← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

والجواب: أنا نقول له: إمامك سها، ونقصتْ صلاتُك بنقصان صلاة الإمام، كما كملتْ بكمالها؛ ولأنه لما تحمّل عنك الإمامُ حكمَ سهوك، لزمك حكمُ سهوه. واحتج: بأن سجود السهو مسنون، والمأموم يتبع إمامه في ترك المسنون، كما إذا ترك التشهد الأول، والجلوس له، فإن المأموم يتبعه في تركه، كذلك ها هنا. والجواب: أن سجود السهو عندنا واجب، وقد بينا ذلك فيما قبل، ولا يجوز أن يتبعه في ترك واجب، وما استشهدوا به من ترك التشهد الأول فلا نسلمه أيضًا؛ لأن عندنا: أنه واجب، ولا يتبعه في تركه، ولو سلمنا ذلك نظرًا، فلا يشبه مسألتنا؛ لأنه إنما يتبعه في ترك المسنونات ما دام مؤتمًا به، ومتبعًا له، فأما إذا كان فارقه، وزال اتباعه، فإنه لا يتبعه في ترك المسنونات، وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي داود: في الإمام يسلم، وقد بقي عليه من الدعاء شيء: يسلم إلا أن يكون شيئًا يسيرًا (١). فإن قيل: أليس لو أدرك الإمام ساجدًا، فسجد معه، فلما رفع الإمام رأسه عن السجدة الأولى، وأراد أن يسجد الأخرى، فسدت صلاته، فإن المأموم لا يأتي بالسجدة الأخرى؛ لأن إمامه ما أتى بها. قيل: الفصل بينهما: أن سجود السهو يفعله لتكمل صلاته، فإذا

стр. 457

لم يفعله إمامه، فعله هو عن نفسه، وليس كذلك في تلك المسألة؛ لأن المأموم يفعله لاتباع إمامه، لا لتكملة صلاته، فلهذا إذا لم يفعله الإمام، لم يفعله المأموم، فبان الفرق بينهما. فإن قيل: أليس [سجود] التلاوة يتوجه على التالي والمستمع، ثم ثبت أن التالي لو تركه، سقط عن المستمع، سواء كان التالي في صلاة، أو في غيرها، نص عليه في رواية المروذي، قال: قُرِئ على أبي عبد الله السجدة، فلم يسجد، فقلت له: لم تسجد؟ فقال: لو سجدتَ، سجدتُ (١). قيل له: سجود التلاوة سنة، والمستمع لها تابع، والقارئ هو المتبوع، ولهذا قال أحمد ﵀ في رواية: … (٢) إذا كان القارئ صبيًا (٣) أو امرأة، لم يسجد المستمع (٤)، والسنن لا يثبت حكمها إلا بعد ثبوت المتبوع، ولهذا قلنا في السنن الراتبة كسنة الظهر، والمغرب، والعشاء: لا تثبت إلا بعد أن تتقدم المفروضة، وليس كذلك سجود السهو؛ لأنه واجب عندنا، ولأن فعل تلك لا يعود بكمال القراءة، فتركها لا يعود بنقصانها، وسجود السهو يعود بكمال الصلاة، فتركه يعود بنقصانها.

стр. 458

آخر الجزء الرابع عشر من أجزاء المصنف - رحمة الله عليه، وعلى كاتبه، وعلى والديهم، والمسلمين أجمعين -. * * * ٤٨ - مَسْألَة: إذا صلى بقوم وهو جُنب أو محدِث، فإن كان عالمًا بحدث نفسه، أعاد وأعادوا، علموا أو لم يعلموا، وإن كان ناسيًا، فإن علموا بذلك في أثناء الصلاة، أعاد وأعادوا أيضًا، وإن علموا بعد الفراغ منها، أعاد، ولم يعيدوا: نص عليه في مواضع، فقال في رواية المروذي: إذا صلى الجنب بأصحابه ناسيًا، يعيد ولا يعيدون، وإن كان ذاكرًا، يعيد ويعيدون، وإن ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض، ولم يستنشق، يعيدون، وإن لم يذكر حتى فرغ، يعيد ولا يعيدون (١)، وقد نص على معنى هذا في رواية ابن القاسم (٢)، وأبي طالب (٣)، وغيرهم. وقد روى بكر بن محمد عن أبيه عنه كلامًا يدل على أنه إذا كان ناسيًا

стр. 459

أنهم لا يعيدون، سواء علموا بذلك في الصلاة، أو خارجًا منها، فقال: في إمام صلى بقوم، فلما دخل في الصلاة، أو صلى بعضها، شك أنه متوضئ أم (١): لم يجزئه، حتى يستيقن أنه كان على وضوء، ولا تفسد صلاتهم، إن شاؤوا قدّموا، وإن شاؤوا صلَّوا فرادى (٢). فقد نص على أن علمهم بفساد صلاته في أثناء الصلاة لا يوجب عليهم الإعادة. وقال أبو حنيفة ﵀: يعيد ويعيدون بكل حال (٣). وقال مالك ﵀: إن كان عامدًا، يعيد ويعيدون، وإن لم يعلموا بذلك، وإن كان ناسيًا، أعاد ولم يعيدوا (٤). وقال الشافعي ﵀: يعيد ولا يعيدون، عالمًا كان أو ناسيًا (٥)، وهو قول داود (٦). فالدلالة على أنهم لا يعيدون إذا لم يكن عالمًا بحدثه، وعلموا بذلك بعد الفراغ من أفعال الصلاة، خلافًا لأبي حنيفة ﵀: ما روى

стр. 460

أبو الحسن الدارقطني (١) عن جويبر (٢) عن الضحاك (٣)، عن البراء بن عازب ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ بقوم، وليس هو على وضوء، فتمت للقوم، وأعاد النبي ﷺ (٤). وقوله: صلى، يقتضي جميعَ الصلاة. وروى أبو الحسن بإسناده (٥) عن إسحاق بن راهويه عن بقية: نا عيسى بن عبد الله الأنصاري (٦) عن جويبر عن الضحاك، عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ قال: "إذا صلى الإمام بالقوم وهو جنب، فقد مضت صلاتهم، ثم ليغتسلْ هو، ثم ليُعِدْ صلاته، فإن صلى بغير وضوء، فمثل

стр. 461

ذلك"، وظاهر هذه الأخبار يدل على الفراغ من الصلاة، ثم لم يأمر المأمومين بالإعادة، فدل على أن الإعادة غير واجبة. واعتمد أحمد ﵀ في المسألة على إجماع الصحابة ﵃، فروى أحمد في مسائل عبد الله (١) قال: نا وكيع (٢) قال: نا الأعمش (٣) عن إبراهيم (٤): أن عمر ﵁: صلى بالناس وهو جنب، وأعاد ولم يعيدوا (٥).

стр. 462

وروى أحمد ﵀ (١) قال: نا هشيم (٢) عن خالد بن سلمة المخزومي (٣) عن محمد بن عمرو بن الحارث (٤)، عن عثمان ﵁ قال: يعيد ولا يعيدون إذا صلى بهم وهو جنب (٥). وروى عبد الله بن أحمد (٦) قال: حدثني أبو معمر (٧) قال: حدثني

стр. 463

يزيد (١) بن هارون (٢) عن الحجاج (٣)، عن أبي إسحاق (٤)، عن الحارث (٥)، عن علي بن أبي طالب ﵁ في الرجل يصلي بالقوم وهو على غير وضوء؟ يعيد ولا يعيدون (٦). وروى أحمد (٧) ...................................

стр. 464

قال نا عبد الرحمن بن مهدي (١) قال: نا سفيان (٢) عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ﵄ في رجل صلى بقوم وهو على غير وضوء؟ قال: يعيد ولا يعيدون (٣). وروى عبد الله: حدثني أبو معمر عن هشيم، عن جابر، عن الشعبي (٤)، والقاسم (٥)، وسالم (٦)، ...................

стр. 465

وأبي جعفر (١) ﵃ قالوا: يعيد ولا يعيدون. وروى أحمد عن هشيم، عن مغيرة (٢)، عن إبراهيم (٣) ويونس (٤) عن الحسن (٥). والشيباني (٦) عن سعيد بن جبير (٧). وجابر (٨) ........................................

стр. 466

عن أبي جعفر (١)، وسالم (٢)، وعد أربعة، قال: يعيد ولا يعيدون، يعني: في الجنب يصلي بالقوم. وقال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لسفيان: أكان بالكوفة أحد يقول: يعيد ويعيدون؟ قال: لا، إلا حمادًا (٣)، قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: إنما كان حماد يقول: يعيد، ويعيدون اختيارًا أو استحبابًا؛ لأنه روى إبراهيم الصائغ (٤) عن حماد: أنه كان يقول: إذا كان يعرف القوم، وذهب الوقت، أعاد الإمام، .................................

стр. 467

ولم يعد أصحابه (١). وهذا يدل على حصول الإجماع منهم على ذلك قبل أبي حنيفة ﵀. فإن قيل: نحمل ما رويتموه على أن القوم تفرقوا، ولم يعرفهم عمر. قيل له: هذا لا يصح؛ لأنه معلوم أن أكثر من صلى خلفه الصحابة، وهم معه في البلد، وعلى أن الذي روينا عن عثمان، وعلي، وابن عمر ﵃ قولًا مبتدأً: أنهم قالوا: يعيد ولا يعيدون. والقياس: أنه علم بحدث الإمام بعد فراغه من أفعال الصلاة، فلم يلزمه الإعادة، دليله: لو سبق الإمام الحدث، فلم يعلم به المأموم حتى فرغ من الصلاة، فإنه لا يعيد، كذلك ها هنا. فإن قيل: المعنى هناك: أن صلاة الإمام لم تبطل، بل يتوضأ، ويبني عليها، فلهذا لم يعد المأموم. قيل له: لا نسلم لك هذا؛ لأن الرواية في الحدث إذا سبقه في الصلاة هل يبني أو يبتدئ؟ والصحيح: أنه يبتدئ، وقد تقدم الكلام في ذلك، وحكينا كلام أحمد ﵀، واختلاف الفقهاء فيه، وقد نص أيضًا في الإمام إذا سبقه الحدث، فروى عبد الله (٢)، وصالح (٣)،

стр. 468

ومهنا (١): جوازَ الاستخلاف، وهذا يدل على أن صلاته لم تبطل. قال أبو بكر (٢): ثم رجع عنه (٣)، وأنبأ عن نفسه: أنه يخرج فيبتدئ الصلاة، ويبتدئون الصلاة، قال (٢): وبه أقول (٤). نص عليه في رواية أحمد بن سعيد (٥)، وبكر بن محمد، فقال: إذا أحدث قبل أن يخرج من صلاته، يخرج فيتوضأ، ويستقبلون الصلاة، ولا يستخلف، ليس هو في صلاة (٦). فإن قيل: فإذا قلت: إن حدَثَ الإمام يُبطل صلاته وصلاة المأمومين، فلا معنى لقولك: علم بحدثه بعد الفراغ، وعندك: أنه تبطل صلاتهم

стр. 469

قبل الفراغ وبعده. قيل له: لا نقول هذا، بل نقول فيه ما نقوله في مسألتنا، وهو: إن عملوا بسبق حدثه في الصلاة، أعاد وأعادوا، وإن علموا بذلك بعد خروجه من أفعال الصلاة، لم يعيدوا؛ ولأنه لو اقتدى بإمام اجتهد فأخطأ القبلة، وهو لا يعلم، فلما فرغ من صلاته علم، فإنه لا إعادة عليه، كذا إذا اقتدى بمحدث وهو لا يعلم، ثم علم بعد ذلك. فإن قيل: ذلك المعنى هو في المأموم لا في الإمام، وهو ترك التوجه إلى القبلة، ألا ترى أنه لو لم يقتد بالإمام، وافتتح الصلاة منفردًا إلى تلك الجهة، لم يصح؟ وفي مسألتنا المانعُ معنًى في الإمام. قيل: هما سواء في العلم بعد الفراغ في الصحة. فإن قيل: هناك صلاة الإمام لم تبطل، وها هنا صلاة الإمام باطلة. قيل: هما سواء في منع الاقتداء مع العلم. واحتج المخالف: بأنه اقتداء بمن لم تنعقد صلاته، فوجب أن يلزمه الإعادة، كما لو كان عالمًا بحاله، أو كان الإمام عالمًا بحال نفسه، والمأموم لا يعلم. والجواب: أنه يبطل بالمسبوق إذا استخلف، فأحدث في الركعة الآخرة عامدًا بعد فراغ المأموم من صلاته، فإن صلاته لا تبطل، وإن لم تنعقد صلاة الإمام، ثم المعنى فيه إذا كان عالمًا بحدث الإمام، أو بحدث نفسه، أنه يقتدي بمن عنده: أنه ليس في صلاة، فهو مفرط، ألا ترى أنه

стр. 470

لو كان متطهرًا، فاعتقد أنه محدث، وائتم به، لم تصح صلاته؟ وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يعتقد أن إمامه في الصلاة، فهو غير مفرط. واحتج: بأنه منع في الإمام صحة الاقتداء به في حال العلم به، فوجب أن يمنع صحته في حال الجهل؛ قياسًا على كفر الإمام، وعلى الأنوثية. والجواب: أنه لا يمتنع أن يمنع صحة الاقتداء مع العلم، ولا يمنع حال الجهل؛ كمن اقتدى بإمام اجتهد فأخطأ القبلة وهو يعلم، لم تصح صلاته، ولو لم يعلم حتى فرغ، صحت صلاته، وعلى أنَّا قد بيَّنا الفرق بين العلم بحاله وبين عدمه، وأما الكفر والأنوثية، فإلحاقُ مسألتنا بإمام اجتهد فأخطأ أشبهُ من إلحاقه بالكافر والمرأة اللذين ليسا من أهل الإمامة في الجملة. واحتج: بأنه حدث يمنع صحة الاقتداء مع العلم، فمنع مع الجهل، دليله: حدث نفسه. والجواب: أنَّا قد بيَّنا الفرق بين العلم بالحدث، وبين الجهل به، وأما حدث نفسه، فهو منسوب فيه إلى التفريط في حدث الإمام؛ لأنه ما كلف معرفة طهارته قبل دخوله في الصلاة معه. واحتج: بأنه اقتداء بمحدِث، فلم تصح صلاته؛ كما لو علم بحدثه في الصلاة. والجواب: أنه يبطل بالمسبوق إذا استخلف، فأحدث في الركعة

стр. 471

الآخرة عامدًا بعد فراغ المأموم: لا تبطل، وإن كان إمامه محدثًا، وعلى أن العلم بحدثه في الصلاة يخالف العلم خارج الصلاة؛ بدليل: أنه لو اقتدى بإمام اجتهد وأخطأ القبلة وهو لا يعلم حتى فرغ، صحت صلاته، ولو علم قبل الفراغ، نوى مفارقته، ولم يجز له تمام الصلاة معه، فبان الفرق بين العلم بعد الفراغ: أنه يعتد بجميعها معه، وقبل الفراغ لا يعتد بجميعها، وإنما افترقا من وجه، وهو إذا علم بخطئه في الصلاة، ينوي مفارقته، وإذا علم بحدثه، بطلت صلاته؛ لأن العلم بخطئه لا تبطل صلاة الإمام، فلم تبطل صلاته، وحدثُه يبطل صلاة الإمام، فجاز أن يُبطل صلاته، وليس إذا أَثَّر في حال العلم في الصلاة يجب أن يؤثِّر بعد الفراغ، كما أن علمه بخطأ إمامه أَثَّر في الاقتداء قبل الفراغ، ولم يؤثر بعد الفراغ؛ ولأن ما بعد الفراغ من الصلاة لا يُبطل صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم، وهو إذا صلى بمسبوق، وسلّم، ثم أفسدوا صلاتهم، لم تبطل جماعته، كذلك لا تبطل صلاتهم ببطلان صلاة الإمام، ليس كذلك في أثناء الصلاة؛ لأنه تبطل صلاته ببطلان صلاتهم، وهو إذا نقص العدد في الجمعة، بطلت صلاته، وفي الجماعة تبطل جماعته، ويصير منفردًا، ولأنهم قد قالوا: إذا صلى الأمي والقارئ، بطلت صلاة الجميع؛ لأنهم كانوا قادرين أن يأتوا بالصلاة بقراءة، قال الرازي (١): إن لم يعلموا أن

стр. 472

فيهم قارئًا حتى فرغوا من الصلاة: أن صلاة الأمي صحيحة، وإن علموا في الصلاة، لم تصح صلاتهم. واحتج: بأن صلاة المأموم مضمنة بصلاة الإمام، تفسد بفسادها؛ بدليل: ما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "الإمام ضامن" (١)، فلو كان مصليًا لنفسه، ولم تكن صلاة المأموم معقودة بصلاة الإمام، ما كان ضامنًا، وقول النبي ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" (٢)، فلو كان كل واحد مصليًا لنفسه (٣)؛ ولأنه لو كان

стр. 473

مصليًا لنفسه، لم يلحق المأمومَ سهوُ إمامه. والجواب: أنه لا يمتنع أن يتبعه في الفساد في حال، ولا يتبعه في حال؛ كما لو ائتم بمسبوق، فأحدث فيما أدركه معه عامدًا، بطلت صلاته، ولو أحدث فيما يقضيه، فقد فسدت صلاته، وكان المأموم مؤتمًا به. * فصل: والدلالة على أنه إذا كان الإمام عالمًا بحدث نفسه، يعيدون الصلاة إذا علموا بذلك بعد الفراغ: أنه قاصد لإفساد صلاتهم، والاستهزاء بالدين، فبطلت صلاتهم خلف مَنْ هذه صفتُه؛ كالكافر؛ ولأنه يصير بهذا الفعل فاسقًا، وإمامة الفاسق لا تصح عندنا، وهذا فصل يأتي الكلام فيه - إن شاء الله تعالى -. * فصل: والدلالة على أنه إذا علم بحدث الإمام في أثناء الصلاة، يعيد: ما رواه الرفاعي (١) ................................

стр. 474

عن أبي القاسم الجزري (١)، عن أبي حفص بن شاهين (٢)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فسدت صلاة الإمام، فسدت صلاة من خلفه" (٣)، وظاهر هذا يقتضي فسادها في عموم الأحوال، إلا ما خصه الدليل، ولأنه علم يحدث الإمام في صلاته، فوجب أن تبطل صلاته، دليله: إذا علم بحدثه في صلاة الجمعة قبل أن يعقدها بركعة، فإن جمعتهم تبطل، ولو علموا بحدثه بعد الفراغ من صلاته، لم تبطل جمعتهم عندهم. فإن قيل: لا تبطل جمعتهم، بل ينوون (٤) الانفراد، وينوون (٤) بها الظهر. قيل له: قد بطلت صلاته التي أحرم بها، وهي الجمعة، وينوي فرضًا آخر، وهو الظهر.

стр. 475

فإن قيل: إنما بطلت جمعته؛ لأن من شرطها الإمام، وقد عُدِم، وليس من شرط هذا الإمام. قيل: لا فرق بينهما؛ لأن من شرط الجماعة إمام، وإذا عدم الإمام، بطلت الجماعة، وعلى أنه قد تصح الجمعة بغير إمام، وهو إذا كان مسبوقًا، فسلَّم إمامه، فإنه يتمها منفردًا. واحتج المخالف: بما روى الشافعي (١)، وأبو داود (٢) - رحمهما الله - بإسناده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار إلى الناس: أن امكثوا، ثم رجع ﷺ وعلى جلده أثرُ الماء (٣)، ورُوي: ثم رجع وقد اغتسل (٢).

стр. 476

وقد روى الشافعي (١)، وأبو داود بإسناده (٢) عن أبي بكرة ﵁: أن النبي ﷺ دخل في صلاة الفجر، فأومأ إليهم: أن مكانكم، فذهب، ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم (٣). والجواب: أنه ليس في الخبر أن القوم كانوا كَبَّروا. فإن قيل: لما قال النبي ﷺ : "لا تقوموا حتى تروني قد خرجت" (٤)، وقال في الخبر: "مكانكم"، علمنا أنهم كانوا في الصلاة؛ لأنهم لو لم يكونوا في الصلاة، لكانوا منهيِّين عن القيام عند غيبة النبي ﷺ بقوله: "لا تقوموا في الصف حتى تروني" (٥). قيل له: ليس في قوله: "على رِسْلكم، ومكانَكُم" أمرٌ بالقيام،

стр. 477

ويحتمل أن يكون المراد به: اثبتوا ولا تنصرفوا. فإن قيل: روي في خبر أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للناس: "مكانكم"، فلم يزالوا قيامًا ينتظرون حتى خرج. قيل: يحتمل أنهم لم يزالوا قيامًا في غير صلاة ينتظرونه حتى خرج. فإن قيل: روى الدارقطني بإسناده (١) عن أنس ﵁: أنه قال: دخل رسول الله ﷺ في صلاته، فكبر وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم: كما أنتم، فلم نزل قيامًا حتى أتانا نبي الله ﷺ قد اغتسل ورأسُه يقطُر ماء (٢). قيل له: إن ثبت هذا الخبر، فلا دلالة فيه؛ لأنه لا خلاف أن النبي ﷺ لما رجع، كَبَّر، وقد قال لهم: "إذا كبر الإمام، فكبروا" (٣)، فلم يكونوا ليخالفوا النبي ﷺ ، فيتركون التكبير عند تكبيره، فالظاهر من أمرهم: أنهم استأنفوا التكبير عند تكبير النبي ﷺ . فإن قيل: روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ صلى بالناس جنبًا،

стр. 478

فأعاد ولم يعيدوا (١). قيل له: روى أبو بكر النجاد في كتابه بإسناده عن عبد الله بن زُرير (٢) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: صلى بنا النبي ﷺ ، ثم انصرف، ثم جاء ورأسُه يقطر، فأعادوا، قال: "إني صليت بكم وأنا جنب، فمن أصابه مثلُ الذي أصابني، أو وجد رِزًّا في بطنه (٣)، فليفعلْ مثلَ الذي صنعت" (٤). وروى النجاد أيضًا في كتابه عن خلد (٥) عن أبي جابر محمد بن

стр. 479

عبد الرحمن بن خالد (١)، عن سعيد بن المسيب (٢): أنه لما رجع، استأنف بهم الصلاة، وفي لفظ آخر: أن النبي ﷺ صلى بالناس وهو جنب، فأعاد وأعادوا (٣)، وهذه الزيادة من رواية من روى أنهم لم يعيدوا، لا تنفي ثبت (٤) الإعادة، وتلك تنفي، والمثبتة منها أولى؛ كالشهادة التي تثبت أولى من الشهادة التي [لم تثبت] (٥). واحتج: بأنه غير منسوب إلى التفريط في الائتمام به، فوجب أن

стр. 480

تصح صلاته؛ قياسًا على من اقتدى بمن مس زوجته لغير شهوة، أو نام زائلًا عن مستوى الجلوس نومًا يسيرًا، أو علم بحدثه بعد فراغه من الصلاة. والجواب: أن هذا يبطل بمن اقتدى بكافر، أو امرأة. فإن قيل: هو منسوب إلى التفريط. قيل له: قد بينا أن المأموم لم يكلف معرفة حال الإمام، فكيف يكون مفرطًا في الائتمام بهما مع الجهل بحالهما، وأما إذا صلى خلف من مس امرأته لغير شهوة، أو نام زائلًا نومًا يسيرًا، فالمعنى فيه: أن الاقتداء به يصح في حال العلم بحاله عندنا، فجاز أيضًا في حال الجهل، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا يجوز الاقتداء به مع العلم بحاله، فجاز أن لا يجوز أيضًا مع الجهل؛ كما لو كان كافرًا، أو امرأة، وأما إذا علم بحدثه بعد الفراغ من الصلاة، فقد بينا الفرق بين أن يعلم بذلك في الصلاة، وبين أن يعلم خارجًا منها، من الوجه الذي ذكرنا، وهو أن شكّه في الصلاة يوجب عليه التحري، أو البناء على اليقين، وخارج الصلاة لا حكم له، وكذلك انقطاع دم المستحاضة، وانقضاء مدة المسح، ورؤية الماء في الصلاة يبطلها، ولا يؤثر ذلك خارجًا منها، كذلك ها هنا. واحتج المخالف: بأن من لم تصح صلاته بصلاة غيره، لم تبطل صلاته ببطلان صلاته، أصله: بطلان صلاة بعض المأمومين، وربما قالوا: كل من بطلت صلاته - بمعنى: انفرد به - لم تبطل صلاة غيره ببطلان صلاته، أصله: المأموم إذا كان جنبًا.

стр. 481

والجواب: أن هذا يوجب أن لا تبطل صلاة غيره، وإن كان عالمًا بحاله؛ كما لا تبطل صلاة غير المأموم، على أنا قد بيّنا أن صلاة الإمام غير متعلقة بصلاة المأموم، فلهذا لم تفسد بفسادها، وليس كذلك المأموم؛ لأن صلاته متعلقة بصلاة الإمام من الوجه الذي ذكرنا، وهو أن الإمام لو علم أن المأموم محدِث، لم يمنع ذلك من صحة صلاته، وكذلك لو سها المأموم، لم يلزم الإمام حكم سهوه، ولو سها الإمام، لزم المأموم حكمه، فلهذا لم تفسد صلاة الإمام بفساد صلاة المأموم، وفسدت صلاة المأموم بفساد صلاة الإمام. واحتج: بأنه لو صلى في ثوب نجس، صحت صلاتهم، نص عليه في رواية يوسف بن موسى: إذا صلى في ثوب (١)، يعيد ولا يعيدون (٢)، كذلك ها هنا. والجواب: أن هذا محمول على أنه إن علم بعد الفراغ منها. واحتج: بأن قال: صلاة المأموم تتعلق بصلاة الإمام في الفضيلة، لا في الجواز والبطلان، ألا ترى أن كلَّ ما تبطل به صلاة المنفرد تبطل به صلاة الجماعة، فإذا لم يتعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام إلا في الفضل، وجب إذا لم تصح صلاته أن يزول الفضل دون الجواز.

стр. 482

والجواب: أنه لو كان كذلك، لوجب إذا كان المأموم عالمًا يحدث الإمام أن تبطل الفضيلة، ويبقى الجواز، وقد اتفقنا على بطلان الأمرين، فبطل ما قاله. واحتج: بأنه ليس على المأموم معرفة طهارة الإمام من طريق الاجتهاد، ولا من طريق اليقين، وقد يخطئ الإنسان في كثير مما أُمِر بالاجتهاد فيه، فيعذر، فما لم يؤمر بالاجتهاد فيه، ولا معرفته من جهة اليقين أولى أن لا يعذر في خطئه. والجواب: أن هذا يوجب أن يعذر إذا صلى خلف امرأة أو كافر. فإن قيل: الإمام مؤتمن على طهارته، ولا يوقف عليها إلا من جهته، فإذا علمنا بقوله، لم يقبل رجوعه بعد ذلك؛ كالمرأة إذا أقرَّت بانقضاء العدة، ووجب، ثم رجعت عن ذلك، وقالت: لم تنقض عدتي بَعْدُ: أنَّا لا نقبل قولها. قيل: فيجب أن لا يقبل قوله قبل الدخول في الصلاة؛ لهذا المعنى، وعلى أنا إنما لم نقبل رجوع المرأة بعد التزويج؛ لأن دخولها في عقد النكاح اعتراف منها بصحته، فإذا ادعت ما يوجب فسخه، وإبطال حق الزوج، لم تصدَّق، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن هذا من أمر الدين، فيقبل قوله فيه؛ كما يقبل قوله قبل الدخول في الصلاة. والله أعلم. * * *

стр. 483

٤٩ - مَسْألَة: فإن سبق الإمامَ الحدثُ، وقلنا: إن صلاة المأموم [لا تبطل] بحدثه (١)، فإنه يجوز له أن يستخلف غيره (٢) في أصح الروايتين: نص عليه في مواضع، فقال في رواية أبي النضر (٣): إذا أحدث، فقدَّم رجلًا فاتته معه ركعة، صلَّى بالقوم ثلاثًا هي رابعةُ القوم، فإذا تشهد، قدَّم رجلًا من القوم - يعني: ممن أدرك أول الصلاة - يسلِّم بهم (٤)، فقد نص على جواز الاستخلاف في الحدث لمسبوقٍ لم يدرك معه أول الصلاة، وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم عنه (٥): إذا أحدث وهو في الصلاة؟ يستخلف، فإن استخلف رجلًا قد فاتته ركعة، فأراد أن يسلِّم،

стр. 484

يقدم رجلًا يسلِّم بهم، قيل له: فالرجل يرعف في الصلاة؟ قال: يستأنف أحبُّ إليَّ. فقد نص على جواز الاستخلاف، مع الحكم ببطلان صلاته في حقه. وكذلك نقل عبد الله عنه (١): إذا أحدث، فقدَّم رجلًا يصلِّي بهم من حيث انتهى الإمام، فقد استخلف عمر (٢)، وعلي ﵄ (٣)، وإن لم يستخلف كما فعل النبي ﷺ ، فلا بأس (٤)، وإن صلَّوا وحدانًا، فقد طُعن معاوية ﵁، وصلى الناس وحدانًا من حيث طعن أتموا لأنفسهم (٥). فقد نص على جواز الاستخلاف من جهة الإمام، ومن جهة أنفسهم، وأجاز ترك الاستخلاف، وأن يتموا صلاتهم منفردين.

стр. 485

وكذلك نقل صالح (١)، وابن منصور (٢): في رجل أَمَّ قومًا، فضحك في آخر صلاته بعد ما تشهد: يستقبل صلاتَه، ومَنْ خلفه يسلمون، تمت صلاتهم، أو يقدمون رجلًا، فيسلِّم بهم. فقد أجاز الاستخلاف، ها هنا مع الحكم ببطلان صلاته في حقه بالضحك، وأجاز ترك الاستخلاف وأن يتموا منفردين، فقد ثبت بما روينا عنه جواز الاستخلاف. وفيه رواية أخرى: لا يجوز (٣)، قال في رواية حنبل (٤): إذا أحدث الإمام يوم الجمعة بعد ما يخطب، يقدِّم رجلًا يصلي بهم لم يصلِّ هذا المقدم إلا أربعًا، فإن أعاد الخطبة، صلى ركعتين. وهذا يدل على منع الاستخلاف؛ لأنه قد نص على أن الجمعة قصرت لأجل الخطبة، وأنها قائمة مقامها، وقد منع من الاستخلاف فيها. وقال أيضًا في رواية أحمد بن سعيد (٥): في إمام صلى بقوم، ثم أحدث قبل أن يخرج من صلاته؟ يخرج فيتوضأ، ويستقبلون هم الصلاة، ولا يستخلف، كيف يستخلف من ليس هو في صلاة؟ إذا أمرته أن يستقبل،

стр. 486

أمرتهم أن يستقبلوا، فقيل له: روي عن عمر، وعلي ﵄، فقال: لا يعجبني؛ لأن النبي ﷺ لم يستخلف (١)، فقيل له: ذكروا أنك ترى الاستخلاف، فتبسم، وقال: كنت أراه، وجنبت عنه. وهذه الرواية لا تدل على أنه لا يرى الاستخلاف إذا حكم بصحة صلاة المأموم، وإنما منع في المواضع الذي حكم ببطلان صلاتهم بحدث الإمام، فلا يصح الاستخلاف في تلك الحال، والرواية قد اختلفت عنه في حدث الإمام هل تبطل صلاة نفسه، أم لا؟ على روايات ثلاث (٢)، وإذا حكمنا ببطلان صلاته، فهل تبطل صلاة المأمومين؟ على روايتين، فمنع من الاستخلاف على الرواية التي حكم ببطلان صلاتهم، قال: إذا قلنا: إن صلاة المأمومين صحيحة، فالذي نص عليه في رواية أبي [النضر] (٣)، وعبد الله (٤)، وصالح (٥)، وابن منصور (٥): جوازه. وبه قال أبو حنيفة ﵀ (٦)، والذي نقل حنبل في الخطبة

стр. 487

يقتضي المنع (١). وللشافعي ﵀ قولان، قال به في الجديد: يجوز، وفي القديم: لا يجوز (٢). دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ أمر أبا بكر ﵁ في مرضه أن يصلي بالناس، فافتتح بهم الصلاة، ثم وجد النبي ﷺ خفة، فخرج إلى المسجد وهو يُهادى بين اثنين، وتقدم وقعد بجنب أبي بكر ﵁، وصلى بالناس (٣)، فصار أبو بكر ﵁ مأمومًا بعد ما كان إمامًا، فدل هذا على جواز الصلاة بإمامين، وهذه قضية مشهورة، يأتي شرحها على الاستيفاء فيما بعد - إن شاء الله تعالى -. فإن قيل: فإن أبا بكر ﵁ صار مأمومًا، والنبي ﷺ إمامًا، فما الدليل على ذلك؟ قيل له: روي في الخبر: أن النبي ﷺ قعد عن يسار أبي بكر، فلو كان النبي ﷺ مأمومًا، لوجب أن يجلس عن يمينه، ألا ترى أن ابن عباس ﵄ لما قام عن يسار النبي ﷺ ، أداره إلى يمينه (٤)؟

стр. 488

ويدل عليه أيضًا: ما روي: أن النبي ﷺ لما خرج إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم؛ فقدموا أبا بكر يصلي بهم العصر، ثم جاء النبي ﷺ فوقف في الصف، فتأخر أبو بكر، وتقدم النبي ﷺ ، وصلى بالقوم بقية الصلاة (١). فإن قيل: كان النبي ﷺ مخصوصًا بذلك. قيل له: كونه مخصوصًا بذلك حكمٌ من الأحكام يحتاج إلى دليل، وأيضًا: فإن صلاة الجماعة تفتقر إلى إمام ومأموم، ثم لا خلاف أن حكمها لا يتغير بتغير المأموم، وهو أن يحدث، ويجيء مأموم آخر، كذلك يجب أن لا يتغير حكمها بتغير الإمام. واحتج المخالف: بما روي: أن النبي ﷺ افتتح بالناس صلاة الفجر، ثم ذكر أنه جنب، فاغتسل، ولم يستخلف (٢)، فلو جاز، لفعل ذلك؛ لأن ذلك أولى من تأخير الصلاة، والانتظار فيها لغير عذر، وبهذا احتج أحمد ﵀ في بطلان الاستخلاف. والجواب: أن النبي ﷺ لم يكن قد دخل في الصلاة، وكذلك القوم، وقد بينا ذلك فيما تقدم، وخلافنا: في إمام دخل في الصلاة، وافتتح القوم خلفه، ثم سبقه الحدث. فإن قيل: روي عن علي ﵁: أنه خرج من صلاته، وقال: مسست

стр. 489

فرجي، ولم يستخلف (١). قيل له: قد روى أحمد ﵀ عن عمر وعلي ﵄ الاستخلافَ (٢)، وعلى أنا نجوِّز الاستخلاف، ولا نوجبه، وليس في هذه الأخبار دلالة على نفي جوازه. واحتج: بأنه إمام استخلف على مأمومه، فوجب أن لا يصح، أصله: إذا أدرك المأموم الإمام في الركعة الأخيرة، فسلم الإمام: أنه ليس له أن يستخلف عليهم من يتم به الصلاة. والجواب: أن الثاني يقوم مقام الأول، والأول ليس له أن يُتَمّم بالمسبوق صلاته، كذلك لا يجوز له أن يقيم غيره مقامه. واحتج: بأنه مأموم اقتدى في صلاة واحدة بإمامين، فوجب أن لا يصح، دليله: المسبوق إذا صلى مع الإمام الركعة الآخرة، وسلم الإمام: أنه لا يجوز أن يقتدي بإمام آخر في بقية صلاته.

стр. 490

والجواب: أنه إنما لم يجز؛ لأن تحريمته اقتضت كونه منفردًا فيما يقضيه، فإذا اقتدى بغيره، بطلت صلاته؛ كالمنفرد إذا اقتدى بغيره، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن تحريمة القوم لم تقتض كونهم منفردين في بعض صلاتهم، فإذا سبق إمامهم الحدث، جاز أن يقدموا غيره، ويقتدوا به في بقية صلاتهم، ولأن صلاة الإمام قد كملت هناك، فلهذا لم يجز الاستخلاف؛ كالمسبوق في صلاة الجمعة لا يجوز الاستخلاف عليهم؛ لأن صلاة الإمام قد كملت، وليس كذلك إذا أحدث؛ لأن صلاتهم لم تكمل، على أن الحكم في المأموم إذا أدرك الإمام في الركعة الأخيرة، فسلَّم، هل يستخلف عليهم مَنْ يتم بهم الصلاة، أو يستخلف المأموم من يتم به؟ وفي المسافر إذا صلى بمقيمين، فسلَّم من ركعتين، هل يستخلف واحدًا منهم ليقتدوا به بعد فراغه من الصلاة، أو أرادوا أن يقدموا واحدًا منهم؟ ولا يجوز، نص عليه في رواية صالح (١): في مسافر صلى بمقيمين: يتم المقيمون أربعًا، قيل له: فيتقدم رجل منهم فيصلي؟ قال: لا، يتمون وحدانًا. والوجوب فيه ما تقدم، وفرق آخر: وهو أن هذه الصلاة قد أقيمت بكمالها في جماعة، ومن أدرك معه بعضها، فقد أدرك فضيلة الجماعة، فلهذا لم يستخلف، وليس كذلك إذا سبقه الحدث قبل كمالها: أنه يستخلف ليصلي هذه الصلاة بكمالها في جماعة، فلهذا

стр. 491

جاز أن يستخلف، والله أعلم. * * * ٥٠ - مَسْألَة: فإن سبقه الحدث، وخرج من المسجد ولم يستخلف، فاستخلف القومُ بعد ذلك رجلًا منهم، أو أتموا لأنفسهم، جاز (١): وقال أبو حنيفة ﵀: إن خرج من المسجد، ولم يستخلف، بطلت صلاتهم، سواء استخلفوا رجلًا منهم، أو لم يستخلفوا (٢). دليلنا: أنهم قد صاروا منفردين بخروج الإمام، فكان لهم أن يتموا لأنفسهم؛ كالمسبوق إذا سلم إمامه، وقام يقضي، وكما لو أحرم بالصلاة منفردًا، فإنه يتم لنفسه؛ لعدم إمامه، كذلك ها هنا. واحتج المخالف: بأن القياس يقتضي أنه متى انتقل عن موضعه قبل الاستخلاف: أن تفسد صلاتهم؛ لأن القوم قد بقوا بلا إمام، وأدّوا جزءًا من الصلاة منفردين، فصاروا كمن اقتدى بالإمام، ثم انفرد بصلاة

стр. 492

نفسه: أن صلاته تفسد، وإنما تركنا القياس ما دام في المسجد لدلالة، وهو أن بقاع المسجد كلها في حكم البقعة الواحدة، فإذا خرج من المسجد، حمل على موجب القياس. والجواب: أنه إنما لا تصح صلاته إذا انفرد بصلاة نفسه إذا كان انفراده لغير عذر، وها هنا انفرادهم لعذر، وهو عدم الإمام، فلهذا لم تبطل صلاتهم. والله أعلم. * * * ٥١ - مَسْألَة: فإن صلى بقوم، فحُصِر (١) فتأخر، وتقدّم (٢) رجلٌ (٣)، جاز (٤):

стр. 493

وقال أبو يوسف، ومحمد: يستقبل القومُ صلاتَهم (١). دليلنا: أنه قد تعذَّر عليه [المضي] (٢) في صلاته؛ لعجزه عن القراءة، فيجب أن يصير ذلك عذرًا في جواز تأخره واستخلافه؛ كالذي يسبقه الحدث: أنَّ له أن يتأخر، ويستخلف غيره، ولا يلزم على هذا إذا أغمي عليه في الصلاة، أو مات، فإنه يجوز للقوم أن يستخلفوا مكانه؛ لأن أكثر ما فيه: أنه قد بطلت صلاته، وقد بينا أن أحمد ﵀ قد أجاز الاستخلاف مع بطلان صلاته، وهو إذا قهقه (٣)، أو تكلم في الصلاة (٤). فإن قيل: جواز البناء مع الحدث مخصوص من جملة القياس، والمخصوص من جُمَله لا يقاس عليه، إلا أن يكون علته مذكورة. قيل: جواز الاستخلاف ليس بمخصوص من جملة القياس، بل القياس يقتضي جوازه عند العذر، ألا ترى أن النبي ﷺ لما خرج في مرضه الذي مات فيه، صار أبو بكر ﵁ مأمومًا بعد أن كان إمامًا (٥)؛ لأن خروج

стр. 494

النبي ﷺ كان عذرًا له في خروجه عن الإمامة؛ لأنه لم يكن له أن يتقدم بين يدي النبي ﷺ . فإن قيل: لو كان أميًّا في الابتداء، لم يصح لهم الاقتداء، فإذا صار أميًا وهو في الصلاة، يجب أن تبطل صلاتهم، ولا يجوز أن يستخلف، كالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته، بطلت صلاتهم، ولم يجز الاستخلاف؛ لأنه لو رآه في الابتداء، لم يصح اقتداؤهم به. قيل له: الحصر لا يوجب كونه أميًا، وليست المسألة مبنية على أنه نسي القرآن، وإنما هي مبنية على أنه لحقه خجل (١)، أو فزع (٢) لم يمكِّنه أن يقرأ، ولو كان الأمر على هذا، فهو اعتبار فاسد بمن سبقه الحدث في الصلاة: أنه لو وُجِد منه الحدث في الابتداء، لم يصح اقتداؤهم به، ومع هذا إذا وُجد في الصلاة، لم تبطل صلاة القوم، ويجوز أن يستخلف، وأما المتيمم، فالقول فيه، وفي المغمى عليه في أثناء الصلاة واحد، وأنه يجوز لهم الاستخلاف؛ ولأن أكثر ما فيه: أن صلاة الإمام تبطل، وقد بينا جواز الاستخلاف على أصلنا، مع الحكم ببطلان صلاته، فسقط هذا. فإن قيل: فإذا بطلت صلاته، تعدى ذلك إلى صلاتهم؛ لأن عندكم أن صلاتهم تفسد بفساد صلاته.

стр. 495

قيل له: قد بينا في ذلك روايتين (١)، وأن المسألة مبنية على الرواية التي تقول: لا تبطل صلاتهم بحدث الإمام. فإن قيل: فإذا بطلت صلاة الإمام، فقد خرج من الصلاة، فلا معنى لاعتبار الاستخلاف من جهته. قيل له: قد بينا فيما تقدم (٢) أن استخلاف الإمام ليس بشرط في صحة صلاتهم، وأنهم إن استخلفوا لأنفسهم، جاز، فعلى (٣) هذا استخلافُه بهم، وهو في غير صلاة، يجري مجرى استخلافهم لأنفسهم، والله أعلم. * * * ٥٢ - مَسْألَة: إذا أحدث الإمام يوم الجمعة بعد ما خطب، فاستخلف رجلًا ليصلي، جاز، سواء حضر الخطبة معه، أو لم يحضر: نص عليه في رواية صالح (٤)، وأبي طالب (٥)، فقال: إذا أحدث
следующие страницы →