← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الصلاة وغيرُها من العبادات؛ لأن طريق قصاصها ترك بعد وجوب في حال الإسلام، وهذا موجود ها هنا، على أن الجزية حُجَّة لنا؛ لأن الإسلام أسقطها في المستقبل والماضي جميعًا، يجب (١) أن يستويا ها هنا في الإيجاب في المستقبل والماضي؛ ولأنه حق وجب عليه في حال إسلامه، فلم يسقط بالردة، دليله: حقوق الآدميين. فإن قيل: حقوق الآدميين لا يمنع منها حالة الردة، فلهذا لم يمنع فيما مضى. قيل: لا يمتنع أن يتفقا فيما قبل الردة في الوجوب، ويختلفان في حال الردة؛ كالحائض والمجنون، إذا طرأ الحيض والجنون عليها، وقد ثبتت في ذمتها عبادة، فإنها لا يُسقطها كالذنوب، ويختلفان في حال الحيض، فيلزمها حقوق الآدميين، ولا يلزمها الصلاة. فإن قيل: فقد اعتمدتم الفرق في الفصل الذي قبل هذا، بين حقوق الله تعالى، وحقوق الآدميين، فكيف جمعتم بينهما ها هنا؟ قيل: اعتمدنا الفرق بينهما في حالة الكفر، ونحن جمعنا بينهما في حالة الإسلام، فهما سواء. واحتج المخالف: بأن الكفر يُحبط العمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وإذا حبط عملُه، صار بمنزلة الكافر الأصلي، فلا

стр. 352

يجب عليه قضاء ما تركه من الصلوات، كما لا يجب على الكافر الأصلي، ويدل عليه أيضًا: أن عمله بالحج ينحبط، ويجب عليه القضاء، فدل على أنه كالكافر الأصلي، وكذلك الطهارة تبطل، ويدل عليه أيضًا: أنه لا قضاء لما تركه في حال ردته؛ كالكافر الأصلي. والجواب: أن عندنا لا يحبط عمله بنفس الردة، وإنما ينحبط إذا مات على الردة، وكل ما فعله قبل الردة مثل: الحج، والصلاة، والصيام، والطهارة فحكمه قائم كما كان لم يبطل، ولكنا أوجبنا عليه الحج بعد إسلامه؛ لأنه إسلام طرأ بعد كفر، فلزمه الحج؛ كالحربي، ولأن هذا الإسلام الثاني يلزمه فيه جميع العبادات من الصلاة، والصيام، والزكاة؛ كما يلزمه في الإسلام الأول، كذا يجب أن يلزمه الحج، ولم يلزمه في الإسلام الثاني قضاءُ ما فعله قبل الردة؛ لأنه يفعل أمثال تلك العبادات في أوقاتها، فلا حاجة إلى قضائها؛ ولأنها تكثر، فيؤدي إلى المشقة، وليس كذلك الحج؛ لأنه لا يفعل أمثاله في الإسلام الثاني؛ ولأنه لا يكثر، فلا مشقة في فعله، وأما الطهارة، فإنما يلزمه إعادتها بعد الإسلام؛ لأنها عبادة تفتقر إلى نية، فأبطلتها الردة؛ كالصلاة إذا كان محرمًا بها، وكالصوم، ثم ارتد (١) في أثنائه؛ فإنه يبطل، كذلك الطهارة يجب أن تبطل بالردة، فامتنع أن يكون بطلانها يحبط العمل. وأما ما تركه في حال ردته، فإنما لم يلزمه قضاؤه؛ لأنه تركه في حال

стр. 353

كفره، فهو كالكافر الأصلي، ولم يسقط القضاء عنه؛ لأن عمله انحبط، بل لأجل مقاربة الترك للكفر (١)، وليس يمتنع مثلُ هذا، ألا ترى أن الحيض إذا قارب وقت الصلاة، منع الإيجاب، وإذا طرأ بعد الإيجاب، لم يسقطه؟ وكذلك الجنون، والنفاس، والذي يدل على أن الردة لا تحبط العمل: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فأخبر أن المرتد الذي يحبط عمله هو الذي يموت على ردته، فعلق حبوط العمل بشرطين: أحدهما: الردة. والثاني: الموت عليها، وهذا يقتضي جنس الكفار، فلا بنفي (٢) كافرًا ينحبط عمله إلا بالردة والموت، وعندهم: ينحبط عمله بأحد الشرطين، وهو: الردة فقط، والذي يدل على أنه يقتضي الجنس: إدخال الألف واللام في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وهذا كقوله: من قتل عمدًا مكافئًا، فأولئك الذين وجب عليهم القتل، ومن تعدى في الوديعة، فأولئك عليهم الضمان؛ فإنه ينفي وجوبَ القتل بغير العمد، ووجوبَ الضمان بغير عدوان، كذلك ها هنا. فإن قيل: الشرطان أفادا الخلود، ولم يفيدا حبط العمل، ألا ترى أنه بيَّن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ولم يرجع إلى حبط العمل؟

стр. 354

قيل له: يجب أن يرجع كل واحد من الحُكمين - أعني: حبط العمل، والخلود - إلى الشرطين جميعًا، ولا يرجع أحدهما إلى الشرطين دون الآخر، وهذا كقوله: لا تطأ وأنت محرِم، فعليك القضاء والكفارة، فإن كل واحد من الحُكمين راجع إلى الشرطين، وهما: الوطء، والإحرام. وكذلك قوله لعبد: إذا دخلتَ الدار، وكلمتَ زيدًا، فأنت حر، وامرأته طالق، فإن كل واحد من الشرطين، وهو: العتق، والطلاق راجع إلى الشرطين، فلا يعتق حتى يدخل الدار، ويكلم زيدًا، وكذلك: لا تطلق إلا بهما. كذلك ها هنا يجب أن يكون حبط العمل يتعلق بالشرطين: الردة، والموت، والخلود متعلق بهما أيضًا، وهذه الآية أخصُّ من قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]؛ لأنه لم يذكر في ذلك الموت، وقد ذكره ها هنا، على أنه قد قيل: إن في سياق هاتين الآيتين ما يدل على أن المراد به: إذا مات على كفره، دونَ مَنْ أسلمَ. واحتج بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقول النبي ﷺ "الإسلام يجبّ ما قبله" (١). والجواب: أن هذا محمول على ما تركه في حال كفره؛ بدليل ما ذكرنا.

стр. 355

واحتج: بأن الإسلام طارئ بعد كفر متقدم، فمنع من إيجاب القضاء لما ترك، دليله: ما تركه في زمان كفره. والجواب: أن المعنى هناك: أن الترك حصل في زمان الكفر، وليس كذلك ها هنا؛ لأن الترك حصل في حال الإسلام بعد الوجوب، فهو كما لو ترك بسكر أو غيره. والله أعلم. * * * ٣٢ - مَسْألَة: فإن أسلم المرتدُّ وقد حجَّ، لزمه إعادةُ الحج: نص عليه في رواية حنبل (١)، وابن منصور (٢)، وقال أبو إسحاق: فيها روايتان (٣): إحداهما: مثل هذا، وأنه يلزمه إعادته. وهو قول أبي حنيفة (٤)، ومالك (٥) - رحمهما الله -.

стр. 356

والثانية: لا يلزمه، وهو قول الشافعي ﵀ (١). وجه الأوّلة: أنه إسلام طرأ بعد كفر متقدم، فأوجب حجة الإسلام. دليله: الكافر الأصلي. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يسقط فرض الحج، وها هنا أسقط فرض الحج. قيل: لا نسلم لك هذا، بل هذا الإسقاط مراعًى، فإن لم يرتد، سقط الفرض، وإن ارتد، لم يسقط، وجرى هذا مجرى المريض إذا صلى الظهر في منزله، ثم حضر الجامع، فإن حضوره يمنع من الاعتداد بما فعله؛ لأنه كان مراعًى، ولا نقول: إنه باطل. ولأنها عبادة لا تُفعل (٢) في العمر إلا مرة مع استمرار الإسلام، فوجب إعادتها بعد الردة؛ كالإيمان. واحتج المخالف: بأنه أتى بالعبادة بشرائطها، فلم يلزمه إعادتها، دليله: إذا لم يرتد، ودليله: الصلاة، والصيام، والزكاة، ولا يلزم عليه إذا صلى، ولم يجد ماء، ولا ترابًا أنه يعيد؛ لأنه لم يأت بالعبادة بشرائطها. والجواب: أن الصبي والعبد إذا حجا، فقد أتيا بالعبادة بشرائطها، ومع هذا، فيلزم الإعادة بعد العتق والبلوغ، وأما إذا لم يرتد، فإنما لم يلزمه الإعادة؛ لأنه لم يَحْدُثْ إسلامٌ بعد كفر، وها هنا قد حدث، فهو كالحربي،

стр. 357

وأما سائر العبادات، فإنما لم يقضها؛ لأنه لم يفعل لمثلها في هذا الإسلام الثاني، وليس كذلك الحج؛ لأنه لا يفعل أمثاله، ولهذا قالوا: لو بلغ الصبي في الصلاة، أو بعد الفراغ منها في وقتها، لم يقضها، وأجزأته، ولو بلغ بعد أن حج، كان عليه الإعادة، وكلُّ فرقٍ لهم في حق الصبي بين الصلاة والحج، هو فرقنا؛ ولأن تلك العبادات تكثر، فيشق، وهذا لا يكثر، فلا تلحق المشقة. فإن قيل: فما تقولون فيه إذا صلى في أول الوقت، ثم ارتد، ثم أسلم في آخر الوقت، هل يلزمه إعادة الصلاة ثانية، أم لا؟ قيل: لا نعرف عن أصحابنا رواية في ذلك، وقياس قولهم: لا يعيد؛ لأن من أصلهم: أن الردة لا تحبط العمل، وهذه العبادة فعل أمثالها في هذا الإسلام، ويفارق الحج، لأنه لا يفعل أمثاله في هذا الإسلام، فلهذا لزمه إعادتها، ويفارق هذا الصبي إذا صلى، ثم بلغ في الوقت: أنه يعيد في غير وقت الوجوب، ها هنا فعلها في حال وجوبها بشرائطها، وهي مما يتكرر أمثالها، فلهذا لم يلزمه الإعادة. واحتج بعضهم: بأن الردة سبب إذا قارن الحج، أبطله، فإذا طرأ بعده، لم يبطله، دليله: الوطء. والجواب: أنا نقول بموجبه، وأن الردة الطارئة لا تبطل الحج، وإنما تمنع الاعتداد به، كما نقول في المريض إذا صلى الظهر في منزله، ثم حضر الجامع، فإن حضوره يمنع الاعتداد بما فعله، ولا نقول: إن ذلك

стр. 358

الفعل باطل، وعلى هذا: يبطل به لو مات على الردة؛ فإن هذا معنى لو قارن الحج، أبطله، وإذا طرأ عليه واستدامه إلى الموت، أبطله. وهذه المسألة في آخر الحج. والله أعلم. * * * ٣٣ - مَسْألَة: إذا شك في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فإنه يبني على اليقين، سواء كان أول ما أصابه السهو، أو كان يعرض له ذلك كثيرًا، أو سهوًا كان إمامًا أو منفردًا (١): نص على هذا في رواية ابن القاسم، فقال: أنا أذهب إلى أن أَبني على اليقين، لا آخذ بالتحري؛ لأنه أصح في الرواية (٢). وكذلك روى أبو داود (٣) فقال: كان أبو عبد الله لا يذهب إلى التحري، وكان يرى أن يبني على الأقل. وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا (٤)، وبه قال مالك (٥)،

стр. 359

والشافعي (١)، وداود (٢) ﵏. وروى أبو طالب عنه (٣) في الإمام خاصة: أنه يتحرى، فقال: إذا صلى بقوم، فلا بأس أن يتحرى، وينظر إلى مَنْ خلفه، فإن قاموا، تحرى وقام، وإن سبَّحوا به، تحرى، وفعل ما يفعلون. ويجب أن يُحمل هذا على أن للإمام رأيًا، فإن لم يكن له رأي، بنى على اليقين، وهو اختيار الخرقي من أصحابنا (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: إذا شك في صلاته، فإن كان أول ما أصابه، استأنف الصلاة، وإن كان له كثيرًا، تحرى، فإن كان له رأي، عمل على رأيه الغالب، وإن لم يكن له رأي، بنى على اليقين منه (٥). فالدلالة على أن صلاته لا تبطل إذا كان أول ما أصابه: ما روى أحمد ﵀ في المسند (٦) قال: نا يونس بن محمد (٧) قال: نا فليح (٨)

стр. 360

عن زيد بن أسلم (١)، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شكَّ أحدُكم في صلاته، فلم يَدْرِ كَمْ صلَّى، فليبنِ على اليقين، حتى إذا استيقن أن قد أتمَّ، فليسجد سجدتين قبل أن يسلَّم، فإنه إن كانت صلاته وترًا، كان شفعًا، وإن كان شفعًا، كان ذينك ترغيمًا للشيطان" (٢). وروى أحمد ﵀ (٣)، وذكره أبو بكر في كتابه قال: سمعت إبراهيم بن [سعد] (٤) قال: حدثني محمد بن إسحاق (٥) عن مكحول (٥)، عن كريب (٦)، عن ابن عباس ﵄: أنه قال لي عمر ﵁: يا غلام! هل

стр. 361

سمعت رسول الله ﷺ ، أو أحدًا من أصحابه: إذا شك الرجلُ في صلاة ماذا يصنع؟ قال: فبينا هما كذلك، إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف ﵁، قال: فيما أنتما؟ فقال عمر ﵁، سألتُ هذا الغلام: هل سمع من رسول الله ﷺ ، أو أحدًا من أصحابه: إذا شكَّ الرجل في صلاته، فلم يدر واحدة صلَّى أو ثنتين؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا شك أحدُكم في صلاته، فلم يدر واحدةً صلى أو اثنتين، فليجعلْها واحدة، وإذا لم يدرِ اثنتين صلى أم ثلاثًا، فليجعلْها ثنتين، وإذا لم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا، فليجعلْها ثلاثًا، ثم يسجد إذا خرج من صلاته وهو جالس قبل أن يسلِّم" (١). وروى أبو بكر في كتابه بإسناده عن علقمة (٢) عن عبد الله بن

стр. 362

مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصوابَ، ثم يسجد سجدتين" (١)، يعني: للسهو. فوجه الدلالة من هذه الأخبار: أن النبي ﷺ أمر في حديث أبي سعيد، وابن عباس بالبناء على اليقين والسجود، وفي حديث ابن مسعود بالتحري والسجود، ولم يفرق بين أن يكون ذلك في أوله، أو بعد تكرره، فهو على عمومه. والقياس: أنه شاكٌّ في عدد الركعات، فوجب أن لا تبطل بذلك صلاته، أصله: إذا تكرر منه ذلك، وإن شئت قلت: شك فيما يجب عليه فعلُه في الصلاة، فلا تبطل بذلك صلاته، أصله: إذا شك هل قرأ الفاتحة، وهذا أولى؛ لأنه تأثير لتخصيص عدد الركعات في التعليل (٢)، وإن شئت قلت: شك في فعل ما أمر به في الصلاة، فوجب أن لا تبطل صلاته، أصله: ما ذكرنا، وهذا أولى من الذي قبله؛ لأن ما يجب فعلُه وما لا يجب فعلُه في مسنونات الصلاة سواء. فإن قيل: لا يجوز اعتباره بالقراءة؛ لأن الزيادة في القراءة لا تُبطل الصلاة، والزيادة في الركعة وسائر الأفعال تبطل الصلاة. قيل له: الزيادة في الأفعال إذا تعمدها تُبطل الصلاة، فأما إذا لم

стр. 363

يتعمدها، وعملَها سهوًا، لم تبطل صلاته، وإذا لم يتيقنها، وكان شاكًا هل زاد أم لا؟ فالأصل: أنه ما زاد، فيكون بمنزلة المتيقن أنه لم يزد، فلا يضر ذلك صلاته. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ : "دع ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ" (١)، وإذا بنى على اليقين، لم يأمن أن يكون قد زاد في صلاته ركعة، فيكون الشك باقيًا من هذا الوجه، وظاهر الخبر يقتضي تركَ الشك من جميع الوجوه، وإذا استقبل، تيقن أنه أدّى (٢) فرضه من غير زيادة ولا نقصان. والجواب: أن المراد به: تركُ الشك، والبناء على اليقين، وهو الأخذ بالأقل الذي هو يقين، وقد روينا ذلك في حديث أبي سعيد، وابن عباس ﵃ حُمِل الخبر عليه. واحتج: بما روى أحمد ﵀ بإسناده (٣)، وذكره أبو بكر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا إغرارَ في صلاةٍ ولا تسليمٍ" (٤).

стр. 364

قال أحمد ﵀ في رواية ابنيه (١): سألت أبا عمرو (٢) عن قوله: "لا إغرارَ في صلاة ولا تسليم"، فأنكرها بالألف. فوجه الدلالة: أنا لو قلنا: نأخذ بالأقل، لكان قد انصرف منها وهو شاكٌّ فيها، ففيه غرر بها. والجواب: أن المراد به: أن المصلي لا ينصرف وهو شاكٌّ في نقصانها، هكذا قال أبو عبيد (٣): "لا غرار في الصلاة"؛ أي: لا نقصان (٤)، فإذا أخذنا بالأقل، وزاد حتى تيقن التمام، لم يكن شاكًا في النقصان،

стр. 365

وإلى هذا أومأ أحمد ﵀ في رواية عبد الله، فقال: لا تخرجْ منها [إلا] وأنت تظن أنها كاملة؛ حتى لا يكون منه شكّ، ويكون على الكمال واليقين (١). والذي يدل على أن المراد به: هو النقصان: قولُ النبي ﷺ في حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁: "حتى يكون الوهم في الزيادة"، رواه أحمد ﵀، وذكره أبو بكر في كتابه، فقال: نا إسماعيل بن إبراهيم (٢) قال: نا محمد بن إسحاق قال: حدثني مكحول ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم، فشك في صلاته، فإن شك في الواحدة والاثنتين، فليجعلْهما واحدة، وإن شك في الاثنتين والثلاث، فليجعلْها ثنتين؛ حتى يكون الوهم في الزيادة، ويسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، ثم يسلِّم" (٣). قال محمد (٤): قال لي حسين المغازلي (٥): أسند ذلك؟ قال:

стр. 366

قلت: لا، [فقال] (١): لكنه حدثني: أن كريبًا مولى ابن عباس حدثه عن ابن عباس ﵄ قال: جلست إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا ابن عباس! إذا اشتبه على الرجل في صلاته، فلم يدر أزاد أم نقص؟ قلت: والله! يا أمير المؤمنين! ما أدري، ما سمعت في ذلك شيئًا. فقال عمر: والله! ما أدري. قال: فبينا نحن على ذلك، إذ جاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: ما هذا الذي تذكران؟ فقال له عمر ﵁: ذكرنا الرجل يَشُكُّ في صلاته كيف يصنع؟ فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول … هذا الحديث (٢). وهذا يدل على أنه المراد بقوله: "لا غرار في الصلاة ولا نقصان". واحتج: بأنه يمكنه أداء فرضه بيقين، فوجب أن يلزمه، ألا ترى أن من أمكنه أن يتوجه إلى القبلة، ويؤدي صلاته إليها بيقين، لزمه ذلك، ولا يتحرى، ويصلي إليها على غالب الظن؟ كذلك ها هنا. والجواب: أنه يبطل بمن تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فإنه لا يجب عليه أن يتوضأ، ويجوز له أن يصلي، وعلى أن المعنى في الأصل: أن المطلوب معنى موجود، وهو الكعبة، فإذا أمكنه الوصول إليها قطعًا ويقينًا، لم يجز الاجتهاد والظن، وليس كذلك في مسألتنا، فإن المطلوب فَعَله وهو شاكٌّ هل فعله أم لا؟ فإذا فعله، كان شاكًا في الزيادة المفسدة

стр. 367

لصلاته، والأصل عدمُها، فكان الشك فيما أصله عدمُه غيرَ قادح في صلاته، كالشك في الحدث الذي الأصلُ عدمُه. * فصل: والدلالة على أنه إذا تكرر منه يبني على اليقين، وهو الأخذ بالأقل: ما تقدم من حديث أبي سعيد، وعبد الرحمن بن عوف ﵄، وأن النبي ﷺ أمر بالبناء على اليقين (١)، ولم يفرق بين أن يكون الشك قد تكرر، أو كان له غلب ظن، أو لم يكن. فإن قيل: يحمل ذلك على من لم يكن له رأي. قيل له: هذا تخصيص بغير دلالة، وعلى أن هذا مخالف لتعليل النبي ﷺ ؛ لأنه أمر بالزيادة في حديث عبد الرحمن؛ ليكون الوهم في الزيادة دون النقصان، والعلة عندهم في ذلك غلبة الظن، فلم يصح. والقياس: أنه شك في عدد الركعات قبل الفراغ من الصلاة، فوجب أن يبني على اليقين، أصله: إذا لم يكن له رأي، وفيه احتراز من الشك بعد السلام، فإنه لا حكم له؛ لأننا حكمنا بصحة صلاته، فلا ننقصه بالشك الطارئ بعده، وقد نص أحمد ﵀ على أن الشك الطارئ بعد الفراغ لا حكم له (٢) في رواية جعفر بن محمد، وبكر بن محمد: في الذي

стр. 368

يشك في صلاته بعد خروجه منها: ليس بشيء، تمت صلاته، وليس عليه سجود سهو، وإن شئت قلت: شك في فعل ما يجب عليه قبل الحكم بسقوطه عنه، فلزمه البناء على اليقين، أصله: إذا لم يكن (١) رأي. وفيه احتراز: من الشك الطارئ بعد الفراغ من الصلاة، وهذه أولى من التي قبلها؛ لأنه ليس لتخصيص الركعات بالتعليل تأثير؛ لأن البناء على اليقين واجب، سواء كان الشك في عدد الركعات، أو في سائر أفعال الصلاة. وأيضًا: فإنه لو شك هل صلى أم لا؟ فإنه يبني على اليقين، وهو أن يأخذ بأنه لم يصلِّ، كذلك إذا شك هل صلى الركعة الرابعة؟ لزمه فعلها، ولا فرق بينهما، وقد حرر من هذا دليل، وهو: أن كل ما لو شك في أصله بنى على اليقين، فإذا شك في عددٍ، بنى على اليقين؛ كالطلاق. وقد منع بعضهم هذا، وقال: إذا شك هل صلى أم لا؟ فإنه مثل الشك في عدد الركعات، فإن كان ذلك أول ما أصابه، استأنف، وإن كان قد تكرر، تحرى، وعمل على ما يغلب على ظنه، وهذا فرار من الزحف، وخطأ على المذهب؛ لأن أبا حنيفة ﵀ قال فيمن نسي صلاة من صلوات اليوم والليلة: يلزمه أن يصلي جميع الصلوات الخمس؛ ليتيقن قضاء ما نسيه منها (٢)، ولم يقل: إنه يتحرى فيها، ويجعل هذا

стр. 369

دليلًا في المسألة. فنقول (١): إذا نسي صلاة من صلوات اليوم والليلة لا يعرف عينها، فإنه يجب عليه أن يعيد جميع الصلوات الخمس؛ ليتيقَّن فعل المنسية، ولا يجوز أن يتحرى، ويعمل على ما يغلب على ظنه، كذلك إذا شك هل صلى الركعة الرابعة، أو لم يصل؛ لأن فعل ركعة واحدة أسهلُ من فعل خمس صلوات، فإذا وجب عليه فعلُ الخمس ليؤدي ما عليه بيقين، كان فعلُ الركعة الواحدة أولى. فإن قيل: إنما أمرناه بإعادة الصلوات الخمس؛ لأن من شرط الصلاة تعيينَ النية لها، ولا يمكن تعيين المنسية إلا بأن يعيد الجميع، وليس كذلك ها هنا، فإنه لا يحتاج إلى تعيين النية. قيل: إنه كان يجب أن يتحرى، فما غلب على ظنه، يَقْضِه، ويعين النية لها، ويجزئه. فإن قيل: المعنى في الأصل: أن عليه صلاة واجبة بيقين، وإنما شك في عينها، وليس كذلك في مسألتنا، فإنه شاكّ هل يجب عليه ركعة أخرى، أم لا؟ قيل له: فلا فرق بينهما؛ لأنه شك في الأصل في غير الصلاة، وفي الفرع في فعلها، فإذا لم يجز التحري في طلب عينها، لم يجز في طلب فعلها.

стр. 370

واحتج المخالف: بما تقدم من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، تحرى الصواب، وسجد سجدتين" (١). قالوا: وروى ابن عمر ﵄ أيضًا التحري عند الشك (٢). وروى شعبة (٣)، [عن] (٤) عمرو بن دينار، عن سليمان اليشكري (٥)، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه قال في الوهم: يتحرى، قال: قلت: عن النبي ﷺ ؟ فقال: عن النبي ﷺ (٦). والجواب: أن الرواية الصحيحة عن أبي سعيد: ما رواه أحمد ﵀: "إذا شك أحدكم في صلاته، فإن شك في الواحدة والثنتين،

стр. 371

فليجعلْهما (١) واحدة، وإن شك في الثنتين والثلاث، فليجعلْهما اثنتين، حتى يكون الوهم في الزيادة" (٢)، وهذا نص في البناء على اليقين، وعلى أن المراد به: فليقصد الصواب، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]؛ أو قصدوا رشدًا (٣). والصواب: هو البناء على اليقين، فكأنه قال: فليقصد البناء على اليقين، وتكون الدلالة على هذا حديث أبي سعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وهما مفسران. واحتج: بما روى أبو داود (٤) عن النُّفَيلي (٥)، عن محمد بن سلمة، عن خُصَيف (٦)، عن أبي عبيدة (٧) بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ

стр. 372

قال: "إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاثٍ وأربعٍ، وأكبرُ ظنك على أربعٍ، تَشهَّدتَ، ثم سجدت سجدتين وأنت جالسٌ قبل أن تسلِّم، [ثم] (١) تَشهَّدتَ أيضًا، ثم تسلِّم" (٢). والجواب: أن أبا داود قال في كتابه (٣): عبد الواحد بن زياد (٤) عن خصيف، عن أبي عبيدة (٥)، عن أبيه، ولم يرفعه، وهذا يدل على أنه ليس من قول النبي ﷺ . وهكذا رواه أحمد ﵀ في المسند (٦) موقوفًا على ابن مسعود. وعلى أن الخبر مُطَّرَح الظاهر؛ لأنه أمر بالتشهد، ثم سجد سجدتي

стр. 373

السهو قبل السلام، ثم بالتشهد، ثم بالسلام، وهذا متروك بالإجماع. واحتج: بأنه لا يتوصل إلى أداء فرضه من جهة اليقين، فجاز له أن يجتهد؛ قياسًا على وقت الصلاة في يوم غيم، وإذا اشتبهت عليه جهة القبلة، والأواني، والثياب إذا كان بعضها طاهرًا وبعضها نجسًا، وكذلك تُقوّم المستهلكات، وتقدير أُروش الجنايات، ونفقة الزوجات، وكذلك إذا شهر عليه رجل سلاحه، فإنه يتحرى، وإن غلب على ظنه أنه يقتله، جاز قتله. والجواب: أنه إذا شك في دخول الوقت، وكذلك القبلة، يمكنه أن يصلي أربع ركعات إلى أربع جهات، فيكون قد أدى فرضه بيقين، فسقط قوله: لا يتوصل إلى أداء فرضه بيقين في الوقت، والقبلة، وعلى أن الوقت عليه أمارات في يوم الغيم من جهة ما يعتاده الناس من قدر الأعمال، فيستدل بذلك عليه، فأُجِيز له الاجتهاد، كذلك القبلة، وأروش الجنايات، ونفقة الزوجات، وإذا شهر سلاحه عليه، عليه أمارات، وهو الرجوع إلى قول المقوِّمين، وسعر مثل ذلك في السوق، فإن ذلك أمارة، ونفقة الزوجة عليه أمارة، وهو نفقة مثلها يعتبر من نساء بلدها، وهذه أمارة، وكذلك إذا شهر سلاحه عليه أمارة، وهو أنه ينظر إلى حال مثله هل ينكفّ عنه بقطع يده، أو قطع رجله، ونحو ذلك؟ فهذه أمارة، وأما الأواني، والثياب، فلا يتحرى فيها على أصلنا، وليس كذلك إذا سهى، فعرض له الشك، فإنه لا دليل عليه، فأُمِر بالبناء على اليقين، كما إذا نسي صلاة من يوم لا يعرف عينَها، فإنه لا يتحرى في طلبها، وكذلك إذا تيقن الطهارة،

стр. 374

وشك في الحدث، لا يتحرى، بل يبنى على اليقين؛ لأنه لا دليل عليه، كذلك ها هنا. فإن قيل: فإذا كانت ليلة مظلمة، والرياح ساكنة، والسماء متغيّمة، فليس هناك دلالة على الوقت، ومع هذا يتحرى. قيل له: إن كانت له صنعة يَعْرِفُ بها، فإنه يرجع إليها، وتلك أمارة، وإن لم يكن له، لم يجز التحري، ولزمه التأخير حتى يغلب على ظنه دخول الوقت، بل إن خفيت عليه دلائل القبلة بسكون الرياح، والظلام، والغيم، فإنه يصلي على ما يغلب عليه ظنه (١)، وفي الإعادة وجهان، ذكرهما أبو بكر في كتاب الشافي، والصحيح: أنه يعيد لعدم الأمارة. فإن قيل: قد كان يمكنه أداء فرضه بيقين في حال اشتباه القبلة، وهو أن يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات، فكان يجب أن يلزمه ذلك. قيل: قد بينا أن هناك أمارة تدل على القبلة، وعلى أن الأمر (٢) بذلك أمرٌ بالخطأ، فلهذا أمر بالاجتهاد، وليس كذلك في مسألتنا، وهو البناء على اليقين؛ لأنه ليس فيه أمره بالخطأ، فلهذا بنى على اليقين، كما إذا نسي صلاة من يوم لا يعرفها. وجميع ما استدللنا به على أبي حنيفة ﵀ فهو دلالة على

стр. 375

من قال من أصحابنا (١) بالتحري في حق الإمام؛ لأن في حديث أبي سعيد (٢)، وعبد الرحمن بن عوف (٢) الأمرَ بالرجوع إلى اليقين، ولم يفرق بين الإمام، والمنفرد، وكذلك ما ذكرنا من القياس عليه إذا لم يكن له غالب ظن، وإذا نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها؛ ولأنه مصلٍّ شك في فعل ما يجب عليه قبل الحكم بسقوطه، فيجب أن يبني على اليقين؛ كالمنفرد. فإن قيل: فرضه اليقين؛ بدليل: أنه لا يرجع عنه إلى غيره، فلهذا لم يتحر، وليس كذلك الإمام؛ لأنه ليس فرضه اليقين؛ بدليل: أنه إذا سبَّح به اثنان فصاعدًا، رجع إلى قولهما، وترك يقينَ نفسه، وإذا لم يكن فرضه اليقين، جاز له التحري. قيل: فكان يجب أن يبني على اليقين إلى أن يظهر له قول غيره، ويرجع عليه، كالحكم يُبنى في الدعاوى على اليقين، وهو براءة الذمم، ولا تُقبل الدعوى حتى تظهر شهادة شاهدين، فيرجع عن ذلك إلى قولهما. واحتج: بما تقدم من حديث ابن مسعود في التحري (٣)، وقد أجبنا عنه بما فيه كفاية (٤).

стр. 376

واحتج: بما روى أحمد بإسناده عن أبي هريرة ﵁، وذكره أبو بكر: أن النبي ﷺ "صلى إحدى صلاتي العشاء، فصلى ركعتين، ثم سلَّم، وأتى خشبةً في المسجد"، وذكر الخبر (١). وروى أيضًا أحمد ﵀ بإسناده عن عمران بن حصين ﵁، وذكرها أبو بكر -: أن النبي ﷺ سلم من ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وذكر الخبر (٢). فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان إمامًا قد بنى على غالب رأيه؛ لأنه لو بنى على الأقل، لم يسلِّم من نقصان. والجواب: أنه ليس في الخبر ما يدل أن النبي ﷺ شك في صلاته، بل الظاهر: أنه كان [على] يقين من فعله (٣)، ولهذا قال له ذو اليدين: أَقُصِرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال: "لم أنس، ولم تُقصر"، وهذا يدل على أنه كان على يقين من فعله. واحتج: بالسؤال الذي تقدم، وقد أجبنا عنه بما فيه كفاية. * * *

стр. 377

٣٤ - مَسْألَة: إذا سَبَّح بالإمام اثنان من المأمومين، فإنه يرجع إلى قولهما، سواء سبحوا به إلى زيادة، أو نقصان، وسواء قلنا: إنه يبني على اليقين، أو على غالب ظنه: نص عليه في رواية بكر بن محمد عن أبيه: فقال: لا يجوز له إذا صلى وحده، أو كان إمامًا، أن ينصرف إلا على اليقين، إلا أن يسبحوا به، فيصير إلى يقينهم إذا سبح به نفسان، فإن كان واحدًا، لم يجز عندي؛ لأن النبي ﷺ لما قال له ذو اليدين، لم يقبل قوله حتى سأل القوم (١). وقال أيضًا - في رواية أبي داود - (٢): إذا وَهِمَ في صلاته وهو إمام، فسبَّح به مَنْ خلفَه، فإن سبحوا به، فلم يلتفت، وصلى، يعيد، ويعيدون. فقد صرح القول أن صلاته تبطل إذا ترك المتابعة لهم، وهو اختيار

стр. 378

أبي بكر الخلال (١). وروى أبو بكر المروذي عنه: إذا قام إلى خامسة، فسبحوا به، فلم يلتفت إلى قولهم، لا يتبعوه، ولا يُسلِّموا، يعجبني أن يصبروا حتى يكون هو يسلِّم بهم (٢). فظاهر هذا: أنه مأمور بالرجوع إلى قولهم، فإن لم يرجع، لم تبطل صلاته. وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز أن يرجع إلى قول واحد منهم (٣). وقال مالك ﵀: يرجع إلى قول اثنين منهم (٤). وقال الشافعي ﵀: لا يجوز له الرجوع إلى قولهم، ويبني على يقين نفسه (٥). دليلنا: ما روي في حديث ذي اليدين، وأن النبي ﷺ صلى الظهر، فسلم من اثنتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي ﷺ لأبي بكر وعمر ﵄: "أحقٌّ ما قال ذو اليدين؟ "، قالا: نعم،

стр. 379

فصلى ركعتين، وسجد للسهو (١). ففيه دلالة: على أنه يرجع إلى قول المأمومين، وفيه دلالة أيضًا: على أنه لا يرجع إلى قول الواحد؛ لأنه لم يلتفت لقول (٢) ذي اليدين. فإن قيل: لم يرجع إلى قولهما، وإنما يذكر بقولهما، فرجع إلى يقين نفسه. قيل له: نقل في الخبر حكم، وهو الرجوع، وسبب، وهو سؤاله لهما عن ذلك، فالظاهر أن الحكم متعلق بذلك السبب. ولأن قول الاثنين فصاعدًا أمارة ظاهرة تدل على السهو، فجاز الرجوع إليه، وتركُ اليقين، كما قلنا في الحاكم يرجع إلى قول الشهادة؛ لأنها أمارة ظاهرة، ويترك الأصل واليقين، وهو براءة الذمم (٣)، وكذلك

стр. 380

العمل بخبر الواحد جائز، وهو أمارة، وغلبة ظن، وإن كان الأصل هو اليقين، وكذلك في الصيام إذا حال دون هلال شوال غيم في ليلة الثلاثين، فشهد اثنان برؤية الهلال، فإنه يرجع إلى شهادتهما، وهو غالب ظن، فيترك اليقين والأصل الذي هو بقاء الشهر، كذلك ها هنا. ولأنه لا يمتنع أن يرجع إلى قول غيره في فعل نفسه، الدليل عليه: ما رُوي عن أنس ﵁ قال: بعث أبو موسى بالهرمزانِ (١) معي إلى عمر بن الخطاب ﵁ حين نزل على حكمه، فلما قدمتُ به، لم يتكلم الهرمزان، فقال عمر ﵁: تكلم، فقال: كلام حي، أم كلام ميت؟ فقال له: تكلم، ولا بأس عليك، فقال: نحن وأنتم - معاشرَ العرب - حيث جعل الله بيننا وبينكم، كنا نستعبدكم ونغصبكم (٢)، فلما كان الله معكم، فليس لنا بكم يدانِ، فأمر عمر ﵁ بقتله، فقال له أنس: تقتله وقد قلت: لا بأس عليك! فقال عمر لأنس ﵄: من يشهد معك؟ فأتى عمرَ بنُ الزبير ﵁ وقد كان

стр. 381

سمع عمر -، فشهد عنده، فأطلقه (١). فرجع عمر ﵁ إلى غيره في أمان نفسه. وكذلك في الأخبار: روى ربيعة (٢) عن سهيل (٣) بن أبي صالح (٤)، عن أبيه (٥)، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد (٦).

стр. 382

فنسي سهيل الحديث، فقال له ربيعة: أنت حدثتني به، فكان سهيل يقول: حدثني ربيعة عني عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، فكذلك في مسألتنا. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلْيُلْغِ الشك، ولْيبنِ على اليقين" (١). والجواب: أن هذا محمول على المنفرد؛ بدليل: ما ذكرنا. واحتج: بأنه شاكٌّ في عدد الركعات، فيجب أن يبني على اليقين. دليله: المنفرد. والجواب: أن المنفرد ليس معه أمارة ظاهرة يرجع إليها، وليس كذلك الإمام؛ لأن معه أمارة ظاهرة يرجع إليها، فهو كالحاكم يرجع إلى قول الشهود.

стр. 383

فإن قيل: فيجب أن نقول في المنفرد إذا كان بحضرته من يشاهده يصلي، فأخبره بسهوه (١): أن يرجع إلى قوله. قيل: يحتمل أن يرجع إليهما؛ لأن ما طريقه الأمارة لا فرق بين أن يشتركا فيهما أم لا، ألا ترى أنه لو شهد برؤية الهلال المريض، أو المسافر، أو الحائض، ونحوهم ممن لا يلزمهم الصيام، قُبلت شهادتهم، كما يقبل ممن يلزمه؟ ويحتمل أن لا يقبل؛ لأن من معه في الصلاة أضبط، وأشد تحفظًا كذلك من غيره، والأول أشبهُ بكلام أحمد ﵀، وأنه يقبل؛ لأنه قال في رواية أبي طالب (٢) وصالح (٣): لو اختلف رجلان، فقال: أحدهما طفنا سبعًا، وقال الآخر: طفنا ستًا، فقال: لو كانوا ثلاثة، فقال اثنان: قد طفنا سبعًا، وقال الآخر: طفنا ستًا، قُبل قولهما؛ لأن النبي ﷺ قبل قول القوم. فقد رجع إلى قول اثنين في الطواف؛ فإن كل واحد غير مشارك له في طوافه. واحتج: بأن ما أمكن الرجوع في معرفته إلى القطع، لا يُعمل فيه بغالب الظن؛ كالشهادة على الأفعال والعقود لا يجوز تحملُها بالاستفاضة؛ لأنها غالب ظن، ويجوز ذلك فيما لا يمكن معرفتُه؛ كالنسب ونحوه،

стр. 384

وها هنا يمكن الرجوع إلى يقينه. والجواب: أن الأمارة إذا كانت ظاهرة، رجع إليها، وإن كان فيه تركٌ لليقين؛ كالرجوع إلى خبر الواحد، وقول الشهود، وأن الأصل هو اليقين، وهو براءة الذمة، وإنما لم يشهد بالعقود (١) بالاستفاضة؛ لأنه لا حاجة إلى ذلك، وبه حاجة ها هنا؛ لأنه لا يأمن أن يرجع إلى يقينه، فيزيد في صلاته. واحتج: بأنه لو شهد، ثم نسي شهادته، فشهد عنده بها، لم يجز أن يشهد بذلك. والجواب: أن سماع الشهادة إلى الحكام؛ ولأن الشهادة بالحقوق آكدُ من أخبار الديانات، ولهذا تُقبل شهادة الواحد في رؤية الهلال، والله أعلم. * * * ٣٥ - مَسْألَة: يسجد للسهو قبل السلام إلا في موضعين: أحدهما: أن يسلِّم ساهيًا، وقد بقي عليه شيء من صلاته؛ كالركعة والركعتين، فإن ترك أقل من ركعة؛ كالسجدة ونحوها، سجد قبل السلام: نص عليه في رواية حرب (٢)، فقال: إذا نسي سجدة من صلاته، ثم

стр. 385

سلَّم، يقوم فيأتي بركعة وسجدتين، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام. والثاني: إذا كان إمامًا، وشك وتحرى، وقلنا: إنه يتحرى، فإنه يسجد بعد السلام، وما عدا ذلك كله قبل السلام، وكان القياس يقتضي أن يكون جميعه قبل السلام: وقد نص على هذا في مواضع، فقال في رواية ابن بدينا (١): يصنع كما صنع النبي ﷺ ، ولولا ما جاء عنه، لكان السجود قبل؛ لأنه من تمام الصلاة، وقال أيضًا في رواية صالح (٢)، والأثرم (٣) - واللفظ لصالح -: يُروى عن النبي ﷺ : أنه سجد للسهو في خمسة مواضع: موضعان قبل السلام، وثلاثة بعد السلام، فأما بعد التسليم: فهو - إذا شك أن يبني على أكثر ظنه ووهمه - يسجدهما بعد التسليم، وإذا سلم من اثنتين أو ثلاث، يسجدهما بعد التسليم، فهذا رُوي عن النبي ﷺ ، وأما قبل التسليم، فإن نهض من اثنتين، فلما كان قبل أن يسلم، سجد كأنه لم يتشهد بينهما، ثم سلم، وإذا رجع إلى اليقين، سجد قبل التسليم، والذي نختار بعد هذه المواضع: أن يسجد قبل التسليم؛ لأنه شيء يكمل به صلاته.

стр. 386

وقال أيضًا في رواية صالح (١)، وأبي طالب (٢): مالك ﵀ (٣) يقول: ما كان من نقصان، فهو قبل، وما كان من زيادة، فهو بعد، وهذا خلاف قول النبي ﷺ : "إذا شك أحدكم في الثلاث والأربع، فليجعلها ثلاثًا، ويسجد قبل" (٤)، فقد أمره أن يدع الرابعة، وهي زيادة، ويسجد قبل. وقال أيضًا في رواية أبي داود (٥)، وحرب (٦): إذا صلى خمسًا أو ستًا، سجد قبل السلام. فقد نص على ما ذكرنا قبل السلام إلا في موضعين. وروي عنه: إن كان للزيادة، فبعد السلام، وإن كان للنقصان، فقبله (٧). وروى عنه الحسن بن علي ﵄ (٨)، فقال: العمل عندنا في سجود

стр. 387

السهو على حديث النبي ﷺ : قبل السلام في النقصان، وبعد السلام في الزيادة. وقال أيضًا في رواية ابن منصور (١): فيمن صلى الظهر خمسًا: يسجد سجدتين بعد ما يسلم. وبهذه الرواية قال مالك ﵀ (٢). وقال أبو حنيفة (٣)، وداود (٤): يسجد للسهو بعد السلام في جميعه. وقال الشافعي ﵀: يسجد للسهو قبل السلام في جميعه (٥). وذكره أبو بكر النجاد في كتابه قال: وفي كتاب الساجي (٦): قال أبو

стр. 388

العباس النسائي (١): رأيت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: سجدتا السهو قبل السلام، زيادة كان أو نقصانًا (٢)، مثل قول الشافعي ﵀ (٣). فالدلالة على أنه يسجد قبل السلام فيما عدا الموضعين: ما روى أحمد (٤)، [و] (٥) ذكره أبو بكر قال: نا سفيان (٦) عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاةً نظن أنها العصر، فقام في الثانية، ولم يجلس، فلما كان قبل أن يسلم، سجد سجدتين (٧).

стр. 389

وروى أحمد ﵀ (١) قال: نا عبد الرزاق (٢) قال: نا معمر (٣) عن الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشاء، فقام في ركعتين، فلم يجلس، فلما كان في آخر صلاته، انتظرنا أن يسلم، فسجد سجدتين قبل السلام، ثم سلم (٤). وروى أحمد ﵀ في المسند (٥) قال: نا محمد بن فضيل (٦) قال: ...................................

стр. 390

نا يحيى بن سعيد (١) عن عبد الرحمن الأعرج: أن ابن بحينة أخبره: أن رسول الله ﷺ قام في الثنتين من الظهر، نسي الجلوس، حتى إذا فرغ من صلاته إلى أن يسلم، سجد سجدتين، ثم ختم بالتسليم (٢). وهذا نص. فإن قيل له (٣): الذي رواه أحمد من طريقين: (فلما كان في آخر صلاته، سجد قبل السلام)، وفي لفظ آخر: (فلما كان قبل أن يسلم، سجد)، وهذا يسقط ما قالوه. وعلى أن قوله: (فلما قضى صلاته) أراد به: قضى صلاته غير التسليم؛ لأنه أخبر أنهم انتظروا تسليمه، ولا يجوز أن يكون سلم وهم ينتظرون تسليمه. فإن قيل: يحتمل أن يكون قد أدرك النبي ﷺ في سجود السهو، فرآه تشهد بعد سجود السهو، فظنه أنه سجد قبل السلام، فأخبر بذلك. قيل له: هذا لا يجوز؛ لأن ابن بحينة يقول: صلى رسول الله ﷺ (صلاة يظن أنها العصر، فقام في الثانية، ولم يجلس، فلما كان قبل أن يسلم، سجد سجدتين).
следующие страницы →