← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقال أيضًا في رواية صالح (١)، وأبي طالب (٢): مالك ﵀ (٣) يقول: ما كان من نقصان، فهو قبل، وما كان من زيادة، فهو بعد، وهذا خلاف قول النبي ﷺ : "إذا شك أحدكم في الثلاث والأربع، فليجعلها ثلاثًا، ويسجد قبل" (٤)، فقد أمره أن يدع الرابعة، وهي زيادة، ويسجد قبل. وقال أيضًا في رواية أبي داود (٥)، وحرب (٦): إذا صلى خمسًا أو ستًا، سجد قبل السلام. فقد نص على ما ذكرنا قبل السلام إلا في موضعين. وروي عنه: إن كان للزيادة، فبعد السلام، وإن كان للنقصان، فقبله (٧). وروى عنه الحسن بن علي ﵄ (٨)، فقال: العمل عندنا في سجود

стр. 387

السهو على حديث النبي ﷺ : قبل السلام في النقصان، وبعد السلام في الزيادة. وقال أيضًا في رواية ابن منصور (١): فيمن صلى الظهر خمسًا: يسجد سجدتين بعد ما يسلم. وبهذه الرواية قال مالك ﵀ (٢). وقال أبو حنيفة (٣)، وداود (٤): يسجد للسهو بعد السلام في جميعه. وقال الشافعي ﵀: يسجد للسهو قبل السلام في جميعه (٥). وذكره أبو بكر النجاد في كتابه قال: وفي كتاب الساجي (٦): قال أبو

стр. 388

العباس النسائي (١): رأيت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: سجدتا السهو قبل السلام، زيادة كان أو نقصانًا (٢)، مثل قول الشافعي ﵀ (٣). فالدلالة على أنه يسجد قبل السلام فيما عدا الموضعين: ما روى أحمد (٤)، [و] (٥) ذكره أبو بكر قال: نا سفيان (٦) عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاةً نظن أنها العصر، فقام في الثانية، ولم يجلس، فلما كان قبل أن يسلم، سجد سجدتين (٧).

стр. 389

وروى أحمد ﵀ (١) قال: نا عبد الرزاق (٢) قال: نا معمر (٣) عن الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشاء، فقام في ركعتين، فلم يجلس، فلما كان في آخر صلاته، انتظرنا أن يسلم، فسجد سجدتين قبل السلام، ثم سلم (٤). وروى أحمد ﵀ في المسند (٥) قال: نا محمد بن فضيل (٦) قال: ...................................

стр. 390

نا يحيى بن سعيد (١) عن عبد الرحمن الأعرج: أن ابن بحينة أخبره: أن رسول الله ﷺ قام في الثنتين من الظهر، نسي الجلوس، حتى إذا فرغ من صلاته إلى أن يسلم، سجد سجدتين، ثم ختم بالتسليم (٢). وهذا نص. فإن قيل له (٣): الذي رواه أحمد من طريقين: (فلما كان في آخر صلاته، سجد قبل السلام)، وفي لفظ آخر: (فلما كان قبل أن يسلم، سجد)، وهذا يسقط ما قالوه. وعلى أن قوله: (فلما قضى صلاته) أراد به: قضى صلاته غير التسليم؛ لأنه أخبر أنهم انتظروا تسليمه، ولا يجوز أن يكون سلم وهم ينتظرون تسليمه. فإن قيل: يحتمل أن يكون قد أدرك النبي ﷺ في سجود السهو، فرآه تشهد بعد سجود السهو، فظنه أنه سجد قبل السلام، فأخبر بذلك. قيل له: هذا لا يجوز؛ لأن ابن بحينة يقول: صلى رسول الله ﷺ (صلاة يظن أنها العصر، فقام في الثانية، ولم يجلس، فلما كان قبل أن يسلم، سجد سجدتين).

стр. 391

وفي اللفظ الآخر: (فلما كان في آخر صلاته، انتظرنا أن يسلم علينا، فسجد)، وهذا يقتضي أنه كان قد دخل معه في أول صلاة، وأدرك جميعًا (١)، فلم يصح حمله على ما قالوه. فإن قيل: يحتمل أنه سجد قبل التسليمة الثانية. قيل له: قوله: (انتظرنا أن يسلم علينا، فسجد)، وهذا يقتضي السلام الأول؛ لأنه هو المنتظر؛ ولأن قوله: (سجد قبل أن يسلم)، يقتضي جنس التسليم؛ لأن الألف واللام تقتضي الجنس. وروى أحمد ﵀ في المسند قال: نا يونس بن محمد قال: نا فليح عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدرِ كَمْ صلَّى؟ فليبن على اليقين، حتى إذا استيقن أنه قد أتمَّ، فليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإنه إن كانت صلاته وترًا، صارت شفعًا، [وإن كانت شفعًا]، كان ذينك ترغيمًا للشيطان" (٢)، وهذا نص. وروى أحمد ﵀ في المسند، قال: نا إبراهيم بن سعد قال: حدثني محمد بن إسحاق عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس ﵄: أنه قال له عمر: يا غلام! هل سمعت من رسول الله ﷺ ، أو أحدًا من أصحابه: إذا شك الرجل في صلاته، ماذا يصنع؟ قال: فبينما [نحن]

стр. 392

كذلك، إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين - قال: فيما أنتما؟ فقال عمر ﵁: سألت هذا الغلام: هل سمعَ من رسول الله ﷺ ، أو أحدًا من أصحابه: إذا شك الرجل في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أم ثنتين؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا شك أحدُهم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أو ثنتين، فليجعلْها واحدة، وإذا لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثًا، فليجعلْها اثنتين، وإذا لم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا، فليجعلْها ثلاثًا، ثم يسجد إذا خرج من صلاته وهو جالس قبل أن يسلِّم" (١). وروى أحمد ﵀، وذكره أبو بكر قال: نا إسماعيل بن إبراهيم قال: نا محمد بن إسحاق قال: حدثني مكحول: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم، فشك في صلاته، فإن شك في الواحدة والثنتين، فليجعلهما (٢) واحدة، فإن شك في الثنتين والثلاث، فليجعلهما ثنتين (٣) حتى يكون الوهم في الزيادة، ويسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم" (٤). وروى أبو الحسن الدارقطني بإسناده (٥) عن أبي هريرة ﵁: أن

стр. 393

رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم، فلم يدر أزاد أم نقص؟ فليسجد سجدتين وهو جالس، ثم يسلم" (١). وروى أيضًا بإسناده (٢) عن محمد بن يوسف (٣) - مولى عثمان - عن أبيه (٤): أنه قال: صلى بهم معاوية ﵁، فقام في الركعتين وعليه الجلوسُ، فسبح الناس به، فأبى أن يجلس حتى جلس للتسليم، سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي (٥). وهذا يدل على أنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ؛ لأن رواية معاوية متأخرة. والقياس: أنه نوع سجود عرض سببه في الصلاة، فوجب أن يكون قبل السلام، دليله: سجود التلاوة، ولا يلزم عليه إذا سلم وقد بقي عليه شيء من صلاته، أو تحرى؛ لأن التعليل للنوع، فلا يلزم عليه الأحوال.

стр. 394

فإن قيل: لو كان بمنزلة سجود التلاوة، لوجب أن يُفعل عقيب سببه؛ لأنه يتداخل، ولا يجوز أن يفرد كل سجود بسجدتين، فأُخِّر إلى كل آخر الصلاة (١)؛ ليجمع السهو كله، وليس كذلك سجود الصلاة؛ فإنه لا يتداخل، والمستحب إذا تلا آيات السجود: أن يقرأ كل واحدة منها بسجدة، فلم يؤخر السجود إلى آخر القراءة. فإن قيل: فقد يمكن أن يسهو قبل السلام، فكان يجب تأخيره عن السلام. قيل له: هذا أقصى ما يمكن التأخير؛ لأن السلام يخرج به من الصلاة، وهذا السجود ينبغي أن يكون مفعولًا في التحريمة؛ لأن هذا السجود عندهم يفعله في التحريمة، فوجب أن يكون قبل السلام؛ قياسًا على سائر أفعال الصلاة، وكما لو ذكر أنه نسي سجدة من صلاته، وهو جالس في التشهد، فإنه يسجد ويسلم، والذي يدل على أنه يُفعل في التحريمة: أن عندهم: سلّم، ثم سجد، فطلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح، بطلت صلاته، أو كان متيممًا، فوجد الماء في هذه الحال، أو دخل وقت العصر وهم في صلاة الجمعة، بطلت الصلاة، فدل بها على أنه عاد إلى التحريمة، فوجب أن يكون قبل السلام، وبهذا قالوا: لو تكلم، لم يسجد؛ لأن الكلام يقطع حكم التحريمة. فإن قيل: المعنى في سجود التلاوة، وفي سائر موجبات التحريمة:

стр. 395

أن جميعها يُفعل قبل السلام. قيل: لا يمتنع أن يُفعل بعضه في الصلاة، وبعضه خارجًا منها، كالصوم عن دم التمتع: بعضُه في الحج، وهو صوم الثلاثة، وبعضه خارج الحج؛ وهو صوم السبعة. وقد قيل: بأن هذا السجود لإصلاح الصلاة، فيجب أن يكون قبل الخروج منها؛ قياسًا على ما ذكرنا. فإن قيل: لا يمتنع أن يكون لإصلاحها، ويفعل خارجًا منها؛ كالجبران في الحج. قيل له: موجبات تحريمة الحج يجوز خارج التحريمة، كذلك جبراناته، ولا يجوز موجبات تحريمة الصلاة خارج الصلاة، كذلك جبراناتها، وفي هذا ضعف؛ لأن موجبات تحريمة الحج إنما تأخرت عن تحريمته؛ لأن وقته لم يدخل، فأما وقت الجبران، فموجود، وقد جاز تأخره، وقد كان القياس يقتضي أن يفعله في الموضعين قبل السلام، ولكن تركنا القياس في ذلك؛ لما نذكره. واحتج المخالف: بما روى أحمد ﵀، وذكره أبو بكر قال: نا ابن أبي عدي عن ابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁ قال: "صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشاء، فذكرها أبو هريرة، وحدثنا محمد قال: "فصلى ركعتين ثم سلم، فأتى خشبة في المسجد"، وذكر الخبر بطوله، قال: "فصلى الذي كان ترك، ثم سلّم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطولَ، ثم

стр. 396

رفع رأسه وكبر" (١). وروى شيخنا أبو عبد الله في كتابه (٢) فقال: ثنا ابن سلم (٣) قال: نا [ابن] (٤) عبد الخالق (٥) قال: نا أبو بكر (٦) قال: نا أبو عبد الله (٧) [قال: نا] (٨) إسماعيل بن إبراهيم قال: نا خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أبي

стр. 397

المهلب، عن عمران بن حصين ﵁: أن النبي ﷺ سلم في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يده طول، فقال: يا رسول الله! فخرج إليه، فذكر صنيعه، فقال: "أصدق هذا؟ "، قالوا: نعم، فصلى الركعة التي ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتين (١). والجواب: أنا نقول بموجب هذه الأخبار؛ لأنها واردة ممن سلَّم ساهيًا، وقد بينا أن ذلك يسجد له بعد السلام. واحتج: بما روى أبو بكر الأثرم في كتابه، قال: نا أبو بكر (٢) قال: نا محمد بن المنهال (٣) قال: نا يزيد بن زُريع (٤) قال: نا روح بن القاسم (٥) عن منصور بن المعتمر (٦)، .....................

стр. 398

عن إبراهيم (١)، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة -[لا أدري] زادَ فيها أم نقص -، فلما قضى صلاته، قلنا: يا رسول الله! أزيد في الصلاة شيء؟ قال: "ما ذاك؟ "، قال: صليت بنا كذا كذا، فثنى رجله، فسجد سجدتين، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: "إنما أنا بشر مثلكم، فإذا نسيت، فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاة، فليتحرَّ الصواب، فليتمه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين بعد ذلك" (٢). ورواه أبو بكر أيضًا في كتابه بإسناده بهذا اللفظ، والدارقطني (٣). وقد روى أبو بكر النجاد بإسناده عن علقمة: أن عبد الله سجد سجدتي السهو بعد السلام، وذكر أن النبي ﷺ فعله (٤).

стр. 399

والجواب: أنا نقول أيضًا بظاهر الخبر؛ لأنه وارد في التحري، وقد بينا أنه إذا تحرى، بنى على غالب ظنه، سجد بعد السلام. واحتج: بما روى أحمد ﵀ (١)، [و] ذكره شيخنا في كتابه قال: نا الحكم بن نافع (٢) عن إسماعيل بن عياش (٣)، عن عبيد الله بن عُبيدٍ الكَلَاعي (٤)، عن زهير (٥)، عن عبد الرحمن بن جبير (٦)، عن أبيه جُبير (٦) بن نُفير (٧)، عن ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لكلِّ سهوٍ سجدتان

стр. 400

بعد ما يسلِّم" (١). وروى أحمد ﵀ أيضًا في المسند (٢) قال: نا حجاج (٣) قال: نا ابن جريج: أخبرني عبد الله بن مسافع (٤): أن مصعب بن شيبة (٥) أخبره عن عقبة بن محمد بن الحارث (٦)، عن عبد الله بن جعفر ﵄:

стр. 401

أن رسول الله ﷺ قال: "من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعد ما يسلِّم" (١). والجواب: أن هذا محمول عليه إذا سلم ساهيًا، وقد بقي عليه شيء من صلاته، أو كان إمامًا، فتحرى؛ بدليل: ما ذكرنا من الأخبار. واحتج: بأنه سجود ليس من مقتضى التحريمة، فوجب أن يفعل بعد السلام؛ كتكبيرات التشريق، والتلبية، وسجدة منذورة، ولا يلزم عليه سجود التلاوة؛ لأن التلاوة من مقتضى التحريمة، والسجود من مقتضاها، فهو مما اقتضاه مقتضى التحريمة. والجواب: أن المعنى في الأصل: يجب فعله في التحريمة، فلهذا كان خارج الصلاة، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يجب فعله في التحريمة من الوجه الذي ذكرنا، فكان قبل السلام كسائر الأفعال؛ ولأن هذا - وإن لم يكن من مقتضى التحريمة -، فهو إصلاح للتحريمة، وجبران للنقص الواقع فيها، فوجب أن يكون في التحريمة كما يكون مقتضى التحريمة. واحتج: بأن السلام من موجب التحريمة، فوجب أن يكون مقدمًا

стр. 402

على سجود السهو، دليله: سائر موجبات التحريمة. والجواب: أن السلام ليس من موجبات التحريمة؛ لأنه ينافيها ويضادها، فلا يجوز أن (١) تقتضي ما يضادها، وإذا كان كذلك، فالوصف غير صحيح، وعلى أن سائر الأفعال لا يخرج بها من التحريمة، وليس كذلك التسليم؛ فإنه يخرج به من التحريمة، كما نقول: إذا كان عليه شيء من موجبات التحريمة، ثم نقابل هذا بمثله، فنقول: السجود يُؤدى في التحريمة، فوجب أن يكون مقدمًا على السلام من سائر أفعال الصلاة. واحتج: بأنه سجود تعلق بالسهو، فكان محله بعد السلام، دليله: إذا سلم ساهيًا، وقد بقي عليه شيء من صلاته، أو كان إمامًا، فتحرى وبنى على غالب ظنه: أنه يسجد له بعد السلام، كذلك في بقية السجود. والجواب: أن هذا قياس المنصوص على المنصوص عليه؛ لأن حديث أبي هريرة وعمران ﵄ يقتضي إذا سلم من نقصان، سجد بعد السلام، وحديث أبي سعيد ﵁: أنه يسجد قبل السلام، إذا بنى على اليقين، فقياس أحدهما على الآخر يقتضي إسقاط أحدهما، وعلى أنه لا يمتنع أن يختلف محله باختلاف سببه؛ كما أن صوم السبعة عن دم المتمتع يفعل بعد التحلل، وصوم الإحصار والحلق يفعل قبل التحلل. * فصل: والدلالة على أنه يسجد قبل السلام في الزيادة، خلافًا لمالك

стр. 403

- ﵀: ما روى الدارقطني بإسناده عن عكرمة بن عمار (١) عن يحيى بن [أبي] (٢) كثير، عن أبي سلمة (٣)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم، فلم يدرِ أزاد أم نقص، فليسجد سجدتين وهو جالس، ثم يسلم" (٤)، فقد أمرنا بالسجود قبل السلام، وسوى بين الزيادة والنقصان، وأيضًا: فإن الزيادة في الصلاة بمحل النقصان في الحكم، ألا ترى أن من صلى الظهر خمسًا، لم تجزئه؛ كما لو صلاها ثلاثًا، فثبت أن كلًّا من الأمرين سواء، ثم ثبت في النقصان: أنه يسجد قبل السلام، كذلك في الزيادة. ولأنه نوع سجود تعلق بالسهو، فكان محله قبل السلام، كما لو كان من نقصان، وقد بينا أن القياس كان يقتضي في الموضعين: أنه يسجد قبل السلام أيضًا.

стр. 404

واحتج المخالف: بأنه روي عن النبي ﷺ : أنه سجد قبل السلام (١)، ورُوي: أنه سجد بعد السلام (٢)، فيجمع بين الأخبار، ونحمل بعضها على النقصان، وبعضها على الزيادة، فنستعمل الأخبار كلها. والجواب: أنه إذا كان لا بد من استعمالها على وجهين مختلفين، كان استعمالها على الصفة التي وردت أولى، وهو أن النبي ﷺ سجد بعد السلام في الموضع الذي سلم، وقد بقي عليه شيء من صلاته، وأمرنا بالسجود بعد السلام في موضع التحري، ونحن نقول بذلك، وأمرنا بالسجود قبل السلام في غير هذين الموضعين. واحتج: بأنه إذا كان للنقصان، فهو جبران، والجبران يفعل في العبادة، وإذا كان للزيادة، فهو ترغيم للشيطان، فيجوز أن يفعله خارجًا منها. والجواب: أن الزيادة في الصلاة نقصان في الحكم من الوجه الذي ذكرنا، فلا فرق بينهما. واحتج: بأن هذا السهو قد اقتضى زيادة لأجل الصلاة، فلو قلنا: إنه يكون فيها، لكان زيادتين في الصلاة، وذلك لا يجوز. والجواب عنه: ما تقدم من أن الزيادة نقصان في المعنى. * فصل: والدلالة على أنه يسجد بعد السلام إذا سلم، وقد بقي عليه شيء

стр. 405

من صلاته، وإذا تحرى، فبنى على غالب ظنه: ما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁ (١)، وعمران بن حصين ﵁ (٢)، وأن النبي ﷺ لما سلَّم وقد بقي عليه شيء، سجد بعد السلام. وحديث ابن مسعود ﵁ في التحري قال فيه: "ويسجد بعد السلام" (٣). فإن قيل: لا يصح الاحتجاج بحديث أبي هريرة؛ لأن أبا هريرة كان يفتي بسجدتي السهو قبل أن يسلم (٤)، وروى عنه ابن المنذر (٥)، والدارقطني (٦) بخلاف ما روى، لم يجز الاحتجاج به. قيل له: لا نقول هذا، بل نحتج به، ولهذا قلنا: في حديث ابن عباس ﵄ في بريرة، وأن النبي ﷺ خيّرها (٧)، وإن كان من مذهبه أن

стр. 406

بيع الأمة طلاقها (١). فإن قيل: فقد روى أبو هريرة هذا في قصة ذي اليدين (٢)، وروى قول رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم، فلم يدر أزاد أم نقص، فليسجد سجدتين وهو جالس، ثم يسلم" (٣)، والقول أولى من الفعل. قيل له: إنما يكون أولى إذا لم (٤)، ونحن نحمل قوله ﷺ : "سجد قبل السلام" في غير هاتين الحالتين. فإن قيل: فالرواية مختلفة عن عبد الله بن مسعود ﵁، فروى عن النبي ﷺ : أنه قال: "إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث وأربع، وأكبرُ ظنك على أربع، تشهدتَ، ثم سجدت سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلم" (٥).

стр. 407

قيل له: الصحيح عن ابن مسعود متصلًا، وموقوفًا على خلاف هذا، وأنه يسجد بعد السلام، فالمتصل: ما رويناه عن الأثرم والنجاد (١)، والموقوف: ما رواه أحمد ﵀ في المسند قال: نا محمد بن فضيل قال: نا خصيف: حدثني أبو عبيدة بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إذا شككت في صلاتك وأنت جالس، فلم تدر ثلاثًا صليت أم أربعًا، فإن كان أكبرُ ظنك أنك صليت ثلاثًا، فقم فاركع ركعة، ثم سلم، ثم اسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم، وإن كان أكبرُ ظنك صليت أربعًا، فسلم، وأسجد سجدتين، ثم سلم" (٢). فإن قيل: فما رُوي في حديث أبي هريرة، وابن مسعود ﵄ منسوخ بما رُوي عن الزهري ﵁: أنه قال: كان آخر الأمرين السجود قبل السلام (٣). ويدل عليه: أن معاوية بن أبي سفيان ﵄ روى السجود قبل السلام (٤)، وهو متأخر الإسلام. قيل له: لا خلاف في جواز الأمرين جميعًا، وإنما الكلام في الأولى

стр. 408

والأفضل، فلا معنى لادعاء النسخ فيه. فإن قيل: يحمل ما رويتم على السلام الذي في التشهد، وهو قوله: السلام [عليك] (١) أيها النبي؛ بدلالة حديث ابن بحينة ﵁، وأن النبي ﷺ سجد قبل السلام (٢)، وكذلك حديث أبي سعيد ﵁، وأن النبي ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلْيبنِ على اليقين، ويسجد قبل السلام" (٣)، وحديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ (٤). قيل له: في أخبارنا ما يمنع من هذا التأويل، أما حديث أبي هريرة ﵁، ففيه: أن النبي ﷺ تشهد، ثم سلم، ثم كبر فسجد، ثم كبر فرفع رأسه، ثم تشهد (٥)، وفي حديث عمران بن حصين ﵁ (٦) نحو ذلك؛ لأنه قال: فصلَّى الركعة التي ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، وهذا يقتضي صلَّى جميع الركعة، ثم سجد بعد السلام، وكذلك في حديث ابن مسعود ﵁ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصواب، فليتمه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين" (٧)، وهذا يقتضي السجود بعد تمام

стр. 409

الصلاة؛ لقوله: "فليتمه، ويسلم"، والتمام عادة عن الفراغ، وعلى أن السلام إذا أطلق، عقل منه السلام الذي يتحلل به من الصلاة، ألا ترى أنه قال: "تحليلها التسليم" (١)، فعقل منه السلام المعهود، وهو الذي يقع به التحلل فيها، فمن استعمل أخبارنا في السلام المذكور في التشهد، فقد أزالها عن ظاهرها، وما رووا من الأخبار، فنقول بظاهرها فيما وردت فيه، غير الحالتين اللتين ذكرناهما، ومن استعمل الأخبار على ظاهرها، كان أسعد ممن صرف بعضها عن مقتضاها. وأيضًا: فإن الصلاة عبادة لها تحليل وتحريم، فكان من أفعالها ما يفعل بعد التحليل منها؛ كالحج منه ما يُفعل بعد التحلل، وهو طواف الزيارة، والرمي. ولأنها عبادة لا يقف وجوبها على وجود مال، فكان جبرانها ما يفعل بعد الخروج؛ كالصوم من جبرانه ما يُفعل بعد الخروج منه، وهو الصوم في كفارة الوطء. ولا معنى لقولهم: إن زمان الصوم لا يقبل غيره، فلهذا وجب تأخير

стр. 410

صوم الكفارة بعد الخروج من الصيام، وقبل السلام، وهو محل لفعل السجود، فلهذا وجب فعله قبل التحلل؛ لأنه لا يمتنع أن يكون محلًا للسجود، ويؤخر عنه، كما أن قبل يوم النحر زمان للصوم لا يجوز صوم السبعة في دم التمتع، بل يجب تأخيره، كذلك ها هنا. واحتج: بأنه سجود تعلق بالسهو، فكان محله قبل السلام، دليله: سائر المواضع غير الموضعين. والجواب عنه: ما تقدم في الفصل الأول مع أبي حنيفة ﵀. * * * ٣٦ - مَسْألَة: إذا قام إلى خامسة، ثم ذكر، فإنه يعود فيجلس، ويتشهد ويسجد سجدتي السهو، سواء قعد في الرابعة، أو لم يقعد، وسواء عقد الخامسة بسجدة، أو لم يعقدها: وقد نص عليه أحمد ﵀ في مواضع، فقال في رواية حمدان بن علي الوراق (١): في الرجل يصلي الظهر خمس ركعات:

стр. 411

يسجد سجدتي السهو، فقيل له: أليس قد تمت صلاته، وإن لم يجلس في الرابعة؟ قال: نعم (١). وكذلك نقل ابن منصور عنه - وقد قيل له: قال سفيان في رجل صلى خمسًا ولم يجلس في الرابعة: أحبُّ إليّ أن يعيد - فقال أحمد: يسجد سجدتين بعد ما سلم (٢). وكذلك نقل أبو داود عنه: إذا صلى خمسًا، فذكر في التشهد، يسجد قبل أن يسلم (٣)، وكذلك نقل حرب عنه: إذا صلى ستًا، سجد للسهو قبل السلام (٤)، فقد نص على صحة الصلاة، وإن عقد الخامسة بسجود، وإن لم يتقدمها تشهد. وبهذا قال الشافعي (٥)، وداود (٦) - رحمهما الله -. وقال أبو حنيفة: إن ذكر أنه في خامسة، وقد عقدها بسجدة، أضاف إليها ركعة أخرى، وتشهد وسلم، وسجد سجدتي السهو، وتشهد وسلم، سواء في الرابعة ....................................

стр. 412

[عقد] (١) التشهد، أو لم يعقد، إلا أنه إذا كان قعد في الرابعة، فالصلاة تامة، والركعة نافلة، وإن لم يكن قعد، كان ما صلى تطوعًا، واستقبل الظهر، وإن لم يكن عقد الخامسة بسجدة، عاد، فإن كان قعد في الرابعة قدر التشهد، سلم في الحال، وسجد للسهو، وتشهد وسلم (٢). دليلنا: ما روى أبو بكر في كتابه بإسناده، وذكره أبو داود (٣) عن علقمة قال: قال عبد الله: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فلما انفتل، توسوس القوم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله! هل زاد في الصلاة شيء؟ قال: "لا"، قالوا: فإنك قد صليت خمسًا، فانفتل، فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون" (٤). فوجه الدلالة: أنه لا يخلو إما أن يكون النبي ﷺ قعد في الرابعة مقدار التشهد، أو لم يقعد، فإن كان قعد، فلم يضف إلى الخامسة أخرى، وعندهم: أنه يضيف إليها سادسة، وإن لم يكن قعد، فلم يحكم بفساد صلاته، وعندهم: تبطل الصلاة، والظاهر: أنه لم يقعد في الركعة الرابعة لوجوه: أحدها: أنه يقال في بعض ألفاظ هذا الحديث: إن النبي ﷺ صلى خمسًا، ولم يقعد، وسجد سجدتي السهو.

стр. 413

والثاني: أنه لو قعد فيها، لنقل، ولما لم يُنقل، دل على أنه لم يقعد. والثالث: أن من سها، فصلى خمسًا، لا يخلو: إما أن يكون قام من الرابعة، وهو يظن أنها ثالثة، فلا يحصل له على هذا جلوس عقيب الرابعة، أو يكون جلس في الرابعة، ثم سها فظن أنه في التشهد الأول، فقام من الجلوس، فيحصل له جلوس في الركعة الرابعة، ولو كان سهو النبي ﷺ على هذا، لكان ستًا، فلما صلى خمسًا، وقيل له في ذلك، وجبرها بسجود السهو، دل على أن سهوه كان على أنه اعتقد أنها ثلاث، وإن لم يحصل منه جلوس في الرابعة. فإن قيل: الخبر محمول على أنه جلس في الرابعة، فلم تبطل صلاته، وإن لم يضف إليها سادسة؛ لأنه ذَكَرَ أنها خامسة بعد السلام. قيل له: قد منعنا أن يكون جلس في الرابعة من الوجه الذي ذكرنا، وعلى أنه لو جلس، لوجب أن يضم إلى الخامسة ركعة، وقولهم: إنها خامسة بعد السلام، فغير صحيح؛ لأنه لو وجب إضافة السادسة إليها، لما منعه ذلك السلام من أثنائها؛ لأنه سلم وعليه ركعة، وكان بمنزلة من سلم في الركعة الثالثة من الظهر ساهيًا، ثم علم: أن ذلك السلام لا يمنعه من بناء الرابعة. ولأنه لو كان ذلك السلام مانعًا من بناء السادسة، لكان مانعًا من بناء سجدتي السهو؛ لأنهما يفعلان بعد السلام، ويمنع بناء صلاة أخرى. والقياس: أنه زاد في الصلاة من جنسها على طريق السهو، فوجب

стр. 414

أن يكون ملغىً، ولا يبطلها، دليله: لو لم يعقد الخامسة بسجدة. ولأن السجود فعل لو ذكر السهو قبله، لزمه الرجوع إلى الرابعة، وإذا ذكر بعده، وجب أن يلزمه الرجوع إليها؛ قياسًا على الركوع لما كان فعلًا إذا ذكر السهو قبله، لزمه الرجوع إلى الرابعة، فإذا ذكر بعده، لزمه الرجوع إليها. ولأن الخامسة إذا قيدها بسجدة، لو كان يخرج بها من تحريمة الفريضة، لوجب أن يخرج منها بما قبل السجود؛ لأنه قد استوفى موجبات التحريمة، ولم يبق عليه إلا التسليم عنده، أما أن لا يكون من موجبات التحريمة، وأنه والكلام وسائر الأفعال سواء في التحليل، أو يكون من موجبات التحريمة، ولكن يقوم مقامه غيره من الأفعال المخالفة للتحريمة بالقيام إلى الخامسة؛ لأنه مخالف للتحريمة، فلما لم يخرج بذلك إذا لم يسجد، كذلك وإن سجد، وتنبني المسألة على أن الخامسة ملغاة، وليست صلاة نافلة. والدلالة عليه أشياء، منها: أن من سها في الفريضة، ثم تحلل منها، ودخل في النافلة، سقط سجدتا السهو عنه، وفات وقتهما بدخوله في النافلة، وقد قالوا: إنه يسجد للسهو (١). والثاني: أن الذي يقضي سجدتي السهو هو هذه الركعة، فإذا لم

стр. 415

تكن هذه زيادة واقعة في تحريمة الفريضة، وإنما هي صلاة مبتدأة نافلة، فقد سلمت الفريضة من السهو، فلا معنى لسجود السهو، ولما أجمعوا على أنه يسجد، دلت على أنها ليست صلاة. والثالث: أنها لو كانت نافلة، لوجب إذا سلم منها ساهيًا أو جاهلًا أن يضيف إليها أخرى؛ لأن أقل النفل ركعتان، وقد ثبت بهذه الركعة حكم النافلة عنده، ولما لم يضف إليها ركعة، دل على أنها ملغاة، وليست صلاة. واحتج المخالف فقال: أبني المسألة على أن الخامسة صلاة نافلة، وإذا ثبت أنها نافلة، قلنا: قد خرج عن الفرض، ودخل في النفل، وإذا خرج عنها، وقد بقي عليه فرض من فروضها، وهو القعود مقدار التشهد، فسدت صلاة الظهر، ووجب استئنافها. والدليل على أنها نافلة: ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا، فليضف إليها ركعة أخرى، فإن كانت قد تمت صلاته، فالركعة والسجدتان له نافلة" (١)، فسمى الخامسة، فلو كانت ملغاة، لما سماها نافلة. والجواب: أنا قد دلّلنا على أن الخامسة ملغاة، وليست نافلة، وأما حديث أبي سعيد، فالرواية مختلفة فيه، ففي رواية أحمد ﵀:

стр. 416

أنه قال: "إذا لم يدر أحدكم ثلاثًا صلى أم أربعًا، فليقم فليصل ركعة، ويسجد سجدتين وهو جالس، فإن كان خمسًا، شفع صلاته، وإن كان قد صلى أربعًا، كانت ترغيمًا للشيطان" (١)، وفي لفظ آخر: "إذا صلى أحدكم، فشك في صلاته، فإن شك في الواحدة والثنتين، فليجعلهما واحدة، وإن شك في الثنتين والثلاث، فليجعلهما ثنتين؛ حتى يكون الوهم في الزيادة، ويسجد سجدتين قبل أن يسلم" (٢)، ولم يقل: إنها نافلة، فلم يصح التعلق به، وعلى أن المخالف لا يقول به؛ لأن عنده أن السجدتين واجبتان، وعلى أنا نقول: إن الركعة وما دونها، وكل ما فعله، وعنده: أنه واجب، ثم كان أنه لم يكن واجبًا، فإنه يثاب عليه ثواب النافلة، وليس الخلاف في هذا، وإنما الخلاف في بقاء تحريمة الفريضة، وهل خرج منها إلى تحريمة النافلة أم لا؟ فعندنا: أن هذه الزيادة حصلت في تحريمة الفريضة، ولزمه فعلها، والرجوع إلى تحريمة الفريضة، وقد قال أبو الحارث: سألت أبا عبد الله عن رجل فاتته من الصلاة ركعة، فصلى الإمام خمسًا، هل تجزئ الذي فاتته الركعة؟ فتوقف ولم يجب (٣)، وتوقفه يدل على ما ذكرناه، وأنه يثاب عليه ثواب النافلة؛ إذ لو لم يكن كذلك، لم يتوقف، ولا وجب على المأموم قضاء الركعة؛ لأن ما أدركه مع الإمام ملغىً لا يعتد به، فلما توقف، دل على أنه في حكم النافلة.

стр. 417

وقد اختلفت الرواية عنه في المتنفل، هل يؤم المفترضَ أم لا؟ على روايتين، وقد نقل المروذي عنه: في رجل دخل مع الإمام، وقد فاتته ركعة من الظهر، فصلى الإمام خمس ركعات ساهيًا: لا يجزئ هذا المأموم الذي فاتته ركعة، يعيد (١)، فقد صرح القول في هذه الرواية: أنه لا يعتد بهذه الركعة مع الإمام، وقوله: يعيد الصلاة، محمول على أنه لم يقض الركعة التي فاتته حتى تطاولَ الفصل، وعلى هذه: الخبرُ حجة عليهم، وذلك أن النبي ﷺ أمر الشاك في الصلاة بالبناء على اليقين، ومن شك أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، فاليقين أن يبني على الأقل، فيقوم من الرابعة ولا يجلس؛ لأن الثالثة لا يتعقبها جلوس، فيقوم فيأتي بركعة أخرى، ويسلم، فإن كانت هذه الركعة خامسة، فقد صلاها خمسًا، ولم يجلس في الرابعة، وقد أخبر النبي ﷺ : [أنها] (٢) ماضية، وعندك: أنها باطلة، فنصُّ الخبر حجة عليهم. واحتج: بأنه قد أتى بأكثر أفعال الركعة، فوجب أن يثبت حكمها، ولا تكون ملغاة؛ كالمسبوق، وإذا أدرك الإمامَ في الركعة، وتابعه في الركعة، اعتد بها؛ لما ذكرنا، وليس كذلك إذا ذكر قبل أن يعقدها بسجدة أنه يلغيها؛ لأنه لم يأت بأكثر أفعال الركعة. والجواب: أن المسبوق حجة لنا؛ لأن الأقل والأكثر سواء في حكم

стр. 418

المضي؛ فإنه مأمور بالمضي فيها، كذلك ها هنا يجب أن يكونا سواء، وإذا وجب قطع الأول والرجوع إلى ترتيب تحريمة صلاته، كذلك الأكثر. وعلى أن المسبوق يعتد له بفعل الإمام، ويحتسب له به؛ لأن أكثر أفعال الركعة تقوم مقام جميعها، ألا ترى أنه لو كان منفردًا، فأتى بذلك، لم يثبت حكم؛ لأنه لا إمام له. ولأن المسبوق بأكثر أفعال الركعة مع العلم، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنه أتى به مع السهو، والنسيان، فلم يعتد به، فلزمه قطعه. ولأن المسبوق يثبت له حكم الركعة على ما أمر به، وقصد فعله، وليس كذلك من صلى خمسًا؛ فإنه صلى الخامسة على أنها فريضة، وأنها واجبة، فلم يثبت لها حكم. والله أعلم. * * * ٣٧ - مَسْألَة: إذا نسي سجدة من ركعة، أو سجدتين، ثم ذكر في الركعة الثانية، فإن ذكر قبل أن يأخذ في القراءة، عاد وسجد، وإن ذكر بعد ما قد أبطل حكم الأولة، واعتد بالثانية: نص عليه في رواية الميموني (١).

стр. 419

وبه قال أبو حنيفة ﵀ (١). وقال الشافعي ﵀: يعود إلى الأولى ويسجد، سواء ذكر قبل القراءة، أو بعدها (٢). وقال مالك ﵀: إن ذكر قبل أن يشرع في الركوع، عاد، وإن شرع فيه، لم يعد، وكانت أولية (٣). دليلنا: أن القيام غير مقصود في نفسه، وإنما القصدُ القراءةُ؛ بدليل: أنه يلزمه من القيام قدرُ الواجب من القراءة، فهو مقدر بالقراءة الواجبة، وإذا لم يكن مقصودًا في نفسه، جاز الرجوع إلى ما تركه؛ كما لو ذكر قبل أن يعتدل (٤) قائمًا، فإنه يعود، وأما القراءة، فهي مقصودة في نفسها، فإذا ذكر فيها، لم يجز الرجوع، كما لو ترك الاستفتاح والاستعاذة، ثم ذكر بعد أن شرع في القراءة، فإنه لا يعود، وكذلك لو ترك التشهد الأول حتى اعتدل قائمًا، لم يعد؛ لأنه شرع في مقصود، كذلك ها هنا. فإن قيل: لو لم يكن القيام في نفسه، لم يلزم الأخرس القيام؛ لأنه لا قراءة عليه.

стр. 420

قيل له: إلا أن القيام في حقه مقدر بقدر الفاتحة، فدل على أن ذلك هو المقصود. فإن قيل: التشهد الأول ليس بواجب، فلهذا لم يجب الرجوع إليه. قيل: لا نسلم هذا. واحتج: بأنه شرع في الثانية قبل إتمام الأولى، فوجب أن يعود إلى الأولى، أصله: إذا ذكر قبل أن يأخذ في القراءة. والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه ذكر قبل أن يأخذ في ركن مقصود، فلهذا رجع، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه ذكر بعد أن رجع في ركن مقصود، فلهذا لم يرجع كما قلنا في الاستفتاح، والاستعاذة، والتشهد، والله أعلم. * * * ٣٨ - مَسْألَة: فإن ترك أربع سجدات من أربع ركعات، سجد سجدة في الحال، وقام وأتى بثلاث ركعات، وتشهد وسلَّم: نص عليه في رواية صالح (١)، وحنبل (٢)، وعلي بن سعيد (٣).

стр. 421

وروى بكر بن محمد عن أبيه عنه: أن الصلاة تبطل (١). وروي عن مالك ﵀ روايتان، مثل مذهبنا (٢). وقال أبو حنيفة [﵀] (٣): يسجد قبل السلام أربع سجدات متواليات (٤). وقال الشافعي ﵀: يصح له ركعتان، ويقضي ركعتين (٥)، وهو قول داود (٦). فالدلالة على أن الصلاة لا تبطل: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وقول النبي ﷺ : "لا يقطع صلاة المرء شيء" (٧).

стр. 422

ولأنه سهو في أركان الصلاة، فلا يبطلها؛ كما لو سلم ناسيًا عن نقصان. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، ولم ينقل عنه: أنه [إذا] فاته أربع سجدات، قضى بعدها ثلاث ركعات. والجواب: أن معناه: كما عَلِمْتموني أصلي، وقد ثبت عنه: أنه سها عن نقصان وزيادة، ولم تبطل صلاته، فكان ذلك دليلًا على مسألتنا. * فصل: والدلالة على أبي حنيفة: أنه شرع في الثانية قبل كمال الأولى، فلم يعتد بما فعله؛ كما لو ترك السجدتين. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يأت بأكثر أفعال الركعة، كذلك في مسألتنا؛ لأنه قد أتى بأكثر من أفعال الركعة. قيل له: إذا أتى بتكبيرة الافتتاح، والقيام، والقراءة، والركوع، فقد أتى بأكثر أفعال الركعة، وبقيت عليه السجدتان، وهما أقل مما أتى به، فلم يصح قوله: إنه لم يأت بأكثر الركعة في الأصل، وعلى أن الأكثر لا يقوم مقام الركعة ها هنا؛ لأن السجدة الثانية باقية عليه، ولا بد من فعلها، ولو كان الأكثر قائمًا مقام الركعة، لوجب أن يسقط ما بقي منها، ولمّا لم يسقط، لم يصح قوله.

стр. 423

ولأن السجدة الثانية فعلٌ واجب من أفعال الصلاة، فوجب أن يكون الترتيب بينه وبين ما بعده واجبًا. دليله: سائر أفعال الصلاة من الركوع لا يصح قبل القيام والقراءة، ولا يصح السجود قبل الركوع، كذلك يجب أن لا يصح القيام في الركعة الثانية قبل أن تصح السجدة الأخيرة. وعبر بعضهم [عن] هذا المعنى بعبارة أخرى، فقال: ترتيب مستحق في الصلاة، لا يسقط مع الذكر، فلا يسقط السهو؛ كترتيب الركوع على السجود. وأجاب المخالف عن هذا: بأن الترتيب بين السجدات غير مستحق مع الذكر؛ فإنه لو ترك سجدة من ركعة، وقام إلى الركعة الأخرى مع الذكر، لم تفسد صلاته. واحتج المخالف: بأن السجدة الثانية مفعولة على وجه التكرار، فجاز أن يسقط الترتيب بينها وبين الأولى، فيثبت حكم السجدة الأولى من الركعة الثانية قبل ثبوت حكم السجدة الثانية من الركعة الأولى؛ كما قلنا في صيام أيام من رمضان، وركعات الصلاة: إن الترتيب يسقط فيها بهذه العلة، ولا يلزم عليه تقديم السجود على الركوع؛ لأنه لا يجوز؛ لأن السجود والركوع غير مفعولين على وجه التكرار، فجاز أن يثبت بينهما. والجواب: أنَّ لا نسلم أن الثانية مفعولة على وجه التكرار؛ لأن بين الثانية والأولى جلسة الفصل، وهي واجبة عندنا، فتكرار السجدتين في ركعة، كتكرار السجود والركوع في كل ركعة.

стр. 424

وجواب آخر: وهو أن هذا يلزم عليه السعي؛ فإنه مفعول على وجه التكرار، ويجب الترتيب بينه وبين ما قبله من الطواف، وعلى أن الصيام لا مدخل للترتيب فيه، وليس كذلك الركوع والسجود؛ لأن للترتيب مدخلًا فيه. وأجاب بعضهم عن هذا بجواب آخر، فقال: كل يوم من قضاء رمضان عبادة مفتقرة، والعبادات إذا تقدمت في الوجوب، سقط فيها الترتيب، وليس كذلك السجود؛ فإنه ركن من أركان صلاة واحدة، وإن كانت الصلاة يجب فيها الترتيب، ولا يثبت ركن حتى يثبت ما قبله، ألا ترى أنه لا يثبت الركوع حتى يثبت القيام قبله، ولا يثبت السجود حتى يثبت الركوع قبله؟ كذلك لا يثبت القيام في الثانية حتى يثبت السجود الذي قبله، وهذا يصح على أصلنا في الفرع، فأما معارضة الأصل، فلا يصح على أصلنا؛ لأن الترتيب قد يستحق في العبادات، وهو قضاء الفوائت. واحتج: بأنه أتى بأكثر أفعال الركعة، فوجب أن لا تنعقد الركعة، ويثبتُ حكمُها؛ كالمسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع، وتابعه في بقية الركعة: أنه يثبت حكمها؛ لأنه أتى بأكثر أفعالها. والجواب: أن المسبوق لم يبق عليه من الركعة شيء، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنه قد بقي عليه من الركعة السجدة الثانية، فلم يصح ما بعدها، على أنه منتقض به إذا بقيت عليه السجدتان؛ فإنه قد أتى بأكثر أفعال الركعة من الوجه الذي بيّنا، ومع هذا، فلا يحتسب له بما يفعله في الركعة الثانية.

стр. 425

* فصل: والدلالة على الشافعي ﵁: أن ما ذهبنا إليه يحصل به مواليًا بين الركوع والسجود؛ لأنه يسجد في الرابعة سجدة أخرى، فيحصل سجدتان قد تقدمهما الركوع، ولم يتخللهما غيره، وإذا لفق، لم يوال بينهما، فكانت الموالاة أولى، يبين صحة هذا ما قالوه: إذا زحم عن السجود في الركعة الأولى من صلاة الجمعة، فتخلص، والإمام راكع في الثانية، فإنه يركع معه، ولا يتشاغل بقضاء ما عليه، ويكون الركوع الثاني فرضه، والأول لغو؛ لأنه توالى بين ركوعه وسجوده، ولو جعلنا الأولى فرضَه، والثانيةَ، فرَّقنا بين الركوع والسجود، فكانت الموالاة أولى. ودلالة ثانية: وهو أنه إذا سجد في الرابعة سجدة، قصر الفصل بين المتتابعتين - أعني: بين السجدة الأوّلة والثانية -، وإذا لفق سجود الثانية إلى الأوّلة، والرابعة إلى الثالثة، طال الفصل بين المتتابعتين، وقد يسقط حكم الفصل في الصلاة إذا قصر، ولا يسقط إذا طال وكثر، ألا ترى أن الجمع بين الصلاتين في الأولى منهما جائز؛ بشرط أن لا يطول الفصل بينهما، فإن لم يطل، جاز، وكذلك إذا ذكر - بعد أن سلم -: أنه نسي سجدتي السهو، فإن كان الفصل قليلًا، أعادها، وإن كان طويلًا، لم يعدها، وجب أن يعتبر ما يقصر به الفصل المتتابعتين، دون ما يطول؛ ولأن السجود ركن من أركان الركعة، فلم يصح تلفيقه من ركعتين. دليله: القراءة، وذلك أنه لو قرأ نصف الفاتحة في ركعة، وفي النصف الثاني من الركعة الثانية، لم يلفق، كذلك السجود.
следующие страницы →