← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وهو اختيار الخرقي (١)، وبه قال الشافعي ﵀ (٢). ونقل صالح (٣)، والأثرم (٤)، والفضل بن زياد (٥): أنها خمس عشرة، فأثبت ﴿ص﴾. وهو قول مالك (٦)، وأبي حنيفة (٧) - رحمهما الله -. وجه الأولة: ما روى أبو داود بإسناده (٨) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر: ﴿ص﴾، فلما بلغ السجدة، نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر، قرأها، فلما بلغ السجدة، تشرَّفَ الناس للسجود، فقال رسول الله ﷺ : "إنما هي توبةُ نبي، ولكن رأيتكم تشزنتم (٩) للسجود، فنزل وسجد" (١٠)، وهذا يدل

стр. 282

على أنه ليس بترغيب في السجود، وإنما هو إخبار عن توبة داود ﵇، وأن رسول الله ﷺ سجد للشكر. فإن قيل: لما سجد في المرة (١) الأولى عند التلاوة، دل على أنه موضع للسجود، وقوله: "ولكني رأيتكم تشزنتم" يدل على جواز التأخير، وقوله: "إنما هي توبة نبي" لا ينفي كونها من العزائم؛ بدليل أن داود ﵇ سجدها على وجه التوبة، والنبي ﷺ سجدها لتلاوة الآية. قيل: أما سجوده في الرفعة (٢)، فإنما أراد به الشكر لا التلاوة. بدليل: أنه بين عن ذلك في المرة الثانية، وقال: "إنما هي توبة نبي". وقولهم: إن قوله: "رأيتكم تشزنتم" يدل على التأخير، لا يصح؛ لأنه بين عن العلة التي لأجلها أراد الترك، وهو كونها توبة نبي. ورُوي عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "سجدها نبي الله داود ﵇ توبة، وسجدناها شكرًا" (٣)، وهذا نص.

стр. 283

ولأنه إجماع الصحابة ﵃. روى أحمد بإسناده (١) عن عكرمة (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: ليس من عزائم السجود، ولقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها (٣). فإن قيل: قوله: رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها يدل على أنها من عزائمه. قيل له: بل يدل على أنها شكر، إلا أنه قد بين ذلك فيما ذكرنا، وروى ابن المنذر (٤) عن ابن مسعود ﵁: أنه كان لا يسجد في ﴿ص﴾، ويقول: إنها توبة نبي (٥).

стр. 284

والقياس: أنها توبة نبي، فوجب أن لا يتعلق بتلاوتها سجود، أصلُه: قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]. فإن قيل: أجمعنا على الفرق بينهما؛ لأنه إذا قرأ: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، سجد، وإذا قرأ توبة آدم، لا يسجد، فدل أنه في ﴿ص﴾ للتلاوة. قيل له: لا فرق بينهما عندنا؛ لأنه لا يسجدهما لتلاوتهما، وليس واحد منهما حثًا على السجود، ولا ترغيبًا، فقد سوّينا بينهما في ذلك. وأما قوله: إنكم تسجدون لتوبة داود، ولا تسجدون لتوبة آدم ﵇، فإنما فرقنا بينهما؛ لأن آدم ﵇ لم يسجد لتوبته، وداود ﵇ سجد لتوبته، فسجد رسول الله ﷺ للشكر على صفته وهيئته. وأيضًا (١): فإنه ليس بحثٍّ على السجود، ولا ترغيب فيه، وإنما السجود في الموضع الذي يكون [في] القرآن حثًا على السجود، وترغيبًا فيه، ألا ترى أن سائر مواضع السجود فيها أمرٌ بالسجود، أو حث عليه؛ كقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، ونحو ذلك، وها هنا هو خبر عن فعل داود ﵇، وليس بحث، فوجب أن لا يتعلق بتلاوته السجود.

стр. 285

واحتج المخالف: بما رُوي عن ابن عباس ﵄: أنه سجد في ﴿ص﴾، وقال: رأيت النبي ﷺ سجد فيها (١)، وظاهره: أنه يقتضي للتلاوة (٢). والجواب: أنه سجدها شكرًا، لا للتلاوة؛ بدليل: ما ذكرنا في خبر آخر. واحتج: بأن من يقول: إنها سجدة شكر (٣)، فإنه يفعلها للتلاوة، فإذا كان كذلك، قلنا: إن كل سجدة تعلقت بالتلاوة فإنها من سجدات التلاوة. دليله: سائر السجدات التي في القرآن. والجواب: أنها غير متعلقة بالتلاوة، وإنما [تكون] (٤) شكرًا على ما أنعم الله على داود ﵇ بقبول توبته واستغفاره لذنبه، وتكون التلاوة سببًا للعلم بذلك أو التذكر. واحتج: بأن مواضع السجود على ضربين: أحدهما: ذُم قوم على ترك السجود؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]، ومُدح قوم على فعل السجود؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [وَيُسَبِّحُونَهُ] (٥) وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقوله:

стр. 286

﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] حكاية عنه على وجه المدح له، فوجب أن يكون موضعًا للسجود. والجواب: أنه ليس بمدح، إنما هو إخبار عن ذنبه واستغفاره وتوبته، قال: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: ٢٤]؛ أي: علم داود قول الملكين له: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] تنبيهًا له على ذنبه في امرأة أوريا (١)، وليس كل خبر عن ذنب وتوبة يوجب أن يكون مدحًا لفاعله، فلم يكن حجة على أنه مدح؛ ولأنه إنما يكون حثًا وترغيبًا لمدح إذا كان المدح لمن أطاع من غير معصية، فأما من عصى ثم تاب، وأذنب ثم استغفر، فإنه إذا فعل ذلك ترغيبًا أو حثًا على مثله، وجب أن يكون حثًا على الذنب والتوبة، وهذا لا يجوز، فبان بهذا أنه ليس بمدح؛ إذ لو كان مدحًا، لم يكن للترغيب والحث والتحريض. واحتج: بأنه لو كان للشكر، لبطلت الصلاة به. والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ذلك، ولو قلنا: إنها تبطل كسائر سجود الشكر، لم يمتنع، وإن قلنا: لا تبطل، فوجهه: أن سبب العلم بهذه النعمة هو القرآن وإذ (٢) سبب، وجعل العلم بالسبب من جهة التلاوة لم تبطل الصلاة، وتخالف سائر سجود الشكر.

стр. 287

والوجه الأول أقطع لكلام الخصم. * * * ٢٥ - مَسْألَة: في المفصل (١) ثلاث سجدات: في آخر النجم (٢)، وفي الانشقاق (٣)، وفي العلق (٤): نص على ذلك في رواية الجماعة (٥): ........................

стр. 288

الأثرم (١)، وحنبل (٢)، وحرب (٣)، وغيرهم (٤). وهو قول أبي حنيفة (٥)، والشافعي (٦) - رحمهما الله -. ورُوي عن مالك ﵀ روايتان، إحداهما: مثل هذا (٧). والثانية - وهي الصحيحة -: لا سجود فيه (٨). دليلنا: ما رُوي في حديث عمرو بن العاص الذي تقدم

стр. 289

ذكره (١): أن النبي ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها: ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان. وأيضًا: ما روى أحمد ﵀ في مسائل عبد الله بإسناده (٢) عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم، فسجد فيها، وما بقي أحد من القوم إلا سجد، غير أن شيخًا أخذ كفًا من حصى أو تراب، فرفعه إلى وجهه وقال: يكفيني هذا، قال عبد الله: فلقد رأيته بعد ذلك قُتل كافرًا (٣). وروى أحمد ﵀ في مسائل عبد الله بإسناده (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: سجدت مع رسول الله ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، و: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] (٥). وروى أبو داود (٦) عن أبي رافع ﵁ قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فسجد، فقلت: ما هذه السجدة؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه (٧).

стр. 290

وهذه الأخبار نصوص في ذلك. ولأن مواضع السجود على ثلاثة أضرب: أحدها: ذمُّ قومٍ على ترك السجود؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. ومدحُ قومٍ على السجود؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وأمرُ قومٍ بالسجود؛ نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧]، وهذه المعاني موجودة في المفصل؛ لأن قوله تعالى في آخر النجم: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] أمر. وقوله تعالى في سورة الانشقاق: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١]، ذم القوم على ترك السجود. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] أمر، فيجب أن يكون ذلك من عزائم السجود. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] ليس فيه مدح ولا ذم. قيل له: قد تقدم ذم، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١]؛ يعني: لاهون (١).

стр. 291

واحتج المخالف: بما روى أبو داود بإسناده (١) عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة (٢). وروى أبو داود بإسناده (٣) عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قرأت على رسول الله ﷺ سورة النجم، فلم يسجد فيها (٤). والجواب: أنا قد روينا في أخبارنا: أنه سجد، ونقل في أخبارهم الترك، فنحمل أخبارهم أنه ترك ليبين أنه ليس بواجب، وسجد ليبين أنه سنة. واحتج: بما رُوي عن ابن عباس ﵄، وزيد بن ثابت ﵁: ليس في المفصل سجود (٥).

стр. 292

والجواب: إنا قد روينا (١) عن أبي هريرة ﵁: أنه سجد في سورة الانشقاق، فتعارضا، وكان قول أبي هريرة أولى؛ لأنه يوافق الأخبار، وفيه الاحتياط. والله تعالى أعلم. * * * ٢٦ - مَسْألَة: لا يجوز أن يركع عند التلاوة بدلًا عن السجود: وقد قال أحمد ﵀ في رواية الأثرم: إذا كان السجود في آخر السورة، فقرأها في الصلاة، فإن شاء سجد، وإن شاء ركع (٢)، ولم يرد بهذا أن الركوع يقوم مقام السجود، وإنما خيره إن شاء أسقط السجود أصلًا، وركع ركوع الصلاة؛ لأنه آخر السورة.

стр. 293

وبهذا قال الشافعي ﵀ (١). وقال أبو حنيفة ﵀: هو بالخيار، إن شاء ركع، وإن [شاء] سجد (٢). دليلنا: قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وهذا أمر؛ ولأنه مستطيع للسجود، فلم يقم الركوع مقامه، دليله: سجود الصلاة. واحتج المخالف: بأن الركوع ركن، وهو خضوع في الصلاة، فجاز أن يجزئ في التلاوة، دليله: السجود، تبين صحة هذا: أنه قد يعبر بأحدهما عن الآخر، قال تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، وأراد به: السجود. والجواب: أن الركوع، وإن كان خضوعًا، فإن السجود أبلغ في الخضوع منه، فلا يوجد معناه فيه، وعلى أن هذا المعنى لم يوجب أن ينوب الركوع فيه عن السجود في الصلاة، كذلك ها هنا في التلاوة. وقياس قول أحمد ﵀: أنه إذا قرأ سجدة في الصلاة، فأقام ركوع الصلاة مقامها أن يجزئه؛ لأنه قد قال في رواية الأثرم وغيره: إذا كانت السجدة في آخر السورة، أو قريبًا من آخرها، مثل سورة الأعراف، وبني إسرائيل، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك، فركع

стр. 294

حين فرغ من السورة، تجزئه سجدة الركعة من سجود التلاوة، ولفظ كلامه أنه قال: إن شاء سجدها، وإن شاء ركع (١)، بلغنا عن ابن مسعود ﵁ ذلك (٢). والخلاف في المسألتين خلاف واحد، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٣)؛ خلافًا للشافعي ﵀ في قوله: لا يجزئه ذلك (٤). دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، فعبر بالركوع عن السجود، وعن ابن مسعود ﵁ في سورة الأعراف: إن شاء سجدها، وإن شاء ركع (٥). وعن ابن عمر ﵄: إذا تلا سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] في غير الصلاة، سجد، وإذا تلاها في الصلاة، ركع ولم يسجد (٦).

стр. 295

فدل على أن ما بعد الركوع من السجود يقوم مقام سجود التلاوة، فيقع التداخل به. ولأنه إذا نوى أن يقيم ركوع الصلاة مقامها، قامت الركعة بسجودها (١) مقام سجدة التلاوة، وسجدة التلاوة يصح فيها التداخل، ولهذا إذا تلا السجدة في مجلس واحد مرتين، اقتصر على سجود واحد؛ لأن الفصل متقارب، ولو كانا في مجلسين، لم يتداخل، كذلك ها هنا بين قراءة السجدة وبين سجدة الصلاة زمان يسير، فتداخلا، ويفارق هذا سجود الصلاة؛ لأنه ليس مبناه على التداخل مع تقارب السجدتين. ولا معنى لقولهم: إن هذا سجود، فلا يقوم الركوع مقامه؛ كسجود الصلاة، وذلك أننا نقول بموجبه، ونقول: بأن إحدى السجدتين قامت مقام الأخرى؛ لتقاربهما، فأما أن نقول: الركوع قام مقامه، فلا، ولهذا نقول: لو قرأها خارج الصلاة، فأراد أن يجعل مكان السجود ركوعًا، لم يصح؛ لأنه ليس هناك سجود متكرر، فيتداخل، والله أعلم. * * * ٢٧ - مَسْألَة: سجود الشكر مستحب: نص عليه في رواية حنبل، فقال: لا بأس به، وقد فعله أصحاب

стр. 296

النبي ﷺ ، وهو خير يأتيه، وشكر لله (١)، وكذلك نقل أبو طالب عنه: في الرجل يأتيه الأمر يسره: يسجد للشكر (١)، وبهذا قال الشافعي ﵀ (٢). وقال مالك (٣)، وأبو حنيفة (٤) - رحمهما الله -: هو مكروه. دليلنا: ما روى حذيفة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ ، فتقدمني، فوجدته ساجدًا، فوقفت أنتظره، فأطال، ثم رفع، فقلت له: لقد خشيت أن يكون الله تعالى قد قبض روحك في سجودك، فقال: "إني لما كنت حيث رأيتني، لقيني جبريل، فأخبرني عن الله تعالى أنه قال: من صلى عليك صلاة، صليت عليه عشرًا، فسجدت شكرًا لله تعالى" (٥)، وهذا نص.

стр. 297

وروى أبو بكر بإسناده عن معاذ ﵁ قال: جئت أطلب رسول الله ﷺ في منزله، فلم أجده، فخرجت في طلبه، فوجدته عند سلع (١) ساجدًا حتى أهوى، فجلست خلفه أنتظره، فلم يزل ساجدًا حتى ظننت أن الله تعالى قد قبض روحه، فرفع رأسه، فقال: "ألا أخبرك؟ "، قلت: بلى يا رسول الله، قال: "أتاني جبريل ﵇ قال: يا محمد! إن ربك يقول: ما أصنع بأمتك من بعدك؟ قلت: ذاك إلى الله يصنع بهم ما أحب، فذهب ثم رجع، فقال: إن ربك يقول: إني أَسُرُّكَ في أمتك، فحمدتُ الله سرورًا لأمتي، وشكرته، ولو علمت شيئًا أجلَّ من السجود، لفعلت" (٢). فإن قيل: أنتم تستحبون سجود الشكر عند تجدد نعمة ظاهرة، وليس هذا من النعمة الظاهرة، فلا دلالة في الخبر على موضع الخلاف. قيل له: نزول جبريل ﵇ بهذا من النعم الظاهرة، والبشارة السارة التي تقتضي السجود لشكرها، ويزيد على كل نعمة مما يستحب له السجود؛ من سلامة مال من غرق، أو سلامة دار من حرق، أو بلوغ أمل من قربة وطاعة، وتجدد رزق من مال، وولد، وزوجة، وما أشبه ذلك، وهذا لا يخفى على أحد، فسقط هذا السؤال. فإن قيل: نحمل هذا على الجواز، ونحن نجيز ذلك. قيل له: مذهب أبي حنيفة ﵀ المعروف: أنه مكروه،

стр. 298

فلا معنى لتأويل الخبر على خلاف المذهب، على أن الظاهر من أفعال النبي ﷺ أنها سنة تتبع، وإن لم يتكرر منه ذلك، ألا ترى أن النبي ﷺ حج في عمره مرة واحدة، وأفعاله فيها سنة، وإن لم يتكرر منه، ولم يداوم على فعله، وكذلك الاستسقاء بالصلاة والخطبة لم يفعله إلا مرة، وذلك سنة مستحبة. وعلى أن النبي ﷺ قد داوم على ذلك، وتكرر منه، وهو ما روى الشالنجي (١)، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو بكر عبد العزيز بإسناده عن أبي بكرة ﵁: أن النبي ﷺ إذا أتاه الأمر يسر به، يَخِرُّ ساجدًا شكرًا لله تعالى (٢). وهذا يدل على أنه كان يسجد لِما يسره، ونحن نعلم أن ما سره تكرر منه، وكثر، فوجب أن يكون السجود قد تكرر منه وكثر، والنبي ﷺ لا يداوم على فعل المكروه، ولا على فعل تركُه أولى من فعله. وروى الشالنجي أيضًا بإسناده عن يحيى بن الجزار (٣): أن النبي ﷺ

стр. 299

مر به رجل به زَمانة (١)، فسجد، وسجد أبو بكر وعمر ﵄ (٢). وروى أن النبي ﷺ أبصر نغاشيًا، فسجد، ثم رفع رأسه، وقال: "نسأل الله العافية" (٣)، ويريد بالنغاشي (٤): الخلق صغير الجثة (٥). وأيضًا: قوله ﷺ : "سجدها نبي الله داود ﵇ توبةً، وسجدناها شكرًا" (٦)، وإذا سجد لنعمة على غيره، فالنعمة عليه أولى بالسجود للشكر. وأيضًا: فالمسألة إجماع الصحابة ﵃.

стр. 300

وروى الشالنجي بإسناده عن أبي عون (١) قال: بلغ أبا بكر ﵁ فتحُ اليمامة، فسجد لله تعالى (٢). وروى ابن المنذر في كتابه (٣): أن علي بن أبي طالب ﵁ سجد حين وجد ذا الثدية (٤)، ورواه أيضًا الشالنجي عن علي ﵁. وروى أيضًا عن كعب بن مالك ﵁: أنه لما نزلت توبته، خر ساجدًا (٥).

стр. 301

وروى أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر ﵂: أنه كان عندها شيء أعطاها النبي ﷺ إياه في سَفَط (١)، فلما قُتل عبد الله ﵁، ذهب، وأرسلت في طلبه رجلًا، فجاءها به، فسجدت (٢)، وهذا كله يدل على ثبوت سجود الشكر وشهرته بينهم. واحتج المخالف: بأن نعم الله على نبينا ﷺ كانت ظاهرة، وآلاؤه لديه متواترة، من حين بُعث إلى أن قُبض، فمما أنعم الله: أنه اصطفاه بالرسالة، واجتباه للنبوة، وائتمنه على وحيه، وصيَّره سفيرًا بينه وبين خلقه، وجعله خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وأيده بالبراهين الواضحة، والحجج اللائحة، والمعجزات الدالة على صدقِه، وصحةِ ما جاء به من عند ربه ، ثم مكّنه من أعداء الدين، وملَّكه رقابهم، وأموالهم، ولم ينقل عنه أنه سجد لشيء من ذلك شكرًا لله تعالى، فلو كان سجود الشكر مسنونًا (٣) مستحبًا، لما جاز أن يتركه عند هذه النعم المتجددة، ولو فعل، لنُقِل، فلما لم ينقل، دل على أنه لم يفعل، وأنه غير مسنون (٤).

стр. 302

والجواب: أنه يجب أن يكون قد سجد لذلك؛ لما روى أبو بكرة عن النبي ﷺ : أنه كان إذا أتاه أمر يسره، خر ساجدًا شكرًا لله (١)، وعلى أنه ليس بواجب، فيجوز تركه، ولا يدل أنه ليس بمسنون (٢)، ألا ترى أن النبي ﷺ كان يترك التكرار في أعضاء الوضوء، ويقتصر على مرة (٣)، ومرتين في أوقات (٤)، ويستوفي الثلاث في أوقات (٥)، وكذلك استسقى بالصلاة مرة (٦)، واستسقى بالدعاء أخرى (٧)، وكان فعله لذلك كله سنة، وتركه إياه لا يدل على أنه ليس بسنة، كذلك ها هنا. واحتج: بأن الناس شكوا إليه القحط، وقالوا: هلكت المواشي (٨)،

стр. 303

وأجدبت الأرض (١)، فدعا النبي ﷺ واستسقى، فأرسلت السماء عزاليها (٢)، فدام المطر أسبوعًا، ثم شكوا إليه كثرةَ المطر، فقال: "اللهم حوالينا ولا علينا، على الآكام (٣)، ومنابت الشجر"، فتقشعت السماء حتى صارت كالإكليل (٤) حول المدينة. فليت شعري! أي نعمة أكثر وأظهر؟ ثم لم ينقل أنه سجد لله . والجواب عنه: ما تقدم من الوجهين: أحدهما: أن حديث أبي بكرة (٥) يدل على أنه سجد، وإن لم يُنقل. والثاني: أنه قد كان يترك ما هو مسنون، ولا يدل على أنه ليس

стр. 304

بمسنون (١)، مثل تكرار الغَسل، والاستسقاء بالصلاة، كذلك ها هنا. واحتج: بأن الإنسان لا يخلو في كل وقت من نعم يجددها الله عنده، أو نقمة يصرفها عنه، فلو كان السجود مسنونًا مستحبًا لها، لوجب أن يسجد في كل وقت، وقد علم عجزه عن أداء ذلك والقيام [به] (٢)، وما أدى إلى ذلك لم يصح اعتباره. والجواب: أنا إنما نستحبه عند تجدد النعمة الظاهرة، أو انصراف نقمة ظاهرة، وهذا لا يؤدي إلى ما قالوه، والفرق بينهما ظاهر معقول لكل أحد من الناس. ولهذا ترى العقلاء يهنئون بالسلامة من خوف عارض في الحوار (٣)، ولا يفعلون ذلك في كل ساعة من ساعات النهار، وإن كان الله يصرف عنهم البلاء والآفات، ويمتعهم بأسماعهم وأبصارهم وعقولهم وأديانهم، ويفرقون في التهنئة [بين] (٢) النعم الظاهرة والباطنة، كذلك السجود للشكر يتعلق بإحداهما دون الأخرى. واحتج: بأن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم أهل البلاء، فسلوا الله العافية" (٤)، وهذا يدل على أنه لا يسجد.

стр. 305

والجواب: أنا نجمع بين الخبرين، ونقول: يسجد، ويسأل الله العافية. والله أعلم. * * * ٢٨ - مَسْألَة: إذا صلى، وليس بين يديه شيء، فإنه يقطع صلاتَه الكلبُ الأسودُ البهيم: نص عليه (١) في رواية أبي طالب (٢)، وصالح (٣)، وحبيش بن سندي (٤)، فقال: يقطع الكلب، فأما المرأة، فإذا ذهب إلى حديث

стр. 306

عائشة ﵂ (١)، وأما الحمار، فإذا ذهب إلى حديث ابن عباس ﵄ (٢)، بمعنى: لا يقطعان الصلاة. وهو قول الحسن (٣)، ومجاهد (٤)، .......................

стр. 307

وعكرمة (١)، وطاوس (٢)، وعطاء (٣)، ومكحول (٤). وقال أبو حنيفة (٥)، ومالك (٦)، والشافعي (٧) ﵃: لا يقطع صلاته شيء.

стр. 308

دليلنا: ما روى أحمد ﵀ في المسند (١) قال: نا إسماعيل عن يونس (٢)، عن حميد بن هلال (٣)، عن عبد الله بن الصامت (٤)، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أحدُكم قام يصلِّي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثلُ آخِرَةِ الرَّحل، فإذا لم يكن بين يديه مثلُ آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاتَه الحمارُ، والمرأةُ، والكلبُ الأسود"، قال: فقلت: يا أبا ذر! ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ فقال: يا بن أخي! سألت النبي ﷺ ، فقال: "الكلب الأسود شيطان" رواه مسلم (٥).

стр. 309

فإن قيل: تعليله بأنه شيطان يدل على نسخه لما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "مر بي شيطان وأنا أصلي، فخنقته، ولو ما سبق من دعوة سليمان ﵇ لأصبح مربوطًا إلى سارية المسجد" (١)، فدل على أن مرور الشيطان لا يبطل؛ لأن النبي ﷺ مضى في صلاته. قيل: يحتمل إن يكن اعترضَ للنبي ﷺ ، ولم يمر بينه وبين ستره (٢). فإن قيل: الخبر منسوخ في حق المرأة والحمار، فيجب أن يكون جميعه منسوخًا. قيل: ولمَ إذا نُسخ بعضُ حكمه نُسخ جميعه؟ ونحن نعلم أن القبلة نُسخت عن بيت المقدس، ولم يوجب ذلك نَسخ جميع شرائطها، على أن ابن منصور (٣) قد روى عن أحمد ﵀: أن المرأة والحُمُر يقطعان الصلاة على ظاهر الحديث. وقد روى أبو بكر النجاد في كتابه بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقطع الصلاةَ: الكلبُ، والحمارُ، والمرأةُ الحائض، واليهوديُّ، والنصرانيُّ، والخنزيرُ" (٤).

стр. 310

وروى بإسناده عن الحسن عن الحكم بن عمرو الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقطع الصلاةَ: الكلبُ، والحمارُ، والمرأةُ" (١). وروى عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقطع الصلاةَ: الحمارُ، والمرأةُ" (٢). وروى بإسناده عن أنس ﵁: أن نبي الله ﷺ قال: "يقطع الصلاةَ: الكلب، والحمار، والمرأة" (٣).

стр. 311

وروى بإسناده عن الحسن عن عبد الله بن المغفل ﵁ مثلَه (١). ولأنه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -. روى أبو بكر النجاد بإسناده عن بكر بن عبد الله (٢) قال: كنت أصلي إلى جنب عبد الله بن عمر ﵄، فمرّ جروٌ (٣) بيني وبينه، ثم مر بين يدي، فقال عبد الله: أما أنت، فأعد الصلاة، وأما أنا، فلا أعيد (٤). وروى بإسناده عن أنس ﵁ قال: يقطع صلاة الرجل: المرأة، والحمار، والكلب (٥).

стр. 312

وروى بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: يقطع الصلاة: الكلب الأسود، والمرأة الحائض (١). وروى بإسناده عن عائشة ﵂: أنها قالت: لا يقطع الصلاةَ إلا الكلبُ الأسود (٢). ولأن الشرع قد ورد أن تكون بين يدي المصلي سترة، يقول النبي ﷺ : "إذا جعلتَ بين يديك مثلُ آخرة الرحل، فلا يضرك مَنْ مر بين يديك" (٣)، فإذا صلى، وليس بين يديه سترة، فمر بين يديه كلب أسود، فقد أخلَّ بسترة ورد الشرع بها في حقِّ المصلي، فجاز أن يكون للإخلال بها تأثير في بطلان الصلاة، دليله: ستر العورة. فإن قيل: ليس المبطلُ للصلاة الإخلالَ بالسترة، وإنما المبطل لها فعلٌ من جهة الغير، وهو الكلب، ألا ترى أنه لو لم ينصب سترة، ولم يجز بين يديه كلب، لم تبطل صلاته، وإن لم يكن بين يديه سترة؟ قيل: فعل الغير إنما أبطل لأجل الإخلال بها، ألا ترى أنه لو مرَّ هذا

стр. 313

الكلب من وراء السترة، لم تبطل صلاته، وإنما تبطل إذا مرَّ بين يديه كلب أسود، ولا سترةَ هناك. وليس يمتنع أن يكون وجوبُها مراعًى، فإن اجتاز (١) كلب أسود، تبين أنها كانت شرطًا في صحة الصلاة، وإن لم يجز كلب، تبينا أنها لم تكن واجبة، كما قلنا فيمن كان جالسًا في موضع خالٍ (٢) من الناس، قلنا: يجوز لك كشفُ عورتك بشرط أن لا ينظر إليك أحد، فلو كان هناك مَنْ ينظر إليه، وهو لا يعلم به، تبينا أنها كانت واجبة عليه. وأيضًا: فإنه مصل مرَّ بين يديه كلب أسود، فجاز أن تبطل صلاته، دليله: المأموم إذا لم يقر (٣) في صلاته، وكان إلى جنب الإمام، فمر بين يديه كلب أسود، أو كان إلى جنب الإمام، أو إلى جنب امرأة، وبين يديه كلب أسود، ولا يجوز أن يقال: إن هناك تبطل، وإن لم يمر بين يديه كلب؛ لأنا نسلم ذلك. وأيضًا: فإنها صلاة، فجاز أن تبطل بفعل من جهة الغير. دليله: الجمعة تبطل بانفضاض العدد، وهو فعل الغير، ولا يمكن القول بموجب العلة، وهو إذا ألقى عليه الغير نجاسة؛ لأن بطلانها هنا لم يكن بفعل الغير، وإنما كان بترك المصلي لها عليه، وكذلك إذا انقضت مدة المسح، أو ظهر القدمان (٤)، أو انقطع دم الاستحاضة: أن الصلاة

стр. 314

لا تبطل، لكن بفعل الله تعالى (١)، ونحن قلنا بفعل الغير، وإطلاق ذلك ينصرف إلى المخلوقين، وكذلك إذا وجد الماء في الصلاة؛ لأنه إن كان قد وجده في موضع، فليس ذلك بفعل الغير، وإن جاء به ركب، فليس البطلان بفعل الغير، وإنما هو بفعله، وهو ترك الاستعمال، ألا ترى أنه لو رآه، وهو لا يقدر على استعماله لمرض أو عطش، لم تبطل صلاته؟ واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ قال: "لا يقطع صلاة المرء شيء، وادرؤوا ما استطعتم" (٢)، وهذا عام. والجواب: أنا نخصُّه، ونحمله على غير الكلب الأسود؛ بدليل ما ذكرنا. واحتج: بأنه ذو روح، فلم تبطل الصلاة به، دليله: الأصفر والأبيض وسائر الحيوانات. والجواب: أن هذا قياس يعارض النص، والإجماع، فلم يصح استعماله، على أنه ليس إذا لم يقطعها غير الأسود، وتجب أن لا يقطعها الأسود، ألا ترى أن النوم جالسًا لا يقطع الطهارة عندهم، ويقطعها القائم والساجد؟ وكذلك مس الذكر ببطن كفه ينقض، ولا ينقض بظهره، وأجود

стр. 315

من هذا: أن دم الاستحاضة ودم الحيض يشتركان في الاسم، ويختلفان في الحكم، وكذلك بول الغلام والجارية. واحتج: بأنه فعل من جهة الغير، فلم تبطل صلاته كسائر الأفعال. والجواب: أنه يلزم عليه انفضاض العدد في صلاة الجمعة، والله أعلم. * * * ٢٩ - مَسْألَة: إذا صلى على ظهر الكعبة، أو في جوفها صلاةَ الفريضة، لم تصح صلاته: وقد نص أحمد ﵀ على المنع في رواية إبراهيم بن الحارث، فقال: لا يصلي فوق بيت الله الحرام (١)، وكذلك نقل الأثرم عنه: إذا صلى فوق الكعبة، فلا تجوز صلاته (٢)، وكذلك نقل أحمد بن القاسم (٣) - وقد سئل عن الصلاة المفروضة في الكعبة -، فقال: في نفسي منه شيء (٤)،

стр. 316

وحُكي عن ابن عباس ﵄: أنه كان ينكره (١)؛ لأنه يجعل بعض البيت خلفه، والتطوع أسهل، والصلاة فوقه أيسرُ من الصلاة فيه، وكذلك نقل المروذي عنه: أنه قال: لا يصلي في الحِجْر، الحجر من البيت (٢)؛ فقد منع الصلاة فيه، وحمل أصحابنا ذلك المنعَ على الإبطال، وقد أطلق أحمد ﵀ القولَ في رواية أبي طالب (٣) - وقد سئل: أيصلي الرجل في البيت؟ - قال: نعم، ويقوم كما قام النبي ﷺ بين الأسطوانتين، وهذا محمول على صلاة التطوع. فأما قوله في رواية ابن القاسم: الصلاة فوق أيسر، فقد نقل الأثرم عنه خلاف هذا، فقال: أما فوق الكعبة، فلم يختلفوا بأنه لا يجوز، واحتج بالحديث: "لا قِبلَة له" (٤).

стр. 317

وقال أبو حنيفة (١)، وداود (٢): تجوز الصلاة فيها، وعلى ظهرها إذا كان قدامه شيء من السطح، أو أرض البيت. وروي عن مالك روايتان: إحداهما: مثل مذهبنا، وهو المشهور عنهم، والثانية: مثل قول أبي حنيفة ﵀ (٣). وقال الشافعي ﵁: إن صلى على ظهرها، لم (٤) إلا أن يكون بين يديه سترة مبنية بجص أو طين، فأما إن كان لَبِنًا، أو آجرًا منصوبًا بعضُه فوق بعض، لم تجز، وإن غرس خشبة، فاختلفوا، فمنهم من قال: تصح، ومنهم من قال: تبطل. وإن صلى في جوفها مقابلًا للباب، لم تجز إلا أن يكون بين يديه عتبة شاخصة متصلة بالبناء (٥). دليلنا على أنه لا تجوز صلاة الفرض من فوقها ولا فيها، سواء كان بين يديه سترة متصلة أو لم يكن: قوله : ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ومنه ثلاثة أدلة: أحدها: أنه أمرنا أن نصلي إلى البيت؛ لأن الشطر هو: النحو

стр. 318

والتلقاء، ومنه قول الشاعر: أقولُ لأُمِّ زِنْبَاعٍ أَقِيمي (١) … صُدورَ العِيسِ (٢) شَطْرَ بَني تَميمِ (٣) يعني: نحوهم، وإذا كان مأمورًا أن يصلي إلى البيت، فإذا صلى على ظهره، فهو مصلٍّ (٤) عليه، وليس بمصلًّ إليه، فيجب أن لا تصح صلاته، ألا ترى أن المصلي على الراحلة يسمى مصليًا عليها، ولا يسمى مصليًا إليها، وكذلك إذا صلى على بساط، قالوا: صلى عليه، ولا يقولون (٥): صلى إليه، وكذلك من صلى في دار، يقال: صلى فيها، ولا يقال: صلى إليها، فلما كان المصلي عليها وفيها لا يكون مصليًا إليها، كان الأمر بالصلاة إليها باقيًا، فيلزمه إعادتها.

стр. 319

فإن قيل: إذا كان بين يديه جزء من البيت، أو من السطح، فقد صلى إليه. قيل له: فيجب إذا صلى على الراحلة وعلى البساط يقال (١): قد صلى إلى الراحلة وإلى البساط؛ لأن بين يديه جزء [اً] منه، وأحد من أهل اللغة لا يقول هذا. والدليل الثاني من الآية الكريمة: أنه بالصلاة إلى البيت (٢)، وإذا صلى فيه أو عليه، فقد صلى إلى بعضه وجزء منه، وهذا خلاف ما اقتضاه الأمر. فإن قيل: الشطر لا يقتضي الجملة، وإنما يقتضي البعض، ولهذا يقال: شطرت الشيء؛ أي: جعلته نصفين (٣)، ويقولون في مثلٍ لهم: احلب حلبًا لك شطره؛ أي: نصفه (٤). قيل له: يجوز أن يستعمل الشطر في البعض في غير هذا الموضع، فأما في هذا الموضع، فلا؛ لما روي عن علي (٥)، ..............

стр. 320

والبراء بن عازب (١) ﵄: أن الشطر: النحو، والقبالة، فكان المرجع إلى التفسير في ذلك أولى. وعلى أن الموضع الذي يستعمل فيه الشطر للبعض فهو النصف، ومنه قول النبي ﷺ : "تمكث شطر دهرها" (٢)، والمراد به: النصف، ومنه: لو وصى لرجل بشطر ماله، كان له نصفه، وأحد ما قال: يجب أن يتوجه إلى نصفه، فامتنع أن يكون المراد: البعض، وإنما المراد به: النحو. والثالث من الآية الكريمة: أن الأمر إنما يتوجه إلينا إذا كنا على صفة يصح منا فعلُ المأمور به وتركُه؛ لأن المأمور إنما يكلَّف ليفعل أو
следующие страницы →