها الولاية أنه لا مدخل للنساء فيها، ويختص بالعصبات. ولا يلزم عليه ولاية النكاح؛ لأنها تستفاد بالوصية على الصحيح من الروايتين، وإن شئت قلت: لأنه يستفاد بالنسب جاز أن يستفاد بالوصية كالولاية في المال. فإن قيل: ولاية المال حق له في حال حياته، فجاز أن يوصي بها، والصلاة عليه لا حق له في حياته، وإنما يثبت هذا الحق بعد موته للعصبة، ولا يملك نقل حقهم عنها كالوصية في أموال الأولاد الكبار. قيل له: ولاية النكاح حق للأب في حال حياته، ولا يملك أن يوصي بها عندكم، وكذلك ما زاد على الثلث في ماله يملك الولاية ولا أن يوصي به، وقولك: إنه لا حق له في الصلاة في حياته وإنما يثبت هذا بعد الموت حق على المسلمين فلا يصح؛ لأنه وإن كان حقًا على غيره فإنه يجب عليهم لأجله وبسببه؛ لأن الصلاة عليه شفاعة له وتشريف، ولهذا يقال: جئناك شفعاء، ولهذا لا نصلي على الكفار؛ لأنهم لا شرف لهم. وأما وصيته في أموال أولاده الكبار، فإنه لم يصح؛ لأنه لا حق له في ذلك، وليس كذلك الصلاة؛ لأن الحق له من الوجه الذي بينا. ولأن أوصى بسبب يستفاد به الولاية في المال في حق الغير، فجاز أن يستفاد به الصلاة على الميت، دليله: النسب، والحكم.

стр. 1615

ولا يلزم عليه ولاية المرأة على مالها، وولاية المكاتب على ماله؛ لأنها حال يستفاد بها في حق أنفسهما لا في حق الغير. واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. والجواب: أن هذا وارد في الميراث؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالحلف والمعاقدة، وكانوا أولى بالميراث، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ فكانوا به ممن حالف وعاقد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. واحتج: بأن الميت لا حق له في الصلاة على نفسه، فلم تصح وصيته؛ لأنه يوصي بما لا حق له فيه. والجواب: ما تقدم وهو أن الصلاة شفاعة وتشريف له. واحتج: بأنها عبادة تتعلق بالميت، فوجب أن يكون الولي أولى من الوصي، دليله: غسله، وتكفينه، ودفنه. والجواب: أنه لا يمتنع أن يقول: يلزم الوصية بغسله ودفنه؛ لأنه قد يكون له غرض صحيح في ذلك، وهو أن يكون الوصي ممن له معرفة في ذلك وله ورع ودين، وعلى أنه لا يصح اعتبار أحدهما بالآخر، بدليل: الزوج أولى بغسل زوجته، ولا يملك الصلاة عليها عندهم. واحتج: بأن القصد من الصلاة على الميت الدعاء له، والمناسب أشفق من الوصي، ودعاءه أحظى فكان أولى.

стр. 1616

والجواب: أن هذا يوجب أن يكون الولي أولى من الوالي للمعنى الذي ذكرت، وقد قلتم: إن الوالي [أولى] (١) بذلك، وعلى أنه قد يكون الحظ في دعاء الأجنبي أوفر لدينه وورعه وزهده، وفساد طريقة المناسبين، وإن قاسوا على الوصية بولاية النكاح لم نسلمها على الرواية الصحيحة، ونقول بأن الوصي أولى بها، والله أعلم. * * * ٧١ - مَسْألَة: السلطان أولى بالصلاة على الميت من الولي: ذكره في رواية ابن منصور. وبه قال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله. وللشافعي ﵀ قولان: قال في القديم: مثل قولنا. وفي الجديد: الولي أحق. دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يؤمَّنَّ الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه". وروى حازم قال: شهدتُ الحسين لما توفي الحسن بن علي ﵃ يقول لسعيد بن العاص وهو أمير المدينة: تقدم، لولا أنها - يعني السنة - لما تقدمت. ورواه عمر بن شبة في كتاب الكوفة بإسناده قال: لما مات الحسن

стр. 1617

ابن علي دفع الحسين ﵃ في قفا مروان وقال (١): تقدم، فلولا أنها السنة ما فعلت، فصلى عليه مروان، وكان أمير المدينة. وعن علي ﵁ قال: الإمام أحق من صلى على الجنازة. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سئل من أحق أن يصلي على الميت؟ قال: رضيتم بأئمتكم لحياتكم فلا ترضونهم لموتاكم! يصلي على موتاكم من يصلي على أحيائكم، ذكره شيخنا هذه الأخبار في كتابه. ولأنها صلاة سن فيها الاجتماع، فإذا حضرها السلطان [كأن أحق] بالتقدم كالجمعة، والعيدين، وسائر الصلوات. ولأن الولي يلزمه طاعة الوالي كما يلزم ابن الميت طاعة أبي الميت، ثم اتفقوا أن أبا الميت أولى من ابن الميت، كذلك الوالي يجب أن يكون أولى من الولي. واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. والجواب عنه: ما تقدم. واحتج: بأنها ولاية يعتبر فيها ترتيب العصبات إذا لم يحضر الوالي ومن ينوب عنه، فوجب إذا اجتمع الوالي مع الولي أن يكون الولي أولى قياسًا على ولاية النكاح. والجواب: أنه بيَّنا أنه لا يعتبر فيه ترتيب العصبات، بدليل: أن

стр. 1618

الأب مقدم على الابن، وأن الابن أقرب. ولأن السلطان أولى بسائر الصلوات، وإن لم يكن أولى بالنكاح. ولأن تقديم الولي في العقد لا يسقط هيبة السلطان في العادة، وتقديمه في الصلاة إسقاط هيبة للسلطان؛ لأن العادة أنه يتقدم في الصلاة، بدليل: العيدين، والجمعة، والكسوف. واحتج: بأنها عبادة تتعلق بالميت فوجب أن يكون الولي أولى بها من الوالي قياسًا على غسله، وتكفينه، ودفنه. والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه لا يجوز اعتبار الصلاة بالغسل والتكفين؛ لأن الزوج يغسل زوجته ويكفنها ووليها أحق بالصلاة عليها، فلو كانت معتبرة بالغسل والتكفين لوجب أن يصلي عليها من يلزمه تكفينها، وعلى أن السلطان أولى بالصلاة في حال حياته، وإن كانت نفقته وكسوته وسكناه على غيره كذلك لا يمتنع أن يكون أولى بالصلاة عليه بعد موته، وإن كان تكفينه ودفنه على غيره، ولأن الغسل لا يحضره السلطان في العادة، ولا في التقدم ثَمَّ ترك لهيبته، والصلاة يحضرها في العادة، وفي التقدم عليه ترك لهيبته، فبان الفرق بينهما، والله أعلم. * * * ٧٢ - مَسْألَة: الزوج يقدم على غيره من العصبات في الصلاة في إحدى الروايتين:

стр. 1619

قال في رواية بكر بن محمد في المرأة تموت ولها أخ وزوج: الزوج أولى بالصلاة، أذهب إلى حديث أبي بكرة، صلى عليها ولم يأذن الأولياء. وقال في رواية الأثرم: قد اختلفوا فقال بعضهم: الزوج، وقال بعضهم: غيره، وذكر حديث أبي بكرة ورآه يميل إليه. وفيه رواية أخرى: والعصبات مقدمون، قال في رواية حنبل: إذا حضر الأب، والأخ، والزوج، الأب والأخ أولى من الزوج، فإذا لم يكن الأب والأخ فالزوج أولى. وقال في راوية إسحاق بن إبراهيم: الأب أحق من الزوج. وقال أبو حنيفة ﵀: العصبات أولى إلا ابنها من الزوج، فإن الزوج يقدم عليه. وقال الشافعي ﵀: جميع العصبات أولى منه. وجه الرواية الأولى: ما احتج به أحمد ﵀، فروى أبو حفص بإسناده عن عبد العزيز بن أبي بكرة قال: إن أبا بكرة تزوج امرأة من بني غدانة (١) فماتت، قال أبو بكرة ﵁: لو كنتم أحق بالصلاة عليها تركناكم، ولكنا نحن أحق بالصلاة عليها، فقال بنو غدانة: صدق صاحب رسول الله ﷺ هو أعلم منا، فتقدم فصلى عليها.

стр. 1620

وبإسناده عن عكرمة عن ابن عباس ﵃ قال: الرجل أحق بغسل امرأته والصلاة عليها. وأيضًا: فإن الصلاة عبادة تتعلق بالموت، فكان الزوج فيها مقدمًا على سائر العصبات، دليله: الغسل، والدفن. ولأنه زوج فتقدم على الابن، دليله: إذا كان ابن الميتة منه. فإن قيل: إذا كان منه إنما لم يتقدم عليه؛ لأنه يلزمه طاعة أبيه، وهذا المعنى لا يوجد في ابنها من غيره. قيل: فيجب أن يتأخر عنه في سائر الصلوات المفروضات، ويجب أن يتقدم عليه في الغسل والدفن، وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي داود: من الناس من يتوقاه - يعني الصلاة بابنه - فإذا كان أقرأهم فأرجو أن لا يكون به بأس. فقد أجاز تقدمه عليه، ولأنه ذكر لا يسقط إرثه بحال، فتقدم على الابن، والأخ، والعم، دليله: الأب. أو نقول: فكان له ولاية في الصلاة، دليله: الأب، ولا يلزم عليه الأخ من الأم؛ لأنه يسقط إرثه بحال. واحتج من ذهب إلى الرواية الثانية: بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. والجواب عنه: ما تقدم. واحتج: بأنه ليس بعصبة فلا يملك الصلاة، دليله: سائر الأجانب.

стр. 1621

والجواب: أنه يبطل بالوصي والولي، ولأنه لا يجوز اعتبار الزوج بالأجانب كما لم يجز اعتباره بهم في الغسل، والدفن، والميراث. واحتج: بأنه يرث بسبب فلا يتقدم على العصبات، دليله: المولى. والجواب: أن سبب الزوج، أقوى ألا ترى أنه يستفيد الغسل والدفن، ولا يحجب عن الميراث بحال؟! والمولى بخلافه. * * * ٧٣ - مَسْألَة: الأب والجد أولى بالصلاة من الابن: ذكره الخرقي، وأبو بكر، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي رحمهما الله. وقال مالك ﵀: الابن أولى. دليلنا: أن الابن يقاد (١) به فلا يتقدم على الأب والجد، دليله: الأخ، والعم، وابن العم، وأن القصد من الصلاة طلب الدعاء، والترحم، والاستغفار، فوجب أن يكون أولاهم أقربهم لدعائه له، وأقربهم لإجابة دعائه، والأب أولى من الابن؛ لما فيه من الشفقة، والابن ربما فرح بموته، ولا ممنوع من التقدم على ابنه من الوجه الذي ذكرنا، فلا يجوز أن يتقدم عليه في الصلاة.

стр. 1622

ولأن من أصلنا الأب مقدم على الابن في ولاية النكاح، كذلك في الصلاة. واحتج المخالف: بأن المعتبر في الصلاة بالتعصب، بدليل: أن ذوات المحارم لا ولاية لهم؛ لأنه لا تعصب لهم، وتعصيب البنوة أقوى، فيجب أن يتقدم. والجواب: أنا لا نسلم أن المعتبر في الصلاة على الميت بالتعصيب، بدليل: أننا نقدم الوصي والسلطان، وعلى أن تعصيبه وإن كان أقوى، فإنه ممنوع من التقدم على أبيه، فلهذا أوجب تأخيره، والله أعلم. * * * ٧٤ - مَسْألَة: الجد مقدم على الأخ وابن الأخ: ذكره الخرقي. وقال أبو بكر ﵀: فيه قولان: أحدهما: مثل هذا، وهو قول الشافعي ﵀. والثاني: الأخ، وابن الأخ، وهو قول مالك. دليلنا: أن الجد له إيلاد وتعصيب فتقدم على الأخ وابن الأخ في الصلاة، دليله: الأب الأدنى، تبين صحة هذا أنه يساويه، وفي أنه لا تقبل شهادته له، ولا يقبل به، ولأن الأخ مقدم عليه في الولاية، فلم يتقدم على الجد كالعم وابن العم.

стр. 1623

واحتج المخالف: بأنهما أقرب تعصيبًا من الجد؛ لأنهما يدليان ببنوة الأب، والجد يدلي بأبوة الأب، وتعصيب البنوة أقوى. والجواب: أنه لا اعتبار بهذا في الصلاة على الميت، بدليل: أن السلطان أولى بالصلاة من سائر العصبات على قولنا وقول مالك، وإن عدم منه هذه القوة. ثم هذا المعنى يوجب تقديم الأخ على الأب؛ لأن تعصيبه يجري مجرى تعصيب البنوة، وعندك أن الابن مقدم على الأب، ولما لم يجر مجراه في التقدم على الأب، كذلك في باب الجد، والله أعلم. * * * ٧٥ - مَسْألَة: لا يصلى على الميت حين طلوع الشمس، ولا حين غروبها، ولا حين قيامها: نص على هذا في رواية حنبل فقال: يصلى على الميت بعد العصر ما لم تُطفَّل الشمس للغروب، وإذا بدأ حاجب الشمس يغيب أمسك حتى تصلي المغرب ثم يصلى عليها. وقال أيضًا في رواية أبي طالب: إذا جيء بها في وقت صلاة الفجر؛ فإن كان في وقت يصلون فيه صلاة الفجر صلي عليها، وإن لم يكن وقتًا يصلون فيه صلاة الفجر لم يصلوا عليها، وكذلك إذا جيء بها بعد العصر.

стр. 1624

وقال أيضًا في رواية المروذي: يكره الصلاة على الجنازة في ثلاثة أوقات: عند طلوع الشمس، ونصف النهار، وعند غروبها. وبهذا قال أبو حنيفة ﵀. وقال الشافعي ﵀: تجوز الصلاة عليها في هذه الأوقات. دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عقبة بن عامر ﵁ قال: ثلاث ساعات نهى رسول الله ﷺ أن نقبر فيهن موتانا أو نصلي فيهن: حين تطلع الشمس، ونصف النهار، وحين تغرب الشمس. ولأنها نوع صلاة لم يشرع لها الأذان والإقامة، فجاز أن يمنع من فعلها في الأوقات المنهي عليها، دليله: النوافل التي لا سبب لها. ولأن الصلاة على ضربين: نفل، وفرض، ثبت أن النفل منها ما يمنع منه في الأوقات المنهية، وهي التي لا سبب لها، يجب أن يكون الفرض ينقسم منه ما يمنع من فعله في الأوقات [المنهية] (١)، وليس إلا الجنازة. واحتج المخالف: بأنها صلاة لها سبب، فجاز فعلها في هذه الأوقات، دليله: قضاء الفوائت. والجواب: أن تلك فرض على الأعيان، فهي آكد، فجاز تعجيل قضائها في عموم الأوقات. أو نقول: تلك صلاة يشرع لها الأذان والإقامة في الأصل، وهذه لم يشرع لها فهي كالنوافل.

стр. 1625

واحتج: بأن كل وقت جاز قضاء الفوائت فيه جاز صلاة الجنازة فيه، دليله: بعد طلوع الفجر الثاني، وبعد صلاة العصر. والجواب: أن المعنى في تينك الوقتين أنها تطول فيخاف على الميت التغير، فلهذا جاز أن يصلى عليه فيها، وليس كذلك في هذه الأوقات؛ لأنها لا تطول وزمنها يسير فلا يخاف على الميت، فلهذا لم يصل عليه فيها، والله أعلم. آخر الجزء الحادي والعشرين من أصل المصنف رحمة الله عليه وعلى كاتبه وعلى والديه ولجميع المسلمين * * * ٧٦ - مَسْألَة: إذا اجتمعت جنازة امرأة وصبي قدمت المرأة بما يلي الإمام والصبي خلفها بما يلي القبلة: وهو اختيار الخرقي. ونقل صالح، وأبو الحارث عن أحمد ﵀: إذا اجتمع رجل، وامرأة، وصبي، فالرجل يلي الإمام، والصبي خلفه، والمرأة خلفهما، فقدم الصبي على المرأة. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي رحمهما الله. وجه الأول: أن المرأة متبوعة في الإسلام، فيجب أن يتقدم (١)

стр. 1626

الصبي في الصلاة، والدفن، دليله: الرجل. ولأنها شخص مكلف تقدم على الصبي كالرجل. ولأن المرأة أكمل، بدليل: أنها من أهل الشهادات، والأمانات، والولايات، والصبي بخلاف ذلك، ويلزم على هذا أن تقدم على المجنون. واحتج المخالف: بما روى عمار بن عمار شهدت جنازة أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب ﵄ وابنها، فوضع الغلام يلي الإمام، والمرأة خلفه، وفي الناس عبد الله بن عباس، والحسن، والحسين، وابن عمر، وأبو هريرة، وثلاثون نفسًا من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. والجواب: أنه يحتمل أن يكون الغلام بالغًا، ويحتمل أن يكون فعل ذلك على طريق الجواز. واحتج: بما روى النجاد بإسناده عن عطاء [عن عمار] (١) قال: شهدت جنازة امرأة وصبي، وفي الجنازة ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة ﵃، فقدموا الصبي إلى الإمام، والمرأة وراءه، فأنكرت ذلك، فقيل: هذه السنة. والجواب عنه: ما تقدم، وعلى المعارض هذا ما رواه النجاد بإسناده عن الحارث عن علي ﵁ قال: يقدم الرجال قبل النساء إلى الإمام، والكبار قبل الصغار.

стр. 1627

واحتج: بأنه لما كان الصبي يتقدم من الإمام في صلاة الفرض وتتأخر المرأة وراء الصف، كذلك في باب الجنازة مثله. والجواب: أن الموقف في صلاة الجنازة مخالف للموقف في الفرض، ألا ترى أنه تتأخر المرأة عن الرجل في صلاة الفرض بكل حال، وفي باب الجنازة إذا لم يكن هناك جنازة رجل فإنها توضع قدام الإمام، ولا تؤخر عنه، فبان الفرق بينهما. * * * ٧٧ - مَسْألَة: إذا اجتمع جنازة صبي وعبد قدم العبد مما يلي الإمام: نص عليه في رواية صالح فقال: إذا اجتمعت جنازة صبي ومملوك فالمملوك يلي الإمام، والصبي يلي المملوك. ونقل أبو الحارث: إذا اجتمع جنازة رجل وصبي ومملوك، فالرجل يلي الإمام، والصبي يلي الرجل، والعبد يلي الصبي، فأخَّر المملوك عن الصبي. وهو قول الشافعي ﵀. وجه الأولة: أن العبد مكانه مقدم على الصبي، دليله: الحر البالغ. ولأن العبد أكمل، بدليل: أنه تصح إمامته في الفرض، والصبي لا تصح إمامته على أصلنا في الفرض، ولأن العبد يُصافُّ الرجلَ الحر، والصبي لا يصافه.

стр. 1628

واحتج المخالف: بأن الصبي من جنس الكمال وهو الحرية، فيجب أن يقدم على العبد كالحر البالغ. والجواب: أنا قد بينا أن العبد أكمل، بدليل: أنه متبوع في الإسلام، ولأنه مكلف، ولأنه يتقدم في الإمامة، والله أعلم. * * * ٧٨ - مَسْألَة: إذا اجتمع جنائز رجال على الانفراد، ونساء على الانفراد، ورجال ونساء، فالسنة أن يسوى بين رؤوسهم: نص عليه في رواية صالح، وابن منصور: إذا اجتمع جنائز رجال ونساء وصبيان يسوى بين رؤوسهم على حديث ابن عمر ﵄، فإن اختار أن يخالف بينهم، فيكون بجعل صدر الرجل عند وسط المرأة، ويقوم عند صدر الرجل، فيكون قد قام عند صدر الرجل ووسط المرأة، خلافًا لأبي حنيفة ﵀ في قوله: إن جعل رأس كل واحد أسفل من رأس الآخر كدرج فحسن، وإن جعلوا رأس كل واحد بحد رأس الآخر فحسن، ولا فرق عنده بين جنائز الرجال والنساء في حال الانفراد والاجتماع. وقال الشافعي ﵀: إذا اجتمع جنائز الرجال على الانفراد، والنساء على الانفراد سوى بين رؤوسهم، وإن اجتمع جنائز رجال ونساء خالف بين رؤوسهم، فيكون صدر الرجل عند وسط المرأة، فيكون قد قام عند صدر الرجل، وعند وسط المرأة.

стр. 1629

دليلنا: ما روى أبو حفص بإسناده عن ابن عمر ﵄: أنه كان يسوي بين الرؤوس من الرجال والنساء. فإن قيل: يعارض هذا ما روى النجاد بإسناده عن عثمان بن عفان ﵁: كان يجعل الرجل مما يليه، والنساء مما يلي القبلة، ويجعل المرأة أسفل من الرجال يحدرها قليلًا كأن رأسها عند صدر الرجل. وبإسناده عن واثلة بن الأسقع ﵁ وكان من أصحاب النبي ﷺ : كان مات في طاعون فيه بشر كثير، فكان إذا صلى على الرجال والنساء جعل الرجال مما يليه والنساء مما يلي القبلة، ويجعل رؤوسهن عند ركبتي الرجل، وكان أصحاب رسول الله ﷺ يقدمونه فيصلي كذلك ولا ينكرونه. قيل: هذا مطرح؛ لأن من اعتبر المخالفة بين رؤوسهم يقول على غير هذا الوجه: وهو أنه يجعل صدر الرجل عند وسط المرأة، وإذا كان مطرحًا لم يحتج به؛ لأن السنة عندنا أن يقف الإمام عند صدر الرجل، وعند وسط المرأة، فإذا اجتمع جنائز رجال فمتى خالف بين رؤوسهم خالف مسنون الموقف؛ لأنه يؤدي إلى أن لا يقف عند صدر كل واحد منهم، وإذا سوّى وقف عند صدر كل واحد. وكذلك إذا اجتمع جنائز نساء فمتى خالف بينهم خالف مسنون الموقف؛ لأنه إلى أن لا يقف عند وسط كل واحده منهن وإذا سوى بينهن أصاب مسنون الموقف.

стр. 1630

وإذا اجتمع جنائز رجال ونساء، فالنساء تبع للرجال؛ لأنهن يتأخرن عنهم في الموقف، وإذا كانوا تبعًا سقط اعتبار الموقف في حقهن، وكان الاعتبار بالمتبوع وهو الرجل الذي يلي الإمام، كما إذا جمع بين الحج والعمرة لما كانت العمرة تبعًا للحج سقط اعتبار أفعالها، وكان الترتيب لأفعال الحج. فإن قيل: كان يجب أن يخالف بين جنائز الرجل والنساء؛ لأنه يصيب بذلك مسنون الموقف. قيل: إنما وافقنا للمعنى الذي هو أن المرأة تبع للرجل، فسقط اعتبار الموقف في حقها، وكان الاعتبار بالرجل كالعمرة مع الحج. احتج المخالف: بأنه إذا سوى بينهم يصير كالصف الواحد، وإذا جعله مدرجًا يصير كالصف بعد الصف، وله أن يفعل ذلك في الصف؛ لأنه إن شاؤوا وقفوا صفًا واحدًا، وإن شاؤوا وقفوا صفًا دون صف مثل الدرج، بل هذا هو الأفضل، نص عليه في رواية الميموني فقال: أحب إلي إذا كان فيهم قلة فله أن يجعلهم ثلاث صفوف، وإن كان وراءه أربعة جعلهم صفين. والجواب: أنا لا نقول: إنه مخير بين تفريق الصف وبين جمعه كما قالوا هم في مسألتنا، بل نقول: المستحب أن يفترقوا صفوفًا لما فيه من الحظ للميت كما ورد الشرع، فروى أبو حفص العكبري بإسناده عن مالك بن هبيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مؤمن يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين بلغوا أن يكونوا ثلاثة صفوف إلا غفر له"، فكان

стр. 1631

مالك بن هبيرة يتحرى إذا دخل أهل الجنازة أن يجعلهم ثلاثة صفوف. وروى أيضًا قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يصلي عليه صفوف المسلمين إلا أوجب". وبإسناده عن خير بن (١) نعيم الحضرمي أن أبا الزبير أو (٢) عطاء بن أبي رباح أخبره أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة ورسول الله ﷺ سابعهم، فجعلهم ثلاثة صفوف: الصف الأول ثلاثة، والصف الثاني رجلين، والثالث رجلًا، ورسول الله بأبي وأمي ﵊ بين أيديهم. وهذا المعنى معدوم في المخالفة في الصلاة عليهم، إذ ليس هناك فضيلة ورد الشرع بها بل فيه مخالفة مسنون الموقف، والله تعالى أعلم. * * * ٧٩ - مَسْألَة: إذا كبر الإمام على جنازة ثم جيء بجنازة أخرى فكبر ثانية ونواهما فهي لهما، وكذلك إن جيء بثالثة فكبر الثالثة ونواهم فهو لهم، وكذلك إن جيء برابعة، فإن جيء بخامسة لم ينوها بالتكبير: نص على هذا في رواية عبد الله فقال: إذا جاؤوا بجنازة فكبر عليها تكبيرة ثم أُتي بجنازة أخرى فكبر ثم أُتي بأخرى فكبر ثم أُتي بأخرى فكبر

стр. 1632

إلى سبع لا يزيد عن ذلك حتى يرفع هذه الأربعة، ثم يستأنف التكبير إن جاؤوا بأخرى. وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: إن نوى بالثانية لهما فهي الأولى، وإن نوى بها الثانية خرج من صلاة الأولى وهي للثانية. والدلالة على أنه إذا نوى لهما تكون لهما: هو أنه يجوز أن يجمعهما بنية واحدة في حال الاستدامة، دليله: الحج والعمرة يجوز أن يجمعهما حال الابتداء بنية القران، ويجوز في حال الاستدامة وهو إذا أحرم بالعمرة ثم أدخل الحج عليها ونواهما، فإنه يصح كذلك ها هنا. ويفارق هذا إذا أحرم بالظهر الحاضرة ثم نوى بها ظهرًا فائتة عليه أنه لا يصح بنية لهما؛ لأنه لا يصح أن يجمع بينهما بنية واحدة حال الابتداء فلم يجز حال الاستدامة. واحتج المخالف: بأنه لو صح أن يكون مصليًا عليهما لأدى ذلك إلى الزيادة في التكبير على الأربع، وذلك خلاف السنة، فان لم يزد بالتكبير أدى إلى النقصان في حق الثانية والثالثة. ولأنه يؤدي إلى مخالفة ترتيب الأذكار؛ لأنها ثانية في حق الأول، ومحلها الصلاة على النبي ﷺ ، وهي أولة في حق الثاني، ومحله القراءة. والجواب من قولهم: إنه يؤدي إلى الزيادة في التكبير، فغير صحيح؛ لأنا إنما نجيز التكبير على الجنازة الرابعة؛ لأنه ينتهي التكبير إلى سبع، وهو نهاية التكبير عندنا على الجنازة فلا زيادة في العدد فإن

стр. 1633

جيء بجنازة خامسة لم ينوها بالتكبير لأنه يؤدي إلى هذا. وقولهم: يفضي إلى النقصان في حق الثانية، فغير ممتنع كما قلنا في القارن: يسقط أفعال العمرة، وإذا أدركه راكعًا. وأما قولهم: يؤدي إلى مخالفة الترتيب، فغير ممتنع؛ لأنه لو أدرك الإمام راكعًا تبعه في الركوع، وإن كان فيه مخالفة ترتيب صلاته؛ لأنه ابتداء صلاته التكبير والقراءة، وهو يسقط بمتابعة الإمام، كذلك ها هنا، والله أعلم. * * * ٨٠ - مَسْألَة: يقوم الإمام في الصلاة على الميت إذا كان رجلًا حذاء صدره، ومن المرأة بحذاء وسطها: نص على هذا في رواية أبي الحارث، وبكر بن محمد، والأثرم، وقال حرب أيضًا عنه: والإمام يقوم عند صدر الرجل ووسط المرأة، قال: ورأيت أحمد ﵀ صلى على الجنازة فقام عند صدر المرأة. قال أبو بكر الخلال: قد سها فيما حكي عنه، والعمل على ما رواه الجماعة. وقال أبو حنيفة ﵀: يقوم بحذاء صدره رجلًا كان أو امرأة. وقال مالك ﵀: يقف من الرجل عند وسطه، ومن المرأة عند منكبها.

стр. 1634

وقال الشافعي ﵀: من المرأة عند وسطها، واختلف أصحابه في الموقف من الرجل، فمنهم من قال: يقف بحذاء صدره، ومنهم من قال: بحذاء رأسه. دليلنا: ما روى أبو بكر عبد العزيز، وأبو بكر النجاد، وأبو عبد الله بن بطة بإسناده عن سمرة بن جندب ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها. فإن قيل: إذا قام عند صدرها فقد قام عند وسطها؛ لأن بدن الميت من أصل العنق إلى الخاصرة، والصدر وسطه، وما علا من ذلك فهو أطرافه، والاعتبار بها في الصلاة عليه، ولهذا قلنا: إذا وجد طرف من أطرافه لم يصل عليه. قيل له: الصدر غير الوسط؛ لأنه لو كان وسطًا لم يسم صدرًا، ولأن العرب تقول: ضرب وسطه، ولا يريد به صدره. وأيضًا ما روى أبو بكر عبد العزيز، وأبو بكر النجاد، وعبد الله بن بطة بإسناده عن أبي غالب قال: رأيت أنس بن مالك ﵁ صلى على جنازة رجل فقام حيال رأسه ثم جيء بجنازة امرأة فقام حيال وسطها، فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة هكذا رأيت رسول الله ﷺ قام من الجنازة مقامك هذا من الرجل، وقام من المرأة مقامك هذا من المرأة؟ قال أنس: نعم فأقبل علينا، فقال: احفظوها. وروى أحمد ﵀ في مسائل حنبل قال: حدثنا يزيد يعني ابن

стр. 1635

هارون قال: حدثنا همام قال: حدثنا [أبو] (١) غالب الخياط قال: صليت خلف أنس على جنازة رجل فقام حيال صدره، فلما رفعت جيء بجنازة امرأة من قريش أو من الأنصار فقام حيال وسطها، وفي القوم العلاء بن زياد فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة، قال: يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع يقوم من الرجل حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم، فالتفت إلينا فقال: احفظوها. وهذا نص في أن المراد في الوسط غير الصدر، وأنه العجيزة. فإن قيل: يحتمل أن يكون النبي ﷺ قام بحذاء الصدر منها إلا أنه مال في الصلاة على الرجل إلى الجانب الذي فيه الرأس، ومال في الصلاة على المرأة إلى الجانب الذي فيه عجيزتها، فظن الراوي أنه قام من الرجل بحذاء رأسه وصدره، ومن المرأة بحذاء العجز. قيل له: هذا يسقط فائدة الفرق بينهما. واحتج المخالف: بأن هذه صلاة على ميت، فوجب أن لا يكون من سنتها قيام الإمام بحذاء العجز، دليله: الرجل. ولأن هذا من سنن الصلاة على الجنازة فلم يختلف فيها الرجال والنساء، دليله: سائر السنن. والجواب: أن هذا قياس يخالف النص مع أنه قد خولف بينهما، ألا ترى أنه إذا اجتمع جنازة رجل وامرأة، فالسنة أن تكون المرأة مما يلي

стр. 1636

القبلة، والرجل مما يلي الإمام. ولأنهما يختلفان في صلاة الفرض، فالمرأة تقف خلف الإمام، والرجل على يمين الإمام، ويكون النساء خلف صف الرجال، والمرأة تكفن في خمسة أثواب، والرجل في ثلاثة، ويختلفان في صفة الجنازة، فتكون جنازتها بنعش، والرجل بخلافه، وقبر الرجل لا يستر، وقبر المرأة يستر، كذلك ها هنا، والله أعلم. * * * ٨١ - مَسْألَة: يصلى على الغائب بالنية: نص عليه في رواية الأثرم، وإسماعيل بن سعيد، واحتج: بحديث النجاشي. وقال حرب: قلت لأحمد ﵀: رجل مات بأرض يصلي عليه رجل بأرض أخرى؟ وأردت حديث النبي ﷺ صلى على النجاشي، فغضب وقام وقال: دعنا من هذا. فظاهر هذا أنه توقف عنه. والمذهب على ما صرح به من الجواز. وهو قول الشافعي ﵀. وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: لا يجوز الصلاة عليه.

стр. 1637

دليلنا: ما روى أحمد - ذكره أبو بكر - قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن مالك يعني ابن أنس قال: حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: نعى لنا رسول الله ﷺ [النجاشي] في اليوم الذي مات فيه فخرج إلى المصلى فصف أصحابه خلفه فكبر عليه أربعًا. روى أبو بكر بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ بلغه موت النجاشي، فقال: صلوا على أخ لكم مات بغير بلدكم، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ وصفنا صفوفًا، قال جابر: وكنت في الصف الثاني أو الثالث، وكان اسم النجاشي أصحمة. وروى أحمد بإسناده عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن أخاكم النجاشي قد مات، قال: فصفنا خلفه، وإني لفي الصف الثاني وصلى عليه، ذكره أبو بكر الخلال في العلل. فإن قيل: النجاشي مات بأرض الكفر ولم هناك من يصلي عليه، فلهذا جاز للنبي ﷺ أن يصلي عليه، وهذا معدوم فيما اختلفنا فيه. قيل له: هذا لا يصح؛ لأنه لو في بادية أو غرق في البحر وعلم أن أحدًا لم يصل عليه لم يجز أن يصلي عليه بالنية، فلا معنى لقولك: إنه لم يكن بحضرته من يصلي، وعلى أن النجاشي كان كافرًا وأسلم وأظهر إسلامه، وآوى أصحاب رسول الله ﷺ ونصرهم. وروى أبو داود في كتابه عن أبي بردة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق إلى أرض النجاشي، وذكر الحديث إلى أن قال: أشهد أنه

стр. 1638

رسول الله ﷺ الذي بشر به عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليهما، لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه، وليس في العادة أن يسلم ملك، ويظهر إسلامه سنين كثيرة، ويأوي المسلمين، وينصرهم على عدوهم، ويدوم ذلك ويتصل، ولا يسلم معه غيره من أتباعه ورعيته، واذا كان هذا ممتنعًا في العادة سقط السؤال. فإن قيل: يحمل قوله: صلى عليه، يعني دعا له. قيل له: روي في الخبر: أنه خرج إلى المصلى وصف أصحابه وكبر أربعًا، وهذه صفة صلاة الجنازة، فلا يجوز حمله على غيره. فإن قيل: يجوز أن يكون رفع الحجاب حتى رأى النجاشي وصلى عليه. قيل له: الصحابة قد صلوا معه، فلو كان لهذا المعنى لكان ينفرد بالصلاة عليه دون أصحابه، وعلى أنه لو كان كذلك لأخبر أصحابه بذلك؛ لأنها آية عظيمة، ومعجزة ظاهرة يكثر النقل لها، فلما لم ينقل دل على أنه لا أصل له. ولأنه غائب فجاز الصلاة عليه، دليله: إذا كان في موضع ليس فيه من يصلي عليه. فإن قيل: هناك حاجة؛ لأنه لو لم يصل عليه إن أفضى إلى إسقاط الصلاة جملة. قيل: لو مات في بادية وعلم أنه لم يصل عليه، لم يصل عليه

стр. 1639

عندهم، وإن أفضى إلى ذلك. واحتج المخالف: بأن بحضرته من يصلي عليه، فوجب أن لا يجوز لمن غاب عنه أن يصلي عليه، دليله: إذا مات في بلد، فصلى عليه أهل محلة أخرى من ذلك البلد، ولم يشهدوا جنازته ولا دفنه. والجواب: أن قولهم: بحضرته من يصلي عليه، لا معنى له؛ لأنه لو مات في بادية أو غرق في البحر، فإنه لا يصلى عليه عندهم، وإن لم يكن بحضرته من يصلي عليه، وعلى أن البلد (١) الواحد، إنما لم يجز الصلاة فيه بالنية؛ لأنه لا حاجة بهم إلى ذلك؛ لوجود القدرة على الصلاة على الميت، وفي بلد آخر بنا حاجة، وفرق بينهما، ألا ترى أن صلاة الصف الآخر جائزة، وإن اتصلت الصفوف وطالت وحصلت بين الجنازة وبين مسافة بعيدة؟! ولو وقف في موضع الصف الآخر من غير حاجة إلى ذلك لم يجز كذلك. واحتج: بأن من شرط صحة الصلاة على الميت أن يكون الميت حاضرًا بين يديه، ألا ترى أنه لو تركه خلفه، وصلى إلى القبلة لم يصح؟! والجواب: أن هذا شرطه في الموضع الذي لا حاجة به إلى الغيبة، فأما عند الحاجة فليس ذلك من شرطه، وقد بينا أن للحاجة تأثيرًا في الجواز، بدليل: الصف الأخير، والله أعلم. * * *

стр. 1640

٨٢ - مَسْألَة: يجوز الصلاة على الميت في المسجد: نص عليه في رواية أبي الحارث فقال: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد. وكذلك نقل الأثرم فقال: سألت أبا عبد الله عن الصلاة على الجنازة في المسجد؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس. وبه قال الشافعي ﵀. وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: يكره ذلك. دليلنا: ما روى أحمد ﵀ قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا ابن جريج عن موسى بن عقبة عن عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن الزبير عن عائشة ﵃ زوج النبي ﷺ : أنها أرسلت هي وأزواج النبي ﷺ إلى [أهل] (١) سعد بن وقاص ﵃ أن مروا به علينا في المسجد حتى نصلي عليه فمر به عليهن في المسجد، فصلى عليه أزواج النبي ﷺ ، فأنكر ذلك الناس، فذكروا ذلك لعائشة ﵂ فقالت: لا تعجبوا من الناس حتى تنكروا هذا (٢)، والله ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد، ذكره أبو بكر الخلال في كتاب العلل.

стр. 1641

قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: صلاة النبي ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد إنها أثبت فإنه حديث موسى بن عقبة وهو يسنده. فإن قيل: يحتمل أن يكون فعل ذلك لعذر من مطر أو مرض. قيل له: لو كان كذلك لم تحتج عائشة ﵂ على من أنكره، ولكان يرده عليها، وتبين أنه كان لعذر، وذلك العذر معدوم، فلما لم يجز العذر آل ذلك على أنه لا اعتبار به. ولأنه إجماع الصحابة ﵃: روى النجاد بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما صُلي على أبي بكر ﵁ إلا في المسجد. وروى المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: صلي على أبي بكر ﵁، وعمر ﵁ تجاه المنبر. وروى نافع عن ابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ صلي عليه في المسجد. فإن قيل: يحتمل أن يكون صلي عليه في مسجد الجنائز. قيل له: قد روينا أنه قال: صلي على أبي بكر وعمر ﵄ تجاه المنبر. والقياس: أن كل صلاة لا يكره فعلها في مسجد الجنائز، لم يكره فعلها في سائر المساجد، قياسًا على سائر الصلوات. ولأنها صلاة يجوز فعلها في غير المسجد، فجاز فعلها في المسجد، أصله: سائر الصلوات.

стр. 1642

واحتج المخالف: بما روى ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له". والجواب: أن أبا الحارث قال: سئل أبو عبد الله - يعني أحمد ﵀ عن حديث أبي هريرة ﵁: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له"، قال أبو عبد الله: حديث صالح مولى التوأمة: ليست بشيء، ولكن حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد. وكذلك روى عبد الله قال: سألت أبي عن حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له"؟ فقال: حتى يثبت [حديث] (١) صالح مولى التوأمة، كأنه عنده (٢) ليس يثبت أو ليس بصحيح، وقال: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد، وهذا يدل على ضعف الحديث. وعلى أنا نحمل قوله: "فلا شيء له"، على من صلى عليها في المسجد وهي غائبة، وترك السعي والاتباع، وتكون الدلالة على صحة هذا خبرنا الذي ذكرنا، فيجمع بين الخبرين. وعلى أن خبرنا أولى؛ لأن الصحابة ﵃ عملت عليه.

стр. 1643

فإن قيل: خبرنا أولى؛ لأنه قول، وخبركم فعل، والفعل لا يعارض القول. قيل له: إذا كان صريحًا لا يحتمل فهو بمنزلة القول، وفعل النبي ﷺ في الصلاة على سهيل صريح لا احتمال فيه. فإن قيل: فخبرنا حاظر، وخبركم مبيح، والحاظر أولى. قيل له: قد قيل: إن الحاضر والمبيح سواء؛ لأن كل واحد منهما يستفاد من الشرع، على أن خبرنا يعضده فعل الصحابة رضوان الله عليهم. واحتج: بأنه لا يؤمن أن يخرج منه نجاسة فتلوث المسجد، فيجب أن يتجنب منه، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وإقامة حدودكم" لهذا المعنى. والجواب: أن انفجاره وخروج النجاسة منه نادر، وإنما يخشى عليه ذلك عند الانتفاخ وظهور علامات الانفجار، ومن وجد فيه ذلك لم يدخل المسجد، فأما إذا حمل من غير تأخر، فإنه لا يتفجر، فيجب أن لا يكره كالحر البالغ العاقل يجوز له اللبث في المسجد، وإن جاز أن يطرأ منه الحدث، وكذلك المرأة يجوز لها الجلوس في المسجد، وإن [جاز] (١) أن يطرقها الحيض، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1644

٨٣ - مَسْألَة: إذا كبر الإمام سبعًا في صلاة الجنازة كبر تبعًا للإمام في أصح الروايات: رواها ابن منصور عنه فقال: لا ينقص التكبير على الجنازة من أربع، ولا يزاد على سبع. وكذلك نقل أبو داود عنه وقد سئل إذا كبر على الجنازة ستًا؟ قال: يكبر ما كبر، وإن زاد على سبع ينبغي أن يسبح به. وكذلك نقل أبو جعفر الدينوري عنه: إذا كبر سبعًا لا يسبح به. وفيه رواية أخرى: يكبر معه في الخامسة، ولا يكبر زيادة على ذلك، رواه عنه الأثرم، وقد سأله: إذا كبر ستًا أو سبعًا أو ثمانيًا؟ فقال: أما هذا فلا، أما الخمس فقد روي عن النبي ﷺ ، لكن نختار نحن أربعًا، وإن كبر خمسًا كبر معه، فأما الست فإنما كبرها لفضيلة سهل بن حنيف كان من أهل بدر. فقد صرح في رواية الأثرم أنه يتبع في الخمس، ولا يتبع فيما زاد. وقد نقل عنه الجماعة: أنه يكبر معه في الخامسة، فنقل صالح عنه: أما في الخامسة فيتبعه، فإن كبر ثلاثًا فما يعجبني. كذلك نقل أبو داود: في الإمام إذا كبر خمسًا فسلم بعض الناس في الرابعة؟ فأنكره، وقال: قال رسول الله ﷺ : "إنما الإمام ليؤتم به"، وقال ابن مسعود ﵁: كبروا ما كبر إمامكم.

стр. 1645

وكذلك نقل أبو طالب عنه: إذا كبر خمسًا يكبر معه ولا يقطع. وفيه رواية ثالثة: لا يتبع في الخامسة، نص عليه في رواية حرب وقد سئل: إذا سها الإمام فكبر خمسًا أيسلم هذا الذي خلفه؟ قال: لا، ولكن لا يكبر ولا يسلم إلا مع الإمام. فقد نص على أنه لا يتبعه في الخامسة. وهو قول أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله. وقال أحمد ﵀ في آخر رسالة مسدد: التكبير على الجنازة، قال: كبر الإمام خمسًا كبر معه كفعل علي بن أبي طالب ﵁، وقال ابن مسعود ﵁: كبر ما كبر إمامك. قال أحمد: خالفني الشافعي ﵀ فقال: إذا زاد على أربعة تعاد الصلاة، واحتج بحديث النبي ﷺ صلى على النجاشي، وكبر أربعًا، قال أحمد: والحجة له. دليلنا: أن الأخبار في تكبيرات في صلاة الجنازة قد اختلفت كما اختلفت في تكبيرات العيد، ثم اتفقوا على أن المأموم يتابع في تكبيرات العيد، كذلك ها هنا، ووجه الاختلاف ما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كبر على الجنازة أربعًا. وروى زيد بن ثابت ﵁: أن النبي ﷺ صلى على قبر قلابة فكبر أربعًا. وروى عثمان بن عفان ﵁: أن النبي ﷺ صلى على عثمان بن

стр. 1646

مظعون وكبر أربعًا. وروى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ نعى النجاشي اليوم الذي مات فيه، وخرج إلى المصلى بهم، فصف بهم فكبر أربع تكبيرات. وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف ﵄: أن النبي ﷺ صف الناس على قبر مسكينة فكبر أربع تكبيرات. فهذه الأخبار تدل على الأربع. وروى أبو بكر بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم ﵁ يكبر على جنائزنا أربعًا وإنه كبر على جنازة خمسًا، فسألته، فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها. وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده ﵃: أن رسول الله ﷺ كبر خمسًا. وهذه الأخبار تدل على الخمس. وروى أبو بكر النجاد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال: جمع عمر ﵁ الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة، فقال بعضهم: كبر النبي ﷺ سبعًا، وقال بعضهم: خمسًا وقال بعضهم: أربعًا، فجمع عمر ﵁ على أربع كأطول الصلاة. وهذا الخبر يدل على أن النبي ﷺ كبر سبعًا، وأنهم اختاروا الأربع اختيارًا.

стр. 1647

وروى النجاد أيضًا بإسناده عن الشعبي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال: ما حفظنا التكبير على الجنائز عن رسول الله ﷺ قد كبر أربعًا وخمسًا وسبعًا فما كبر إمامك فكبر. وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن علقمة عن عبد الله أنه قال: كبروا ما كبر الإمام لا وقت ولا عدد. وروى عبد خير قال: كان علي ﵁ يكبر على البدريين ستًا (١)، وعلى أصحاب رسول الله ﷺ خمسًا (١)، وعلى سائر الناس أربعًا. وروى النجاد، وأبو حفص العكبري في كتابه بإسناده عن موسى بن عبد الله بن يزيد: أن عليًا ﵁ كبر على أبي قتادة سبعًا. وروى أيضًا بإسناده عن بكر بن عبد الله قال: لا ينقص من ثلاث تكبيرات ولا يزاد على سبع. وهذا يدل على جواز الزيادة على الخمس، وإذا ثبت هذا وجب الأخذ بالزائد، كما قلنا في العيدين. فإن قيل: المتأخر من فعل النبي ﷺ أنه كبر أربعًا، فيجب الأخذ بالمتأخر ويسقط ما قبله. وقد روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي إسحاق قال معمر (٢): بلغني أن عمر ﵁ جمعهم فسألهم عن أحدث جنائزهم صلى عليها

стр. 1648

رسول الله ﷺ ، فشهدوا أنه صلى على أحدث جنازة وأنه كبر أربعًا، فجمع عمر ﵁ على أربع. وروى أيضًا بإسناده عن ميمون بن مهران قال: حدثنا ابن عمر ﵄ قال: آخر ما كبر رسول الله ﷺ على الجنائز أربعًا، وكبر أبو بكر على فاطمة ﵂ أربعًا، وكبر الحسن بن علي على علي ﵄ أربعًا، وكبر الحسين على الحسن ﵄ أربعًا، وكبر علي على يزيد بن المكفف (١) ﵄ أربعًا، وكبر عبد الله بن عمر على أبيه ﵄ أربعًا، وكبرت الملائكة على آدم ﵇ أربعًا، وكبر ابن الحنفية (٢) على ابن عباس ﵃ أربعًا، وإذا كان هو المتأخر من فعل النبي ﷺ وجب الأخذ به دون غيره. قيل له: التأخر من فعل النبي ﷺ يدل على الاستحباب والفضيلة، ولا يدل على منع الجواز فيما زاد على ذلك، ونحن نقول: إن الأفضل الأربع، وإنما كلامنا إن كبر زيادة هل تجوز متابعته أم لا؟ وليس في الخبر ما يمنع. واحتج المخالف: بأن كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة قائمة مقام ركعة، وقد بينا أن الإمام لو زاد في صلاته ركعة، لم يلزم المأموم متابعته، كذلك إذا زاد في صلاة الجنازة تكبيرة.

стр. 1649

والجواب: أنا لا نسلم أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، ألا ترى أنا نقول: إذا فاته شيء من التكبير مع الإمام استحب له قضائه، فإن سلم مع الإمام ولم يقض جازت صلاته ولو كانت قائمة مقام ركعة بطلت صلاته، كما تبطل بترك ما كان من الركوع، وهذا فصل يأتي الكلام عليه فيما بعد مستوفىً إن شاء الله تعالى. * * * ٨٤ - مَسْألَة: يرفع يديه مع كل تكبيرة: نص عليه في رواية الميموني فقال: يرفع يديه مع كل تكبيرة على الجنازة، وكذلك نقل إسحاق بن منصور قال: رأيت أحمد ﵀ يصلي على الجنازة، فكان يرفع يديه في تكبيره، ويضع يمينه على شماله. وبه قال الشافعي ﵀. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يرفع يديه إلا في الأولى. دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄: أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة. ولا يجوز (١) على ابن عمر مع فقهه وكثرة صلاته خلف رسول الله ﷺ على (١) ظهور التكبيرات من الإمام.

стр. 1650

ولأنها تكبيرة يقطع طرفاها في القيام، فوجب أن يستحب لها رفع اليدين، أصله: تكبيرة الافتتاح، وقد قيل: تكبيرة من صلاة الجنازة، فسن لها الرفع، دليله: ما ذكرنا. ولأنها تكبيرة مفعولة في حال القيام أشبه تكبيرات العيدين. ولأن أبا حنيفة ﵀ قد قال: إذا كبر للقنوت في حال القيام رفع يديه فدل على ما ذكرنا. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن" فذكر منها: عند الافتتاح للصلاة. والجواب عنه: ما تقدم في الصلاة. واحتج: بأن كل تكبيرة من صلاة الجنازة قائمة مقام ركعة، وقد ثبت أنه لا ترفع الأيدي في أول كل ركعة، كذلك لا ترفع في كل تكبيرة. والجواب: أنا لا نقول: إنها قائمة مقام ركعة، وسنبينه إن شاء الله فيما بعد. * * * ٨٥ - مَسْألَة: القراءة شرط في صحة صلاة الجنازة: نص عليه في رواية عبد الله فقال: الصلاة على الميت: يرفع يديه فيكبر، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب، ثم يكبر ويرفع يديه، فيصلي على
следующие страницы →