وحُكي عن ابن عباس ﵄: أنه كان ينكره (١)؛ لأنه يجعل بعض البيت خلفه، والتطوع أسهل، والصلاة فوقه أيسرُ من الصلاة فيه، وكذلك نقل المروذي عنه: أنه قال: لا يصلي في الحِجْر، الحجر من البيت (٢)؛ فقد منع الصلاة فيه، وحمل أصحابنا ذلك المنعَ على الإبطال، وقد أطلق أحمد ﵀ القولَ في رواية أبي طالب (٣) - وقد سئل: أيصلي الرجل في البيت؟ - قال: نعم، ويقوم كما قام النبي ﷺ بين الأسطوانتين، وهذا محمول على صلاة التطوع.
فأما قوله في رواية ابن القاسم: الصلاة فوق أيسر، فقد نقل الأثرم عنه خلاف هذا، فقال: أما فوق الكعبة، فلم يختلفوا بأنه لا يجوز، واحتج بالحديث: "لا قِبلَة له" (٤).
стр. 317
وقال أبو حنيفة (١)، وداود (٢): تجوز الصلاة فيها، وعلى ظهرها إذا كان قدامه شيء من السطح، أو أرض البيت.
وروي عن مالك روايتان: إحداهما: مثل مذهبنا، وهو المشهور عنهم، والثانية: مثل قول أبي حنيفة ﵀ (٣).
وقال الشافعي ﵁: إن صلى على ظهرها، لم (٤) إلا أن يكون بين يديه سترة مبنية بجص أو طين، فأما إن كان لَبِنًا، أو آجرًا منصوبًا بعضُه فوق بعض، لم تجز، وإن غرس خشبة، فاختلفوا، فمنهم من قال: تصح، ومنهم من قال: تبطل. وإن صلى في جوفها مقابلًا للباب، لم تجز إلا أن يكون بين يديه عتبة شاخصة متصلة بالبناء (٥).
دليلنا على أنه لا تجوز صلاة الفرض من فوقها ولا فيها، سواء كان بين يديه سترة متصلة أو لم يكن: قوله : ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
ومنه ثلاثة أدلة:
أحدها: أنه أمرنا أن نصلي إلى البيت؛ لأن الشطر هو: النحو
стр. 318
والتلقاء، ومنه قول الشاعر:
أقولُ لأُمِّ زِنْبَاعٍ أَقِيمي (١) … صُدورَ العِيسِ (٢) شَطْرَ بَني تَميمِ (٣)
يعني: نحوهم، وإذا كان مأمورًا أن يصلي إلى البيت، فإذا صلى على ظهره، فهو مصلٍّ (٤) عليه، وليس بمصلًّ إليه، فيجب أن لا تصح صلاته، ألا ترى أن المصلي على الراحلة يسمى مصليًا عليها، ولا يسمى مصليًا إليها، وكذلك إذا صلى على بساط، قالوا: صلى عليه، ولا يقولون (٥): صلى إليه، وكذلك من صلى في دار، يقال: صلى فيها، ولا يقال: صلى إليها، فلما كان المصلي عليها وفيها لا يكون مصليًا إليها، كان الأمر بالصلاة إليها باقيًا، فيلزمه إعادتها.
стр. 319
فإن قيل: إذا كان بين يديه جزء من البيت، أو من السطح، فقد صلى إليه.
قيل له: فيجب إذا صلى على الراحلة وعلى البساط يقال (١): قد صلى إلى الراحلة وإلى البساط؛ لأن بين يديه جزء [اً] منه، وأحد من أهل اللغة لا يقول هذا.
والدليل الثاني من الآية الكريمة: أنه بالصلاة إلى البيت (٢)، وإذا صلى فيه أو عليه، فقد صلى إلى بعضه وجزء منه، وهذا خلاف ما اقتضاه الأمر.
فإن قيل: الشطر لا يقتضي الجملة، وإنما يقتضي البعض، ولهذا يقال: شطرت الشيء؛ أي: جعلته نصفين (٣)، ويقولون في مثلٍ لهم: احلب حلبًا لك شطره؛ أي: نصفه (٤).
قيل له: يجوز أن يستعمل الشطر في البعض في غير هذا الموضع، فأما في هذا الموضع، فلا؛ لما روي عن علي (٥)، ..............
стр. 320
والبراء بن عازب (١) ﵄: أن الشطر: النحو، والقبالة، فكان المرجع إلى التفسير في ذلك أولى.
وعلى أن الموضع الذي يستعمل فيه الشطر للبعض فهو النصف، ومنه قول النبي ﷺ : "تمكث شطر دهرها" (٢)، والمراد به: النصف، ومنه: لو وصى لرجل بشطر ماله، كان له نصفه، وأحد ما قال: يجب أن يتوجه إلى نصفه، فامتنع أن يكون المراد: البعض، وإنما المراد به: النحو.
والثالث من الآية الكريمة: أن الأمر إنما يتوجه إلينا إذا كنا على صفة يصح منا فعلُ المأمور به وتركُه؛ لأن المأمور إنما يكلَّف ليفعل أو
стр. 321
يترك، فما لا يصح منا تركُه، لا يصح أن يؤمر بفعله، ومعلوم أن من هو في البيت أو فوقه لو أراد أن لا يولي وجهه شطره، لم يمكنه، فعلم أنه مأمور بأن يحصل على صفة يصح منه الفعل والترك، وهو الخروج عنه. ومن جهة السنة: ما روى أبو بكر الأثرم بإسناده، وذكره أبو بكر في كتابه عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يصلَّى في ظهر بيت الله" (١).
وروى شيخنا (٢) في كتابه بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في سبعة مواطن: المقبرة، والمجزرة، والمزبلة، والحمام، ومَحَجَّة الطريق، وظهر بيت الله الحرام، ومَعاطِن الإبل" (٣)، والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
стр. 322
فإن قيل: نحمله عليه إذا كان مقتديًا بغيره، فيكون هو فوق السطح، وإمامُه على ظهر الأرض، فيكره له ذلك.
قيل له: لا يجوز حملُه على ذلك؛ لأنه لا يختص به ظهر الكعبة، بل المساجد كلها في ذلك سواء.
فإن قيل: نحمله على مَنْ صلى على طرف ليس بين يديه من أرض السطح شيء.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأن هذا اسم يعم جميع أرض السطح، ولا يصح حمله على غيره، وأيضًا: رُوي عن عمر ﵁: أنه نهى عن الصلاة على ظهر الكعبة (١)، وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: لا يصلى في جوف الكعبة، ولا في فوقها، وفي لفظ آخر: لا تجعل شيئًا من البيت خلفك (٢).
والقياس يقول: صلى على الكعبة، فلم تصح صلاته، كما لو صلى
стр. 323
على منتهى طرف سطحها، وافق أبو حنيفة ﵀: أنها لا تصح، وكما لم يكن بين يديه سترة ظاهرة، وافق الشافعي ﵀ على أنه لا تصح صلاته.
فإن قيل: المعنى فيه إذا كان هناك سترة: أنه صلى إلى شيء شاخص منها، فلهذا لم يكره.
قيل له: فإذا صلى على جبل أبي قبيس (١)، جازت صلاته، وإن لم يكن مصليًا إلى شيء شاخص منها، فبطل هذا.
فإن قيل: المعنى فيه إذا لم يكن بين يديه شيء من سطح البيت، ولا شيء من أرضه: أنه غير متوجه إلى شيء من البيت، فلهذا لم تجزئه، وها هنا هو متوجه إلى شيء من البيت، فأجزأه كما لو كان خارجًا منه.
قيل له: هو مأمور بالتوجه إليه، لا إلى شيء منه؛ بدليل قوله : ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛ ولأنه إذا صلى فيه أو عليه، فلا يوصف بأنه متوجه إليه؛ كما لا يوصف من صلى على الراحلة ولا على البساط أنه متوجه إليه، وإنما يقال: هو مصل عليه لا إليه، وعلى أنه إذا كان خارجًا منها لا يقال: صلى إلى شيء منها، وإنما صلى إلى
стр. 324
جميعها، كما أن من صام جميع شهر رمضان لا يوصف بأنه صام يومًا منه؛ ولأنه صلى وهو مستدبر لشيء من القبلة في حال القدرة على الاستقبال، فلم يصح فرضه؛ كما لو رفع بنيان البيت، ولن يرفع.
فإن أصحاب الشافعي ﵏ قالوا (١): لا تصح الصلاة فيه، وإنما تصح إليه، وإن شئت قلت: استدبرَ من البيت ما لو استقبله، أجزأه، فلم تصح صلاته، دليله: خارج البيت، ولا نوع عبادة تختص البيت، فلا يصح فعلها فيه، ولا عليه، دليله: الطواف، ولا يلزم عليه صلاة النافلة؛ لأن التعليل لجملة النوع، والنافلة بعض النوع.
فإن قيل: الطواف يفارق الصلاة، ألا ترى أنه لا يصح نفلُه فيها، ولا عليها؟ وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يصح نفل الصلاة فيها وعليها، فصح فرضها.
قيل له: صلاة النافلة تصح على الراحلة، ولا تصح الفريضة، كذلك في مسألتنا.
فإن قيل: إنما لم يصح الطواف فيها ولا عليها؛ لأنه لا يستوعب البيت العتيق بالطواف.
قيل له: كذلك إذا صلى فيها، فهو مستدبر لشيء منها، وهو مأمور بالاستقبال، ممنوعٌ من الاستدبار؛ ولأنه إذا صلى فيها، فهو مستقبل لها، ومستدبر أيضًا، فقد اجتمع في هذه الصلاة حظر يختصها وإباحة، فوجب
стр. 325
أن يغلب حكم الحظر، كما إذا اجتمع ذلك في الذكاة، وفي المنكوحة.
فإن قيل: لا تأثير لقولك: مستدبر لشيء من البيت، وعندك: أنه لو وقف بمنتهى (١) البيت بحيث لا يكون خلفه شيء، لم يصح.
قيل: تعليل أحمد ﵀ في رواية ابن القاسم يقتضي الجواز؛ لأنه قال له: لم كرهت الصلاة في البيت؟ قال: لأنك تجعل بعض البيت خلفك، ولو لم يقل هذا، لم يضر؛ لأنه إذا لم يستدبر، لبطل لعلة واحدة، وإذا صلى في وسطه، بطل لعلتين.
وطريقة أخرى، وهو: أن استقبال القبلة شرط من شرائط الصلاة؛ كالستارة، والطهارة، ثم ثبت أنه لو ستر بعض العورة، وكشف بعضها، أثَّر الكشف في الستر، ومنع من صحة الصلاة، وكذلك لو غسل بعض الأعضاء، ولم يغسل بعضها، أثَّر ما لم يغسله فيما غسله، ومنع من صحة الصلاة، كذلك ها هنا إذا استقبل بعضها، واستدبر بعضها، أثر ما استدبره فيما استقبله، ومنع من الصحة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، فأخبر أن البيت محل الركوع.
والجواب: أن معناه: للركوع والسجود إليه، لا فيه، ألا ترى أنه قال: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾، وأجمعنا على أنه لا يجوز الطواف فيه؟
стр. 326
واحتج بما رُوي: أن النبي ﷺ دخل البيت، فصلى فيه (١).
والجواب: أن تلك الصلاة كانت نافلة؛ لأنه رُوي: أنه لما دخل، أغلق الباب عليه، وصلى ركعتين، ومعلوم أنه ما كان ينفرد بصلاة الفريضة وحدَه، بل يجمع بمن معه.
واحتج: بما رُوي عن عائشة ﵂: أنها قالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أصلي في البيت؟ فقال لها النبي ﷺ : "في الحِجْر؛ فإنه من البيت" (٢).
والجواب: أنا نجيز النذر في البيت؛ لأن النذر يعتبر فيه لفظ الناذر، ولهذا نقول: لو نذر أن يصلي على الراحلة، أجزأه، ولو أطلق النذر، لم يجزئه.
واحتج: بأنها بقعة طاهرة مستقبل بها البيت، فصحت، كما لو كان خارج البيت.
والجواب: عن قوله: مستقبل بها البيت، لا نسلِّم؛ لأن من صلى فيه وعليه لا يقال: صلى إليه، كما لا يقال: صلى إلى الراحلة، وإلى
стр. 327
البساط، ثم المعنى هناك: أنه يصير (١) مستدبر [اً] لشيء من البيت، وها هنا هو مستدبر فلم تصح صلاته؛ تغليبًا للحظر.
واحتج: بأن كل بقعة جاز فعلُ النافلة فيها، جاز فعلُ الفرض فيها، دليله: خارج البيت.
والجواب: أنه لا يمتنع أن تجوز صلاة النافلة، وإن لم تجز صلاة الفريضة، كما قلنا في الصلاة على الراحلة، ثم المعنى في الأصل ما ذكرنا.
واحتج: بأنكم أجزتم صلاة النافلة في الكعبة، ولو كان في حكم المستدبر، لم يجز فعله في الكعبة؛ لأن القبلة لا يجوز تركها إلا على الراحلة.
والجواب: أنه لا يمتنع الإخلال بها في النافلة؛ كما جاز الإخلال بالقيام فيها، ولم يجز ذلك في الفريضة.
واحتج: بأن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، ووجدنا أن استدباره لبعضها ليس بنهي عن الاستقبال.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يكون الاستدبار نهيًا عمّا استقبله، ويؤثر في البطلان؛ كما أنّ كشف (٢) بعض العورة ليس بنهي عما ستره، وقد أثر في البطلان، وكذلك ما لم يغسله من الأعضاء ليس بنهي عما
стр. 328
غسله، وقد أثر في البطلان.
واحتج: بأنه لو صلى على عتبة الكعبة، صحت صلاته، كذلك إذا صلى داخلها.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية فيه، وتعليله يقتضي جواز الصلاة؛ لأنه قال: لا يجوز الصلاة في الكعبة؛ لأنه يستدبر، فاقتضى تعليله: أنه إذا كان على العتبة بحيث لا يستدبر منه: أنه يجوز، وكان المعنى فيه: أنه غير مستدبر لشيء من القبلة، وها هنا هو مستدبر لشيء منها، فلهذا لم يصح.
فإن قيل: فما تقولون في الحِجْر؟
قيل: نقول ما نقول في البيت، نص عليه في رواية ابن القاسم، فقال: الصلاة في الحجر بمنزلة الصلاة في البيت.
آخر الجزء الثالث عشر من أجزاء المصنف ﵀.
* * *
٣٠ - مَسْألَة
إذا صلى في المواضع المنهي عن الصلاة فيها، وهي: المقبرة، والحمام، والحُشّ، وقارعة الطريق، وأعطان الإبل (١)،
стр. 329
وظهر بيت الله الحرام، كُره له ذلك، وهل تبطل صلاته، أم لا؟ على روايتين:
إحداهما: تبطل:
نص عليه في رواية صالح: في الصلاة في مواضع نهى النبي ﷺ مثل معاطن الإبل والمقبرة: يعيد الصلاة (١)، وهو اختيار الخرقي (٢).
والثانية: لا تبطل صلاته:
نص عليه في رواية أبي الحارث في الصلاة في المقبرة والحمام ومرابض الإبل (٣): يكره ذلك، قيل: فإن صلى يعيد؟ قال: إن أعاد (٤)، كان أحبَّ إليَّ (٥)، وبهذا قال أكثر الفقهاء (٦).
стр. 330
وروى حنبل عنه: لا يصلي في أعطان الإبل، فإن صلى ولا يعلم، ولم يسمع الخبر عن رسول الله ﷺ ، رجوت أن لا يلزمه الإعادة، وإن كان قد سمع وفعل، أعاد (١).
فقد فرق بين أن يكون قد بلغه النهي، وخالفه: أن صلاته تبطل، وهذا يدل من مذهبه على أنه حمل النهي على التحريم والإبطال.
والدلالة على أن صلاته باطلة: ما روى أحمد ﵀ في المسند (٢) قال: نا أحمد بن عبد الملك (٣) قال: نا محمد بن سلمة (٤) عن محمد بن إسحاق (٥)، عن عمرو بن يحيى بن عمارة (٦)، عن أبيه (٧)، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل الأرض مسجد وطهور، إلا
стр. 331
المقبرة والحمام" (١)، وهذا يمنع أن يكون المقبرة والحمام مسجدًا وطهورًا، وإذا لم تكن مسجدًا، لم تصح صلاته.
وروى أحمد ﵀ (٢)، وذكره حنبل قال: نا غندر (٣) عن هشام (٤)، عن محمد (٥) حديثه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: "إذا لم تجدوا إلا مرابضَ الغنم ومعاطنَ الإبل، فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل" (٦)، وهذا نهي، ...................
стр. 332
والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
وروى أبو محمد بن أبي حاتم (١)، وشيخنا أبو عبد الله في كتابه بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في سبع مواطن: المقبرة، والمجزرة، والمزبلة، والحمام، ومحجة الطريق، وظهر بيت الله الحرام، ومعاطن الإبل" (٢).
وروى النجاد بإسناده عن هشام، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله ﵄، فقال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصلوا على جَوادِّ الطريق" (٣).
стр. 333
وروى أُسيد بن حُضير ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل" (١).
وروى أبو بكر بإسناده عن بسر بن عبيد الله (٢): أنه سمع أبا مرثد الغنوي ﵁ يخبر: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" (٣).
فإن قيل: إنما نهى عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأجل أبوالها.
قيل: أجاب أبو بكر عن هذا، فقال: لو كان كذلك، لم يفرق بينه وبين مرابض الغنم؛ لأنه فيها بولها.
стр. 334
فإن قيل: إنما نهى عن الصلاة فيها؛ لأنها تنفر، فتفزع المصلي، ولهذا قال النبي ﷺ : "إنها جن من جن" (١).
قيل: أجاب أبو إسحاق (٢) عن هذا بأنه: لو كان كذلك، ما صلى النبي ﷺ على البعير، ولا إليه.
فإن قيل: إنما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل؛ لأنه مناخ الركبان، وكانوا يبولون ويتغوطون في أمكنتهم، ثم يرحلون، فنهى أن يُصلى في أعطانها؛ لمواضع أبوال الناس.
قيل: قد روى أبو محمد [بن] (٣) أبي حاتم في كتابه بإسناده (٤) عن عبد الله (٥) بن مغفل المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشيطان" (٦)، فجعل
стр. 335
العلة معنى لا في الركبان.
ولأن الشافعي ﵁ قد قال (١): "العطن: موضع قرب البئر التي يسقى بها"، وليس العادة أن يبال في هذا الموضع.
فإن قيل: إنما نهي عن الصلاة في أعطانها؛ لأنها مألفة الجن، ويشهد لذلك: أن النبي ﷺ لما نام هو وأصحابه في الوادي حتى طلعت الشمس، لم يصل فيه (٢).
قيل: هذا يحتاج إلى نقل أنها مألفة الجن، وعلى أنه نقل في الخبر حكم وسبب، فالحكم المنع، والسبب العطن، فإذا حمل على ما ذكر، عدل به عن سببه.
ولأنه إجماع الصحابة ﵃:
روى حميد عن أنس ﵁ قال: كنت أصلي وبين يدي قبرٌ وأنا لا أشعر، فناداني عمر ﵁: القبر؛ فظننت أنه يعني القمر، فرفعت رأسي إلى السماء، فقال رجل: إنما يعني القبر، فتنحيت عنه (٣).
стр. 336
وقال علي بن أبي طالب ﵁: لا يُصلّى في حمام، أو عند قبر (١).
وقال جابر بن سمرة ﵁: لا يُصلّى في أعطان الإبل (٢).
وكذلك رُوي عن ابن عمر ﵄ (٣).
ذكر شيخنا ﵀ هذه الأخبار في كتابه، وهذا كله يدل على البطلان.
ولأنه صلى في المقبرة، والحمام، وأعطان الإبل، وقارعة الطريق، فلم تصح صلاته، كما لو صلى في هذه المواضع مع الإمام، ولم يقر (٤)
стр. 337
في صلاته، أو صلى إلى جنب امرأة.
فإن قيل: المعنى في ذلك: أنه لو صلى في غير هذه المواضع، بطلت صلاته.
قيل له: ليس كذلك عندنا؛ لأنها بقعة منهي عن الصلاة فيها نطقًا، فلم تصح الصلاة فيها، أصله: البقعة النجسة، ولا يلزم عليه لو صلى في دار الحرب مع قدرته على الهجرة: أنه تصح صلاته؛ لأن النهي عن الصلاة فيها استدلالًا، لا نطقًا.
ولا يلزم عليه قوله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (١)؛ لأن غير المسجد ليس بمنهي عن الصلاة فيه؛ بدليل أنه لو صلى في جماعة في منزله، لم يكن منهيًا عن الصلاة فيه، وإن شئت قلت: هذا النهي يختص الصلاة، أشبهَ البقعة النجسة.
واحتج المخالف: بما روى أحمد ﵀ بإسناده (٢)، وذكره حنبل عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركَتْ [رجلًا من] (٣) أمتي الصلاةُ، فعنده
стр. 338
مسجدُه وطَهورُه" (١).
والجواب: أنا قد روينا في خبر آخر زيادة، وأنه قال: "إلا المقبرة والحمام" (٢)، والأخذ بالزيادة أولى.
واحتج: بأنها بقعة طاهرة مستقبل بها القبلة، فيجب أن تصلح صلاته فيها.
دليله: سائر البقاع.
والجواب: أن هذا قياس يعارض الخبر، فيجب أن يسقط، ثم المعنى في تلك البقاع: أنه غير منهي عن الصلاة فيها، وهذه البقاع بخلافه، فهي كالبقعة النجسة. والله أعلم.
* * *
٣١ - مَسْألَة: إذا أسلم المرتد، لم يلزمه قضاء ما تركه من الصلوات والزكوات في حال رِدَّته:
стр. 339
هكذا ذكره شيخنا (١)، وقال أبو إسحاق ابن شاقلا: فيه روايتان:
إحداهما: لا قضاء عليه.
والثانية: عليه القضاء، وقد أومأ أحمد ﵀ إلى الروايتين جميعًا (٢).
فقال في رواية ابن منصور (٣): في المرتد إذا أسلم، وقد حال على ماله الحول، فلا يزكيه، ويستأنف الحول، وهذا نص في إسقاط قضاء الزكاة، وحكمُ الصلاة كذلك.
وقال أيضًا في رواية مهنا - فيما حكاه أبو بكر الخلال في أحكام أهل الملل (٤) -: إذا ارتد، ولحقَ بدار الحرب، فقَتل بها رجلًا مسلمًا، ثم عاد وقد أسلم، فأخذه وليّه، هل عليه قود؟ فقال: قد زال عنه الحكم؛ لأنه قتله وهو مشرك، وكذلك إن سرق وهو مشرك، فقيل له: فيذهب دم الرجل؟ فقال: لا أقول في هذا شيئًا.
وظاهر هذا يقتضي إسقاط القضاء؛ لأنه إسقاط (٥) الحد، وهو حق الله تعالى، وتوقف عن القصاص.
стр. 340
وبهذا قال أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، وداود (٣) ﵏.
وقد رُوي عنه ما يدل على إيجاب القضاء، فقال في رواية ابن منصور (٤)، ومهنا (٥) فيما حكاه أبو بكر بن جعفر في كتابه: في مرتد زنى وسرق وقطع الطريق وقتل النفس، ولحق بدار الحرب، ثم أخذه المسلمون؟ فقال: تقام عليه الحدود، ويُقتص منه، فقيل له في ذلك، فقال: تقام عليه الحدود والقصاص (٦).
وهذا يقتضي إيجابَ القضاء؛ لأنه لم يسقط عنه الحد في حال الردة، وهو حق لله تعالى، وبهذا قال الشافعي ﵀ (٧).
فالدلالة على إسقاط الحد: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهذا عام في كل كافر.
فإن قيل: الله تعالى علق الغفران بشرط الانتهاء، والانتهاء لا يحصل عندنا إلا باعتقاد وجوب القضاء لما تركه من الصلوات في حال الردة.
стр. 341
قيل له: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ [الأنفال: ٣٨] معناه: فإن ينتهوا من الكفر، وإذا أسلم المرتد، فلقد انتهى من الكفر، واعتقاد قضاء ما تركه في حال الكفر ليس من الانتهاء من الكفر في شيء، والذي يدل على ذلك: أن وجوب قضائها مختلف فيه، وهو مما يشرع فيه الاجتهاد، فلا جائز أن يكون شرطًا في إيمانه عن الكفر.
فإن قيل: هذا خطاب لغير المرتدين؛ بدليل: أنه لم يكن في وقت نزول هذه الآية مرتدون، وإنما كانوا كفار الأصل (١)، ويدل عليه: أنه قال: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] في وقعة بدر، وهذا يدل على أن المراد: كفار الأصل.
قيل له: الحكم يتعلق بعموم اللفظ دون السبب، واللفظ عام في كفار الأصل، والمرتدين، فوجب حمله على عمومه.
فإن قيل: الغفران يرجع إلى الذنب دون الواجبات؛ بدليل: أنه يقال: أُبرئ من الواجب، ولا يقال: غُفر له، ويدل عليه: أن المرتد إذا أسلم، لا يسقط عنه المطالبة بحقوق الآدميين، وإنما يسقط الذنب والإثم الذي كسبه بالكفر.
قيل له: لو خُلِّينا والظاهر، لقلنا: إن حقوق الآدميين تسقط بالانتهاء، لكن قام دليل الإجماع على أن حقوق الآدميين لا تُغفر، وبقي ما عداه على موجب الظاهر، وقولهم: إن لفظة الغفران لا تستعمل في الواجبات،
стр. 342
وإنما يرجع إلى الذنب لا يضر؛ لأن من أوجب القضاء ولم يقض، يقول: بأن ذنبه لا يغفر، فظاهر الآية يقتضي الغفران عنه بترك القضاء.
ومن جهة السنة: ما روي: أن النبي ﷺ أنه قال: "الإسلام يَجُبُّ ما قبله" (١)، يعني: يقطع حكمَ ما قبله، وهذا عام في المأثم وغيره.
والقياس: أنها صلوات تركَها في حال كفره، فلا يجب عليه قضاؤها بعد الإسلام.
دليله: الكافر الأصلي.
فإن قيل: الكافر الأصلي لم يلتزم وجوبَها، فلم يطالَب بها، والمرتد قد التزم وجوبَها.
قيل له: اللزوم لا يتعلق بالالتزام، ألا ترى أن الكافر الأصلي والمرتدَّ سواءٌ في لزوم الإسلام والشرائع، وإن كان أحدُهما التزم، والآخر لم يلتزم؟ فلو كان القضاء لازمًا لأحدهما، كان لازمًا للآخر؛ كلزوم الصلاة في الأصل، وسائر العبادات.
فإن قيل: المسلم إذا ترك الصلاة، لزمه قضاؤها، والكافر الأصلي لا يلزمه، وليس ها هنا معنى يفرق بينهما، إلا أن المسلم التزمها، والكافر لم يلتزمها، كذلك يجب أن يفرق بين الكافر الأصلي وبين المرتد بهذا المعنى.
стр. 343
قيل له: المسلم لم يلزمه القضاء؛ لأنه التزم، ألا ترى أنه يسقط عنه القضاء في حال إسلامه، مع وجود هذا المعنى؟ وهو: إذا أغمي عليه عندهم.
فإن قيل: الكفر الأصلي يطول، فلو قلنا: إنه يوجب القضاء، شق ذلك، ونَفَّر من الإسلام، والردة يقلُّ زمانُها، فلا يشق إيجابُ القضاء.
قيل له: هذا لا يدل على إيجاب القضاء؛ كما لم يدل زمان الإغماء على إيجاب القضاء عندَك، وإن كان الزمان في العادة يقلُّ، وكذلك زمان الحيض، والنفاس، والجنون، وعلى أنه قد يرتد، ويلحق بدار الحرب، ويطول مكثه فيها، فكان يجب أن يسقط عنه القضاء لهذا المعنى الذي ذكره.
وقياس آخر: وهو أن الكفر الأصلي لا يوجب القضاء، فالطارئ منه لا يوجب القضاء، دليله: الجنون.
واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتُها" (١)، ومنه دليلان:
أحدهما: أن المرتد إذا ترك الصلاة ناسيًا، أو في حال نومه، يجب عليه قضاؤها بحق الظاهر.
стр. 344
والثاني: أن الناسي يقع على الترك عمدًا، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، يعني: تركوا الله، فتركهم (١)، فأوجب القضاء على من ترك الصلاة.
والجواب: أن المرتد لا يدخل تحت العموم، ألا ترى أنه قال: "فليصلِّها إذا ذكرها"، وهذا يقتضي أن يكون ممن يصح منه فعلُ الصلاة في حال ذِكْره، ولو ترك المرتد صلاة ناسيًا، ثم ذكرها في حال ردته، لم يصح منه فعلُها، فعُلِم أنه غير داخل تحت اللفظ.
وأما قولهم: إن الناسي يقع على التارك عمدًا، فلا يصح؛ لأن النسيان تركٌ على صفة، وهو أن لا يكون معه ذِكْرٌ، ألا ترى أنه يصح أن يقال: ترك صلاته عمدًا، ولا يصح أن يقال: نسيها عامدًا، ويقال: تكلم في صلاته ناسيًا، ولا يقال فيها: تكلم عامدًا (٢)؟ والذي يدل عليه: أنه قال: "فليصلها إذا ذكرها"، فعلم أن المراد به: تركها مع فقد الذكر لها.
وأما قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ مجاز؛ لأنهم فعلوا ما يفعل الناسي من ترك الذكر لله ، فأجرى عليهم لفظ الناسي، ثم أجرى لفظ النسيان على الله على طريق المقابلة؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، والجزاء ليس بسيئة.
стр. 345
واحتج: بأنه تركَ الصلاة بمعصية بعد اعتقاد وجوبها، فوجب أن يلزمه القضاء؛ قياسًا على السكران، وقولهم: بمعصية، يحترزون به من المجنون، والمغمى عليه، والحائض، وقولهم: بعد اعتقاد وجوبها، يحترزون به من الحربي.
والجواب: أن شرط المعصية لا تأثير له في الأصل؛ لأنه لو كان السكر بغير معصية، وجب عليه القضاء أيضًا، وهو أن يكره على الشرب، فإن قاس على المسلم إذا تركها متعمدًا بغير عذر بهذه العلة، أجبنا عنه: بأن شرط المعصية في هذا الأصل لا معنى له؛ لأن المسلم لو تركها غير متعمد، وجب عليه القضاء، وهو أن ينسى أو ينام.
فإن قيل: له تأثير؛ لأنه لو تركها في حال الإغماء، لم يجب عليه القضاء؛ لأنه غير معصية.
قيل له: هناك لم يسقط القضاء عندك؛ لأنه غير معصية؛ بدليل: أن الناسي والنائم غير عاصٍ، ويجب القضاء، فعلمنا أن المغمى عليه لم يسقط بهذه العلة، وعلى أنه لا تأثير له في الفرع أيضًا؛ لأن المرتد لو أغمي عليه أيامًا، ثم أفاق وأسلم، وجب عليه القضاء، وعلى أن هذا منتقض بالحامل إذا ضربت بطنها، فأسقطت ونفست: أنها تترك الصلاة بسبب هو معصية بعد اعتقاد وجوبها، ولا قضاء عليها.
فإن قيل: المعنى هناك هو الضربةُ، والتركُ بالنفاس، وذلك ليس بمعصية؛ لأنه يحدث بفعل الله تعالى.
стр. 346
قيل له: وكذلك السكر ليس بمعصية؛ لأنه يحدث بفعل الله تعالى، وإنما المعصية هو نفس الشرب، ثم المعنى في الأصل: أن ترك الصلاة لم يقارنه الشرك، ولا ما يسقط، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الشرك قارنها، فمنع من قضائها؛ كالكفر الأصلي.
واحتج: بأنه ترك الصلاة بعد الإسلام في حال التمكن من فعلها، أو في حال القدرة على فعلها، فلزمه قضاؤها؛ قياسًا على العامد والسكران، وفيه احتراز من الحائض، والنفساء، والمجنون، والمغمى عليه؛ فإنهم لا يقدرون على فعل الصلاة الشرعية، وفيه احتراز من الكافر الأصلي؛ لقوله: بعد الإسلام.
والجواب: أنه لا تأثير للقدرة والتمكن في الأصل؛ لأن المسلم إذا ترك الصلاة وهو نائمٌ، أو ناسٍ، أو سكران، فإنه يجب عليه قضاؤها، وإن كان لا يقدر على فعلها.
فإن قيل: للقدرة تأثير في الحائض، والمجنون، والمغمى عليه.
قيل: إنما يؤثر ذلك في حكمهما (١) إذا كان سقوط القضاء عنهم لعدم القدرة والتمكن، وليس لهذه العلة، ألا ترى أن النائم، والناسي، والسكران يجب عليهم، وإن كان التمكن معدومًا في حقهم؟ فامتنع أن يكون سقوط القضاء عنهم لتلك العلة، وهي عدم التمكن.
فإن قيل: سقوط القضاء عن الحائض، والمغمى عليه، والمجنون
стр. 347
لعدم القدرة والتمكن، بمعنى: يكثر مصادفته للصلاة، ويفارق النوم، والسكر، والنسيان؛ فإنه لا يكثر مصادفته للصلاة، فلم يسقط القضاء.
قيل له: الإغماء لا يكثر مصادفته، وهو مسقط للقضاء عندك، فامتنع أن يكون العلة ما ذكرت.
فإن قيل: مشاركة من لا يقدر على فعلها في سقوط القضاء لا يمنع تأثير العلة؛ لأن القضاء إذا وجب على من لا يقدر على فعلها، كان من يقدر على فعلها وتركها أولى بوجوب القضاء من طريق التنبيه.
قيل له: فيجب أن يوجب القضاء على الكافر الأصلي، لوجود هذه العلة فيه، وهو قدرته على فعلها، وعلى أنه إنما يكون تنبيهًا على القادر إذا سلمنا أن العلة في إيجاب القضاء القدرةُ، فنقول: إذا وجب على من لا يقدر، أولى أن يجب على من يقدر، ونحن لا نسلم أن العلة هذه، ألا ترى أن الحربي يقدر ولا يقضي؟ ويفارق هذه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلُ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]: أنه تنبيه على الضرب؛ لأن علة النهي هناك رفع الضرب عنهم، وهذا موجود في القليل والكثير، وأما الأصل، فقد تكلمنا عليه.
واحتج: بأنه جحودٌ توسَّطَ بين إقرارين، فوجب أن لا يكون للجحود حكم فيما شاركه الإقرار، أصله: الإقرار بالحقوق من الحدود، والأموال، والعقود.
والجواب: أن هذا منتقض بالوديعة إذا أقرّ بها، ثم جحدها، ثم أقرّ بها؛ فإن الجحود له حكم، وهو الضمان، وعلى أنه لا تأثير له في
стр. 348
الأصول التي قاس عليها؛ لأنه لا يحتاج إلى أن يكون الجحود متوسطًا بين إقرارين؛ لأن الجحود الذي لم يتقدمه إقرار إذا تعقبه إقرار، لم يكن له حكم، ثم المعنى في تلك الحقوق التي هي الحدود، والعقود، والأموال إذا حصل الإقرار بها بعد الجحود، لم يكن للجحود حكم، سواء تقدمه إقرار، أو لم يتقدمه إقرار، وليس كذلك في الصلاة، والصيام، والزكاة؛ لأنه لو حصل الإقرار بها بعد جحود لم يتقدمه إقرار، كان للمجحود حكم، وهو في حق الكافر الأصلي؛ فإن لجحوده حكمًا، وهو إذا تعقبه الإقرار بالإسلام، فكذلك جاز أن يكون له حكم إذا تقدم الجحودَ إقرار.
واحتج: بأن الإسلام يتضمن وجوبَ الوفاء بحقوق الله تعالى، وحقوقِ الآدميين، وقد أجمعنا على أن الردة لا تؤثر في إسقاط حقوق الآدميين من نفس أو مال.
والجواب: أنه ليس إذا لم يؤثر في حقوق الآدميين يجب أن لا يؤثر في حقوق الله تعالى، ألا ترى أن عقد الذمة لا يؤثر في حقوق الآدميين من الأنفس، والأموال، ويؤثر في حقوق الله تعالى؟ وكذلك الحيض، والنفاس، والجنون، والصغر كذلك في مسألتنا.
فإن قيل: عقد الذمة يتضمن الوفاء بحقوق الآدميين دون الوفاء بحقوق الله تعالى، وليس كذلك عقد الإسلام؛ فإنه يتضمن الوفاء بحقوق الله تعالى وحقوق الآدميين.
قيل له: إنما يتضمن الوفاءَ بحقوق الله تعالى بشرط المقام على الإسلام، وقد عدم الشرطُ بالردة.
стр. 349
* فصل:
فإن ترك صلوات، أو صيامًا، أو زكاة في حال إسلامه، ثم ارتد، ثم أسلم، فإنه يجب عليه قضاء ما ترك في حال ردته، هكذا ذكره شيخنا (١)، وقد نص عليه أحمد ﵀ في رواية ابن منصور (٢)، وقد ذكر له قول سفيان (٣): فمن حج، وأصاب في حجته تلك ما يوجب عليه الكفارات، ثم ارتدَّ، ثم أسلم، فلا كفارة عليه، فقال أحمد ﵀: كل شيء وجب عليه وهو مسلم، فهو عليه، لا بد أن يأتي به.
وحكى (٤) له قولَ سفيان: فمن سرق، ثم ارتد عن الإسلام، ثم تاب، هدم الإسلامُ ما كان قبل ذلك، إلا حقوقَ الناس بعضِهم في بعض، فقال أحمد ﵀: يقام عليه الحد، واستبشع (٥) هذا من قوله (٦).
وقد نص على أن ما وجب عليه في حال الإسلام من حقوق الله تعالى لا تسقط بالردة.
стр. 350
وقال أبو حنيفة (١)، ومالك (٢) - رحمهما الله -: يسقط ذلك كما يسقط عنه ما تركه في حال ردته.
دليلنا: أنها صلوات تركها في حال الإسلام بعد وجوبها، فلزمه قضاؤها.
دليله: لو لم يرتد، ولا يلزم عليه المجنون والحائض؛ لقولنا: تركها بعد وجوبها، ولا يلزم عليه ما تركه في حال الردة؛ لقولنا: في حال الإسلام.
ولأن الكفر معصية، فلم يُسقط صلاة وجبت قبله، دليله: شرب الخمر، والتشاغل بالمعاصي حتى فاتت الصلاة.
ولأن الكفر يمنع وجوبًا مستقبلًا (٣)، فلم يُسقط وجوبًا سابقًا، كذلك ها هنا.
فإن قيل: الإسلام يمنع وجوبًا مستقبلًا للجزية، ويمنع وجوبًا سابقًا.
قيل: إنما كان كذلك في الجزية؛ لأنها تجب عقوبة، والمسلم ليس من أهل العقوبة، فاستوى فيه السابق والمستقبل؛ كالقتل، وليس كذلك
стр. 351
الصلاة وغيرُها من العبادات؛ لأن طريق قصاصها ترك بعد وجوب في حال الإسلام، وهذا موجود ها هنا، على أن الجزية حُجَّة لنا؛ لأن الإسلام أسقطها في المستقبل والماضي جميعًا، يجب (١) أن يستويا ها هنا في الإيجاب في المستقبل والماضي؛ ولأنه حق وجب عليه في حال إسلامه، فلم يسقط بالردة، دليله: حقوق الآدميين.
فإن قيل: حقوق الآدميين لا يمنع منها حالة الردة، فلهذا لم يمنع فيما مضى.
قيل: لا يمتنع أن يتفقا فيما قبل الردة في الوجوب، ويختلفان في حال الردة؛ كالحائض والمجنون، إذا طرأ الحيض والجنون عليها، وقد ثبتت في ذمتها عبادة، فإنها لا يُسقطها كالذنوب، ويختلفان في حال الحيض، فيلزمها حقوق الآدميين، ولا يلزمها الصلاة.
فإن قيل: فقد اعتمدتم الفرق في الفصل الذي قبل هذا، بين حقوق الله تعالى، وحقوق الآدميين، فكيف جمعتم بينهما ها هنا؟
قيل: اعتمدنا الفرق بينهما في حالة الكفر، ونحن جمعنا بينهما في حالة الإسلام، فهما سواء.
واحتج المخالف: بأن الكفر يُحبط العمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وإذا حبط عملُه، صار بمنزلة الكافر الأصلي، فلا
стр. 352
يجب عليه قضاء ما تركه من الصلوات، كما لا يجب على الكافر الأصلي، ويدل عليه أيضًا: أن عمله بالحج ينحبط، ويجب عليه القضاء، فدل على أنه كالكافر الأصلي، وكذلك الطهارة تبطل، ويدل عليه أيضًا: أنه لا قضاء لما تركه في حال ردته؛ كالكافر الأصلي.
والجواب: أن عندنا لا يحبط عمله بنفس الردة، وإنما ينحبط إذا مات على الردة، وكل ما فعله قبل الردة مثل: الحج، والصلاة، والصيام، والطهارة فحكمه قائم كما كان لم يبطل، ولكنا أوجبنا عليه الحج بعد إسلامه؛ لأنه إسلام طرأ بعد كفر، فلزمه الحج؛ كالحربي، ولأن هذا الإسلام الثاني يلزمه فيه جميع العبادات من الصلاة، والصيام، والزكاة؛ كما يلزمه في الإسلام الأول، كذا يجب أن يلزمه الحج، ولم يلزمه في الإسلام الثاني قضاءُ ما فعله قبل الردة؛ لأنه يفعل أمثال تلك العبادات في أوقاتها، فلا حاجة إلى قضائها؛ ولأنها تكثر، فيؤدي إلى المشقة، وليس كذلك الحج؛ لأنه لا يفعل أمثاله في الإسلام الثاني؛ ولأنه لا يكثر، فلا مشقة في فعله، وأما الطهارة، فإنما يلزمه إعادتها بعد الإسلام؛ لأنها عبادة تفتقر إلى نية، فأبطلتها الردة؛ كالصلاة إذا كان محرمًا بها، وكالصوم، ثم ارتد (١) في أثنائه؛ فإنه يبطل، كذلك الطهارة يجب أن تبطل بالردة، فامتنع أن يكون بطلانها يحبط العمل.
وأما ما تركه في حال ردته، فإنما لم يلزمه قضاؤه؛ لأنه تركه في حال
стр. 353
كفره، فهو كالكافر الأصلي، ولم يسقط القضاء عنه؛ لأن عمله انحبط، بل لأجل مقاربة الترك للكفر (١)، وليس يمتنع مثلُ هذا، ألا ترى أن الحيض إذا قارب وقت الصلاة، منع الإيجاب، وإذا طرأ بعد الإيجاب، لم يسقطه؟ وكذلك الجنون، والنفاس، والذي يدل على أن الردة لا تحبط العمل: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فأخبر أن المرتد الذي يحبط عمله هو الذي يموت على ردته، فعلق حبوط العمل بشرطين: أحدهما: الردة.
والثاني: الموت عليها، وهذا يقتضي جنس الكفار، فلا بنفي (٢) كافرًا ينحبط عمله إلا بالردة والموت، وعندهم: ينحبط عمله بأحد الشرطين، وهو: الردة فقط، والذي يدل على أنه يقتضي الجنس: إدخال الألف واللام في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وهذا كقوله: من قتل عمدًا مكافئًا، فأولئك الذين وجب عليهم القتل، ومن تعدى في الوديعة، فأولئك عليهم الضمان؛ فإنه ينفي وجوبَ القتل بغير العمد، ووجوبَ الضمان بغير عدوان، كذلك ها هنا.
فإن قيل: الشرطان أفادا الخلود، ولم يفيدا حبط العمل، ألا ترى أنه بيَّن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ولم يرجع إلى حبط العمل؟
стр. 354
قيل له: يجب أن يرجع كل واحد من الحُكمين - أعني: حبط العمل، والخلود - إلى الشرطين جميعًا، ولا يرجع أحدهما إلى الشرطين دون الآخر، وهذا كقوله: لا تطأ وأنت محرِم، فعليك القضاء والكفارة، فإن كل واحد من الحُكمين راجع إلى الشرطين، وهما: الوطء، والإحرام. وكذلك قوله لعبد: إذا دخلتَ الدار، وكلمتَ زيدًا، فأنت حر، وامرأته طالق، فإن كل واحد من الشرطين، وهو: العتق، والطلاق راجع إلى الشرطين، فلا يعتق حتى يدخل الدار، ويكلم زيدًا، وكذلك: لا تطلق إلا بهما.
كذلك ها هنا يجب أن يكون حبط العمل يتعلق بالشرطين: الردة، والموت، والخلود متعلق بهما أيضًا، وهذه الآية أخصُّ من قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]؛ لأنه لم يذكر في ذلك الموت، وقد ذكره ها هنا، على أنه قد قيل: إن في سياق هاتين الآيتين ما يدل على أن المراد به: إذا مات على كفره، دونَ مَنْ أسلمَ.
واحتج بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقول النبي ﷺ "الإسلام يجبّ ما قبله" (١).
والجواب: أن هذا محمول على ما تركه في حال كفره؛ بدليل ما ذكرنا.
стр. 355
واحتج: بأن الإسلام طارئ بعد كفر متقدم، فمنع من إيجاب القضاء لما ترك، دليله: ما تركه في زمان كفره.
والجواب: أن المعنى هناك: أن الترك حصل في زمان الكفر، وليس كذلك ها هنا؛ لأن الترك حصل في حال الإسلام بعد الوجوب، فهو كما لو ترك بسكر أو غيره. والله أعلم.
* * *
٣٢ - مَسْألَة: فإن أسلم المرتدُّ وقد حجَّ، لزمه إعادةُ الحج:
نص عليه في رواية حنبل (١)، وابن منصور (٢)، وقال أبو إسحاق: فيها روايتان (٣):
إحداهما: مثل هذا، وأنه يلزمه إعادته.
وهو قول أبي حنيفة (٤)، ومالك (٥) - رحمهما الله -.