← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

جاز أن يستخلف، والله أعلم. * * * ٥٠ - مَسْألَة: فإن سبقه الحدث، وخرج من المسجد ولم يستخلف، فاستخلف القومُ بعد ذلك رجلًا منهم، أو أتموا لأنفسهم، جاز (١): وقال أبو حنيفة ﵀: إن خرج من المسجد، ولم يستخلف، بطلت صلاتهم، سواء استخلفوا رجلًا منهم، أو لم يستخلفوا (٢). دليلنا: أنهم قد صاروا منفردين بخروج الإمام، فكان لهم أن يتموا لأنفسهم؛ كالمسبوق إذا سلم إمامه، وقام يقضي، وكما لو أحرم بالصلاة منفردًا، فإنه يتم لنفسه؛ لعدم إمامه، كذلك ها هنا. واحتج المخالف: بأن القياس يقتضي أنه متى انتقل عن موضعه قبل الاستخلاف: أن تفسد صلاتهم؛ لأن القوم قد بقوا بلا إمام، وأدّوا جزءًا من الصلاة منفردين، فصاروا كمن اقتدى بالإمام، ثم انفرد بصلاة

стр. 492

نفسه: أن صلاته تفسد، وإنما تركنا القياس ما دام في المسجد لدلالة، وهو أن بقاع المسجد كلها في حكم البقعة الواحدة، فإذا خرج من المسجد، حمل على موجب القياس. والجواب: أنه إنما لا تصح صلاته إذا انفرد بصلاة نفسه إذا كان انفراده لغير عذر، وها هنا انفرادهم لعذر، وهو عدم الإمام، فلهذا لم تبطل صلاتهم. والله أعلم. * * * ٥١ - مَسْألَة: فإن صلى بقوم، فحُصِر (١) فتأخر، وتقدّم (٢) رجلٌ (٣)، جاز (٤):

стр. 493

وقال أبو يوسف، ومحمد: يستقبل القومُ صلاتَهم (١). دليلنا: أنه قد تعذَّر عليه [المضي] (٢) في صلاته؛ لعجزه عن القراءة، فيجب أن يصير ذلك عذرًا في جواز تأخره واستخلافه؛ كالذي يسبقه الحدث: أنَّ له أن يتأخر، ويستخلف غيره، ولا يلزم على هذا إذا أغمي عليه في الصلاة، أو مات، فإنه يجوز للقوم أن يستخلفوا مكانه؛ لأن أكثر ما فيه: أنه قد بطلت صلاته، وقد بينا أن أحمد ﵀ قد أجاز الاستخلاف مع بطلان صلاته، وهو إذا قهقه (٣)، أو تكلم في الصلاة (٤). فإن قيل: جواز البناء مع الحدث مخصوص من جملة القياس، والمخصوص من جُمَله لا يقاس عليه، إلا أن يكون علته مذكورة. قيل: جواز الاستخلاف ليس بمخصوص من جملة القياس، بل القياس يقتضي جوازه عند العذر، ألا ترى أن النبي ﷺ لما خرج في مرضه الذي مات فيه، صار أبو بكر ﵁ مأمومًا بعد أن كان إمامًا (٥)؛ لأن خروج

стр. 494

النبي ﷺ كان عذرًا له في خروجه عن الإمامة؛ لأنه لم يكن له أن يتقدم بين يدي النبي ﷺ . فإن قيل: لو كان أميًّا في الابتداء، لم يصح لهم الاقتداء، فإذا صار أميًا وهو في الصلاة، يجب أن تبطل صلاتهم، ولا يجوز أن يستخلف، كالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته، بطلت صلاتهم، ولم يجز الاستخلاف؛ لأنه لو رآه في الابتداء، لم يصح اقتداؤهم به. قيل له: الحصر لا يوجب كونه أميًا، وليست المسألة مبنية على أنه نسي القرآن، وإنما هي مبنية على أنه لحقه خجل (١)، أو فزع (٢) لم يمكِّنه أن يقرأ، ولو كان الأمر على هذا، فهو اعتبار فاسد بمن سبقه الحدث في الصلاة: أنه لو وُجِد منه الحدث في الابتداء، لم يصح اقتداؤهم به، ومع هذا إذا وُجد في الصلاة، لم تبطل صلاة القوم، ويجوز أن يستخلف، وأما المتيمم، فالقول فيه، وفي المغمى عليه في أثناء الصلاة واحد، وأنه يجوز لهم الاستخلاف؛ ولأن أكثر ما فيه: أن صلاة الإمام تبطل، وقد بينا جواز الاستخلاف على أصلنا، مع الحكم ببطلان صلاته، فسقط هذا. فإن قيل: فإذا بطلت صلاته، تعدى ذلك إلى صلاتهم؛ لأن عندكم أن صلاتهم تفسد بفساد صلاته.

стр. 495

قيل له: قد بينا في ذلك روايتين (١)، وأن المسألة مبنية على الرواية التي تقول: لا تبطل صلاتهم بحدث الإمام. فإن قيل: فإذا بطلت صلاة الإمام، فقد خرج من الصلاة، فلا معنى لاعتبار الاستخلاف من جهته. قيل له: قد بينا فيما تقدم (٢) أن استخلاف الإمام ليس بشرط في صحة صلاتهم، وأنهم إن استخلفوا لأنفسهم، جاز، فعلى (٣) هذا استخلافُه بهم، وهو في غير صلاة، يجري مجرى استخلافهم لأنفسهم، والله أعلم. * * * ٥٢ - مَسْألَة: إذا أحدث الإمام يوم الجمعة بعد ما خطب، فاستخلف رجلًا ليصلي، جاز، سواء حضر الخطبة معه، أو لم يحضر: نص عليه في رواية صالح (٤)، وأبي طالب (٥)، فقال: إذا أحدث

стр. 496

قبل أن يدخل في الصلاة، فإن شاء قدَّم من شهد الخطبة، أو من لم يشهد، [هو] واحد. وقال في رواية حنبل (١): إذا أحدث يوم الجمعة بعد ما خطب، فقدم رجلًا، فلا يصلي هذا المقدم إلا أربعًا، إلا أن يعيد الخطبة. وهذه الرواية أفادت منع الاستخلاف في الجملة، وقد حكيناها في أول مسائل الاستخلاف (٢)، والكلام في هذه المسألة إنما يصح بعد الحكم بجواز الاستخلاف، وعلى قياسه إذا أحدث في صلاة الجمعة، فاستخلف من لم يدخل معه، جاز، وقد نص عليه في رواية ابن منصور (٣)، وصالح (٤) - وذكر له قول سفيان: إن أحدث يوم الجمعة قبل أن يدخل في الصلاة، فلا يقدم إلا من شهد الخطبة، فإن دخل الإمام في الصلاة، فصلى، ثم أحدث، فلا بأس أن يقدم من دخل معه في صلاته، وإن لم يشهد الخطبة -، فقال (٥): إن شاء قدم من شهد الخطبة، أو لم يشهد، هو واحد. خلافًا لأصحاب الشافعي ﵃ في قولهم: لا يصح أن يَستخلف إلا من حضر معه الخطبة، وأحرم معه بالصلاة (٦).

стр. 497

دليلنا: أن كل صلاة جاز أن يستخلف فيها من أحرم معه بالصلاة، جاز أن يستخلف من لم يُحرم معه، دليله: سائر الصلوات غير الجمعة؛ ولأنه استخلف مَنْ هو من أهل فرض الجمعة، فصح الاستخلاف، دليله: من حضر معه الخطبة، وأحرم معه بالصلاة. واحتج المخالف: بأن من لم يحضر ليس من أهل الجمعة، ولا أصل فيها، ألا ترى أنه لو خطب بهم، فلما فرغ، وافى أربعون لم يحضروا الخطبة، فقدموا واحدًا منهم فأحرم بهم الجمعة، لم تنعقد؛ لأنهم ما حضروا الخطبة، كذلك ها هنا. والجواب: أنه لا يصح هذا؛ لأنه لو أحدث بعد الدخول في صلاة الجمعة، فاستخلف من حضر الجمعة، ولم يحرم معه، لم يجز استخلافه عندهم، وإن كان من أهلها؟ بدليل: أنه يصح استخلافه في الخطبة، والخطبة من شرائط الجمعة. فإن قيل: إذا أجزتم له أن يستخلف من لم يدخل معه في الصلاة، أفضى إلى أن يستخلف من أدركه في التشهد، فيكون الإمام في ظُهر، والمأموم في جمعة.

стр. 498

قيل: هذا مبني على أصل، فإن قلنا: إنه يدخل بنية جمعة على قول أبي إسحاق (١)، لم يفض إلى ما قالوه، وإن قلنا: يدخل بنية الظهر، لم يستخلف، لما ذكروه. والله تعالى أعلم. * * * ٥٣ - مَسْألَة: فإن أحدث في غير الجمعة، فاستخلف من لم يدخل معه، جاز، ولا فرق بين الركعة الأولة والثالثة، وبين الثانية والرابعة: نص عليه في رواية صالح (٢). خلافًا لأصحاب الشافعي ﵏ في قولهم: يجوز ذلك في الأولة والثالثة، ولا يجوز في الثانية والرابعة إلا لمن أحرم معه (٣). دليلنا: أن من جاز أن يستخلفه في الأولة والثالثة، جاز في الثانية والرابعة. دليله: من أحرم معه بالصلاة، وكل ركعة جاز أن يستخلفه فيها إذا

стр. 499

كان قد أحرم معه بها، جاز، وإن لم يحرم؛ كالأولة والثالثة. فإن قيل: إنما جاز في الأولة والثالثة؛ لأن ترتيب نفسه لا يخالف ترتيب المأموم؛ لأنه لو كان في الأولى، فلا إشكال فيه، وإن كان في الثالثة، فإنه يصلي ركعتين، ويجلس جلوسه الأول، وجلوس الإمام الأخير، وليس كذلك إذا لم يدخل معه في الثانية والرابعة؛ لأن ترتيبه يخالف ترتيب المأموم؛ فإن ترتيبه أن يجلس بعد أن يصلي ركعتين، وترتيبهم بعد أن يصلوا معه ركعة، فإن اتبعهم في ترتيبهم، لم يصح؛ لأنه يجلس في موضع قيامه، وإن تبعوه في ترتيبهم، لم يجز؛ لأنهم يقومون في موضع جلوسهم، وكذلك في الرابعة، فلم يجز، ويخالف هذا إذا كان قد أحرم خلف إمامه؛ لأنه قد لزمه حكم ترتيب الإمام، فلا يتشوش عليهم الترتيب، فلهذا قلنا: يجوز. قيل: في هذا روايتان: إحداهما: يتبع ترتيبهم، وإن جلس في موضع قيامه؛ لأنه لما دخل مع الإمام، فقد التزم أحكام صلاة الإمام، وهذا ترتيب صلاة الإمام، فوجب أن يبني عليه، كما قلنا في المسبوق: إذا أدرك الإمام في السجود، فإنه يتبعه، وإن خالف ترتيبه؛ لأنه حكم صلاة الإمام، وقد أومأ أحمد ﵀ إلى هذا في رواية عبد الله (١): في الإمام إذا أحدث في صلاته، قدم رجلًا، فصلى بالقوم، فيأخذ من حيث انتهى الإمام. وكذلك قال في رواية صالح (٢): يبني المستخلف

стр. 500

على صلاة المحدث. وكذلك قال في رواية بكر بن محمد: إذا أحدث الإمام، فقدم رجلًا، يأخذ من حيث انتهى، كأنه لم ير به بأسًا (١). وفيه رواية أخرى: أنه مخير في أن يتبع ترتيبهم، أو ترتيب نفسه، وإن قام في موضع جلوسهم، أومأ إليه أحمد ﵀ في مواضع، فقال في رواية يعقوب بن بختان: في الإمام يستخلف، هل يبني على الذي قدم، أو يستأنف؟ قال: إن شاء بنى، وإن شاء استأنف، يتشهد، ثم يتأخر، ويقدم من يسلِّم بهم (٢). وكذلك قال في رواية إسحاق بن إبراهيم (٣): فإن استخلف رجلًا فاتته ركعة؟ إن شاء استأنف، وإن شاء بنى على صلاة الأول، فإذا أراد أن يسلم، يقدم رجلًا يسلم بهم، ويتم هو صلاته، إنما كان مخيرًا في أن يتبع ترتيبهم؛ لأنه قائم مقام الإمام الأول، والأول كان ترتيبه ترتيبهم، وبين أن يتبع ترتيب نفسه؛ لأنه إمام، وقد ابتدأ بالصلاة. فإن قيل: قولكم: إنه قد التزم صلاة الإمام، وحكمُ الإمام أن يبني على ترتيبهم، لا معنى له؛ لأنه لو استخلف من لم يدخل معه في الصلاة، صح، وإن لم يكن قد التزم حكم صلاته، وخالفتم أبا حنيفة (٤)،

стр. 501

والثوري (١) في ذلك، أن عندهما: لا يصح الاستخلاف إلا لمن دخل معه في الصلاة، وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية صالح (٢) - وذكر له: قول سفيان في إمام أحدثَ، فقدَّم رجلًا لم يدخل معهم في صلاتهم؟ -: أرى أن يستقبلوا. فقال أحمد ﵀: إذا قدم رجلًا قبل أن يحدث، أو بعد أن أحدث، أو لم يقدم، فتقدم رجل (٣)، فصلاتهم تامة. قيل: … (٤). * * * ٥٤ - مَسْألَة: إذا صلى خلف كافر، وهو لا يعلم به، ثم علم، فعليه الإعادة:

стр. 502

نص عليه في رواية بكر بن محمد (١)، وهو قول الجماعة (٢)، واختلف أهل الظاهر، فقال بعضهم: صلاته مجزئة، ولا إعادة عليهم، ومنهم من قال: يعيد. دليلنا: أن الأصل بقاء الصلاة في ذمته، فمن ادعى [براءته من] (٣) الصلاة، فعليه الدليل، وأيضًا: قول النبي ﷺ على المنبر في حديث جابر ﵁: "لا تؤمن امرأة رجلًا، ولا فاجر مؤمنًا" (٤)، فنهي عن إمامة الفاجر، والنهي يدل على الفساد. واحتج المخالف: بأن أكثر ما فيه: أن صلاته لم تصح، وهذا

стр. 503

لا يمنع صحة الصلاة في حق المأموم؛ كالحدث. والجواب: أن فيه أكثر من هذا، وهو أنه فاسق، ولهذا نقول: إنّ الفاسق لا تصح إمامته (١)، والله أعلم. * * * ٥٥ - مَسْألَة: قليل النجاسة وكثيرها سواء في منع الصلاة معها سوى الدم، فإنه تجوز الصلاة بيسيره، فإن كثر وتفاحش، لم تجز: نص على هذا في مواضع، فقال في رواية صالح (٢): الدم في الثوب أسهلُ من البول، وقال في رواية عبد الله (٣): إذا كان يصلي، فرأى في ثوبه بولًا؟ فقال: أما البول والغائط، فإنه يعيد من قليله وكثيره، وقال أيضًا في رواية جعفر بن محمد (٤)، وحنبل (٤): في الدم إذا فحش: أعاد، ولم يوقت فيه شيئًا، وبهذا قال مالك ﵀ (٥).

стр. 504

وقال أبو حنيفة [﵀] (١): تجوز الصلاة مع قدر الدرهم من سائر النجاسات (٢). وقال الشافعي ﵀: لا تجوز الصلاة مع شيء منها إلا يسير دم البراغيث (٣). واختلف أصحابه في كثيره (٤)، وأما غير دم البراغيث، فقال في الإملاء (٥): قليله وكثيره سواء، وقال في الأم (٦) - وذكره المزني (٧) -: يعفى عن قليله، وهو الذي يتعافاه، وقال في القديم: عما دون الكف، والقيح بمنزلة الدم (٨). فالدلالة: على أنه لا يعفى عن غير الدم: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، فوجب بحق الظاهر تطهير هذا الثوب من هذا

стр. 505

القدر من النجاسة. وأيضًا: روي عن ابن عباس ﵄، وأبي هريرة (١)، وأنس بن مالك ﵃، عن النبي ﷺ : أنه قال: "تنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب أهل القبر منه" (٢)، ولم يقدره بمقدار، فهو على عمومه. فإن قيل: المقصود بالآية، والخبر: الأمرُ بالتجنب في الجملة، وليس المراد به المقدار. قيل: الأمر اقتضى التجنب فيما يسمى رجسًا، وبولًا، فهو عام في جميع ما يسمى بذلك، إلا ما خصه الدليل. والقياس: أنها نجاسة مقدورٌ على إزالتها؛ قياسًا على ما زاد على قدر الدرهم، ولا يلزم عليه يسيرُ الدم؛ لأنه يلحق المشقة في إزالته؛

стр. 506

لأنه يخرج من بدن الإنسان بالجمِّ (١) في البثْر (٢)، والجَرَب (٣)، والدُّمَّل (٤)، وغير ذلك، ولا يلزم عليه أثرُ الاستحاضة؛ لأنه أيضًا يلحق المشقة في إزالته، ولأن ما لا يعفى عنه إذا زاد على قدر الدرهم، لا يعفى عنه إذا كان قدر الدرهم؛ قياسًا على الحدث، ولا يلزم عليه يسيرُ الدم؛ لأنه يعفى عما زاد على قدر الدرهم، فعفي عن قدر الدرهم، وذلك أن الرواية اختلفت عنه في يسير الدم، هل هو محدود؟ فقال في رواية الأثرم (٥)، وخطّاب بن بشر (٦): لا أحدّه (٥)، فعلى هذا: ترجع فيه إلى ما يتعافاه

стр. 507

الناس، ولا يتقدَّر بدرهم. وروى عنه ابن منصور (١)، وأحمد بن علي (٢)، وإسماعيل بن سعيد (٣): حدَّه شبرًا في شبر، فعلى هذا لا يلزم؛ لأنه لما عُفي عما زاد على قدر الدرهم، عُفي عن قدر الدرهم. واحتج المخالف: بأنها نجاسة لا تزيد على قدر الدرهم، فوجب أن تكون معفوًا عنها، دليله: أثر الاستنجاء، وقليل الدم. والجواب عنه: ما تقدم من أن ذلك تلحق المشقة في إزالته. فإن قيل: أليس قد قال أحمد ﵀ في رواية أبي طالب (٤): في الرجل يكون في المسجد، فيصيبه بول الخشَّاف (٥)، فقال: أرجو

стр. 508

أن لا يضر، وإن كان كثيرًا، غسل. وقال أيضًا في رواية إبراهيم بن عبد الله بن مهران الدينوري (١): في لعاب الحمار والبغل: إن كان كثيرًا، لا يعجبني. وقال أيضًا في رواية الميموني (٢): في القَلس إذا ملأ الفم. وقال أيضًا في رواية أبي طالب (٣): في النبيذ إذا كان قليلًا: لم يعد. وقال أيضًا في رواية صالح (٤): في المذي والودي إذا فحش: أعاد. وهذا كله يدل على العفو عن يسير النجاسة غير الدم، وإن لم تلحق المشقة في إزالتها. قيل له: قد نص في هذه المسائل على خلاف ذلك، وهو الصحيح عنه، فقال في رواية إسحاق بن إبراهيم (٥) - وقد سئل عن بول الخشاف -، فقال: الذي أذهب إليه: أن كل ما أكل لحمُه، فلا بأس ببوله. وهذا يقتضي أنه لا يُعفى عن يسيره. وقال أيضًا .................................

стр. 509

في رواية عبد الله (١): في لعاب الحمار وعرقه يصيب الثوب؟ أكرهه، وهو رجس، أو نجس. وقال أيضًا في رواية أبي داود (٢): في القلس: هو مثل ما خرج من السبيلين. وقال في رواية حنبل (٣): في قطرة مسكر: من أقامه مقام الخمر، أنزله هذه المسألة. وقال في رواية الحسن بن الحسين (٤): في المذي يصيب الثوب: يُغسل، ليس في القلب منه شيء. وهذا كله يدل على أنه لا يعفى عن يسير شيء من ذلك؛ للمعنى الذي ذكرنا، وعلى أنه قد فرّق بين يسير هذه النجاسات، وبين البول، والعذرة، والخمر. فقيل: في بول الخشاف، هو في المساجد من لدن النبي ﷺ ، فلولا أنه معفو عنه، لم يقرره فيه، وقيل: في لعاب الحمار، والبغل: هو مختلف في تنجيسه، فجاز العفو عن يسيره، وكذلك يسير النبيذ، وكذلك يسير المذي؛ لأنه جزء من مني، والمني طاهر.

стр. 510

* فصل: والدلالة على أنه يعفى عن يسير الدم: ما روى الدارقطني بإسناده (١) عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ أرخص في دم الحبون (٢) - يعني: الدماميل (٣) -، وهذا نص. ولأنه إجماع الصحابة ﵃. روى سليمان التيمي (٤) عن ابن عباس ﵄: أنه قال: إذا كان فاحشًا، أعاد، وإن كان قليلًا، فلا إعادة (٥). وعن ابن عمر ﵄: أنه عصر بثرة في وجهه، فخرج منها شيء

стр. 511

من دم وقيح، فمسحه بيده، وصلى، ولم يتوضأ (١)، ورأى رجلًا يصلي يخرج من محاجمه شيء من دم وهو يصلي، فأخذ ابن عمر حصاة، فَسَلَتَ الدم من قفاه، ثم دفنها (٢). وروى [عطاء بن] (٣) السائب: أنه رأى عبد الله بن أبي أوفى ﵃: أنه يتنخَّم دمًا عبيطًا وهو يصلي (٤). ورُوي عن جابر بن عبد الله ﵁: أنه سئل عن رجل صلَّى، فامتخط، فخرج مع مخاطه شيء من دم؟ قال: لا بأس بذلك، فليتم صلاته (٥).

стр. 512

وروى مجاهد عن أبي هريرة ﵁: أنه لم يكن يرى بالقطرة والقطرتين من الدم بأسًا (١). وهذا إجماع منهم، ولأنه دم تلحق المشقة في إزالته، فعفي عنه. دليله: دم البراغيث، وقد بينا أنه لا يمكن الاحتراز منه من الوجه الذي ذكرنا، وهو الذي يخرج من بدن الإنسان بالحك، والدمل، والبثر، ونحو ذلك. واحتج المخالف: بما روى الدارقطني بإسناده (٢) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم" (٣).

стр. 513

والجواب: أنا نحمله على طريق الاستحباب. واحتج: بما روي: أن النبي ﷺ قال لأسماء في دم الحيض: "حُتِّيه، ثم اقْرُصيه، ثم اغسليه بالماء" (١). والجواب: أنه يحتمل أن يكون الدم الذي أصاب ثوبها كثيرًا، وعلى أنا نقول بظاهره في دم الحيض، وأنه يجب غسل يسيره. واحتج: بأن المشقة لا تلحق في إزالته، فهو كغيره من النجاسات. والجواب: أنا قد بينا أن المشقة تلحق، وأما دم الحيض، فالفرق بينه وبين سائر الدماء، أنه خارج من مخرج الحدث (٢)، فتغلظه في نفسه، ألا ترى أن خروجه منها يوجب نقض (٣) الطهر يسيره وكثيره عندنا، وعند مخالفنا ينقض (٤) الطهر، ولو خرج من غير السبيلين، لم ينقض الطهر؟ على أنا لا نعرف الرواية عن أحمد ﵀: في الفرق بين دم الحيض، وبين غيره من الدماء، وقد نظرت في كلام أحمد ﵀، فما وجدت فرقًا، والله أعلم. * * *

стр. 514

التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة تأليف القاضي أبى يعلى الفراء محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي الحنبلي (المولود ببغداد سنة ٣٨٠ هـ والمتوفى بها سنة ٤٥٨ هـ) - رحمه الله تعالى - تحقيق الدكتور محمد بن فهد بن عبد العزيز الفريح [المجلد الثاني]

стр. 515

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 516

التَّعْلِيقُ الكَبِيرُ فِي المَسَائِلِ الخِلَافِيَّةِ بَيْنَ الأَئِمَةِ [٢]

стр. 517

دَارُ النَّوادِر المؤسس والمالك نُورُ الدِّين طَالِبُ مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م. سوريا - دمشق - الحلبوني: ص. ب: ٣٤٣٠٦ ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ ٠٠٩٦٣٩٣٣٠٩٣٧٨٣ ٠٠٩٦٣٩٣٣٠٩٣٧٨٤ ٠٠٩٦٣٩٣٣٠٩٣٧٨٥ Skype: dar.alnawader Twitter: daralnawader.com Facebook: daralnawader.com YouTube: daralnawader.com Instagram: daralnawader.com LinkedIn: daralnawader.com E-mail: info@daralnawader.com website: www.daralnawader.com جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة يُمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة. الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م شركات شقيقة دار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) دار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥) دار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أربانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٧ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)

стр. 518

تَابِع [كِتابِ الصَّلَاةِ] ٥٦ - مَسْألَة: دم السمك (١) طاهر: نص عليه في رواية أحمد بن سعيد بن عبد الخالق (٢) - وقد سئل عن دم الحيات، والأوزاغ يقع في الإناء -، فقال: يُصَبّ (٣)، فقيل له: فدمُ السمك؟ قال: لا بأس به (٤). وقال أيضًا في رواية إسحاق بن إبراهيم، وجعفر بن محمد: ليس دم السمك عبيطًا (٥)، ...............................

стр. 519

وبهذا قال أبو حنيفة ﵀ (١). وقال مالك (٢)، والشافعي (٣) - رحمهما الله -: هو نجس. دليلنا: أنه جزء من السمك، فكان طاهرًا. دليله: اللحم، يبيّن صحة هذا: أن لحم الميتة ودمها سواء في التحريم، يجب أن يكون سواء في مسألتنا في الإباحة؛ ولأنه لو كان دمه نجسًا، لما جاز أكله، أو يسفح دمه؛ كالشاة، والبعير، والبقر، فلما اتفقوا على جواز أكله من غير سفح دمه، دل على أنه طاهر؛ ولأنه دمُ مأكول، فكان دمه طاهرًا؛ كالكبد، والطحال، والدلالة أنه يؤكل بدمه: أنه يشوى كما هو من غير سفح دمه. فإن قيل: ليس في السمك دمٌ حالَما يؤكل. قيل له: السمك له دم سائل، فإذا لم يسفح، بقي فيه بعد الموت؛ كما يبقى دم الشاة فيها، وهذا نعلمه مشاهدة، ألا ترى أن السمكة إذا شق جوفها بعد موتها، وجد فيها دم كثير، وإذا كان كذلك، واتفقوا على أنه

стр. 520

ليس من شرط إباحة السمك إخراجُ ما فيه من الدم، بل يجوز أن يشوى على جهته، ويؤكل، ثبت أن أكله بدمه مباح. فإن قيل: إنما شرط ذبح سائر الحيوانات؛ لأنه أسهل ما يمكن إماتته، فشُرِط ذلك؛ لئلا يؤدي إلى تعذيبه، لا أن سفح دمه مقصود لكونه نجسًا، ألا ترى أنه لا يجب سفحُ بوله وإخراجُ روثه، والأسهلُ في السمك موتُه من غير سفح؛ لأن دمه طاهر. قيل له: فذبحُ السمك أسهل في إماتته من تركه حتى يموت حتفَ أنفه؛ لأنا نعلم أن السمك يبقى بعد خروجه من الماء بعد (١) زمان كثير، ثم يموت، ولأنه لو كان موته أسهل في إماتته من ذبحه، لوجب أن لا يباح أكله؛ لأنه عدل عن الأسهل. واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]. والجواب: أنه محمول على غيره من الدماء. واحتج بقوله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال" (٢)، فدل على أن ما عدا هذين الدمين لا يحل.

стр. 521

والجواب: أنا نقول: ودم السمك أيضًا، بما ذكرنا، ولأنه لما أباح السمك على الإطلاق، كان عامًا في جملته، والدم من جملته. واحتج: بأنه دم سائل، فكان محرمًا، دليله: سائر الدماء، وفيه احتراز: من الكبد والطحال، ولأنه حيوان، فكان دمه نجسًا، دليله: سائر الحيوانات. والجواب: أن المعنى في تلك الدماء، محظور تناولُها، وليس كذلك في دم السمك؛ لأنه مباح بدلالة ما قدمنا، فصار كالكبد، والطحال، والله أعلم. * * * ٥٧ - مَسْألَة: دم البق (١)، والبراغيث (٢) طاهر في أصح الروايتين: نص عليه في رواية صالح (٣) في دم البراغيث، فقال: لا بأس به،

стр. 522

ليس هو دمًا مسفوحًا (١). وهذا تعليل يدل على طهارته عنده، وبه قال أبو حنيفة ﵀ (٢). وقال في رواية أبي داود: في دم البراغيث، إذا كثر: لأفزع منه (٣). وكذلك نقل جعفر بن محمد عنه: في دم البراغيث: إذا كان يسيرًا، فلا بأس (٤). وسئل عن دم البعوض؟ فقال: كثير (٥). وهذا يدل على نجاسته، لأنه توقف عن كثيره (٦)، وبه قال الشافعي ﵀ (٧).

стр. 523

وجه الرواية الأولة: أنا قد بيّنّا - فيما تقدم -: أن موت هذه الأشياء في الماء لا يفسده (١)، فلو كان دمها نجسًا، لأفسده؛ كالشاة إذا ماتت في الماء، ولأنه دم غير سائل، فكان طاهرًا، دليله: الكبد، والطحال، ولا يلزمه عليه الدمُ الذي يخرج (٢) على رأس الجرح، ولا يسيل: أنه نجس؛ لأنا نريد بقولنا: غير سائل: أنه مع وجود السبب الموجب لسيلانه لا يسيل، وهو قتل هذا الحيوان. واحتج المخالف بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]. والجواب: أن المراد به: الدمُ السائل؛ بدليل قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فحرم منها ما كان مسفوحًا، ودم البق، والبراغيث غيرُ مسفوح؛ ولأن التحريم ورد على الوجه الذي كانوا يستبيحونه، وهم كانوا يفصدون البهيمة، ويشربون دمها، ولا يتكلفون ليسير (٣) دم البق والبراغيث، فالتحريم ورد على ما كانوا عليه.

стр. 524

واحتج: بأنه حيوان، فكان دمه نجسًا، دليله: سائر الدماء. والجواب: أن سائر الدماء مسفوحة غير مأكولة، وهذا غير مسفوح، فهو كدم الكبد، والطحال، ولا يلزم على علة الأصل: دم السمك؛ لأنه مأكول. * * * ٥٨ - مَسْألَة: بول ما يؤكل لحمُه وروثُه طاهر: نص عليه في رواية عبد الله (١)، والمروذي (٢)، وهو قول مالك (٣)، وداود (٤) - رحمهما الله -. وروى الأثرم عنه: في بول الإبل يصيب الثوب إذا كان كثيرًا فاحشًا: يعيد (٥). وقال أيضًا في رواية صالح (٦): يتنزه عن الأبوال كلها، فقيل له: أليس قد شرب قوم؟ فقال: ذاك عند الضرورة.

стр. 525

وظاهر هذا أنه نجس، وهو قول الشافعي ﵀ (١). وقال أبو حنيفة: روثُ الحمام والعصافير طاهر، وبقية ما يؤكل لحمُه بولُه وروثُه نجس (٢). دليلنا: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وليس هذا بواحد من تلك. وأيضًا: ما روى شيخنا في كتابه (٣) عن يحيى بن أبي كثير عن سوار بن مصعب (٤)، عن أبي جهم (٥)، عن البراء بن عازب ﵁: عن النبي ﷺ :

стр. 526

أنه قال: "ما أُكل لحمه، فلا بأس ببوله" (١). وروى محارِب بن دِثار (٢) عن حذيفة بن اليمان، أو عن جابر ﵄ (٣)، عن النبي ﷺ قال: "ما أُكل لحمه، فلا بأس ببوله" (٤). فإن قيل: هذا خبر ضعيف؛ لأن سوار بن مصعب متروك الحديث، ومطرف متروك الحديث أيضًا (٥).

стр. 527

قيل له: هذا لا يكفي في رد الحديث حتى تبين وجه ضعفه، وترك حديثه. فإن قيل: فليس فيه دلالة على طهارته. قيل له: قوله: "فلا بأس" يدل على طهارته؛ لأن من قال: هو نجس، يقول: إذا صلى فيه، ففيه بأس، والخبر يمنع من ذلك. فإن قيل: نحمل هذا على حال الضرورة، أنه لا بأس بشربه، على عادة العرب في شرب أبوال الإبل. قيل له: لا بأس يعمُّ سائر الأحوال. وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن مكحول: أن النبي ﷺ كان يصلي وعِنانُ فرسه في ذراعه، وعليه جبةٌ من صوف، فبال الفرس، فانتضحَ عليه من بوله، فلم ينصرف لذلك (١). فإن قيل: [لعله] أن لا يكون علم بذلك. قيل له: قوله: "فلم ينصرف لذلك" لا يقتضى إلا أن يكون علم بذلك، وإلا، لم يكن في نقله فائدة؛ لأن الراوي نقل الخبر وبيان الحكم، وأن ذلك البول لا يمنع الصلاة. وجواب آخر: وهو أنه لو كان عدم علمه، لبيَّنه الراوي؛ لأنه ذكر

стр. 528

احتجاجًا على طهارته، وروى زيد بن علي (١) عن أبان (٢)، عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا بأس بأبوال الإبل والبقر والغنم، وكل شيء يحل لك أكلُ لحمه، أصابه، أو أصاب الثوب" (٣). ولأن المسألة إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -. وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن بكير بن الأشج (٤) قال: كان أصحاب النبي ﷺ يصلون، وخُرُوءُ البعير في ثيابهم (٥)، وهذا إشارة إلى جميعهم. وروى عاصم (٦) ...................................

стр. 529

عن أبي عثمان (١) قال: كنا مع عبد الله إذ وقع عليه خُرْءُ عصفور، فقال بيده هكذا: فنفضه (٢). وروى ابن كيسان (٣) قال: خَرِئَت على ابن عمر ﵄ حمامة، فأخذ عصاة من الأرض، فمسح بها رأسه، وصلى (٤). والقياس: أنه مائع ورد الشرع بإباحة شربه، فكان طاهرًا، دليله: اللبن. وقد دل على إباحة شربه: حديث أنس بن مالك ﵁ في أن ناسًا من عرينة (٥) قدموا المدينة، فاجْتَوَوْها، فبعثهم النبي ﷺ في إبل الصدقة، فقال: "اشربوا من أبوالها وألبانها" (٦).

стр. 530

وإن شئت قلت: متحلِّل معتاد من حيوان يؤكل لحمه، فكان طاهرًا، دليله: اللبن، ولا يلزم عليه الدم لأنه غير معتاد تحلله، ولا يلزم عليه بول ما لا يؤكل لحمه؛ لقولنا: من حيوان يؤكل لحمه. فإن قيل: لبن المرأة طاهر، وبولها نجس. قيل: لأن الشرع سوى بين لبن الإبل وأبوالها، وفرق بينهما في المرأة؛ ولأنه بولٌ، فكان تابعًا للحم، دليله: بول الآدمي، وما لا يؤكل لحمه، لما كان اللحم محرمًا، ولما كان لحم ما يؤكل لحمه مباحًا، كان البول مباحًا، ولأنه رَجيعُ حيوان يؤكل لحمه، فكان طاهرًا، دليله: رجيع الحمام، والعصافير، وهذا يخص أبا حنيفة ﵀. فإن قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن ذلك لا يغسل المسجد منه، وليس كذلك غيره من الرجيع؛ لأنه يغسل المسجد منه. الثاني: أن ذلك لا يستحيل إلى نتن وفساد، وهذا معدوم في غيرها من الأرواث. قيل: أما غسل المسجد من ذلك، فلا يجب، كما لا يجب في رجيع الحمام، والعصافير. وأما قوله: إن ذلك لا يستحيل إلى نتن، فغير صحيح؛ لأن ذَرق العصافير منتن، ألا ترى أن روائح أبراجها في غاية النتن؟ وعلى أن هذا
следующие страницы →