← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قيل له: هذا محمول على رواية الأثرم، وأنه يتبعه في المغرب، ويشفع إليها (١)؛ ولأنها صلاة نافلة، فلم يجز فعلُها ثلاث ركعات. دليله: السنن الراتبة مع الفرائض، وصلاة الخوف، والاستسقاء، والعيدين، ولا يلزم عليه المغرب؛ لأنها فرض، ولا الوتر؛ لأنها واحدة. واحتج المخالف: بما روى المغيرة بن شعبة ﵁. أن النبي ﷺ "صلّى بالقوم ثلاث ركعات، ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبي ﷺ ست ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث" (٢). والجواب: أنه يحتمل هذا أن يكون هذا في الوقت الذي كان يعاد الفرض مرتين. واحتج: بأنه أدرك الناس في جماعة، وهو من أهل الصلاة، فاستحب أن يصلي معهم، دليله: الظهر، والعشاء الآخرة. والجواب: أن المعنى في تلك: أنه يجوز التنفل بمثلها، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه لا يجوز التنفل بمثلها، فلا يستحب إعادتها؛ كالخسوف.

стр. 247

* فصل: وتكون الثانية نافلة، نص عليه في رواية الأثرم (١)، وأبي داود (٢)، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٣). وقال مالك (٤)، والشافعي - رحمهما الله - في أحد القولين (٥): أحدهما: فريضة لا بعينها. دليلنا: ما تقدم (٦) من قوله ﷺ : "صلِّيا معهم، واجعلوها سُبْحَة"، وهذا نص؛ ولأن إعادة هذه الصلاة في الجماعة غيرُ واجب عليه، فيجب أن لا يغير فرضه السابق، ولا يوجب كونه مراعًى؛ كما لو أعادها منفردًا، ولا يشبه هذا إذا صلى المريض الظهر، ثم حضر الجمعة، وصلاها الثانية فرضه؛ لأنه بالحضور قد لزمه فعلُها، وليس كذلك هذه الثانية؛ لأنه لا يلزمه فعلُها، والله أعلم. * * *

стр. 248

٢١ - مَسْألَة: إذا صلَّت امرأة في صف الرجال، لم تفسُدْ صلاةُ من يليها: هكذا ذكره شيخنا (١)، وأبو بكر الخلال (٢)، وقد توقف أحمد ﵀ عن الجواب في ذلك، فقال صالح: سألت أبي: إذا صلت المرأة معهم في الصف، هل تفسد صلاتهم؟ فقال: دعها (٣)، ولم يجب. وبهذا قال مالك (٤)، والشافعي (٥) - رحمهما الله -. وذكر أبو بكر بن جعفر في كتاب الخلاف: تبطل صلاة من يليها (٦). وقال أبو حنيفة ﵀: تبطل صلاة مَنْ عن يمينها، وعن

стр. 249

يسارها، ومن خلفها بحذاها (١). وقال داود: تبطل صلاتها، ولا [تبطل] (٢) صلاة الرجل (٣). دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا يقطع الصلاةَ شيء، وادرؤوا ما استطعتم" (٤). وهذا عام في المجتاز بين يديه وفي غيره، إلا ما خصه الدليل. وروت عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي صلاته من الليل، وأنا معترضَةٌ بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة (٥). فإن قيل: عائشة ﵂ لم تكن في صلاة بين يديه،

стр. 250

وإنما تبطل صلاته إذا كان مشاركًا له في الصلاة (١). قيل له: [كونها] (٢) في صلاة أحسنُ حالًا من كونها بين يديه في غير صلاة، ثم لم تبطل صلاته بذلك، فأولى أن لا تبطل إذا كانت في صلاة. والقياس: أنه شخص لو وقف إلى جانبه في صلاة الجنازة، صحت صلاته، فإذا وقف في سائر الصلوات، يجب أن يصح؛ قياسًا على العبيد والصبيان؛ ولأنها (٣) صلاة لو وقف فيها قُدّام النساء، صحت، فإذا وقف فيها معهن، يجب أن تصح؛ قياسًا على صلاة الجنازة. فإن قيل: المرأة لم تجعل لها مقامًا؛ لأنها منهية عن حضور الجنازة مع الرجال، بدلالة: ما رُوي عن النبي ﷺ : أنه رأى نسوة في الجنازة، فقال: "أتحملْنَ فيمن نحمل؟ "، فقلن: لا، فقال: "أتدلين فيمن يدلي (٤)؟ "، فقلن: لا. فقال: "ارجعن مأزوراتٍ غيرَ مأجورات" (٥)، فنهاهن عن

стр. 251

حضور الجنازة مع الرجال، فدل على أنه ليس لهن مقام في هذه الصلاة، وإذا لم يكن لهن مقام، لم يؤخذ علينا فيها الترتيب في المقام، وليس كذلك سائر الصلوات ليس لهن مقامٌ فيها، فكان الترتيب في المقام مأخوذًا (١) علينا، فكان حكمُ الرجال معهن حكمَ المأمومين في سائر الصلوات مع الرجال إذا تركوا الترتيب في المقام، ووقفوا قُدّام الإمام، فسدت صلاتهم، كذلك ها هنا، ويفارق العبيد والصبيان؛ لأنه لم يُنْه عن المقام إلى جنبهم. قيل له: النساء منهياتٌ عن حضور سائر الصفوف؛ كما نهين عن حضور صلاة الجنازة، فإذا حضرن وصلين، كان موقفهن خلف الرجال، فلا فرق بين صلاة الجنازة وبين سائر الصلوات، وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية حرب، وقد سأله عن النساء يخرجن في العيدين، فقال: لا يعجبني في زماننا هذا؛ لأنهن فتنة (٢)، وقد وردت السنة بذلك، فحدثنا أبو بكر بن جعفر الحنبلي المؤدب (٣) بإسناده عن محمد بن عبد الله بن قيس (٤): أن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ ، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: إن نساءنا يستأذِنَّنا في المسجد؟ فقال: "احبسوهن"،

стр. 252

ثم إنهن عدن إلى أزواجهن، فعاد أزواجهن إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! قد استأذنَّنا حتى إننا لَنُحرج. قال: "فإن أرسلتموهن، فأرسلوهن تَفِلاتٍ" (١). وبإسناده عن عمر بن عبد الله القيسي (٢): أن امرأة (٣) قالت: يا رسول الله! نحب الصلاة معك، فيمنعنا أزواجُنا، فقال رسول الله ﷺ : "صلاتكن في بيوتكن أفضلُ من صلاتكن في حُجَركن، وصلاتكن في حجركن أفضل من صلاتكن في دوركن، وصلاتكن في دوركن أفضل من صلاتكن في مسجد القرية، وصلاتكن في مسجد القرية أفضلُ من صلاتكن في مسجد الجماعة" (٤). وبإسناده عن أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "خير

стр. 253

مساجد النساء قعرُ بيوتهن" (١). وإذا ثبت بهذه الأخبار أنهن منهياتٌ عن حضور سائر الصلوات، لم يصح الفرق بينها وبين صلاة الجنازة. وقولهم: إن الصبي والعبد غير منهي عن الصلاة إلى جنبه، وهو منهي عن الصلاة إلى جنبها، فيأتي الكلام عليه، وأيضًا: فإن الرجل والمرأة في خطأ الموقف سواء؛ لأن الرجل كما نُهي عن القيام إلى جنب المرأة، نُهيت المرأة عن القيام بجنب الرجل، فلما لم تبطل صلاتها، وجب أن لا تبطل صلاته. فإن قيل: الرجل مخصوص بالنهي؛ بدليل: أنه واجه الرجال بالخطاب دون النساء، بدليل قوله ﷺ : "أَخِّروهنَّ من حيث أَخَّرَهنَّ الله" (٢)، وإذا كان الرجل مخصوصًا بالنهي، لم يصح قولك: إنهما في الموقف سواء. قيل له: لا يجوز أن يأمرهم بتأخيرهن، ولا يجب عليهن التأخر، وإنما واجه الرجالَ بالخطاب دون النساء؛ لأن الأحسن في الخطاب

стр. 254

مواجهةُ الرجال به؛ ولأنهم أقوى من النساء، وأقدرُ على الدفع، فأُمروا بدفعهن وتأخيرهن. فإن قيل: فالمرأة إنما نُهيت عن القيام إلى جانب الرجال لأجل صلاة الرجل، والرجل نُهي عن القيام إلى جانبها لأجل صلاة نفسه، فتبطل صلاته، ولا تبطل صلاتها، كما قلنا في الإمام والمأموم: إن الإمام منهي عن القيام خلف المأمومين لأجل صلاتهم، والمأمومون منهيون عن القيام قُدّام الإمام لأجل صلاتهم، فبطلت صلاتهم، ولم تبطل صلاة الإمام كذلك ها هنا. فإن قيل: لا نسلم لك أنها نهيت عن القيام إلى جانب الرجل لأجل صلاة الرجل، بل نُهي كل واحد منهما لأجل صلاة نفسه، لا لأجل صلاة غيره، وأما صلاة المأموم قُدّام الإمام، فيأتي الكلام عليه. فإن قيل: الرجل أغلظ حالًا من المرأة؛ لأنه منع من الوقوف خلف المرأة وعن يمينها وشمالها، والمرأة لم تُنه عن الوقوف خلف الرجل. قيل: قد نهيت عن الوقوف قُدّام الرجل، ولم يُنه الرجل عن الوقوف قدام المرأة، فاستويا. وأيضًا: كل معنى اشترك الرجل والمرأة في المنع منه، ولم تبطل صلاة المرأة، لم تبطل صلاة الرجل، دليله: الالتفات، ورفع الرأس من السجود قبل الإمام، والتشبيك بين الأصابع، والفرقعة، وفعل الصلاة مع المدافعة للأخبثين، وما أشبه ذلك.

стр. 255

وفيه احتراز من اقتداء الرجل بالمرأة في الصلاة، فإنه لا تبطل صلاة المرأة، وتبطل صلاة الرجل؛ لأنهما لم يشتركا في النهي عن ذلك؛ فإن المرأة يجوز لها أن تأتم بالمرأة، ولا يجوز للرجل أن يأتم بالمرأة، وكل من لا يُبطل صلاةَ الرجل إذا كان خلفه، لا يُبطل صلاته إذا صافَّه؛ كالصبي. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ قال: "أخروهن من حيث أخرهن الله" (١)، فأمر بتأخيرهن، وذلك يقتضي النهي عن القيام إلى جانبهن، والنهي يدل على الفساد، وإن شئت قلت: أمر بتأخيرهن، فصار تأخيرهن فرضًا، فإذا تركن فرضًا مأمورًا به في الصلاة، فسدت صلاته. والجواب: أن المرأة يجب عليها أن تتأخر بهذا الأمر؛ لأنه أن يكون الرجل مأمورًا بتأخيرهن، ولا يكون النساء مأمورات؛ ولأن النبي ﷺ قال: "أخروهن من حيث أخرهن الله"، وهذا يدل على أنهن مأمورات بالتأخير، فإذا لم تبطل صلاة المرأة، لم تبطل صلاة الرجل، وهذا موجود في صلاة المرأة. واحتج: بقوله ﷺ : "شرُّ صفوف النساء أولُها، وخيرها آخرُها" (٢)، وإذا كان تقدمها على الرجل في الصف شرًا، وجب تأخرها. والجواب عنه: ما تقدم.

стр. 256

واحتج: بما رُوي: أن النبي ﷺ [صلى] (١) في بيت أم سليم، فأقام أنسًا واليتيم وراءه، وأقام أمَّ سليم خلفهما (٢)، فلو كان لها مقام، لأقام (٣) أمَّ سليم في صف الرجال، مع نهيه عن صلاة المنفرد خلف الصف، وإذا ثبت أنه ليس لها مقام في صف الرجال، وجب عليها تأخيرها (٤). والجواب عنه: ما تقدم. واحتج: بما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "يقطع صلاةَ الرجل: المرأةُ، والحمارُ، والكلبُ الأسود" (٥)، وليس ها هنا موضعٌ تقطع المرأة صلاة الرجل إلا هذا الموضع، فوجب أن يستعمل الخبر فيه. والجواب: أن المراد به: إذا مرت بين يدي المصلي، وهو منسوخ؛ بدليل ما ذكرنا. واحتج: بأن كل شخصين كانا مشتركين في صلاة جُعل لهما فيها مقام، وقام أحدهما مقامًا لا يجوز أن يقومه بحال، مع اختصاصه بالنهي

стр. 257

لأجل صلاته، فسدت صلاته، دليله: إذا قام المأموم قُدّام الإمام، ولا يلزم عليه إذا قام إلى جانبها في صلاة الجنازة؛ لقولنا: في صلاة جُعل لهما فيها مقام، ولم يجعل للمرأة في صلاة الجنازة مقام أصلًا، ولا يلزم عليه الإمام إذا قام خلف المأمومين أن صلاته لا تفسد؛ لقولنا: مع اختصاصه بالنهي لأجل صلاته، والإمام لم يُنه عن القيام (١) خلف المأمومين لأجل صلاته، وإنما نُهي عنه لأجل غيره، وهو أن ذلك يفسد صلاة المأمومين، ألا ترى أنه قد كان جائزًا له أن يقف حيث شاء قبل دخول المأمومين في صلاته؟ فإذا لم يتعلق المنع بمعنى يرجع إلى صلاته، لم تبطل صلاته؛ كالصلاة في الدار المغصوبة. ولا يلزم عليه أيضًا المرأة أن صلاتها لا تفسد، وإن كانت منهية عن القيام إلى جانب الرجل؛ لأنها إنما نهيت عن محاذاة الرجل لأجل صلاته، ألا ترى أن لها أن تقف خلفه بحذاه، وليس له أن يقف خلفها بحذاها، فلو كانت قد نُهيت عن محاذاته لأجل صلاتها، لما جاز لها أن تقف خلفه، كما لا يجوز له أن يقف خلفها بحذاها، فإذا ثبت أنها نهيت عن ذلك لمعنى في غير صلاتها، لم تفسد صلاتها؛ كالصلاة في الدار المغصوبة. ولا يلزم عليه إذا قام عن يسار الإمام ليس ذلك يجوز أن يقوم به المأموم بحال، وهو أن القوم إذا كانوا كلهم عراة، قام الإمام في وسطهم،

стр. 258

وجعل بعضهم عن يمينه وشماله، وكذلك الفَذُّ خلف الصف يجوز أن يقومه المأموم بحال، وهو أن يدخل المسجد، فلا يجد في الصف موضعًا، فله أن يقف خلف الصف وحدَه. والجواب: أن قولك: مع اختصاصه بالنهي لأجل صلاته، غيرُ مسلَّم، بل هما في النهي سواء، وقد بينا ذلك، وإذا لم يسلم، وجب حذفه، وإذا حذفه، انتقض بصلاة المرأة، وعلى أنه منتقض بصلاة الجنازة؛ لأن موقفها فيه خلف الرجال كسائر الصلوات، ثم إذا وقفت في صفهم، لا تبطل صلاتها، والأوصاف التي ذكروها موجودة فيها، ثم المعنى في الأصل: لأنه موقف لو وقفه في صلاة الجنازة، بطلت صلاته، كذلك ها هنا؛ لأن هذا موقف لو وقفه في صلاة الجنازة، لم تبطل صلاته، فإذا وقفه في غيرها، لم تبطل؛ كما لو وقف إلى جنب صبي أو عبد. وجواب آخر: وهو أن النهي هناك لما اختص المأموم، أفسدت صلاته، وها هنا الرجل والمرأة يشتركان في النهي، فلما لم تفسد صلاة المرأة، يجب أن لا تفسد صلاة الرجل، وهكذا الجواب على أصلنا عن الفذ خلف الصف، وإذا صلى عن يسرة الإمام، وهو أن ذلك النهي لما كان مؤثرًا في الصلاة، استوى فيه صلاة الجنازة وغيرها. ولأنه لما اختص النهي المأموم، أفسد، وها هنا الرجل والمرأة يشتركان في النهي، فلما لم يُفسد صلاة المرأة، لم يُفسد صلاة الرجل، وجميع ما ذكرنا على أبي حنيفة ﵀ من الدلائل، فهو دلالة على داود من الأخبار؛ ولأن المرأة والرجل متساويان في مخالفة مسنون

стр. 259

الموقف، بل الرجل هو المخاطب بالتأخير، فإذا لم تبطل صلاته، فأولى أن لا تبطل صلاتها. فإن قيل: بل هي المنهية عن التقدم، والمأمورة بالتأخير. قيل: قد بيّنا أن كل واحد منهما مأمور بذلك، والله أعلم. * * * ٢٢ - مَسْألَة: سجود التلاوة سنة مؤكدة، وليس بواجب: نص عليه في رواية حنبل (١)، والأثرم (٢)، فقال: ما كان في الصلاة، فأحبُّ أن يسجد؛ لأنه أوكَدُ، ومن قرأ، ولم يكن في صلاة، ولم يسجد، فلا بأس. وبهذا قال الشافعي (٣)، وداود (٤) - رحمهما الله -. وقال أبو حنيفة ﵀: هو واجب (٥).

стр. 260

دليلنا: ما روى أبو داود بإسناده (١) عن عطاء بن يسار (٢)، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قرأت على رسول الله ﷺ سورة النجم، فلم يسجد فيها (٣). فلو كانت واجبة، لم يتركها النبي ﷺ ، ولم يترك أحدًا يَتْركها. فإن قيل: أراد به: لم يسجد في الحال؛ لأنه معلوم أن زيدًا لم يكن في سائر أوقاته مع النبي ﷺ حتى يعلم تركه في جميع الأوقات، وعندنا: تركه في الحال وتأخيره (٤) إلى وقت آخر. قيل له: بل طريق إلى معرفة ذلك من قول النبي ﷺ : إنني لم أسجد، أو دلالة تدل عليه من حالة تضطره إلى معرفته، فيجب حَمْله على إطلاقه، وهذا كما رُوي عن عليّ ﵁: أنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة (٥)، ونحن نعلم: أنه لم يكن معه في سائر

стр. 261

أوقاته، ولكن لما كان له طريق إلى العلم به، حملنا قوله على إطلاقه، كذلك زيدٌ له طريق إلى معرفة ذلك، فوجب حملُه على عمومه. فإن قيل: إنما قال عليٌّ ذلك؛ لأنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا يقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن" (١)، ولم يثبت عنه في ترك السجود خبر ينتظم جواز تركه في سائر الأوقات، فيجب أن يُحمل قولُ زيد على ما ذكرنا. قيل له: ذلك لا يدل على حكم النبي ﷺ ، وإنما يدل على حكم أمته، وعلى أن الخبر اقتضى أن الجنب والحائض يُمنعان من القرآن، ولم يبين حكم غيرهما، وعليّ (٢) نفى جميع الأشياء، وأثبت الجنابة، وعلى أن زيد بن ثابت أخبر عن نفسه: أنه لم يسجد، كما أخبر عن غيره، وهو

стр. 262

يعلم حال نفسه، فلو كان واجبًا، لعلمه النبي ﷺ . فإن قيل: يحتمل أن يكون قرأها عند طلوع الشمس، أو وقت الزوال، أو الغروب، فلم يسجد فيها. قيل: لو كان كذلك، لوجب أن ينقل زيد السبب الذي لأجله تركه. فإن قيل: لا يجب ذلك، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: "ولد الزنا شر الثلاثة" (١)، وهو وارد على سبب، فنقل الراوي الخبر، وسكت عن نقل السبب، وكذلك حديث أسامة ﵁: "إنما الربا في النسيئة" (٢)، "ولا ربا إلا في النسيئة" (٣)، وهذا وارد في الجنسين، فنقل الراوي الخبرَ، وترك السبب. قيل له: لا يجوز أن يترك نقل السبب؛ لأن إفراده عن سببه إسقاط لوجوبه، وقوله: "ولد الزنا شر الثلاثة" (١)، فلا نقول: إنه وارد على سبب، ولا على رجل بعينه، وإنما هو عام في الجميع، والمراد به: شر الثلاثة نسبًا، فإنه لا نسب له، وأما قوله: "إنما الربا في النسيئة" (٢)، فإنه يجوز أن يكون قد خفي عليه السؤال، ولم يسمعه؛ لأنه لا يمتنع أن

стр. 263

يسمع الجواب ولا يسمع السؤال، ويجوز أن يكون منسوخًا، ولم يكن وارد [اً] على سبب. فإن قيل: يجوز أن يكون قد خفي سببه عليه. قيل: لو كان كذلك، لسأل رسولَ الله ﷺ عنه، وأعلمه رسولُ الله ﷺ ، ولم يكن له ترك الواجب الذي زال وجوبه لعارض وسبب، ولما لم يبينه لهم، دل على إسقاط وجوبه. وأيضًا: فإنه إجماع الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -، روى ابن خزيمة محمد بن إسحاق (١)، وأبو بكر بن المنذر (٢): أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة على المنبر، حتى إذا جاء السجدة، قال: أيها الناس! إنما نمر بالسجود، فمن سجد، فقد أجاد وأحسن، ومن لم يسجد، فلا إثم عليه (٣).

стр. 264

فوجه الدلالة: أنه قال هذا في يوم الجمعة في وقت الخطبة بمحضر من المهاجرين والأنصار، ولم ينكر عليه أحد، ولا خالفه مخالف، فصار ذلك إجماعًا منهم. وروى أبو بكر الأثرم بإسناده عن هشام بن عروة (١) عن أبيه (٢): أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ السجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد، وسجدوا معه، ثم قرأها من الجمعة الأخرى، فتهيؤوا للسجود، فقال: على رِسْلِكم، إن الله تعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، فقرأها ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا (٣). فإن قيل: يحتمل أن تكون التلاوة منه كانت وقت الزوال. قيل له: فإن ذلك كان في خطبة الجمعة، وخطبة الجمعة لا تُفعل وقت الزوال. والقياس: أن السجود ركن في الصلاة، فوجب أن لا يجب منفردًا، أصله: القعود للتشهد الثاني. فإن قيل: فيجب أن لا يستحب منفردًا؛ كالقعود للتشهد.

стр. 265

قيل له: لا يمتنع أن يُستحب منفردًا، ولا يجب كالقراءة؛ ولأن ما شُرع فعلُه لوجود التلاوة، لم يكن واجبًا؛ قياسًا على سؤال الرحمة إذا قرأ آية الرحمة، والاستعاذة من النار إذا قرأ آية عذاب، فإن ذلك مستحب للتلاوة، وقد رُوي ذلك في حديث (١)؛ ولأنها تلاوة، فلم يجب فيها سجود، دليله: إذا تكررت في مجلس، والسجدة الثانية من الحج. فإن قيل: السجدة الثانية ليست من مواضع السجود. قيل له: عندنا أنها من مواضع السجود. فإن قيل: تكرار الزنا لا يوجب تكرار الحد، ولم يمنع ذلك وجوبه في الابتداء، وكذلك الشرب، وكذلك تكرار السهو في الصلاة لا يوجب تكرار سجود السهو، ولم يمنع ذلك وجوبه لأجل السهو، وكذلك تكرار الحدث لا يوجب تكرار الطهارة، ولم يمنع ذلك وجوب الطهارة بالحدث. قيل له: هذا ما يشبهه ما ذكرنا؛ لأنه لو قرأ وسجد، ثم كرر قراءتها في ذلك المجلس، لم يسجد، ومثله لو زنا فَحُدَّ، ثم زنا في ذلك المجلس حُدَّ، وكذلك الحدث؛ ولأنه لو قرأها في مجلس ولم يسجد، وقرأ في مجلس آخر، وجب عليه القضاء، ولو زنا ولم يُحد، وزنا في وقت آخر، فحَدٌّ واحد، فعلم أن السجود لا يشبه الحدَث، ولا الحدَّ، وأما سجود السهو، فلا يُفعل عقيب سببه، وإنما يؤخر إلى آخر الصلاة ليكون جبرانًا

стр. 266

لما يحصل من السهو، فلهذا لم يكن تداخُله دلالة على نفي الوجوب، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يفعل عقيب سببه، فلو كان واجبًا، لم يتداخل بتكراره؛ كالسجود في الصلاة المفروضة. وأيضًا: فإن هذا سجود يجوز فعلُه على الراحلة من غير خوف ولا شرط، فلم يكن واجبًا، دليله: سجود النافلة، وقد ثبت عندهم: أنه لو قرأ على الراحلة السجدة، جاز أن يسجد عليها، ولا يلزم عليه إذا نذر أن يصلي ركعتين على الراحلة أنه يجزئه، ومع هذا فهي واجبة؛ لأنها إنما جاز ذلك بالشرط، ألا ترى أنه لو نذر أن يصلي ركعتين مطلقًا، لم يجز أن يصلي على الراحلة، وفي مسألتنا القراءةُ على الراحلة ليس فيها شرط، فلو كانت واجبة، لم يجز فعلُها على الراحلة. فإن قيل: إذا تلاها راكبًا، فقد أوجب السجدة على تلك الصفة، ألا ترى أنه لو تلاها على الأرض، لم يجز له أن يؤديها راكبًا؟ قيل له: هذا باطل به لو زالت الشمس وهو على الراحلة، فإن سبب الوجوب قد وجد وهو على الراحلة، ولا يجوز فعلُ الصلاة عليها. وأيضًا: فإنها لو كانت واجبة، لوجب إذا تلاها في الصلاة، ثم لم يفعلها فيها حتى خرج منها أن لا تسقط، فلما اتفقنا أنه لا يجب عليه فعلها بعد خروجه منها، دل على أنها لم تجب. فإن قيل: إذا تليت في الصلاة، صارت من سننها، وسنن الصلاة لا تقضى خارج الصلاة.

стр. 267

قيل له: لا نسلم لك أنها تصير من سنن الصلاة. فإن قيل: لو لم تصر من سننها، ما جاز فعلُها فيها. قيل: إنما جاز فعلُها في الصلاة (١)؛ لأن سببها عرض في الصلاة. فإن قيل: سقوطها في الثاني لا يدل على أنها لم تجب عليه، كما أن سقوط فرض الجمعة بخروج الوقت لا يدل على نفي وجوبها في وقتها. قيل له: إنما سقطت الجمعة؛ لأن الوقت شرط في صحتها، وليس كذلك السجدة؛ لأن الصلاة ليست شرطًا (٢) في صحتها؛ لأنها تفعل خارج الصلاة عند التلاوة كما تفعل في الصلاة، فلو كانت واجبة، لوجب قضاؤها خارج الصلاة. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]، فذمَّهم على ترك السجود، والذمُّ لا يستحق إلا بترك الواجب. والجواب: أن الله ذم الكفار في هذه الآية على تركهم الإيمان، وتركهم لسجود القرآن تكذيبًا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٢، ٢٣] يعني: بما يجمعون في صدورهم من الكفر والشرك (٣)، وإذا ترك سجود القرآن على هذا

стр. 268

الوجه، فهو مذموم يستحق الوعيد. فإن قيل: الكافر لا يستحق الذم على ترك ما ليس بواجب، فلما ذمهم على ترك السجود عند تلاوته، دل على وجوبه. قيل له: إنما ذمهم على تركه على الوجه الذي ذكرنا، وهو تركهم له تكذيبًا وكفرًا، وذلك يستحق به الذم، وقد قيل: لما أضاف ذلك إلى جميع القرآن، دل على أن المراد به ما ذكرنا. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: ١٥]، فجعله من شرائط الإيمان، فدل على وجوبه. والجواب: أنه من شرائط الإيمان في حق من تركه مستكبرًا جاحدًا، وهكذا نقول. واحتج بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، ثم قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]، والظاهر: أن هذا راجع إلى ما تقدم ذكرُه من السجود، فدل على وجوبه؛ لاستحقاق الذم بتركه. والجواب: أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩] يعني: كذبوا بها، هكذا ذكره المفسرون (١)، وأنهم اليهود، وإذا تركوا

стр. 269

ذلك على وجه التكذيب، استحقوا الذم، مع أنه قرن السجود بالبكاء، والبكاء غير واجب، كذلك السجود. واحتج بقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، وهذا أمر. والجواب: أنا نحمله على الندب؛ بدليل: ما ذكرنا. واحتج: بما روى أبو داود بإسناده (١) عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قرأ سورة النجم، فسجد فيها، وما بقي أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كفًا من حصى أو تراب، فرفعه إلى وجهه، وقال: يكفيني هذا، قال عبد الله: فلقد رأيته بعد هذا قُتل كافرًا (٢)، وهذا على وجه الذم له عند ترك السجود، والذم لا يستحق إلا بترك الواجب. والجواب: أنه يحتمل أن يكون ترك السجود مستكبرًا أو جاحدًا، فلهذا ذمه، ولهذا روي: أنه قُتل كافرًا. واحتج: بأنه يجوز فعلُها في الصلاة في حق تاليها، ولو كانت نفلًا، لم يجز فعلها، ولما جاز فعلُه فيها، دل على وجوبه، دليله: سجدات الصلاة، ولا يلزم عليه سجود السهو؛ لأنه واجب عندنا. والجواب: أنه إنما جاز في الصلاة لا لوجوبه، لكن لوجود سببه في الصلاة، ألا ترى لو قرأ آية السجدة خارج الصلاة، لم يجز له أن يسجد

стр. 270

في الصلاة، وإن كانت السجدة عندهم؛ لأن سببها لم يوجد في الصلاة. فإن قيل: هذا يبطل بسجود الشكر إذا وجد سببه في الصلاة، وهو إذا بُشِّر في صلاته بنعمة من الله ظاهرة تجددت، فإنه لا يجوز أن يسجد في صلاته، وإن كان سببه وجد في الصلاة. قيل: سبب سجود الشكر تجدد النعمة، وذلك ليس بعارض في الصلاة، وإنما العارض أن يكون سببه من أفعال الصلاة، والله أعلم. * * * ٢٣ - مَسْألَة: في الحج سجدتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ١٨]، والثانية: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]: نص على ذلك في رواية الأثرم (١)، وهو قول الشافعي ﵀ (٢). وقال مالك (٣)، وأبو حنيفة (٤) - رحمهما الله -: فيها سجدة

стр. 271

واحدة، وهي الأولى. دليلنا: ما روى أحمد ﵀ (١)، وذكره عبد الله في مسائله (٢) قال: نا عبد الله بن يزيد (٣) قال: حدثنا ابن لهيعة (٤) عن مِشْرح (٥) بن هاعان (٦)، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أفضلت سورة الحج على القرآن بأن جُعل فيها سجدتان؟ قال: "نعم، ومن لم يسجدهما، فلا يقرأهما" (٧).

стр. 272

وروى أبو داود بإسناده (١) عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أفي سورة الحج سجدتان؟ فقال: "نعم، ومن لم يسجدْهما، فلا يقرأهما" (٢). فإن قيل: ظاهر الخبر يقتضي الوجوب، وقد اتفقنا على نفي وجوبها، والخبر إذا اقتضى وجوب شيء، وقامت الدلالة على نفي الوجوب، سقط التعلق بظاهره، ولم يجز الاحتجاج به في الندب. قيل له: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه لا يدل على وجوبه؛ لأن معناه: من تركهما معتقدًا أنه ليس بقربة، فليترك قراءتهما معتقدًا أنه ليس بقربة، وهذا مثل قوله ﵇: "من لم يُضَحِّ، فلا يَقْرَبَنَّ مصلَّانا" (٣).

стр. 273

والثاني: أن اللفظ الذي تركنا ظاهره غيرُ الذي أثبتنا به السجدة الثانية؛ لأنا أثبتناها بقوله ﵇: "نعم" جوابًا عن السؤال، وهذا مستقل بنفسه غيرُ متعلق بما بعده. وأيضًا: روى أبو داود بإسناده (١) عن عمرو بن العاص (٢) ﵁: أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن منها: ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان (٣).

стр. 274

فإن قيل: ليس فيه أن النبي ﷺ قال: هذه مواضع السجود، وجاز أن يكون قرأها على النبي ﷺ ، فظن أنها مواضع السجود، فأخبر عما عنده. وأيضًا: بأنه إجماع الصحابة - رضوان الله عليهم -. روى أحمد ﵀ بإسناده في مسائل عبد الله (١) عن عبد الله بن ثعلبة (٢) قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يسجد في الحج سجدتين، قال سعد بن إبراهيم (٣): قلت لعبد الله بن ثعلبة: في الصبح؟ قال: في الصبح (٤).

стр. 275

وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي (١): إن علي بن أبي طالب ﵁ كان يسجد في الحج سجدتين (٢). وروى أحمد بن حنبل ﵀ بإسناده (٣) عن أبي العالية (٤): قال ابن عباس ﵄: فُضلت سورة الحج بسجدتين (٥). وروى أحمد ﵀ بإسناده (٦) عن جبير بن نفير: أن أبا

стр. 276

الدرداء ﵁ سجد في الحج سجدتين (١). وقال صفوان بن محرز (٢): إن أبا موسى الأشعري ﵁ قرأ عليّ (٣) سورة الحج على منبر البصرة، فسجد بالناس سجدتين (٤). وروى أحمد ﵀ بإسناده (٥) عن نافع قال: كان ابن عمر ﵄ يسجد في الحج سجدتين (٦).

стр. 277

وروى أحمد ﵀ بإسناده (١) عن أبي إسحاق قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين (٢). وهذا إجماع منهم لا يُعرف عن أحد منهم خلافُه، فوجب العمل به (٣). والقياس: أنه ترغيب من الله تعالى، وحث (٤) على السجود له في شريعتنا باسمه الخاص، فوجب أن يكون من مواضع السجود، أصله: المواضع الأُول من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ١٨]، وسائر الآيات التي يتعلق بتلاوتها السجود. وفيه احتراز من قوله في آخر الحجر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]؛ لأن ذلك لم يقصد به الترغيب في السجود، وإنما قُصد به تسليةُ رسول الله ﷺ مما يضيق صدره من كلام المشركين وقلبه، وقوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] معناه: مع

стр. 278

الساجدين، هكذا قاله المفسرون (١)، فأمره الله تعالى بمفارقة المشركين، ومصاحبة المؤمنين، لئلا يرى منهم ما يضيق صدره. وفيه احتراز من قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣]، لأن ذلك من قول الملائكة: يا مريم إلى قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]؛ ولأن ذلك في شريعة مَنْ كان قبلنا. وفيه احتراز من قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]؛ لأنه لا يتضمن السجود، ولم يصرح باسمه. وفيه احتراز من قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤]؛ لأن ذلك ذم لمن ترك السجود لآدم ﵇، وليس ذلك بذم لمن ترك السجود لله. وأما قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] ليس بحث على السجود، وإنما هو إخبار عن توبة داود ﵇. وأما قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]، ليس بحثٍّ على السجود، وإنما هو حثٌّ على التسبيح. وأما قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، أمر بتطهير البيت من الشرك للمصلين، وليس بحث على السجود؛ لأن القائمين هم المصلون، والركع السجود تكرار

стр. 279

على سبيل التأكيد. وفيه احتراز من قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]؛ لأن ذلك ليس بحث على السجود، وإنما هو إخبار عن قوم (١) وصفهم الله بذلك، ونعت حالهم لنا. واحتج المخالف: بأن الثانية من الحج ذكرت مع الركوع، فصارت كقوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣]، وقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. والجواب: أن عند المخالف: أنه إذا تلا السجدة، كان مخيرًا بين السجود والركوع، والسجود على طريق التأكيد، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه ترغيب من الله على السجود في شريعتنا باسمه الخاص أشبه ما ذكرنا. واحتج: بأن السجود الذي مع الركوع هو الصلاة، والأمر بالصلاة لا يقتضي سجودًا؛ كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]. الجواب: أن هذا ليس بأمر بالصلاة؛ لأن الأمر بالصلاة بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ولو كان ذلك أمرًا بالصلاة، لما أعادها بعد، وعلى أنه لو كان أمرًا بالصلاة، اقتضى أن يكون موضعًا للسجود؛ ولأنه قد صرح بذكر السجود على سبيل الحث والترغيب، وليس كذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ لأنه لم يصرح بذكر السجود.

стр. 280

واحتج: بأنها سورة من القرآن، فلم تتضمن سجدتين، دليله: سائر سور القرآن. والجواب: أن هذا القياس وما قبله من الأقيسة يخالف نصَّ الخبر والإجماع، فيجب اطِّراحُه، وعلى أنه ليس إذا لم يكن في غيرها من السور مما يمنع منها، كما أن السور التي فيها السجود لم يوجد ذلك في غيرها، ولم يمنع ذلك منها؛ ولأن سائر السور لم يوجد الترغيب من الله تعالى على السجود في موضعين، وليس كذلك في هذه السورة؛ لأنه قد وجد الترغيب من الله على السجود في شرعنا باسمه الخاص في موضعين، فلهذا فرقنا بينهما. * * * ٢٤ - مَسْألَة: اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في قوله تعالى في سورة ﴿ص﴾: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، هل هو موضع لسجود التلاوة ؟: فنقل المروذي (١)، وحرب (٢) عدد سجود القرآن أربع عشرة، فأخرج منها سجدة، ....................................

стр. 281

وهو اختيار الخرقي (١)، وبه قال الشافعي ﵀ (٢). ونقل صالح (٣)، والأثرم (٤)، والفضل بن زياد (٥): أنها خمس عشرة، فأثبت ﴿ص﴾. وهو قول مالك (٦)، وأبي حنيفة (٧) - رحمهما الله -. وجه الأولة: ما روى أبو داود بإسناده (٨) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر: ﴿ص﴾، فلما بلغ السجدة، نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر، قرأها، فلما بلغ السجدة، تشرَّفَ الناس للسجود، فقال رسول الله ﷺ : "إنما هي توبةُ نبي، ولكن رأيتكم تشزنتم (٩) للسجود، فنزل وسجد" (١٠)، وهذا يدل

стр. 282

على أنه ليس بترغيب في السجود، وإنما هو إخبار عن توبة داود ﵇، وأن رسول الله ﷺ سجد للشكر. فإن قيل: لما سجد في المرة (١) الأولى عند التلاوة، دل على أنه موضع للسجود، وقوله: "ولكني رأيتكم تشزنتم" يدل على جواز التأخير، وقوله: "إنما هي توبة نبي" لا ينفي كونها من العزائم؛ بدليل أن داود ﵇ سجدها على وجه التوبة، والنبي ﷺ سجدها لتلاوة الآية. قيل: أما سجوده في الرفعة (٢)، فإنما أراد به الشكر لا التلاوة. بدليل: أنه بين عن ذلك في المرة الثانية، وقال: "إنما هي توبة نبي". وقولهم: إن قوله: "رأيتكم تشزنتم" يدل على التأخير، لا يصح؛ لأنه بين عن العلة التي لأجلها أراد الترك، وهو كونها توبة نبي. ورُوي عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "سجدها نبي الله داود ﵇ توبة، وسجدناها شكرًا" (٣)، وهذا نص.

стр. 283

ولأنه إجماع الصحابة ﵃. روى أحمد بإسناده (١) عن عكرمة (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: ليس من عزائم السجود، ولقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها (٣). فإن قيل: قوله: رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها يدل على أنها من عزائمه. قيل له: بل يدل على أنها شكر، إلا أنه قد بين ذلك فيما ذكرنا، وروى ابن المنذر (٤) عن ابن مسعود ﵁: أنه كان لا يسجد في ﴿ص﴾، ويقول: إنها توبة نبي (٥).

стр. 284

والقياس: أنها توبة نبي، فوجب أن لا يتعلق بتلاوتها سجود، أصلُه: قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]. فإن قيل: أجمعنا على الفرق بينهما؛ لأنه إذا قرأ: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، سجد، وإذا قرأ توبة آدم، لا يسجد، فدل أنه في ﴿ص﴾ للتلاوة. قيل له: لا فرق بينهما عندنا؛ لأنه لا يسجدهما لتلاوتهما، وليس واحد منهما حثًا على السجود، ولا ترغيبًا، فقد سوّينا بينهما في ذلك. وأما قوله: إنكم تسجدون لتوبة داود، ولا تسجدون لتوبة آدم ﵇، فإنما فرقنا بينهما؛ لأن آدم ﵇ لم يسجد لتوبته، وداود ﵇ سجد لتوبته، فسجد رسول الله ﷺ للشكر على صفته وهيئته. وأيضًا (١): فإنه ليس بحثٍّ على السجود، ولا ترغيب فيه، وإنما السجود في الموضع الذي يكون [في] القرآن حثًا على السجود، وترغيبًا فيه، ألا ترى أن سائر مواضع السجود فيها أمرٌ بالسجود، أو حث عليه؛ كقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، ونحو ذلك، وها هنا هو خبر عن فعل داود ﵇، وليس بحث، فوجب أن لا يتعلق بتلاوته السجود.

стр. 285

واحتج المخالف: بما رُوي عن ابن عباس ﵄: أنه سجد في ﴿ص﴾، وقال: رأيت النبي ﷺ سجد فيها (١)، وظاهره: أنه يقتضي للتلاوة (٢). والجواب: أنه سجدها شكرًا، لا للتلاوة؛ بدليل: ما ذكرنا في خبر آخر. واحتج: بأن من يقول: إنها سجدة شكر (٣)، فإنه يفعلها للتلاوة، فإذا كان كذلك، قلنا: إن كل سجدة تعلقت بالتلاوة فإنها من سجدات التلاوة. دليله: سائر السجدات التي في القرآن. والجواب: أنها غير متعلقة بالتلاوة، وإنما [تكون] (٤) شكرًا على ما أنعم الله على داود ﵇ بقبول توبته واستغفاره لذنبه، وتكون التلاوة سببًا للعلم بذلك أو التذكر. واحتج: بأن مواضع السجود على ضربين: أحدهما: ذُم قوم على ترك السجود؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]، ومُدح قوم على فعل السجود؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [وَيُسَبِّحُونَهُ] (٥) وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقوله:
следующие страницы →