← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وسهوه، وليس كذلك الكلام؛ لأن مثله غير مسنون في الصلاة، فلا يختلف حكم سهوه وعمده؛ كالجماع. قيل: الحلق مأمور به في الحج والعمرة في موضع، وقتل الصيد غير مأمور به، ثم إذا قدم الحلق في الإحرام على موضعه، كان حكمه حكم قتل الصيد فيما يتعلق به من الفدية، ولم يجز أن يفرق بينهما بأن أحدهما نسك في هذه العبادة، والآخر ليس بنسك، كذلك لا يجوز أن يفرق بين الكلام والسلام بهذا الفرق. قيل له: الحلق غير مأمور به في حال هذه العبادة، فلم يختلف حكمه وحكم قتل الصيد في حال الإحرام، واستوى أيضًا حكم عمده وسهوه؛ كالكلام لما لم يكن مسنونًا في حال الصلاة، وهو قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" (١)، فجاز أن يختلف حكم عمده وسهوه. واحتج: بأنه معنى تمتنع منه (٢) العبادة منعًا يختص بالعبادة، فسهوه لا يبطلها؛ كالأكل في الصوم. والجواب: أنا لا نسلِّم الوصف في الأصل؛ لأن الأكل لا يختص

стр. 212

النهي عنه بالصوم؛ لأنه ممنوع منه في الصلاة أيضًا، وعلى أن الصلاة أعم في الفساد من الصوم؛ لأنه يفسدها ما لا يفسد الصوم من الكلام، والعمل، والحديث. ولأن الصوم حجة عليهم؛ لأنه لو ظن أن الشمس قد غربت، فأكل، ثم بان أنها لم تغرب، فعليه القضاء، ولو ظن أنه قد خرج من الصلاة فتكلم، فصلاته صحيحة، وكان يجب أن يقولوا: تبطل كالصوم، وعلى أن الصوم ينعقد، وإن لم يقصد انعقاده، وهو بكونه (١) نائمًا، أو مغمى عليه حين طلوع الفجر، فجاز أن يكون ما يفسده يختلف بقصده وعدم قصده، والصلاة لا يصح انعقادها من غير قصده، فجاز أن لا يختلف ما يفسدها بالسهو. واحتج: بأن بكر بن محمد روى عن أبيه (٢) عن أحمد ﵀ فيمن قرأ آية رحمة، فجعلها عذابًا، تمت صلاته، ولا يسجد للسهو (٣)، ومعلوم أن هذا لا يكون قرآنًا، وقد حكم أحمد ﵀ بصحة (٤) الصلاة (٥).

стр. 213

والجواب: أن هذا يعتقد أنه يأتي في صلاته بما هو مشروع فيها، فهو كما لو سها، فصلى خمسًا: أن صلاته صحيحة، وكلام الآدميين لم يقصد به هذا، فهو كالعمل في الصلاة إذا كثر من غير اعتقاد أنه من الصلاة، فإن صلاته تبطل، وعلى أنه قد رُوي عن أحمد ﵀ ما يدل على بطلان الصلاة أيضًا، فقال الحسن بن محمد بن الحارث السجستاني (١): سألت أحمد ﵀: عن الرجل يختم آية رحمة بآية عذاب؟ فقال: هذا أشد، كأنه رأى الإعادة للصلاة، قيل له: فأي حروف تعاد منه الصلاة؟ قال: إذا كان حرفًا يغيّر المعنى، أو كلامًا يشبه هذا (٢)، وهذا يدل على البطلان. * * * ١٧ - مَسْألَة: إذا سبقه الحدث في صلاته بطلت الصلاة: نص عليه في رواية الميموني (٣)، ...........................

стр. 214

وإسحاق بن إبراهيم (١)، وصالح (٢)، قال صالح: قلت (٣): قال سفيان في الضحك والريح: يعيد الوضوء والصلاة، وفي الرعاف (٤): يبني؟ فقال: إني أعجبُ إليَّ أن يتوضأ في هذا كله ويستأنف الصلاة (٥). وبهذا قال مالك (٦)، والشافعي - رحمهما الله - في الجديد (٧). وروى حنبل عنه: أنه يتوضأ، ويبني على صلاته (٨). وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٩)، والشافعي ﵀ في القديم (١٠)، وداود (١١).

стр. 215

وروى عنه الفضل بن زياد: إن كان الحدث من السبيلين، يبتدئ الصلاة، وإن كان من غيرهما؛ كالرعاف والفصاد (١) ونحوه، توضأ وبنى (٢). وهو قول سفيان ﵁ (٣). فالدلالة على أنه يبتدئ الصلاة: ما رُوي عن النبي ﷺ قال: "لا صلاة إلا بطهور" (٤)، وهذا لا طهور له، فوجب أن لا يكون صلاة. فإن قيل: لا تجوز الصلاة بغير طهور؛ لأنه لو فعل جزءًا منها بغير طهور، لم يعتد به. قيل له: إلا أنه داخل في الصلاة، ومتلبس فيها قبل أن يتوضأ، والخبر يقتضي: نفي الصلاة إذا لم تكن طهارة. وأيضًا ما روى أبو داود (٥)، وذكره أبو بكر بإسناده عن علي بن طلق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فسا أحدُكم في الصلاة، فلينصرف،

стр. 216

فليتوضأ، وليُعد صلاته" (١)، ولم يفرق بين أن يكون مختارًا، أو مغلوبًا عليه. والقياس: أنه حدثٌ يمنع من المضي في الصلاة، فوجب أن يمنع من البناء عليها، قياسًا على الحدث إذا تعمده، وعكسه حدث الاستحاضة، ومن به سَلَس؛ لأن هناك لا يمنع المضي، فلا يمنع البناء. فإن قيل: امتناع المضي فيها لا يدل على بطلانها، كالأمة إذا عتقت في الصلاة، لا يجوز لها [أن] (٢) تمضي فيها بغير قناع، ولا تبطل صلاتها، وأهل قباء لما علموا بوجوب التوجه إلى الكعبة، لم يجز لهم المضي فيها إلى تلك الجهة، ولم تبطل صلاتهم. قيل له: إنما لم تبطل صلاتها، وصلاة أهل قباء؛ لأن ذلك عمل يسير، وهو الستر، والاستدارة إلى القبلة، وها هنا عمل كثير؛ ولأن ما أوجب الطهارة في خلال الصلاة أبطل الصلاة. دليله: الماسح على الخفين إذا انقضت مدة مسحه في الصلاة، وكما لو احتلم في صلاته في حال نومه، أو أصابته بُنْدُقة (٣)، فشجته،

стр. 217

وسال دمه، فإنهم قد وافقوا في هذه المسائل أنه يبتدئ الصلاة، كذلك ها هنا. فإن قيل: المعنى في المسح على الخفين: أنه لا يرفع الحدث، وإنما أُبيح له أداءُ الصلاة به ما دام الوقت باقيًا، فإذا خرج الوقت، ارتفعت الرخصة، وقد حصل له جزء من الصلاة مع الحدث، فيجب عليه أن يستقبل، وها هنا صح دخوله في الصلاة على طهارة صحيحة، ففارقَ حكمَ الماسح، وكذا الاحتلام؛ فإن القياس يقتضي فيه البناء كالحدث، لكن خصصناه من جملة القياس، فلا يقاس عليه، وأما الحدث بالبندقة، فإنما (١) ابتداء؛ فإنه حصل بفعل آدمي. قيل له: أما قولك: إن المسح لا يرفع الحدث، فلا نسلم لك هذا، بل يرفع الحدث، وهذا أصل قد تقدم الكلام فيه في الطهارة في مسألة: إذا خلع خفيه، هل تبطل الطهارة بكمالها، أم لا؟ وعلى أن هذا المعنى لم يمنع من المضي في جميع الصلاة، مع بقاء الوقت، فأولى أن لا يمنع الاعتداد. وأما قولك: إن القياس يقتضي في الاحتلام: أنه يبني أيضًا، لكن خصصناه بدليل، فغير صحيح؛ لأن المعنى الذي لأجله تركت القياس في الاحتلام موجود في غيره من الأحداث، فيجب أن يترك القياس له.

стр. 218

وأما قولك: إن الحدث بالبندقة حصل بفعل آدمي، فيبطل إذا وقعت آجُرّة (١) على رأسه من هبوب ريح، ومرور سِنَّور (٢) عليها، فشجته، فإن صلاته تبطل، وإن كان ذلك بغير فعل آدمي، وعلى أن هذا لا يوجب الفرق بينهما في البناء والابتداء، كما لم يوجبه في بعض الطهارة وبطلانها. واحتج المخالف: بما روى ابن أبي مليكة (٣) عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "من قاء (٤)، أو رعفَ، فلينصرفْ فليتوضأ، وليبنِ على ما مضى من صلاته ما لم يتكلَّمْ أو يُحْدِث" (٥). والجواب: أن أبا طالب سأل أحمد ﵀ عن حديث ابن

стр. 219

عياش (١) عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "من قاء أو رعف"، فقال: كذا رواه ابن عياش، وإنما رواه ابن جريج عن أبيه (٢)، وليس فيه عائشة ﵂، ولا النبي ﷺ (٣). ورُوي عن أبي عبد الرحمن بن أبي حاتم (٤) قال: سألتُ أبي (٥) عن هذا الحديث؟ فقال: هذا خطأ، إنما يرويه ابنُ جريج عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ (٦).

стр. 220

وجواب ثاني (١): وهو أنه لو صح واتصل، فإنا نحمل قوله: "يبني" بمعنى: يبتدئ؛ لأنه يقال لمن فعل مثلَ ما سبق بفعله: بنى عليه، فيقال: فلان (٢) يبني على حديث فلان، وفلان يبني دار فلان، وإن كان مبتدئًا بها. وقوله (٣): "ما لم يتكلم" حث على المسارعة إليه قبل الاشتغال بغيره حتى لا يفوته الوقت. واحتج: بما روي عن عمر (٤)، وعلي (٥)، وابن عمر (٦) ﵃ جواز البناء، ولا نعرف عن نظرائهم خلافه.

стр. 221

والجواب: أنه قد رُوي عن المسور بن مخرمة ﵁: أنه يستأنف الصلاة (١)، وروى أبو حفص البرمكي (٢) بإسناده عن الزهري: أن معاوية ﵁ صلى بالناس، فطُعن وهو ساجد، فسلّم، وقال: أتموا صلاتكم، فصلى كل رجل لنفسه، ولم يقدِّم رجلًا (٣). وقوله: "سلّم" يقتضي: أنه لم يتم صلاته. واحتج: بأنه حدث خارج الصلاة لا يتعلق به غسلُ جميع البدن، فإذا حدث في الصلاة بغير فعل آدمي، لم تبطل الصلاة، دليله: دم الاستحاضة، وبول من به سلس البول، ولا يلزم عليه الضحك؛ لأنه ليس بحدث خارج الصلاة، ولا يلزم عليه الاحتلام؛ لأنه يتعلق به غسل جميع البدن، ولا يلزم عليه إذا أصابته بندقة فشجته؛ لأنه حصل بفعل الآدمي.

стр. 222

والجواب: أنه يبطل بانقضاء مدة المسح، وبوقوع الآجرّة على رأسه بهبوب الريح، ومشي السنور عليها، فإنه بغير فعل آدمي، ولا يتعلق به غسلُ جميع البدن، وهو حدث خارج الصلاة، ومع هذا، فإنه يُبطل الصلاة، ثم المعنى في الأصل: أنه لا يمنع من المضي في الصلاة، أو لا يوجب عملًا طويلًا، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه بخلافه، والله أعلم. * * * ١٨ - مَسْألَة: ما يفعله المسبوق مع الإمام آخرُ صلاته: نص عليه في رواية حرب (١)، وصالح: فيمن يدرك مع الإمام ركعتين من صلاة الظهر؟ يقرأ فيما بقي في كل ركعة بالحمد وسورة (٢). وقال في رواية بكر بن محمد: إذا قام يقضي، يستعيذ (٣)، وكذلك نقل أحمد بن أصرم المزني (٤)، وهذا فائدة قولنا: إن ما يفعله آخرُ صلاته،

стр. 223

وبهذا قال أبو حنيفة (١)، وهو المشهور عن مالك ﵀ (٢). وقال الشافعي ﵀: ما يفعله مع الإمام أولُ صلاته، وما يقضيه آخرُ صلاته (٣)، وهو قول محمد (٤)، وقد رُوي نحوُ ذلك عن مالك ﵀ (٥)، وربما يحكيه بعض أصحابنا رواية لأحمد ﵀؛ لأن محمد بن موسى بن مشيش قال: سألت أحمد ﵀ عن الرجل إذا أدرك الإمام، وقد سبقه بركعة، فهي للإمام ثانية، وله أولة، يتشهد مع الإمام؟ فقال: نعم، يتشهد، قد تجد الرجل يقعد في مواضع ثلاث مرات (٦).

стр. 224

وقول أحمد ﵀: نعم، لم يرجع إلى أن ما يفعله أولُ صلاته، وإنما يرجع إلى أنه يتشهد تبعًا للإمام، وروى عنه عقيب هذا الكلام: أنه قال: إذا أدرك ركعة من الظهر، ثم قام، يقضي فاتحة الكتاب وسورة، ويجلس ثم يقوم، فيقرأ فاتحة الكتاب وسورة، فإذا قضى الثالثة، قرأ فاتحة الكتاب (١). والدلالة على أن ما يفعله آخرُ صلاته: ما روى أحمد ﵀ في المسند (٢) قال: نا علي بن عاصم (٣) عن حميد (٤)، عن أنس ﵁، وخالد (٥) عن محمد (٦)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم وقد أُقيمت الصلاة، فليمش على هِينَتِه (٧) وليصلِّ ما أدركَ، وليقضِ ما سبقَه" (٨)،

стр. 225

فوجه الدلالة من وجهين: أحدهما: قوله: "فليصل ما أدرك"، والذي أدركه آخرُ صلاة الإمام، وقد أُمر أن يُصلي ما أدركه، فيجب أن يكون آخرَ صلاته. والثاني: قوله: "وليقض ما سبقه"، والقضاء لا يكون إلا لشيء فائت، والذي يفعل في موضعه لا يكون فائتًا، ولو كان ما يفعله مع الإمام أولَ صلاته، وما يفعله وحده آخرَ صلاته، لما كان شيء منه قضاء؛ لأنه يأتي بأفعال صلاته في موضعها أولًا فأولًا على الترتيب. فإن قيل: قوله: "وليقض ما سبقه" معناه: ما بقي عليه من صلاته فليفعله؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]، معناه: إذا فُعلت وأُديت. قيل له: لا يجوز أن يعبر عما بقي عليه بالفائت؛ لأن الفائت عبارة عما وجب في الماضي وفات موضعُه، على أن الفائت من صلاة الإمام أولُها، فيجب أن يقضيه. فإن قيل: فقد روى أحمد ﵀ أيضًا (١) قال: نا سليمان بن

стр. 226

حيان (١) قال: نا حميد عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاء أحدكم إلى الصلاة، فليمش على هينته، فما أدرك صلَّى، وما سبقه أتمَّ" (٢)، والأمرُ بإتمام الصلاة يقتضي فعلَ آخرِها. قيل له: الأمر بالإتمام يقتضي تمام النقصان، والنقصان يكون في الأول كما يكون في الآخر، فإذا استوفى آخر الصلاة، واستوعب فروضها، فقد أتم، ويدل عليه أيضًا: قوله ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه" (٣). ولأنه آخرُ صلاة الإمام، فوجب أن يكون آخرَ صلاة المأموم أيضًا؛ كما لو أدرك أول صلاة الإمام؛ ولأن الفائت أولُ صلاة الإمام، فيجب أن يكون أولَ صلاة المأموم، دليله: إذا أدركه في التشهد. واحتج المخالف: بما روى أبو حفص باسناده عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معاذ! اجعلْ ما أدركتَ مع الإمام أولَ صلاتك" (٤). والجواب: إنما نحمل قوله: "اجعل ما أدركتَ أولَ صلاتك" فعلًا لا حكمًا.

стр. 227

واحتج: بما رُوي عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - (١): أنه قال: ما أدرك المأموم فهو أولُ صلاته (٢). ورُوي عن عمر بن الخطاب، وأبي الدرداء ﵄ (٣). والجواب: أن قول الواحد والجماعة ليس بحجة على قول الشافعي ﵀ (٤). وعلى أن أحمد ﵀ قد قال في رواية صالح (٥):

стр. 228

قال ابن مسعود ﵁: ما أدركت من الصلاة، فهو آخرُ صلاتك (١)، وهذا خلاف في الصحابة، فلم يصح الاحتجاج به. واحتج: بأنها ركعة مفتتحة بالإحرام، فوجب أن تكون أول صلاته، دليله: إذا كان منفردًا، وقيل: لأنها أول صلاته فعلًا، فوجب أن تكون أولها حكمًا؛ قياسًا على ما ذكرنا، وقيل: ركعة يعقبها ركعة، فوجب أن لا تكون آخر صلاته، دليله: ما ذكرنا، وقيل: لأنه لم يتقدم من جهته ما هو أول صلاته، فلم يكن هذا آخر صلاته، دليله: ما ذكرنا. والجواب: أنه لا يجوز حال المؤتم به بالمنفرد، ألا ترى أنه لو دخل خلف الإمام وهو في السجود، لزمه أن يبدأ بالسجود، ولو كان منفردًا، لم يجز له أن يبدأ به، وكذلك لو دخل في صلاة الإمام في الركعة الثالثة من المغرب، لزمه أن يقعد مع الإمام، ويقعد في الثانية والثالثة، ولو كان منفردًا، لقعد في الثانية والأخيرة فقط، فإذا كان كذلك، لم يمنع أن يختلف المؤتم به في مسألتنا وحكم المنفرد؛ ولأن صلاة المنفرد غير تابعة لغيرها، فاعتبر حكمها بنفسها، والمؤتم صلاته مبنية على صلاة غيره، وتترتب عليها، فجاز اعتبارها بها. وإن قاسوا على صلاة الإمام.

стр. 229

فالجواب عنه: ما تقدم من الفرقين أحدهما: أن حكم الإمام حكم المنفرد فيما يأتي به من الأفعال، والمأموم بخلافه، وهو أنه يلزمه أن يتبع الإمام فيما لا يعتد به. والثاني: أن صلاة الإمام غير تابعة لغيرها. واحتج: بأن ما كان له تحليل وتحريم، فإن التحريم أولُه، والتحليل آخرُه؛ كالحج، والصلاة منفردًا. والجواب: أنا لا نسلم أن تحريم المسبوق أولُ صلاته. فإن قيل: إذا سَلَّم لنا أن التحريم أولُ صلاته، وجب أن يكون ما يلي التحريم أولَ صلاته. قيل له: لا يجب هذا؛ كما لو دخل مع الإمام وهو في السجود، فإن التحريم أولُ صلاته، وما يلي التحريم من السجود ليس بأولها، وكذلك إذا دخل معه في صلاة المغرب في الركعة الثالثة، وأما الحج لا يقع على وجه المتابعة الغير (١)، وكذلك صلاة المنفرد، فلهذا وجب اعتبارها، ثم تقع المتابعة به، وهذا يقع على وجه المتابعة له. ولأن الصلاة يقع الدخول في آخرها إذا كان الإمام يصلي آخرها، فإن جاز أن يقع الدخول في آخرها، جاز أن يحتسب به عن آخرها، ولما كان الحج، وصلاة المنفرد مما لا يقع الدخول ابتداءً في آخرها، لم يحتسب إلا على الوجه الذي يقع فيه الدخول. واحتج: بأنه لو أدرك مع الإمام ركعة من المغرب، فسلم الإمام،

стр. 230

وقام هو وقضى ركعة، أمر بالقعود فيها، فلو كان ما يقضيه أول صلاته، لما أمر بالقعود؛ لأن هذه الركعة أولُ صلاته، وليس من السنة القعودُ في الركعة الأولى من الصلاة. والجواب: أن الرواية اختلفت عن أحمد ﵀ في ذلك، فروى حرب عنه (١): فيمن أدرك ركعة من صلاة الظهر وركعة من صلاة المغرب، وقام يقضي: لا يجلس عقيب الثانية، فعلى هذا يسقط السؤال. وروى صالح (٢)، والميموني عنه: أنه يجلس (٣)، فعلى هذا الركعةُ التي يقضيها، وإن كانت أول صلاته في الحكم، فإنها ثانية في الفعل، وجب أن تكون ثانية في الحكم؛ كما لو كان منفردًا. قيل له: الاتفاق في الهيئة لا يوجب الاتفاق في الحكم؛ لأن الفرض والنفل متفقان في الهيئة، ومختلفان في الحكم. وجواب آخر: وهو أنا نقابل هذا بمثله، فنقول: فلو كانت الركعة الآخرة التي يدركها مع الإمام من المغرب أولَ صلاته، لم يجلس فيها للتشهد، ولما قالوا: يجلس، وإن كانت أول صلاته، كذلك لا يمتنع أن نقول: يجلس في الثانية، وإن كانت أول صلاته.

стр. 231

فإن قيل: إنما يجلس فيها لأجل متابعة إمامه، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا. قيل له: وكذلك نقول: إنه يجلس عقيب الثانية بحكم المتابعة، ومن حُكم متابعة الإمام الجلوسُ عقيب الركعتين، وليس ممتنع أنه يلزمه حكمُ المتابعة مع زوال صلاة الإمام وخروجه عن متابعته، ألا ترى أن المسافر يدخل مع المقيم في آخر صلاته، ثم يسلم الإمام، فإنه يلزمه أن يأتي بجميع صلاة الإمام، وإن كان ما زاد على الركعتين إنما يلزمه على وجه المتابعة والائتمام به، ومع هذا، فحكمه لازم مع زوال صلاة الإمام. واحتج: بأنه لو كانت الأخيرة التي يقضيها أولية، لم يجب فيها الجلوس للتشهد، فلما أجمعنا على الجلوس للتشهد فيها، دل أنها الآخرة. والجواب: أنه يحتاج إلى التحلل من الصلاة، والتحلل منها لا يكون إلا في حال القعود، والقعود الذي يليه التحلل من الصلاة فرض. واحتج: بأنه لو كان ما يقضيه أول صلاته؛ لوجب إذا فاته مع الإمام ركعتان من صلاة المغرب والعشاء الآخرة أن يجهر بالقراءة فيهما، فلما لم يجهر، علم أنه آخر صلاته. والجواب: أنه ليس من حيث لم يجهر بالقراءة فيها يجب أن لا يكون أول صلاته؛ لأنه لو افتتح صلاة المغرب والعشاء مع الإمام، لزمه أن يقرأ كما يقرأ الإمام عندكم، ولا يجهر بالقراءة فيهما، ولم يمنع ذلك من أن تكون الركعتان من أول صلاته، على أن المسبوق فيما يقضيه في حكم

стр. 232

المنفرد، ألا ترى أنه لو سها، لم يلزمه سجود السهو؟ والمنفرد لم يسن له الجهر ولا الإخفاء، وقد قال أحمد ﵀ في رواية حرب: في رجل فاتته صلاة يُجهر فيها بالقراءة في الجماعة: يصلي وحده، فإن شاء لم يجهر؛ لأن الجهر في الجماعة (١)، وكذلك لو فاتته صلاة بالليل مما يُجهر فيها بالقراءة، فصلاها بالنهار، ونقل الأثرم عنه أيضًا: في المأموم إذا قام يقضي: إن شاء جهر، وإن شاء خافت، إنما الجهر للجماعة، وكذلك إذا صلى وحده بالمغرب (٢)، وظاهر كلام أحمد ﵀: أنه مخير في ذلك، والأفضل تركُه؛ لما نا أبو محمد الخلال (٣) بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "قد سمعتُك يا أبا بكر تُخافِتُ بصلاتك"، قال: أسمعتُ من ناجيتُ، قال: "وسمعتك يا عمر تجهر"،

стр. 233

قال: أُنَفِّر الشيطان، وأُوقظ الوسنان (١)، وقال: "وسمعتك يا بلال تقرأ من هذه السورة، ومن هذه السورة"، قال: كلام طيب يجمع الله بعضه إلى بعض، فقال رسول الله ﷺ : "كلكم قد أصاب" (٢). فوجه الدلالة: أنه أقرّ كلَّ واحد منهم، فدل على أن الجميع جائز. فإن قيل: فإذا قلتم: إنه مخير في الجهر وفي تركه، فأيهما أفضل؟ قيل: ترك الجهر، وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية الميموني: في رجل زحم مع الإمام يوم الجمعة، فلم يقدر يركع ولا يسجد حتى انصرف الإمام: يصلي ركعة يقرأ فيها، قيل له: يرفع صوته بالقراءة؟ قال: ليس عليه أن يجهر، إنما الجهر بالقراءة في الجماعة، أرأيت إن صلى وحده عليه أن يجهر؟ (٣). قيل له: وهكذا إذا صلى وحده، فلا يجهر فيما ليس عليه، لوجهين: أحدهما: أن المنفرد في حكم المأموم؛ بدليل أنه لا يتحمل عن غيره، والمأموم لا يجهر بالقراءة في حال سكتات الإمام، كذلك المنفرد.

стр. 234

ولأن الجهر إنما يستحب عند الجماعة، ألا ترى أن المأموم يستحب له أن يرفع صوته بالتكبير عند كثرة الناس للحاجة، ولا يستحب ذلك عند عدمها؟ فنقول: كل من لا يحتمل القراءة عن غيره لا يُشرع في حقه الجهر، دليله: المأموم في سكتات الإمام. ولأن الأذكار التي يسن فيها الجهر في حق الإمام لا تسن في حق المنفرد، دليله: التكبير، وقول: سمع الله لمن حمده، والسلام، ولا معنى لقولهم: إن الإمام إنما يجهر بذلك ليسمع المأموم؛ لأن القراءة أيضًا بهذه المثابة. واحتج: بأنه لو كان ما يفعله مع الإمام آخرَ صلاته، وما يقضيه أولَ صلاته، لوجب أن يكون القعود مقدار التشهد مع الإمام فرضًا، حتى لو تركه، فسدت صلاته؛ لأن القعود في آخر الصلاة فرض، وتركه يوجب فساد الصلاة. والجواب: أن القعود الفرض هو الذي يفعله في آخر صلاته، ويعقبه السلام، وهذا معدوم ها هنا، فهو يجري مجرى التشهد الأول، على أن القعود بعد سجدتي السهو من آخر صلاته، وليس بفرض، فلا يمتنع أيضًا أن يكون القعود الذي يفعله مع الإمام من آخر صلاته، ولا يكون فرضًا. واحتج: بأنا لا نجد في الأصول صلاة يفعل آخرها قبل أولها. والجواب: أنا لا نجد في الأصول أيضًا أن يفعل الإمام آخر صلاته، والمأموم أولها.

стр. 235

واحتج: بأن اتباع الإمام لا يقلب الأركان، فيجعل المقدم مؤخرًا، والمؤخر مقدمًا؛ بدلالة الركوع والسجود. والجواب: أن من أدرك الإمام في الركعة الثالثة من المغرب، فإنه يأتي عقيبها بقعدة، وتأتي مثل عقيب كل ركعة بقعدة، فصار تاركًا للترتيب لأجل متابعته، وكذلك المسافر يدخل مع المقيم؛ فإن قعدته الأولى كانت فريضة، وبمتابعته الإمام ينقلب إلى آخر صلاته، وتكون الأوّلة سنة عندهم. واحتج: بأن الشيء يكون أولًا ثم آخرًا، ولا يجوز آخرًا ثم أولًا. والجواب: أن الذي يفعله المؤتم أولُ صلاته من جهة الفعل، وآخرُها من جهة الحكم، والامتناع الذي ذكروه إنما يكون في الفعل من جهة المشاهدة، ونحن نمنع من ذلك، فأما من جهة الحكم، فغير ممتنع؛ ألا ترى أنه إذا أدرك الإمام في التشهد الأخير، فإنه يجلس معه، وإن كان هذا مما يؤتى به في آخر صلاته، وقد أتى به في أولها. واحتج: بأنه لو كان هذا الذي يقضيه أول صلاته، لم يسلِّم فيها. والجواب: أن السلام يختص بحال الفراغ والخروج من الصلاة، وهذا يحصل بهذه الركعة، فلهذا سلم عقيبها. * * * ١٩ - مَسْألَة: إذا أدرك الإمامَ في التشهد الأخير، فكبر وجلس معه، ثم سلَّم الإمام، فإن المأموم ينهض بتكبير:

стр. 236

نص عليه في رواية حرب (١)، والأثرم (٢)، وأحمد بن أبي عبدة (٣)، وهو قول الحسن (٤)، وإسحاق بن راهويه (٥)؛ خلافًا للشافعي ﵀ في قوله: ينهض بغير تكبير (٦). دليلنا: أنه نهوض إلى ركن يُعتد به، فكان التكبير فيه مشروعًا. دليله: لو أدركه في التشهد الأول، ثم نهض مع الإمام إلى الثالثة،

стр. 237

فإنه ينهض بتكبير بلا خلاف، كذلك ها هنا. فإن قيل: إنما كبر هناك؛ لأنه مع إمامه، فلهذا قام بتكبير متبعًا له، ليس كذلك (١)؛ لأنه قد فارق إمامه. قيل: لا يمتنع أن يفارقه، ويأتي بما كان يأتي به معه؛ كالاستفتاح، والاستعاذة، والقراءة، والتسبيح. واحتج المخالف: بأن هذا ليس بقيام إلى ركعة، وإنما هو قيام إلى قراءة بعد تكبيرة (٢) الإحرام، وليس هذا موضع تكبير. والجواب: أنه إذا أدركه في التشهد الأول، ثم نهض قائمًا، فإنما نهض إلى قراءة بعد تكبيرة الإحرام، ومع هذا يكبر، وكذلك الإمام والمنفرد إذا قاما إلى الثالثة، فإنه قيام إلى قراءة، ومع هذا يكبر. فإن قيل: هناك قيام إلى ركعة، وموضعه التكبير. قيل له: وكذلك قيام المسبوق هو قيام إلى الركعة الأوّلة في حقه، فلا فرق بينهما. فإن قيل: أليس لو أدرك الإمام وقد سجد، فإنه ينحط ساجدًا بغير تكبير؟ كذلك ها هنا. قيل له: إنما لم يكبر؛ لأنه ينحط إلى ركن لا يعتد به، ولا هو متابع فيه لإمامه، فإذا نهض قائمًا من التشهد الأخير، فإنه نهوض إلى ركن معتد

стр. 238

به، فهو كما لو نهض إلى الثالثة والرابعة، والله أعلم. * * * ٢٠ - مَسْألَة: إذا صلَّى وحدَه، أو في جماعة، ثم أدركها في جماعة، استحب له إعادتُها، إلا المغربَ، فإن دخل معه، أتمها: نص على هذا في رواية أبي طالب، فقال: يصلي الرجل الصلوات كلها إلا المغرب (١)، وهو قول مالك ﵀ (٢). وروى عنه الأثرم: إذا صلى في جماعة، ثم دخل يصلي معهم، قيل: والمغرب؟ قال: والمغرب أيضًا، إلا أنه يشفع معها ركعة (٣)، وظاهر هذا: أنه يكره فعلها، وأنه يعيدها، ولو كان قد صلى في جماعة، وهو قول أبي يوسف (٤). وقال أبو حنيفة: يصليها إلا الفجر والعصر والمغرب (٥).

стр. 239

وقال الشافعي ﵀: يصلي كلها حتى المغرب، ولا يشفع معها ركعة (١). فالدلالة على أبي حنيفة ﵀: ما روى أبو بكر بإسناده عن ابن يزيد بن الأسود (٢) عن أبيه ﵁: أن النبي ﷺ صلى بنا الفجر، فانحرف فرأى رجلين في أُخْريات الناس جالسين، قال: فدعاهما، فجيء بهما ترعُدُ فرائِصُهما (٣)، فقال: "ما منعكما من الصلاة معنا؟ "، قالا: صلينا في رحالنا، ثم أتيناك، قال: "فإذا صليتم، ثم جئتم والناسُ في الصلاة، فصلوا معهم، واجعلوها سُبْحَة" (٤). وروى أحمد ﵀ بلفظ آخر: أن النبي ﷺ صلى الفجر، فرأى رجلين في آخر القوم، فقال: "ما منعكما أن تصليا؟ "، قالا:

стр. 240

يا رسول الله! صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، إذا أُقيمت الصلاة وأنتما في المسجد، فصلِّيا فإنها لكما نافلة" (١)، وهذا في صلاة الفجر، وقوله ﵇: "إذا أقيمت الصلاة وأنتما في المسجد، فصلِّيا" عام في سائر الصلوات إلا ما خصه الدليل. وروى أحمد ﵀، وذكره أبو بكر بإسناده عن بسر بن محجن (٢) عن أبيه ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وقد أقيمت الصلاة، فجلست، فلما صلى، قال: "ألست مسلمًا؟ "، قلت: بلى، قال: "فما يمنعك أن تصلي مع الناس؟ "، قال: قلت: قد صليت في أهلي، قال: "فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت في أهلك" (٣). وهذا عام أيضًا في الفجر، والعصر، وغيرهما. والقياس: أنها صلاة شفع، فاستحب له (٤) فعلُها في جماعة، دليله: الظهر والعشاء، ولا يلزم عليه الوتر والمغرب؛ لأنهما وتر. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا صلاة بعد

стр. 241

العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس" (١). والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا من النوافل التي لا سبب لها. واحتج: بما روى أبو بكر بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "من صلَّى وحدَه، ثم أدرك الجماعة، فليصلِّ، إلا الفجرَ والمغربَ" (٢). والجواب: أنا نحمل قوله ﵇: "إلا" بمعنى الواو (٣)، وتقديره: والفجر والمغرب، كما قال (٤):

стр. 242

وكُلُّ أَخٍ مفارِقُهُ أخوه … لَعَمْرُ أَبيكَ (١) إلَّا الفرقدانِ (٢) واحتج: بأنها صلاة نافلة، فكُره فعلُها بعد العصر وبعد الفجر، دليله: سائر النوافل التي لا سبب لها، وتبين صحة هذا: أن ماله سبب لا يجوز فعلُه في هذه الأوقات؛ بدليل سجود التلاوة، وتحية المسجد، وصلاة الخسوف، ونحو ذلك، وليس في هذه الصلاة أكثرُ من أن لها سببًا، فيجب أن لا يجوز. والجواب: أن هذا قياس المنصوص على المنصوص عليه، وذلك لا يجوز؛ لأنه يفضي إلى إسقاط أحدهما، وذلك أن سائر النوافل منهي عنها بقوله ﷺ : "لا صلاة بعد العصر … وبعد الفجر … " (٣)، وفي مسألتنا الخبرُ الذي ذكرنا يقتضي جوازها، فحملُه على ذلك يُسقط أحدَهما؛ ولأن هذه الصلاة آكدُ من غيرها من النوافل، ألا ترى أنه يستحب فيها

стр. 243

الجماعة، وغيرها من النوافل التي لها سبب لم يشرع فيها ذلك، فكانت هذه كالفرض. واحتج: بأنه لو كان في غير مسجد الجماعة، وأقيمت الصلاة، لم يستحب له الدخولُ وفعلُ الفجر والعصر، كذلك إذا كان في مسجد الجماعة، وأقيمت الصلاة يجب أن يكره له فعلُها. والجواب: أن المذهب على هذا، وأنه يكره دخول في هاتين الصلاتين، وقد نص عليه أحمد ﵀ في رواية الأثرم (١)، إلا أنه إذا دخل، وحضرت الجماعة، فإنه يصليها، وكأن المعنى في ذلك: أن النبي ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة وأنتما في المسجد، فصل يا" (٢)، فأمر بذلك لمن كان حاضرًا؛ ولأنه إذا كان حاضرًا، ولم يصل، كان مستخفًا بحرمتها؛ ولأنه يلحقه تهمة في أنه لا يرى (٣) فعل الجماعة، وهذا معدوم إذا لم يكن حاضرًا. * فصل: والدلالة على الشافعي ﵀، وأن المغرب لا تعاد: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن سليمان (٤) مولى ميمونة قال: أتيت على ابن

стр. 244

عمر والناس يصلون، فقلت: ألا تصلي؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاةَ في يوم مرتين" (١)، وهذا عام في سائر الصلوات إلا ما خصه الدليل. وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "من صلى وحده، ثم أدرك الجماعة، فليصلِّ، إلا الفجرَ والمغربَ" (٢)، ولو خُلِّينا والظاهر، لم يعد الفجر، لكن قام هناك الدليل، وهو الحديث الذي تقدم (٣) في صلاة الفجر، وأنه أمر الرجلين أن يعيدا صلاة الفجر. ولأنه إذا دخل في صلاة الإمام، لزمه ما أوجبته تحريمة الإمام، وتحريمةُ الإمام أوجبت ثلاث ركعات، ولا يجوز التنفل بثلاث ركعات، فوجب أن يكره. ولأنه يحتاج أن يقعد في الثالثة فيها، وهي له نافلة، وقد دل على أنه

стр. 245

لا يجوز التنفل بثلاث: ما رُوي عن النبي ﷺ قال: "صلاة الليل والنهار مَثْنى مثنى" (١)، فالظاهر يمنع الزيادةَ على ذلك. فإن قيل: ليس يمتنع مثلُ هذا، ألا ترى أن أحمد ﵀ قد قال في رواية المروذي: في الرجل يصلي مع الإمام في شهر رمضان، ويريد أن يقوم من آخر الليل، والإمام يوتر بثلاث بسلام واحد؟ فقال: إذا سلم الإمام، يقوم يشفع بركعة، فيكون قد صلى أربع ركعات، فقيل له: أليس قد قال النبي ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى"، قال: هذه العلة (٢)، فقد أجاز مخالفة ما أوجبته تحريمة الإمام من الثلاث، فأجاز له الجلوس عقيب الثالثة.

стр. 246

قيل له: هذا محمول على رواية الأثرم، وأنه يتبعه في المغرب، ويشفع إليها (١)؛ ولأنها صلاة نافلة، فلم يجز فعلُها ثلاث ركعات. دليله: السنن الراتبة مع الفرائض، وصلاة الخوف، والاستسقاء، والعيدين، ولا يلزم عليه المغرب؛ لأنها فرض، ولا الوتر؛ لأنها واحدة. واحتج المخالف: بما روى المغيرة بن شعبة ﵁. أن النبي ﷺ "صلّى بالقوم ثلاث ركعات، ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبي ﷺ ست ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث" (٢). والجواب: أنه يحتمل هذا أن يكون هذا في الوقت الذي كان يعاد الفرض مرتين. واحتج: بأنه أدرك الناس في جماعة، وهو من أهل الصلاة، فاستحب أن يصلي معهم، دليله: الظهر، والعشاء الآخرة. والجواب: أن المعنى في تلك: أنه يجوز التنفل بمثلها، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه لا يجوز التنفل بمثلها، فلا يستحب إعادتها؛ كالخسوف.

стр. 247

* فصل: وتكون الثانية نافلة، نص عليه في رواية الأثرم (١)، وأبي داود (٢)، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٣). وقال مالك (٤)، والشافعي - رحمهما الله - في أحد القولين (٥): أحدهما: فريضة لا بعينها. دليلنا: ما تقدم (٦) من قوله ﷺ : "صلِّيا معهم، واجعلوها سُبْحَة"، وهذا نص؛ ولأن إعادة هذه الصلاة في الجماعة غيرُ واجب عليه، فيجب أن لا يغير فرضه السابق، ولا يوجب كونه مراعًى؛ كما لو أعادها منفردًا، ولا يشبه هذا إذا صلى المريض الظهر، ثم حضر الجمعة، وصلاها الثانية فرضه؛ لأنه بالحضور قد لزمه فعلُها، وليس كذلك هذه الثانية؛ لأنه لا يلزمه فعلُها، والله أعلم. * * *

стр. 248

٢١ - مَسْألَة: إذا صلَّت امرأة في صف الرجال، لم تفسُدْ صلاةُ من يليها: هكذا ذكره شيخنا (١)، وأبو بكر الخلال (٢)، وقد توقف أحمد ﵀ عن الجواب في ذلك، فقال صالح: سألت أبي: إذا صلت المرأة معهم في الصف، هل تفسد صلاتهم؟ فقال: دعها (٣)، ولم يجب. وبهذا قال مالك (٤)، والشافعي (٥) - رحمهما الله -. وذكر أبو بكر بن جعفر في كتاب الخلاف: تبطل صلاة من يليها (٦). وقال أبو حنيفة ﵀: تبطل صلاة مَنْ عن يمينها، وعن

стр. 249

يسارها، ومن خلفها بحذاها (١). وقال داود: تبطل صلاتها، ولا [تبطل] (٢) صلاة الرجل (٣). دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا يقطع الصلاةَ شيء، وادرؤوا ما استطعتم" (٤). وهذا عام في المجتاز بين يديه وفي غيره، إلا ما خصه الدليل. وروت عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي صلاته من الليل، وأنا معترضَةٌ بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة (٥). فإن قيل: عائشة ﵂ لم تكن في صلاة بين يديه،

стр. 250

وإنما تبطل صلاته إذا كان مشاركًا له في الصلاة (١). قيل له: [كونها] (٢) في صلاة أحسنُ حالًا من كونها بين يديه في غير صلاة، ثم لم تبطل صلاته بذلك، فأولى أن لا تبطل إذا كانت في صلاة. والقياس: أنه شخص لو وقف إلى جانبه في صلاة الجنازة، صحت صلاته، فإذا وقف في سائر الصلوات، يجب أن يصح؛ قياسًا على العبيد والصبيان؛ ولأنها (٣) صلاة لو وقف فيها قُدّام النساء، صحت، فإذا وقف فيها معهن، يجب أن تصح؛ قياسًا على صلاة الجنازة. فإن قيل: المرأة لم تجعل لها مقامًا؛ لأنها منهية عن حضور الجنازة مع الرجال، بدلالة: ما رُوي عن النبي ﷺ : أنه رأى نسوة في الجنازة، فقال: "أتحملْنَ فيمن نحمل؟ "، فقلن: لا، فقال: "أتدلين فيمن يدلي (٤)؟ "، فقلن: لا. فقال: "ارجعن مأزوراتٍ غيرَ مأجورات" (٥)، فنهاهن عن
следующие страницы →