← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وروى بكر بن محمد عن أبيه عنه: أن الصلاة تبطل (١). وروي عن مالك ﵀ روايتان، مثل مذهبنا (٢). وقال أبو حنيفة [﵀] (٣): يسجد قبل السلام أربع سجدات متواليات (٤). وقال الشافعي ﵀: يصح له ركعتان، ويقضي ركعتين (٥)، وهو قول داود (٦). فالدلالة على أن الصلاة لا تبطل: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وقول النبي ﷺ : "لا يقطع صلاة المرء شيء" (٧).

стр. 422

ولأنه سهو في أركان الصلاة، فلا يبطلها؛ كما لو سلم ناسيًا عن نقصان. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، ولم ينقل عنه: أنه [إذا] فاته أربع سجدات، قضى بعدها ثلاث ركعات. والجواب: أن معناه: كما عَلِمْتموني أصلي، وقد ثبت عنه: أنه سها عن نقصان وزيادة، ولم تبطل صلاته، فكان ذلك دليلًا على مسألتنا. * فصل: والدلالة على أبي حنيفة: أنه شرع في الثانية قبل كمال الأولى، فلم يعتد بما فعله؛ كما لو ترك السجدتين. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يأت بأكثر أفعال الركعة، كذلك في مسألتنا؛ لأنه قد أتى بأكثر من أفعال الركعة. قيل له: إذا أتى بتكبيرة الافتتاح، والقيام، والقراءة، والركوع، فقد أتى بأكثر أفعال الركعة، وبقيت عليه السجدتان، وهما أقل مما أتى به، فلم يصح قوله: إنه لم يأت بأكثر الركعة في الأصل، وعلى أن الأكثر لا يقوم مقام الركعة ها هنا؛ لأن السجدة الثانية باقية عليه، ولا بد من فعلها، ولو كان الأكثر قائمًا مقام الركعة، لوجب أن يسقط ما بقي منها، ولمّا لم يسقط، لم يصح قوله.

стр. 423

ولأن السجدة الثانية فعلٌ واجب من أفعال الصلاة، فوجب أن يكون الترتيب بينه وبين ما بعده واجبًا. دليله: سائر أفعال الصلاة من الركوع لا يصح قبل القيام والقراءة، ولا يصح السجود قبل الركوع، كذلك يجب أن لا يصح القيام في الركعة الثانية قبل أن تصح السجدة الأخيرة. وعبر بعضهم [عن] هذا المعنى بعبارة أخرى، فقال: ترتيب مستحق في الصلاة، لا يسقط مع الذكر، فلا يسقط السهو؛ كترتيب الركوع على السجود. وأجاب المخالف عن هذا: بأن الترتيب بين السجدات غير مستحق مع الذكر؛ فإنه لو ترك سجدة من ركعة، وقام إلى الركعة الأخرى مع الذكر، لم تفسد صلاته. واحتج المخالف: بأن السجدة الثانية مفعولة على وجه التكرار، فجاز أن يسقط الترتيب بينها وبين الأولى، فيثبت حكم السجدة الأولى من الركعة الثانية قبل ثبوت حكم السجدة الثانية من الركعة الأولى؛ كما قلنا في صيام أيام من رمضان، وركعات الصلاة: إن الترتيب يسقط فيها بهذه العلة، ولا يلزم عليه تقديم السجود على الركوع؛ لأنه لا يجوز؛ لأن السجود والركوع غير مفعولين على وجه التكرار، فجاز أن يثبت بينهما. والجواب: أنَّ لا نسلم أن الثانية مفعولة على وجه التكرار؛ لأن بين الثانية والأولى جلسة الفصل، وهي واجبة عندنا، فتكرار السجدتين في ركعة، كتكرار السجود والركوع في كل ركعة.

стр. 424

وجواب آخر: وهو أن هذا يلزم عليه السعي؛ فإنه مفعول على وجه التكرار، ويجب الترتيب بينه وبين ما قبله من الطواف، وعلى أن الصيام لا مدخل للترتيب فيه، وليس كذلك الركوع والسجود؛ لأن للترتيب مدخلًا فيه. وأجاب بعضهم عن هذا بجواب آخر، فقال: كل يوم من قضاء رمضان عبادة مفتقرة، والعبادات إذا تقدمت في الوجوب، سقط فيها الترتيب، وليس كذلك السجود؛ فإنه ركن من أركان صلاة واحدة، وإن كانت الصلاة يجب فيها الترتيب، ولا يثبت ركن حتى يثبت ما قبله، ألا ترى أنه لا يثبت الركوع حتى يثبت القيام قبله، ولا يثبت السجود حتى يثبت الركوع قبله؟ كذلك لا يثبت القيام في الثانية حتى يثبت السجود الذي قبله، وهذا يصح على أصلنا في الفرع، فأما معارضة الأصل، فلا يصح على أصلنا؛ لأن الترتيب قد يستحق في العبادات، وهو قضاء الفوائت. واحتج: بأنه أتى بأكثر أفعال الركعة، فوجب أن لا تنعقد الركعة، ويثبتُ حكمُها؛ كالمسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع، وتابعه في بقية الركعة: أنه يثبت حكمها؛ لأنه أتى بأكثر أفعالها. والجواب: أن المسبوق لم يبق عليه من الركعة شيء، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنه قد بقي عليه من الركعة السجدة الثانية، فلم يصح ما بعدها، على أنه منتقض به إذا بقيت عليه السجدتان؛ فإنه قد أتى بأكثر أفعال الركعة من الوجه الذي بيّنا، ومع هذا، فلا يحتسب له بما يفعله في الركعة الثانية.

стр. 425

* فصل: والدلالة على الشافعي ﵁: أن ما ذهبنا إليه يحصل به مواليًا بين الركوع والسجود؛ لأنه يسجد في الرابعة سجدة أخرى، فيحصل سجدتان قد تقدمهما الركوع، ولم يتخللهما غيره، وإذا لفق، لم يوال بينهما، فكانت الموالاة أولى، يبين صحة هذا ما قالوه: إذا زحم عن السجود في الركعة الأولى من صلاة الجمعة، فتخلص، والإمام راكع في الثانية، فإنه يركع معه، ولا يتشاغل بقضاء ما عليه، ويكون الركوع الثاني فرضه، والأول لغو؛ لأنه توالى بين ركوعه وسجوده، ولو جعلنا الأولى فرضَه، والثانيةَ، فرَّقنا بين الركوع والسجود، فكانت الموالاة أولى. ودلالة ثانية: وهو أنه إذا سجد في الرابعة سجدة، قصر الفصل بين المتتابعتين - أعني: بين السجدة الأوّلة والثانية -، وإذا لفق سجود الثانية إلى الأوّلة، والرابعة إلى الثالثة، طال الفصل بين المتتابعتين، وقد يسقط حكم الفصل في الصلاة إذا قصر، ولا يسقط إذا طال وكثر، ألا ترى أن الجمع بين الصلاتين في الأولى منهما جائز؛ بشرط أن لا يطول الفصل بينهما، فإن لم يطل، جاز، وكذلك إذا ذكر - بعد أن سلم -: أنه نسي سجدتي السهو، فإن كان الفصل قليلًا، أعادها، وإن كان طويلًا، لم يعدها، وجب أن يعتبر ما يقصر به الفصل المتتابعتين، دون ما يطول؛ ولأن السجود ركن من أركان الركعة، فلم يصح تلفيقه من ركعتين. دليله: القراءة، وذلك أنه لو قرأ نصف الفاتحة في ركعة، وفي النصف الثاني من الركعة الثانية، لم يلفق، كذلك السجود.

стр. 426

ودلالة ثالثة: وهو أن الصلاتين المجموعتين قد جُعِلتا في حكم الصلاة الواحدة في نية الجمع، وهو أن ينوي من الأول للجمع، ويجب التوالي بينهما، والترتيب، ثم ثبت أنه لا يلفق سجود الثانية إلى الأولى، كذلك الصلاة الواحدة. فإن قيل: أليستا في حكم الصلاة الواحدة؛ بدليل: جواز الكلام بينهما، ويفصل بينهما بتسليم، وتُفرد كل واحدة بنية. قيل: لم يُدَّعَ أنهما في حكم الصلاة من جميع الجهات. واحتج المخالف: بأن هذا سهو لا يبطل الصلاة، فلا يبطل الاعتداد بما فعله. دليله: لو سلم من ركعتين. والجواب: أن هناك لا يفضي (١) إلى ترك الموالاة بين الركوع والسجود، وهذا بخلافه. والله أعلم. * * * ٣٩ - مَسْألَة: إذا نسي التشهد الأول، ثم ذكر بعد أن اعتدل قائمًا، وقبل أن يشرع في القراءة، فالمستحب له: أن يمضي في صلاته، ولا يرجع، فإن رجع، جاز:

стр. 427

نص عليه أحمد ﵀ في رواية عبد الله (١)، وأبي داود (٢)، وحرب (٣)، وبكر بن محمد (٤)، ﵏. وقال مالك ﵀: إن ارتفعت أليتاه من الأرض، لم يعد (٥). وقال الشافعي ﵀: إن ذكر قبل أن ينتصب قائمًا، عاد وجلس وتشهد، وإن ذكر بعد ما انتصب قائمًا، لم يجز له أن يعود (٦). دليلنا: أنه ذكر قبل أن يشرع في القراءة، فجاز له الرجوع، دليله: لو ذكر قبل أن يعتدل قائمًا، أو قبل أن ترتفع أليتاه من الأرض. فإن قيل: المعنى فيه إذا لم يعتدل (٧): أنه لم يحصل في ركن مقصود، فجاز العود، وإذا ذكره في القيام، فقد ذكر بعد حصوله في ركن

стр. 428

مقصود فلم يجز الرجوع؛ كما لو ذكر بعد أن رجع (١) شرع في القراءة، ولهذا قلنا: إذا نسي دعاء الاستفتاح، ثم ذكره قبل أن يستفتح بالقراءة، أنا نقول: إن كان قد استفتح، لم يأت به. قيل له: القيام غير مقصود في نفسه، وإنما يتوصل [به] إلى القراءة المقصودة، وقد بينا ذلك فيما تقدم، دليلنا عليه: بأن القيام (٢) يتقدر بالقراءة الواجبة، ويسقط ما زاد عليه بسقوط القراءة، وإذا كان كذلك، لم يصح ما قاله، وجرى القيام مجرى نهوضه إلى القيام قبل أن يعتدل؛ فإنه يرجع، وليس كذلك القراءة؛ لأنه ركن مقصود في نفسه، فلهذا لم يرجع. واحتج المخالف: بما روى أحمد في المسند (٣) بإسناده عن المغيرة بن شعبة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إذا قام أحدكم من الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا، فليجلس، وإن استوى قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو" (٤).

стр. 429

والجواب: أنا نحمل قوله: "وإن استوى قائمًا، فلا يجلس" على أحد وجهين: إما على الاستحباب، أو على أنه استوى قائمًا، وشرع في القراءة؛ بدليل: ما ذكرنا. واحتج: بأنه شرع في ركن مقصود، فلم يجز له الرجوع، كما لو أخذ في القراءة. والجواب عنه: ما بيّنا، وأن القيام ليس بمقصود في نفسه. فإن قيل: فإذا لم يكن مقصودًا في نفسه، فلم كرهت له الرجوع؟ ألا ترى أنه إذا لم يعتدل قائمًا، لم يكن ذلك مقصودًا، لم يكره له الرجوع. قيل: إنما كرهنا الرجوع بعد القيام؛ لأن من الناس من يجعل القيام مقصودًا في نفسه، ويمنعه من الرجوع، فكرهنا الرجوع، للخروج من الخلاف، والله أعلم. * * *

стр. 430

٤٠ - مَسْألَة: إذا قرأ في الأخيرتين من الظهر، والعصر، وعشاء الآخرة بالحمد وسورة ساهيًا، أو صلى على النبي ﷺ في التشهد الأول، أو دعا بما يدعو في التشهد الآخر، أو قرأ في موضع تشهده، أو موضع ركوعه وسجوده، أو تشهد في موضع قيامه، أو قال في موضع ركوعه: سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فإنه يسجد في جميع ذلك سجود السهو: وقد نص على ذلك في مواضع، فقال في رواية صالح: إذا جلس ليتشهد، فقرأ ناسيًا، أو قام فتشهد مكان القراءة ناسيًا، سجد السهو (١). وقال في رواية ابن إبراهيم: إذا سها في ركوعه، فقال: سمع الله لمن حمده، يسجد (٢)، وقال في رواية حنبل (٣)، وأبي طالب: إذا صلى الظهر، فقرأ في أربع ركعات بالحمد وسورة، أو صلى المغرب، فقرأ

стр. 431

في الثالثة بالحمد وسورة ساهيًا: يسجد للسهو (١). وقال في رواية إسحاق بن هانئ (٢)، والمروذي (٣): إذا زاد على تشهد ابن مسعود في الركعتين الأوليين شيئًا من الدعاء: يسجد سجدتين بعد السلام. وقد روي عنه: أنه لا سجود في ذلك، نص عليه في رواية الميموني (٤)، وأحمد بن هاشم الأنطاكي (٥): إذا قرأ في الآخرتين بفاتحة الكتاب وسورة: لا يسجد. وبه قال أبو حنيفة (٦)، ومالك (٧)، والشافعي (٨) ﵃. وقال داود (٩): لا يسجد إلا من شكَّ، فلم يدرِ كم صلَّى، فإنه يُلغي،

стр. 432

ويبني على اليقين، ومن قام من اثنتين ساهيًا، ولم يتشهد، ومن سلم من اثنتين ساهيًا، ومن قام إلى خامسة (١)، ومن سها إمامُه، فأدرك معه أول صلاته (٢)، وليس في غير ذلك سجود. وجه الرواية الأولة: ما روى أحمد ﵀ بإسناده، وقد ذكرته فيما تقدم (٣) عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: "لكل سهو سجدتان بعد السلام"، وهذا عام؛ ولأن هذا ذكرٌ مشروع في الصلاة أتى به في غير موضعه على وجه السهو، فوجب أن يسجد، دليله: إذا سلم من ركعتين. فإن قيل في ذلك: إن عمده يبطل، فسهوه يُسجد له، وليس كذلك ها هنا؛ فإن عمده لا يبطل، فسهوه لا يُسجد له. قيل له: تركُ التشهد الأول، والقنوتِ عمدًا لا يُبطل، وإذا تركه سهوًا، سجد للسهو، فبطل أن يكون السجود مفعولًا بما يبطل الصلاة تعمده. فإن قيل: الزيادة في الصلاة بالأفعال تنقسم، فما كان منها يُبطل الصلاة تعمُّدُه، فإن سهوه يُسجد له؛ مثل: أن يقوم إلى خامسة ساهيًا، وما كان منها لا يبطل الصلاة عمدُه، فإن سهوه لا يُسجد له؛ مثل: الخطوة

стр. 433

والخطوتين، كذلك الزيادة بالقول يجب أن تنقسم، فما أبطل عمده، سُجد له، وهو السلام في غير موضعه، وما لم يبطل عمده، لم يسجد له، وهو هذه المسائل. قيل له: ولم كان ذلك، وعلى أنا قد بينا أن سجود السهو لا يقف على ما يُبطل الصلاة عمدُه، وعلى أن العمل اليسير إنما لم يُسجد له؛ لأنه لا يمكن الاحتراز من ذلك، ففي السجود لذلك مشقة، فلهذا لم يسجد، وقد قال أحمد في رواية بكر بن محمد: إذا قرأ آية رحمة، فجعلها عذابًا، تمت صلاته، ولا يسجد (١). وقال أيضًا في رواية الميموني (٢): لا يدعو في الفريضة: "سجد وجهي للذي خلقه" (٣)، فإن دعا، لم يسجد للسهو. وأيضًا: فإن الأفعال في الصلاة إذا أتى بها في غير موضعها، سجد للسهو؛ مثل: أن يأتي بالقيام في موضع الجلوس، وهو القيام إلى الخامسة، أو يأتي بالجلوس في موضع القيام، فهو أن يجلس عقيب الأوّلة أو الثالثة، كذلك يجب أن الأذكار إذا أتى بها في غير موضعها أن يسجد لها.

стр. 434

وذهب المخالف: إلى الأسْوِلة (١) التي ذكرناها، وقد أجبنا عنها، والله أعلم. * * * ٤١ - مَسْألَة: إذا ترك تكبيرات العيدين، أو قرأ بالسورة، لم يسجد للسهو: وقد نص على ذلك في السورة في رواية الميموني (٢): فيمن قرأ بفاتحة الكتاب، وذكر في التشهد، هل يسجد للسهو؟ فقال: أما ما جاء عن النبي ﷺ ، فهو غير هذا، ولم أره يوجب في هذا سجود سهو. وبهذا قال الشافعي ﵀ (٣). وقال أبو حنيفة: يسجد للسهو (٤). وقد نقل أبو جعفر الوراق عن أحمد ﵀: أنه قرأ يوم الجمعة السجدة، فسها أن يسجد، فسجد سجدتي السهو (٥)، كذلك ها هنا.

стр. 435

دليله: ما روى الدارقطني (١) عن سالم (٢)، عن أبيه ﵄، عن النبي ﷺ قال: "لا سهو إلا في قيام عن جلوس، أو جلوس عن قيام" (٣)، وهذا يدل على أنه لا يسجد لترك الذكر؛ ولأنه ذكر مشروع في قيام القراءة، فلا يسجد لتركه؛ قياسًا على ذكر الاستفتاح، والاستعاذة، ولا يلزم عليه التكبير للخفض، والرفع، والتسبيح في الركوع، والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده؛ لأن ذلك لا يفعل في قيام القراءة. واحتج المخالف: بما روى ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لكل سهو سجدتان بعد السلام" (٤). والجواب: نخصه ونحمله على غير مسألتنا؛ بدليل ما تقدم. واحتج: بأنه ذكر مسنون في موضع واحد يُفعل بعد ذكر الاستفتاح، أشبهَ التشهدَ، والقنوتَ، وقد نص على السجود للقنوت في رواية صالح:

стр. 436

إذا ترك القنوت ساهيًا، يسجد إذا كان ممن يقنت (١)، ونقل صالح (٢): إذا ترك التشهد الأول ساهيًا، يسجد للسهو. قالوا: ولا يلزم عليه تكبيرات الرفع، والخفض، والتسبيح في الركوع، والسجود؛ لأنه ذكر يشرع في مواضع متفرقة، ولا يلزم عليه الاستفتاح؛ لقولنا: يفعل بعد ذلك الاستفتاح. والجواب: أنه يبطل بتكبيرات الركوع، والسجود، فإن أدناها ثلاث تسبيحات، وتكبيرات العيدين عند أبي حنيفة ﵀ ثلاث (٣)، ومع هذا، فلا يسجد للتسبيح، وعلى أن المعنى في القنوت: أنه ذكر مقصود، ألا ترى أنه يتقدر محله به، وهو مقصور عليه؟ فلهذا سجد، وليس كذلك في تكبيرات العيدين؛ لأنه غير مقصود؛ لأنه تابع في محله لغيره، فلهذا لم يسجد؛ كالاستفتاح، والاستعاذة، وكذلك التشهد الأول؛ لأنه مقصود؛ ولأنه يتقدر محله؛ ولأن الصلاة تبطل إذا تركه عامدًا على أصلنا، وما بطلت الصلاة بتركه، فهو مقصود.

стр. 437

واحتج: بأنه تكبير مشروع بعد الدخول في الصلاة، فسجد له، دليله: تكبير الخفض والرفع؛ ولأنه ذكر مسنون يفعل بعد الاستفتاح، أشبه التسبيح في الركوع، والسجود. والجواب: أن المعنى في تلك الأذكار: أنها مقصودة عندنا، ولهذا تبطل الصلاة بتركها عمدًا، فلهذا سجد للسهو، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه غير مقصود، فلهذا لم يسجد له. * * * ٤٢ - مَسْألَة: إذا جهر فيما يُسِرّ، أو أَسَرَّ فيما يجهر، لم يسجد للسهو في أصح الروايتين: نص عليها في رواية صالح (١)، وابن منصور (٢) - وقد ذُكر له قول سفيان: [السهو] (٣): إذا قمت فيما لا ينبغي لك أن تقوم، أو قعدت فيما لا ينبغي لك أن تقعد، أو سلمت ناسيًا، أو جهرت فيما لا ينبغي لك أن تجهر، أو خافَتَّ فيما لا ينبغي لك أن تُخافت ناسيًا -، فقال أحمد: كله

стр. 438

جيد، إلا جهره بالقراءة، وإخفاءه فيما لا ينبغي، فإن سجد، فلا بأس، وإن لم يسجد، فليس عليه. وكذلك نقل الأثرم عنه (١)، وقد سئل عن رجل سها، فجهر فيما يُخافت فيه، هل عليه سجدتا السهو؟ فقال: أما عليه، فلا، ولكن إن شاء سجد، وذكر الحديث (٢): كان يسمع منه نغمة (٣) في صلاة الظهر (٤)، وأنس جهر فلم يسجد (٥)، وظاهر هذا: أنه لا يسجد، وبه قال الشافعي ﵀ (٦). وفيه رواية أخرى: يسجد لذلك، نص عليه في رواية صالح في موضع آخر، فقال: إذا جهر في الظهر، سجد سجدتي السهو، فقيل:

стр. 439

أنس جهر فلم يسجد؟ فقال: وما يضره أن يسجد (١)؟ وقال أيضًا في رواية أبي داود (٢): إذا خافَتَ فيما يجهر به حتى فرغ من فاتحة الكتاب، ثم ذكر، يبتدئ فاتحة الكتاب، فيجهر، ويسجد سجدتي السهو. وقال أيضًا في رواية حنبل (٣): إذا جهر بالاستفتاح، والاستعاذة، فهو سهو يسجد للسهو، فظاهر هذا: أنه يسجد، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٤). وجه الرواية الأولة: ما تقدم (٥) من حديث سالم عن أبيه ﵄ عن النبي ﷺ . وروى قتادة (٦) عن أنس بن مالك ﵁: أنه جهر في الظهر أو العصر، فلم يسجد (٧)، ولا يعرف له مخالف.

стр. 440

ولأنها هيئة مسنونة لركن، فلا يتعلق بتركها جبران، دليله: إذا ترك وضع اليمين على الشمال في حال القيام، والرمَل، والاضطباع في الطواف. واحتج المخالف: بما تقدم (١) من حديث ثوبان: "لكل سهو سجدتان". والجواب: أنه محمول على غير مسألتنا. واحتج: بأنه مسنون لركن يُفعل في موضع واحد يُفعل بعد الاستفتاح، أشبهَ دعاءَ القنوت. والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه منتقض بترك التسبيح في الركوع، ثم القنوت مقصود، وهذا هيئة غير مقصودة. واحتج: بأنها هيئة للذكر يتعلق بتركه نقصان يفتقر (٢) إلى الجبران. دليله: إذا ترك الصلاة مع الإِمام يوم عرفة، ولا يلزم عليه ترك الرمل في الطواف؛ لأنه هيئة لبعض الذكر دون جميعه، وكذلك رفع اليدين هو هيئة لبعض التكبيرات دون بعض، وكذلك التورك والافتراش هو لبعض الجلوس دون بعض. والجواب: أنه ينتقض بترك الاضطباع في جميع الطواف؛ فإن هذه هيئته، ومع هذا، فلا جبران فيه، والله أعلم. * * *

стр. 441

٤٣ - مَسْألَة: إذا ترك تكبيرات الخفض، والرفع، والتسبيح في الركوع، والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وقول: ربنا لك الحمد، والتشهد الأول، والصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، فإنه يسجد للسهو: وقد ذكر الخرقي جميع ذلك (١)، وقد نص عليه أحمد ﵀ في رواية أبي الحارث (٢): فيمن ترك التسبيح عامدًا: تبطل صلاته، فإن تركه ساهيًا، سجد للسهو، والنبي ﷺ نهض من الاثنتين ساهيًا، فترك الافتراش، وترك تكبير الجلوس، وسجد للسهو قبل السلام (٣). وقال أبو حنيفة (٤)، والشافعي (٥) - رحمهما الله -: لا يسجد في شيء

стр. 442

من ذلك إلا في التشهد الأول، وفي دعاء القنوت أيضًا. دليلنا: ما تقدم (١) من حديث ثوبان ﵁: "لكل سهو سجدتان"، وهذا عام؛ ولأنه قد ثبت من أصلنا: أن هذه الأذكار واجبة مع الذكر، وتسقط بالسهو، وهذا يدل على أنها مقصودة، وإذا كان ذكرًا مقصودًا لا تبطل الصلاة بتركه، فإنه يسجد له، دليله: التشهد الأول، والقنوت؛ ولأنها عبادة يدخلها الجبران، فيجب أن يدخل لترك واجب؛ كالحج، وعندهم: لا يدخل لترك واجب، أو نقول: فجاز أن يقوم الجبران، مقام واجب، كالحج. فإن قيل: هذه الأذكار غير مقصودة؛ لأن التكبير جُعل للانتقال من ركن إلى ركن، والتسبيح في الركوع ليس بمقصود؛ لأنه شرع في محل هو خضوع في نفسه، فلا يحتاج إليه. قيل: قد دللنا على وجوبه فيما تقدم، فلا معنى لهذا الكلام، وإذا ثبت أنه مقصود، فلا تبطل الصلاة بتركه؛ فإنه يسجد له، والله أعلم. * * * ٤٤ - مَسْألَة إذا ترك القنوت عامدًا، لم يسجد للسهو، وكذلك كل ما لم يُسْجَد له؛ مثل: القراءة للسورة في الآخرتين، والصلاة على

стр. 443

النبي ﷺ في التشهد الأول، والجهر فيما يسرُّ به إذا قلنا: يسجد (١): وهو قول أبي حنيفة (٢). قال الشافعي - رحمهما (٣) الله -: يسجد سجدتي السهو (٤). دليلنا: أن النبي ﷺ سماهما: مَرْغَمَةً للشيطان (٥)، والحكمُ إذا عُلق في الشريعة بعلة، وجب اعتبار تلك العلة، وإذا وجدت، وجب الحكم بها، وهذه العلة تحصل متى كان الترك بسبب من جهة الشيطان من إيراد الشك والشبهة، فأما إذا كان عمدًا، فإنهما يصيران مرغمتيه دون الشيطان؛ ولأنه إذا دخل في صلاةٍ نقصٌ على طريق العمد، فلا يلزمه جبران ذلك النقص بالسجود. دليله: تكبيرات الركوع والسجود، والتسبيح في الركوع والسجود إذا تركها عمدًا.

стр. 444

فإن قيل: لأنه لو تركها ساهيًا، لم يسجد. قيل له: عندنا: يسجد؛ ولأن هذا السجود يضاف إلى السهو، فوجب أن يختصه، ألا ترى أن سجود التلاوة لما أضيف إليها، اختص بها؟ فإن قيل: إنما يضاف إليه؛ لأن الغالب أنه يفعله لأجله، لا لأنه مختص به. قيل له: فقلْ في سجود التلاوة مثلَه. فإن قيل: سجود التلاوة لا يختص التلاوة، ألا ترى أنه إذا كان مستمعًا للتلاوة، فإنه يسجد لها، وإن لم تكن التلاوة منه؟ قيل له: قد وُجِدتِ التلاوة، لكن من جهة غيره، ولم يشترط وجودها من الساجد. واحتج المخالف: بأن ما تعلق الجبران بسهوه، فإنه يتعلق بعمده. دليله: ما يوجب الجبران في الحج. والجواب: أن الحج آكدُ في هذا الباب من الصلاة، ألا ترى أن ما يوجب الجبران في الحج يستوي حكمُه بعد فساد الإحرام وقبلَه، وما يوجب الجبران في الصلاة يختلف حكمه بعد فساد الصلاة وقبله؟ كذلك يستوي العمد والسهو في الحج، ولا يستوي في الصلاة. واحتج: بأن السهو أخفُّ حكمًا من العمد، وإذا تعلق الجبران بالسهو، فبالعمد أحرى؛ لأن ترْك المأمور ساهيًا أخفُّ منه عامدًا.

стр. 445

والجواب: أنَّا نقول له: لِمَ قلتَ: إن السهو أخفُّ حكمًا من العمد فيما يتعلق به من الجبران؟ ونحن نخالفك في ذلك، ونقول: بأن السهو آكدُ حكمًا من العمد، وعلى أنه في حال السهو يوجد ما يضاف إليه، وهو السهو، ولا يوجد ذلك في العمد. واحتج: بأنه تَرَك ذكرًا مسنونًا مقصودًا، فسجد له، دليله: إذا ترك (١) ساهيًا. والجواب: أن المعنى هناك: أنه وجد ما يضاف إليه السجود، وهو السهو، فلهذا سجد، وهذا المعنى معدوم ها هنا. أو نقول: المعنى هناك: أنه تركه على وجه السهو، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه تركه على وجه العمد، أشبهَ تكبيراتِ الخفض والرفع، والله أعلم. * * * ٤٥ - مَسْألَة: سجود السهو واجب: ذكره شيخنا (٢)، وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في كلام نذكره في أثناء المسألة، .................................

стр. 446

وبه قال الكرخي (١) من أصحاب أبي حنيفة. وقال أصحاب مالك: يجب إذا كان السهو في النقصان (٢). وقال أصحاب الشافعي ﵀: لا يجب (٣). فالدلالة على وجوبه: ما رُوي في حديث ابن مسعود ﵁: "وليسجد سجدتين بعد السلام" (٤)، وهذا أمر، ولأنه جبران لنقص أدخله في عبادة، فوجب أن يكون واجبًا؛ كالجبران في الحج. فإن قيل: الجبران في الحج يقوم مقام واجب تَرَكَه، فلهذا كان واجبًا، وليس كذلك الجبران في الصلاة؛ لأنه يقوم مقام مسنون، فيجب أن يكون مسنونًا. قيل له: عندنا: يقوم مقام واجب، وهو التكبير للخفض، والرفع، والتسبيح للركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وقول: رب

стр. 447

اغفر لي، والتشهد الأول، وعلى أنه لا يمتنع أن يقوم الشيء مقام ما ليس بواجب، ويكون هو واجب، كما نقول فيمن أفسد حجة تطوع: إنه يجب عليه القضاء، فيكون القضاء واجبًا، والمقضي عنه تطوعًا. فإن قيل: إذا دخل في حجة التطوع، صارت واجبة. قيل له: لم يكن ابتداؤها والدخول فيها واجبًا، ويجب ابتداء قضائها والدخول فيها، فصار البدل (١) حالًا من هذا الوجه. فإن قيل: جبران الحج لا يسقط بتطاول الزمان، وهذا يسقط. قيل له: سجدتا السهو تفعلان عندنا بناءً على التحريمة، فلم يجز أن يبنيهما على التحريمة إلا على حسب ما تبنى سائر أفعال الصلاة، فإذا تطاول، انقطع حكم التحريمة، فلم يجز البناء، وهذا فصل نذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى -. واحتج المخالف: بما روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا، فليبن علي اليقين، وليلغ الشك، ويسجد سجدتين، فإن كانت صلاته نقصت، فقد أتى بها، والسجدتان ترغيمًا للشيطان، وإن كانت صلاته تامة، كان ما زاد، والسجدتان له نافلة" (٢). والجواب: أنه يحتمل أن يكون سماهما نافلة؛ لأنهما ليستا من

стр. 448

صلاته، وتركهما لا يفسد صلاته، وأطلق عليهما اسم النافلة على طريق التشبيه بها. واحتج: بأن الصلاة لا تبطل بتركه، فوجب أن لا يكون واجبًا؛ قياسًا على سائر سنن الصلاة. والجواب: أن أبا بكر الأثرم نقل عن أحمد ﵀ إذا نسي سجدتي السهو؟ فقال: إن كان في سهو خفيف، فأرجو أن لا يكون عليه شيء، فقيل له: فإن كان فيما سها فيه النبي ﷺ فلم يسجد ناسيًا، فقال: هاه، ولم يجب، وبلغني عنه أنه يستحب أن يعيد (١). ونقلت من خط أبي إسحاق البرمكي (٢) عن شيخنا أبي عبد الله قال: وجدت في مسائل يعقوب بن بختان، قيل له: رجل نسي التشهد؟ قال: يعود فيقعد، ثم يتشهد ويسلم، قيل له: فإن خرج؟ قال: يرجع ما كان في المسجد، فإن خرج فتكلم: أعاد (٣). فظاهر هذا: أنه يبطل بتركه سهوًا، فعلى هذا يسقط السؤال. والصحيح من المذهب: أن الصلاة لا تبطل، قال أبو بكر الخلال:

стр. 449

اتفقوا عنه: أنه يسجد بالقرب، وإن تباعد، فلا شيء عليه، وما قاله الأثرم عنه، بلغه عن أبي عبد الله: أنه إذا لم يسجد، يعيد، فلا أعرف له وجهًا، ولعله لم يضبط من حكى له (١)، فعلى هذا قد بيّنا أن هذا يجري مجرى الجبران الواجب في الحج، وتركه لا يبطل الحج، ولم يمنع ذلك من وجوبه، كذلك ها هنا. واحتج: بأن هذا بدل عما ليس بواجب، فلا يجوز أن يكون واجبًا؛ لأن المبدل آكد من البدل (٢) في الأصول. والجواب عنه: ما بيَّنا من أنه قد يكون عدلًا عن واجب؛ ولأن قضاء حجة التطوع بدل، وهو واجب، وحجة التطوع ليست بواجب، والله أعلم. * * * ٤٦ - مَسْألَة: إذا نسي أن يسجد قبل السلام، أو عقيب السلام، وذكر بعد ذلك، [سجد] (٣) ما لم يتطاول ويخرج من المسجد، وإن تكلم، فإن خرج، لم يسجد:

стр. 450

نص على هذا في رواية أبي داود (١)، فقال: يسجد ما دام لم يخرج من المسجد، وكذلك نقل صالح عنه: أنه قال: يسجد ما لم يخرج من المسجد، فإن خرج، لم يسجد (٢). وروى عنه حنبل، وصالح أيضًا: يسجدهما بعد الكلام، قيل له: فإذا تباعد؟ قال: وإذا تباعد، سلم النبي ﷺ من ثنتين (٣)، ورُوي من ثلاث (٢)، فخرج ثم عاد، فبنى على صلاته (٤). وكذلك نقل عنه ابن منصور: أنه قال: يسجدهما بعد الكلام، قيل له: فإذا تباعد؟ قال: في حديث عمران بن حصين ﵁: أن النبي ﷺ دخل الحجرة، فخرج فبنى (٥). فظاهر هذا: أنه يسجد، وإن تطاولَ وتشاغلَ. وقال أبو حنيفة ﵀: يسجد ما لم يتكلم، ولم يخرج من المسجد (٦).

стр. 451

وقال الشافعي ﵀: إن ذكر، وكان قريبًا، سجد، قولًا واحدًا، وإن تطاول وتشاغل، فعلى قولين: أحدهما: يسجد، والثاني: لا يسجد، وهو الصحيح عندهم (١). فالدلالة على أنه إذا تطاول وتشاغل، وخرج من المسجد، لا يسجد: وهو أنه سجود مفعول لتكملة الصلاة، فلم يجز بناؤه على التحريمة إلا على حسب ما يبني سائر أفعال الصلاة، دليله: لو سلم، وقد بقي عليه سجدة أو سجدتان، وتطاول واشتغل، فإنه ينقطع حكم التحريمة، ولا يبني عليه، كذلك سجود السهو؛ ولأن تكبيرات التشريق لما كان من سببها أن تفعل عقيب السلام، لم يقضها إذا تركها حتى تطاول؛ كذلك سجود السهو. واحتج المخالف: بأنه يفعل على وجه الجبران، فوجب أن يلزم وإن تطاول، كالجبران في الحج. والجواب: أن الجبران في الحج لا يفعل بناءً على إحرام الحج، وهذا يفعل بناءً على التحريمة، فهو كسائر الأفعال؛ ولأن أفعال الحج لما جاز أن يبني بعضها على بعض، وإن تطاول، وهو أنه يفعل الطواف بعد الوقوف بزمان طويل، جاز أن يلزم الجبران فيه، وإن تطاول، وهذا بخلافه.

стр. 452

واحتج: بأنه سجود يفعل لأجل السهو، فجاز فعله، دليله: لو ذكر وهو في ناحية من المسجد، فإنه يعود فيسجد، كذلك إذا ذكره خارج المسجد. والجواب: أن المسجد أُجرِي مجرى البقعة الواحدة، ولهذا يجوز اقتداء من هو في آخر المسجد بمن هو في أوله، فما دام في المسجد هو كالباقي في موضعه، وهذا المعنى معدوم فيه إذا خرج من المسجد، ألا ترى أنه لا يصح اقتداء من هو خارج المسجد بمن هو فيه؟ * فصل: والدلالة على جوازه بعد الكلام: ما روى أبو بكر بإسناده عن علقمة قال: قال عبد الله ﵁: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فلما انفتل، توسوس القوم بينهم، فقال: "ما شأنكم؟ "، قالوا: يا رسول الله! هل زاد في الصلاة شيء؟ قال: "لا"، قالوا: فإنك قد صليت خمسًا، فانفتل فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون" (١). فوجه الدلالة: أنه سجد بعد الكلام؛ ولأن سجدتي السهو في هذه الحال مفعولة في غير صلاة، فلم يمنع الكلام من تعلقها بالصلاة. دليله: خطبة العيد، وتكبيرات التشريق، لما كان هذا مفعولًا بعد السلام، لم يمنع الكلامُ تعلُّقه بالصلاة المتقدمة، كذلك ها هنا، ويفارق هذا إذا تكلم، وقد بقي عليه ركعة أو سجدة: أن الكلام ناسيًا يمنع من

стр. 453

البناء على ما تقدم من الصلاة؛ لأن تلك مفعولة في الصلاة، فلهذا منع الكلام من تعلقها بالصلاة وبنائها عليها. فإن قيل: سجود السهو يفعل بناءً على التحريمة، والكلام بناءً في التحريمة، كذلك ما يبنى عليها. قيل له: إنما يُبنى على التحريمة على معنى أنه يعتبر أن يقع فعله قريبًا من السلام من غير تطاول الزمان، فأما أن يبنى عليها على معنى أنه يعيد نيته إلى الصلاة، ويعود في الصلاة، فلا يعود هذا، بل هو مفعول خارج الصلاة، والله أعلم. * * * ٤٧ - مَسْألَة: إذا سها الإمام فلم يسجد، سجد المأموم في أصح الروايتين: رواها المروذي عنه، فقال: إذا سها الإمام، فخرج، والقوم خلفه يسجدون لما سها بهم (١). وبه قال مالك (٢)، والشافعي (٣) - رحمهما الله -. وروى يوسف بن موسى عنه: في الإمام يسهو فلا يسجد: لا يسجد

стр. 454

مَنْ خلفه (١)، وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا (٢)، وهو قول أبي حنيفة (٣)، واختاره المزني (٤). وجه الرواية الأولة: أن الإمام إذا سها، فقد حصل النقص في صلاته وصلاة المأموم؛ لأن صلاة المأموم لما كملت بصلاة الإمام، بدليل قول النبي ﷺ : "صلاة الجمع تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" (٥)، وإذا كملت صلاته بصلاة الإمام، جاز أن تنقص بنقصانه. فإن قيل: هذا لا يصح؛ لأن حدث الإمام إذا ذكره بعد الفراغ يوجب

стр. 455

نقصان صلاته، ولا يوجب نقصان صلاة المأموم. قيل له: فرق بينهما، وذلك أن كمال صلاة الإمام بالطهارة لا يوجب كمال صلاة المأموم إذا كان محدِثًا، فلهذا نقصانُ صلاة الإمام بحدثه لا يوجب نقصان صلاة المأموم، وليس كذلك ها هنا؛ لأن صلاة المأموم تكمل بكمال صلاة الإمام، وهو إذا سها المأموم، ولم يسهُ الإمام، فإنه لا يحتاج إلى سجدتي السهو، وجب إذا نقصت صلاة الإمام بالسهو أن تنقص صلاة المأموم. وطريقة أخرى: وهو أن الإمام لما يحمل عن المأموم حكم سهوه، لزم المأمومَ اتباعُه فيما لا يُعتد به، وهو إذا أدركه ساجدًا أو جالسًا، فكبر خلفه. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ قال: "لا تختلفوا على إمامكم" (١)، فإذا ترك الإمام، وسجد هو، فقد اختلف على إمامه. والجواب: أنه قد خرج بالسلام من أن يكون إمامًا، فإذا سجد، لا يكون قد اختلف على إمامه. واحتج: بأن المأموم يقول: ما سهوتُ، وإنما إمامي سها، فإن سجد للسهو، سجدتُ تبعًا له، وإن لم يسجد، لم أسجد؛ لأني ما سهوت.

стр. 456

والجواب: أنا نقول له: إمامك سها، ونقصتْ صلاتُك بنقصان صلاة الإمام، كما كملتْ بكمالها؛ ولأنه لما تحمّل عنك الإمامُ حكمَ سهوك، لزمك حكمُ سهوه. واحتج: بأن سجود السهو مسنون، والمأموم يتبع إمامه في ترك المسنون، كما إذا ترك التشهد الأول، والجلوس له، فإن المأموم يتبعه في تركه، كذلك ها هنا. والجواب: أن سجود السهو عندنا واجب، وقد بينا ذلك فيما قبل، ولا يجوز أن يتبعه في ترك واجب، وما استشهدوا به من ترك التشهد الأول فلا نسلمه أيضًا؛ لأن عندنا: أنه واجب، ولا يتبعه في تركه، ولو سلمنا ذلك نظرًا، فلا يشبه مسألتنا؛ لأنه إنما يتبعه في ترك المسنونات ما دام مؤتمًا به، ومتبعًا له، فأما إذا كان فارقه، وزال اتباعه، فإنه لا يتبعه في ترك المسنونات، وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي داود: في الإمام يسلم، وقد بقي عليه من الدعاء شيء: يسلم إلا أن يكون شيئًا يسيرًا (١). فإن قيل: أليس لو أدرك الإمام ساجدًا، فسجد معه، فلما رفع الإمام رأسه عن السجدة الأولى، وأراد أن يسجد الأخرى، فسدت صلاته، فإن المأموم لا يأتي بالسجدة الأخرى؛ لأن إمامه ما أتى بها. قيل: الفصل بينهما: أن سجود السهو يفعله لتكمل صلاته، فإذا

стр. 457

لم يفعله إمامه، فعله هو عن نفسه، وليس كذلك في تلك المسألة؛ لأن المأموم يفعله لاتباع إمامه، لا لتكملة صلاته، فلهذا إذا لم يفعله الإمام، لم يفعله المأموم، فبان الفرق بينهما. فإن قيل: أليس [سجود] التلاوة يتوجه على التالي والمستمع، ثم ثبت أن التالي لو تركه، سقط عن المستمع، سواء كان التالي في صلاة، أو في غيرها، نص عليه في رواية المروذي، قال: قُرِئ على أبي عبد الله السجدة، فلم يسجد، فقلت له: لم تسجد؟ فقال: لو سجدتَ، سجدتُ (١). قيل له: سجود التلاوة سنة، والمستمع لها تابع، والقارئ هو المتبوع، ولهذا قال أحمد ﵀ في رواية: … (٢) إذا كان القارئ صبيًا (٣) أو امرأة، لم يسجد المستمع (٤)، والسنن لا يثبت حكمها إلا بعد ثبوت المتبوع، ولهذا قلنا في السنن الراتبة كسنة الظهر، والمغرب، والعشاء: لا تثبت إلا بعد أن تتقدم المفروضة، وليس كذلك سجود السهو؛ لأنه واجب عندنا، ولأن فعل تلك لا يعود بكمال القراءة، فتركها لا يعود بنقصانها، وسجود السهو يعود بكمال الصلاة، فتركه يعود بنقصانها.

стр. 458

آخر الجزء الرابع عشر من أجزاء المصنف - رحمة الله عليه، وعلى كاتبه، وعلى والديهم، والمسلمين أجمعين -. * * * ٤٨ - مَسْألَة: إذا صلى بقوم وهو جُنب أو محدِث، فإن كان عالمًا بحدث نفسه، أعاد وأعادوا، علموا أو لم يعلموا، وإن كان ناسيًا، فإن علموا بذلك في أثناء الصلاة، أعاد وأعادوا أيضًا، وإن علموا بعد الفراغ منها، أعاد، ولم يعيدوا: نص عليه في مواضع، فقال في رواية المروذي: إذا صلى الجنب بأصحابه ناسيًا، يعيد ولا يعيدون، وإن كان ذاكرًا، يعيد ويعيدون، وإن ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض، ولم يستنشق، يعيدون، وإن لم يذكر حتى فرغ، يعيد ولا يعيدون (١)، وقد نص على معنى هذا في رواية ابن القاسم (٢)، وأبي طالب (٣)، وغيرهم. وقد روى بكر بن محمد عن أبيه عنه كلامًا يدل على أنه إذا كان ناسيًا

стр. 459

أنهم لا يعيدون، سواء علموا بذلك في الصلاة، أو خارجًا منها، فقال: في إمام صلى بقوم، فلما دخل في الصلاة، أو صلى بعضها، شك أنه متوضئ أم (١): لم يجزئه، حتى يستيقن أنه كان على وضوء، ولا تفسد صلاتهم، إن شاؤوا قدّموا، وإن شاؤوا صلَّوا فرادى (٢). فقد نص على أن علمهم بفساد صلاته في أثناء الصلاة لا يوجب عليهم الإعادة. وقال أبو حنيفة ﵀: يعيد ويعيدون بكل حال (٣). وقال مالك ﵀: إن كان عامدًا، يعيد ويعيدون، وإن لم يعلموا بذلك، وإن كان ناسيًا، أعاد ولم يعيدوا (٤). وقال الشافعي ﵀: يعيد ولا يعيدون، عالمًا كان أو ناسيًا (٥)، وهو قول داود (٦). فالدلالة على أنهم لا يعيدون إذا لم يكن عالمًا بحدثه، وعلموا بذلك بعد الفراغ من أفعال الصلاة، خلافًا لأبي حنيفة ﵀: ما روى

стр. 460

أبو الحسن الدارقطني (١) عن جويبر (٢) عن الضحاك (٣)، عن البراء بن عازب ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ بقوم، وليس هو على وضوء، فتمت للقوم، وأعاد النبي ﷺ (٤). وقوله: صلى، يقتضي جميعَ الصلاة. وروى أبو الحسن بإسناده (٥) عن إسحاق بن راهويه عن بقية: نا عيسى بن عبد الله الأنصاري (٦) عن جويبر عن الضحاك، عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ قال: "إذا صلى الإمام بالقوم وهو جنب، فقد مضت صلاتهم، ثم ليغتسلْ هو، ثم ليُعِدْ صلاته، فإن صلى بغير وضوء، فمثل
следующие страницы →