стр. 526
← Фикх ханбали следующие страницы →
Фикх ханбали · id 127663
التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز
القاضي أبو يعلى ابن الفراء
Полный текст (1 701 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 527
قيل له: هذا لا يكفي في رد الحديث حتى تبين وجه ضعفه، وترك حديثه.
فإن قيل: فليس فيه دلالة على طهارته.
قيل له: قوله: "فلا بأس" يدل على طهارته؛ لأن من قال: هو نجس، يقول: إذا صلى فيه، ففيه بأس، والخبر يمنع من ذلك.
فإن قيل: نحمل هذا على حال الضرورة، أنه لا بأس بشربه، على عادة العرب في شرب أبوال الإبل.
قيل له: لا بأس يعمُّ سائر الأحوال.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن مكحول: أن النبي ﷺ كان يصلي وعِنانُ فرسه في ذراعه، وعليه جبةٌ من صوف، فبال الفرس، فانتضحَ عليه من بوله، فلم ينصرف لذلك (١).
فإن قيل: [لعله] أن لا يكون علم بذلك.
قيل له: قوله: "فلم ينصرف لذلك" لا يقتضى إلا أن يكون علم بذلك، وإلا، لم يكن في نقله فائدة؛ لأن الراوي نقل الخبر وبيان الحكم، وأن ذلك البول لا يمنع الصلاة.
وجواب آخر: وهو أنه لو كان عدم علمه، لبيَّنه الراوي؛ لأنه ذكر
стр. 528
احتجاجًا على طهارته، وروى زيد بن علي (١) عن أبان (٢)، عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا بأس بأبوال الإبل والبقر والغنم، وكل شيء يحل لك أكلُ لحمه، أصابه، أو أصاب الثوب" (٣).
ولأن المسألة إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن بكير بن الأشج (٤) قال: كان أصحاب النبي ﷺ يصلون، وخُرُوءُ البعير في ثيابهم (٥)، وهذا إشارة إلى جميعهم.
وروى عاصم (٦) ...................................
стр. 529
عن أبي عثمان (١) قال: كنا مع عبد الله إذ وقع عليه خُرْءُ عصفور، فقال بيده هكذا: فنفضه (٢).
وروى ابن كيسان (٣) قال: خَرِئَت على ابن عمر ﵄ حمامة، فأخذ عصاة من الأرض، فمسح بها رأسه، وصلى (٤).
والقياس: أنه مائع ورد الشرع بإباحة شربه، فكان طاهرًا، دليله: اللبن.
وقد دل على إباحة شربه: حديث أنس بن مالك ﵁ في أن ناسًا من عرينة (٥) قدموا المدينة، فاجْتَوَوْها، فبعثهم النبي ﷺ في إبل الصدقة، فقال: "اشربوا من أبوالها وألبانها" (٦).
стр. 530
وإن شئت قلت: متحلِّل معتاد من حيوان يؤكل لحمه، فكان طاهرًا، دليله: اللبن، ولا يلزم عليه الدم لأنه غير معتاد تحلله، ولا يلزم عليه بول ما لا يؤكل لحمه؛ لقولنا: من حيوان يؤكل لحمه.
فإن قيل: لبن المرأة طاهر، وبولها نجس.
قيل: لأن الشرع سوى بين لبن الإبل وأبوالها، وفرق بينهما في المرأة؛ ولأنه بولٌ، فكان تابعًا للحم، دليله: بول الآدمي، وما لا يؤكل لحمه، لما كان اللحم محرمًا، ولما كان لحم ما يؤكل لحمه مباحًا، كان البول مباحًا، ولأنه رَجيعُ حيوان يؤكل لحمه، فكان طاهرًا، دليله: رجيع الحمام، والعصافير، وهذا يخص أبا حنيفة ﵀.
فإن قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن ذلك لا يغسل المسجد منه، وليس كذلك غيره من الرجيع؛ لأنه يغسل المسجد منه.
الثاني: أن ذلك لا يستحيل إلى نتن وفساد، وهذا معدوم في غيرها من الأرواث.
قيل: أما غسل المسجد من ذلك، فلا يجب، كما لا يجب في رجيع الحمام، والعصافير.
وأما قوله: إن ذلك لا يستحيل إلى نتن، فغير صحيح؛ لأن ذَرق العصافير منتن، ألا ترى أن روائح أبراجها في غاية النتن؟ وعلى أن هذا
стр. 531
يبطل ببعر الشاة، والظباء؛ فإنه لا رائحة له، وقد قيل: بأن بعر الظباء يكون رائحته طيبة، ومع هذا، فإنه نجس عنده، فبطل هذا المعنى.
وعند أبي حنيفة أيضًا: ما لا يجب غسله إذا كان قدر الدرهم، جاز أن لا يجب إذا زاد عليه؛ كالبصاق، ولا يلزم عليه الدم؛ لأنه يجوز أن لا يجب فيما زاد على قدر الدرهم إذا لم يكن فاحشًا.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ [النحل: ٦٦]، فذكر أنه يخرج من بين نجسين - دم وفرث - لبنًا.
والجواب: أن موضع الاعتبار لا يرجع إلى أنه أُخرج طاهر من بين نجسين، وإنما رجع إلى أنه أخرج لبنًا سائغًا من بين فرث متغير الرائحة، واللون، كريه المطعم، ودم يجري مجراه، وأنه ساغ شربه، غير ممتزج بشيء من ذلك، فيمنع شربه.
واحتج: بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "أكثرُ عذاب القبر من البول" (١).
وروي: أنه مر بقبرين وهما يعذَّبان، فقال: "وما يعذَّبان بكبير؛ كان أحدُهما لا يستتر من البول" (٢)، وهذا عام في سائر الأبوال.
стр. 532
والجواب: أنه قد روي في بعض الألفاظ: "أنه كان لا يستنزه من بوله" (١)، فنص على بول الإنسان، وذلك نجس، وعلى أن الخبر محمول على ذلك؛ بدليل ما ذكرنا.
واحتج: بأنه بول، فكان نجسًا، دليله: بول ما لا يؤكل لحمه، وكل ما خرج من الآدمي كان نجسًا، فإذا خرج من غيره، كالدم.
والجواب: أن ما لا يؤكل لحمه لما حكم بتحريم لحمه، حكم بنجاسة بوله، وهذا لما حكم بإباحة لحمه، يجب أن يحكموا على إباحة بوله، وأما الدم، فهو أغلظ تحريمًا، ألا ترى أن دم الصبي الذي لم يطعم يجب غسله، ويرش على بوله؟ وكذلك دم العصافير والحمام نجس، وبولها وروثها طاهر، فبان الفرق بينهما.
ولأن أبا حنيفة ﵀ قد قال: في بول ما يؤكل لحمه: يصلى فيه ما لم يكن كثيرًا متفاحشًا (٢)، ولم يقل مثل هذا في الدم، والله أعلم.
* * *
٥٩ - مَسْألَة: إذا أصاب أسفلَ الخفِّ نجاسةٌ، فمسحه بالأرض، وصلى، لم تجزئه في أصح الروايات:
стр. 533
نص عليه في رواية الفضل بن زياد (١): فيمن وطئ بنعله على فأرة، فتبين أثرها: عليه غسلُه، قيل له: فمسحه؟ قال: لا.
وكذلك نقل عبد الله عنه (٢): إذا كان السرجين رطبًا من بغل أو حمار، فيعجبني غسله. وظاهر هذا: أن حكمها لا يزول بالمسح، وروى عبد الله عنه: أنه سئل عن البول في النعل والخف هو بمنزلة الثوب (٣)؟ فقال: أرجو أن يكون أخفَّ (٤).
فظاهر هذا: أنه يزول بالمسح.
ونقل ابن منصور عنه (٥): في الأرض يطهر بعضها بعضًا سوى البول والعذرة الرطبة. فظاهر هذا: أن البول، والعذرة لا يزول حكمها إلا بالغسل، ويزول حكم غيره من النجاسة.
وقال أبو حنيفة ﵀: إن كانت النجاسة لها جِرْمٌ قائم؛ كالعذرة ونحوِها، وجفّت، فمسحه بالأرض وصلى فيه، أجزأه، وإن كانت رطبة، أو أصابه بول، ..........................
стр. 534
لم يجزئه إلا الغسل (١).
وللشافعي ﵀ قولان: أحدهما هو القديم: تجوز الصلاة فيه، والثاني: وهو القول الجديد: لا تجوز الصلاة فيه (٢).
فالدلالة على أنه لا يجوز الصلاة فيه قبل الغسل: هو ملبوس نجس، فلم تجز الصلاة فيه إلا بعد الغسل، دليله: الثوب.
وإن شئت قلت: فلم يقم مسحه مقام غسله،، دليله: الثوب.
ولأنه لو لم تصبه إلا الرطوبة، لم يجزئه إلا الغسل، كذلك إذا كان معها جِرْم؛ كما لو كانت النجاسة رطبة، لم يجزئه إلا الغسل، كذلك إذا جفت، كما لو لم يكن لها جُرم، وكما لو أصابت الثوب.
واحتج المخالف: بما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وطئ أحدُكم الأذى بنعليه، فإن طهورهما التراب" (٣). وروى أبو عبد الله بن بطة في سننه عن عائشة - رضي الله
стр. 535
عنها - قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يطأ بنعليه الخَبَث، ثم يصلي فيهما؟ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الترابُ لها طَهور" (١)، والخبث إذا أطلق، انصرف إلى النجاسة.
والجواب: أن الأذى ها هنا محمول على ما يُستقذر من الأشياء؛ كالمخاط، والبزاق، والطين، وقد يسمى ذلك طهارة؛ لأن الطهارة في اللغة: النظافة، والنزاهة من الأشياء.
واحتج: بأن أسفل الخف محل يتكرر ملاقاته للنجاسة، فزال حكمه بالمسح، دليله: السبيل.
والجواب: أنا لا نسلم أنه يتكرر ملاقاته للنجاسة؛ لأن عامة الأرض طاهرة، ولهذا نقول: ما يلحق ثوبه من طين أو بلل، يُحكم بطهارته، وإنما المواضع النجسة منها قليلة يمكن الاحترازُ منها، بل الأصل المقيس عليه يتكرر ملاقاته للنجاسة في اليوم والليلة، فجاز أن يخفف فيه، فيقوم المسح مقام الغسل.
واحتج: بأنه حكم لو تعلق بالرِّجل، كان فرضه الغسل، فإذا تعلق بالخف، جاز المسح فيه، كالطهارة عن الحدث.
стр. 536
والجواب: أن الطهارة عن الحدث أوسع، ألا ترى أنها لو عمت سائر البدن، غسلَ أربعةَ أعضاء، ويقدِّم غسلَ النجاسة عليها عند عدم الماء، وليس لها بدل، والطهارة عن الحدث لها بدل.
واحتج: بأن جِرْم الخفِّ مستحصفٌ كثيف، وجِرم النجاسة متحلل سخيف، فإذا جفت، نشفت الرطوبة التي فيها إلى نفسها فهي أزيلت، فالحك والمسح زال الجرم (١)، والرطوبة التي حصلت فيه، ولم يبق في الخف من أجزاء النجاسة إلا شيء يسير مثلها لو انفرد، لم يمنع جواز الصلاة، ولا يلزم عليه إذا كانت رطبة؛ لأن الجرم إذا أزيل بالحك والمسح، يثبت الرطوبة التي كانت معه تلاقيه لتجف، كأنه لم يصبه غيرها، ولا يلزم عليه البول؛ لأنه ليس له جرم ينشف الرطوبة إلى نفسه، فإذا مسحه بالأرض، علمنا أن أجزاء النجاسة باقية في الخف كما كانت، ولا يزيل تلك الأجزاء إلا الغسل، ولا يلزم عليه الثوبُ إذا أصابته نجاسة، فجفت أو لم تجف، كان لها جِرمٌ أو لم يكن، لا يجزئه إلا الغسل؛ لأن الثوب متحللٌ يتداخله [أجزاء] (٢) النجاسة، فلا يزيله الحك.
والجواب: أن في حال الملاقاة قد نجس الخف، وجفاف النجاسة لا يجذب تلك الرطوبة التي لاقت الخف؛ بدليل: أنه لو وقع ذلك الخف بعد مسحه في ماء يسير، أو مسحه بخرقة رطبة، نَجَّس الثوبَ والماء، فلو كان جفافُ النجاسة قد جذب الرطوبة إلى نفسه، لوجب أن يحكم بطهارة
стр. 537
المحل، ولما لم يحكم بذلك، دل على بطلان هذا، والله أعلم.
* * *
٦٠ - مَسْألَة: يُرَشُّ على بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، والرشُّ: أن يُكاثَر بالماء حتى يغمُرَه، وإن لم يتقاطر الماء منه:
نص على هذا في رواية صالح (١)، وأبي طالب (٢)، وهو قول الشافعي ﵀ (٣).
وقال أبو حنيفة (٤)، ومالك (٥) - رحمهما الله -: بول الغلام والجارية سواء يجب غسلُهما.
دليلنا: ما روى أحمد ﵀ في المسند (٦) قال: نا عبد الصمد بن عبد الوارث (٧) قال: ....................................
стр. 538
стр. 539
فإذا طَعِما، غسل بولهما (١).
وروى أبو داود بإسناده (٢) عن أم قيس بنت محصن ﵂، - حديث أم قيس في الصحيحين - (٣): أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حِجْره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله.
وروى أبو داود بإسناده (٤) عن لُبابة (٥) بنتِ الحارث قالت: كان الحسين بن علي ﵄ في حِجْر رسول الله ﷺ ، فبال عليه، فقلت: البس ثوبًا، وأعطِني إزارك حتى أغسله لك، قال: "إنما يُغسل من بول الأنثى، ويُنضح من بول الذكر" (٦).
стр. 540
وروى أبو داود بإسناده (١) عن أبي السمح ﵁ قال: كنت أخدم النبي ﷺ ، فكان إذا أراد أن يغتسل، قال: "ولِّني"، فأُولِّيه قَفاي، فأستره به، فأُتي بحسن أو حسين ﵄، فبال على صدره، فجئت أغسلُه، فقال: "يُغسل من بول الجارية، ويُرش من بول الغلام" (٢).
فإن قيل: غاير بين اللفظين، وأراد بهما جميعًا معنى واحدًا، وهو الغسل، وهذا شائع في الكلام، ألا ترى إلى قول الشاعر (٣):
. . . . . . . . . . . . . … فألفَى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنَا
стр. 541
فغاير بين اللفظين، ومعناهما واحد (١)، ومنه يقال: بعير ناضح: إذا كان يسقي الماء ويصبه (٢).
قيل له: هذا لا يصح؛ لأن في خبر أم قيس: فنضحه، ولم يغسله، فنفت الغسل. وفي خبر لبابةَ (٣) بنتِ الحارث: "إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر"، ففرق بين الذكر والأنثى في الصفة، وكذلك في حديث أبي السمح: "يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام"، وفي حديث علي ﵁: "يغسل من بول الجارية، وينضح من بول الغلام"، وهذا كله يقتضي الفرق.
ولأن كل ما لم يجب غسله إذا كان قدر الدرهم، جاز أن لا يجب ما زاد عليه، دليله: البزاق، ولا يلزم عليه الدم؛ لأنه قد يجوز أن لا يجب في الزيادة غسل إذا لم يفحش.
ولأن الأبوال على ضربين: بول آدمي، وبول بهيمة، ثم ثبت أن من أبوال البهائم ما ينفرد بشيء يزول به حكمه من بين جنسه، وهو بول الكلب، والخنزير بزوال حكمهما بالغسل سبعًا، وغيرها لا اعتبار بالعدد فيه عندهم، وكذلك أبوال الآدميين، وليس إلا في مسألتنا، والعلة فيه: أنه أحد نوعي الأبوال.
стр. 542
واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "يُغسل من الدم والبول والمني" (١).
والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا؛ بما ذكرنا.
واحتج: بأنه يجب غسلُه بعد أن يأكل، فيجب غسله قبل أن يأكل، دليله: بول الجارية؛ ولأنه بول نجس، فلا يطهر بالرش؛ قياسًا على بول الجارية.
والجواب: أن هذا قياس يعارض النص، فلا يجب قبوله، وعلى أنه لا يمتنع أن يتفق بولُه، وبولُ الصبيةِ، والكبيرِ في النجاسة، ويختلفان (٢) في باب الإزالة؛ كالمني والبول يتفقان في النجاسة عنده، ويختلفان في الإزالة؛ لأن المني إذا كان يابسًا، يجزئه الفرك، والبول لا يجزئه إلا الغسل، وكذلك النجاسة التي لها جِرْم قائم، فإذا جفت في أسفل الخف، يجزئها الجفاف والمسح، والبول لا يجزئه إلا الغسل، كذلك ها هنا، ووجدت بخط أبي بكر الكبشي من أصحابنا (٣) قال: وسألته - ويغلب
стр. 543
على ظني: أنه يعني بالسؤال: أبا إسحاق بن شاقلا؛ لأنه قدَّم قبل هذا الكلام سؤالًا (١) في مسألة ذكر فيها أبا إسحاق: ما يقول في رجل صلى في ثوب بال عليه صبي لم يطعم، ولم يرش عليه ماء؟ قال: يعيد الصلاة، وإن كان طاهرًا، كما روي عن أبي عبد الله: إذا صلى في ثوب فيه مني، ولم يغسله، ولم يفركه، يعيد، وإن كان طاهرًا (٢).
وظاهر هذا القول: أن بول الصبي طاهر، وهذا بعيد؛ لأن أحمد ﵀ قال (٣) في رواية أبي داود: في قطيفة صبي وقعت في بئر، قال: إذا كان يبول فيها، فإنها تُنزح (٤).
وهذا ظاهر في تنجسه، ولم يفرق بين أن [يكون] قد طعم، أم لم يطعم؛ ولأنه لو كان طاهرًا، لم يحتج إلى الرش؛ كالمخاط، والبصاق، يابسًا (٥) أجزأ فيه الفرك.
* * *
стр. 544
٦١ - مَسْألَة: إذا جبر بعظم نجس، فانجبر، ونبت عليه اللحم، لم يخرج منه:
قياس المذهب (١)؛ لأن أحمد ﵀ قد قال: إذا كان يستضر باستعمال الماء خوفَ الزيادة في المرض والتباطُؤ في البرء، جاز التيمم (٢)، وبه قال أبو حنيفة ﵀ (٣).
قال أبو بكر في كتاب: الصلاة من "الشافي": يُجبر على إخراجه منه ما لم يخف التلفَ (٤)، وقد أومأ أحمد في رواية ابن إبراهيم: إذا وقع ضرسه، فأعاده، ثم انقلع، يعيد الصلاة (٥).
فلولا أنه كان يلزمه قلعه، لم يأمره بالإعادة.
وقال الشافعي ﵀: إن لم يخش من قلعه التلف، لزمه قلعُه، فإن امتنع منه، أجبره السلطان عليه، فإن مات قبل، لم يجب قلعه؛ لأن جميعه صار ميتًا، والله حسيبهُ فيما صلى من الصلوات مع النجاسة،
стр. 545
وإن خيف من قلعه التلف، فقد اختلف أصحابه، فمنهم قال: لا يقلع؛ لأن حكم النجاسة سقط لأجل الضرورة، كما نقول في دم الاستحاضة، وسلسِ البول، ودمِ البراغيث، ومنهم من قال: يُقلع، وإن مات، فالحق قتله؛ كمن (١) يشرب الخمر، فيقام عليه الحد، فإن مات، فالحق قتله (٢).
دليلنا: أنه يستضر بقلعه، فلم يلزمه؛ كما لو خاف التلف، ولهم على هذا الأصل كلام مذكور في مسألة الطهارة: إذا خاف الزيادة في المرض، هل يجوز له التيمم؟
ولأن النجاسة إذا كانت في باطن البدن، فإنه لا يجب إخراجها، أصله: الدم في العروق.
فإن قيل: العروق لا تنقل (٣) عن الدم، فيسقط حكمه، ولا يجب إخراجه منها للضرورة.
وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا ضرورة به إلى ترك العظم النجس في بدنه.
قيل له: إذا انجبر ساقه، ونبت عليه اللحم، كان ضرورة إلى تركه؛ لأن في إخراجه ضررًا، أو في خوف التلف، ولأنها نجاسة حصلت في باطن بدنه، فلا يجب إخراجها، أصله: إذا شرب خمرًا، أو أكل ميتة؛
стр. 546
لأنه لا يجب عليه أن يستقيء حتى تخرج النجاسة.
فإن قيل: من أصحابنا من قال: يلزمه أن يستقيء، كما رُوي عن أبي بكر ﵁: أنه شرب لبنًا، فقيل له: من نَعَم الصدقة، فاستقاء (١).
قيل: هذا قول لم يقل به أحد من الأئمة، وما روي عن أبي بكر ﵁ لا يدل على أنه كان يراه واجبًا.
فإن قيل: المعدة معدن النجاسات، وإذا حصلت فيها، لم يجب إخراجها، وليس كذلك سائر البدن.
قيل له: المعدة ليست معدنا لإيصال النجاسات إليها؛ لاتفاقهم على أنه لا يجوز شرب الخمر، ولا أكل الميتة، وإنما يوصل إليها الأشياء الطاهرة، ثم تتغير فيها، وتستحيل نجاسة، ومع هذا، إذا حصلت فيها نجاسة من خارج، لم يجب إخراجها، كذلك في مسألتنا.
فإن قيل: إذا جاز أن يتغير الشيء فيها، فيستحيل نجاسة، ولا يجب إخراجها، جاز أن يحصل فيها نجاسة من خارج، ولا يجب إخراجها،
стр. 547
ليس كذلك ما تنازعنا فيه.
قيل له: فرق بينهما؛ لأنه قد توجد النجاسة في الموضع الذي يحصل فيه العظم النجس، فلا يجب إخراجها؛ كالدم ونحوه، فيجب لهذا المعنى إذا حصلت فيه نجاسة من خارج أن لا يجب إخراجها.
وأيضًا: لو خاط جرحه بخيط غصب، وكان يستضر بقلعه، لم يُجبر على ذلك، كذلك إذا جبره (١) بنجس.
فإن قيل: الخيط له بدل يرجع إليه، وهو القيمة، وهذه النجاسة لا بدل لها ينتقل لها.
قيل له: دم الاستحاضة لا بدل له، ويعيد، وعلى أنه لا يمتنع أن نقول: يتيمم، كذلك لغيره من النجاسات، وعلى أنه لو غصب ساجة (٢)، وبنى عليها، أُجبر على إزالتها، وإن كان لها بدل.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، والعظم نجس رجز، فوجب هجرانه.
والجواب: أن هذا مخصوص؛ بدلالة ما قدمنا.
واحتج: بأنه أوصل النجاسة إلى موضع لا يحيلها، فوجب أن يلزمه قلعها عند عدم الضرورة؛ قياسًا على ما ذكرنا.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن النجاسة لم تحصل في باطن
стр. 548
البدن، وإنما حصلت في ظاهره، والنجاسة إذا كانت في ظاهر البدن، فإنه يجب إزالتها، وإذا كانت في باطنه، لم يجب؛ بدلالة سائر النجاسات، والله أعلم.
* * *
٦٢ - مَسْألَة: منيُّ الآدميين طاهر في أصح الروايتين:
نص عليها في رواية خطاب بن بشر (١)، فقال: يفركه، أو يغسله. ولو كان نجسًا، ما كان الفرك يطهره، وبه قال الشافعي ﵀ (٢)، وداود (٣).
وفيه رواية أخرى: أنه نجس (٤)، فإن كان رطبًا، غُسل، وإن كان يابسًا، فُرك، نص على هذا في رواية عبد الله (٥): إن كان فاحشًا، أعاد، وإن فرك الثوب، أجزأت صلاته. وكذلك نقل إسماعيل بن سعيد عنه (٦): أنه إن كان فاحشًا رطبًا، أو يابسًا، أعاد الصلاة، وإن مسحه وهو رطب، لم يعد الصلاة. فقد نص على نجاسته، وفرّق بين يسيره وكثيره؛ كالدم،
стр. 549
وأجاز فركه، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (١).
وقال مالك ﵀: هو نجس، إلا أنه لا بد من غسله، رطبًا كان أو يابسًا (٢).
وجه الرواية الأولة في طهارته: ما روى أبو بكر النجاد في كتاب: الطهارة، بإسناده عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ عن المني يصيب الثوب؟ قال: "إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إِذْخِرَة" (٣)، فمن هذا الخبر دليلان: أحدهما: أن النبي ﷺ قال: "أَمِطْه بإِذخره"، وهذا صفة المني الرطب؛ لأن اليابس لا تصح إماطته، وعندهم: يجب غسله إذا كان رطبًا.
والثاني: شبهه بالمخاط، والبصاق، وذلك يقتضي طهارته.
فإن قيل: الصحيح من هذا الخبر: أنه موقوف على ابن عباس ﵄، هكذا قال أحمد ﵀ في رواية صالح (٤)، وحنبل، ورُوي عن ابن
стр. 550
عباس ﵄: أنه سَهَّلَ فيه.
قيل له: قد رواه أبو بكر النجاد مسندًا عن النبي ﷺ ، فروى عن إبراهيم الحربي عن سعيد بن يحيى بن أزهر (١) قال: نا إسحاق بن يوسف (٢) قال: نا شريك (٣)، ومحمد بن عبد الرحمن (٤) عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث، وإذا ثبت مسندًا أو موقوفًا، كان أثبتَ له؛ لأن الصحابي إذا كان عنده توقيف من النبي ﷺ ، أفتى به، فينقل عنه مرة موقوفًا، ومرة مسندًا.
فإن قيل: قال أبو بكر الرازي (٥): سمعت عبد الباقي بن قانع (٦) يقول:
стр. 551
هذا حديث يرويه سريع الخادم (١) عن إسحاق الأزرق عن شريك، وسريعٌ (٢) ليس بشيء.
قيل له: قول عبد الباقي: إن سريعًا (٣) ليس بشيء، لا يقدح في روايته، على أنا قد بينا إسناده عن إبراهيم الحربي عن سعيد بن يحيى بن أزهر، عن إسحاق، عن شريك، وليس فيه سريع، وكذلك رواه الدارقطني بهذا الإسناد.
فإن قيل: قوله: "أمطه" يقتضي الإماطة، وإذا وجبت الإماطة، ثبتت نجاسته؛ لأن حكمه بطهارته لا يوجبها.
قيل له: لما أمر بإماطته بالإذخر، دل على أنه لم يرد بالأمر الوجوب؛ لأن أحدًا لا يوجب إماطته بالإذخرة.
فإن قيل: تشبيهه بالمخاط لا دلالة فيه؛ لأنه لم يقل: كمخاط (٤) في الطهارة.
قيل له: تشبيهه عامٌّ في الطهارة وفي غيرها، ولأنه لا يخلو إما أن
стр. 552
يريد تشبيهه في طهارته، أو في صفته، ولا يجوز أن يكون المراد به في الصفة؛ لأن ذلك مدرَك بالحس والمشاهدة، فعلم أنه أراد تشبيهه في الطهارة التي تخفى.
وأيضًا: ما روى ميمون بن مهران (١) عن (سليمان بن يسار) (٢)، عن عائشة ﵂: أنها قالت: كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلي فيه (٣)، وهذا حديث صحيح، ولو كان نجسًا، لم تنعقد صلاتُه بفركه.
فإن (٤).
قيل له: لو كان الكثير يخالف القليل، لبينته عائشة ﵂؛ لأنها ذكرت احتجاجًا على طهارته، فلو كان يختلف، لبينته.
стр. 553
والقياس: أنه خارج من حيوان طاهر يُخلق منه مثلُ أصله، فوجب أن يكون طاهرًا؛ قياسًا على البيض، وقولنا: (خارج من حيوان) يحترز به من الدود المتولد من العذرة، فقد قيل: إنه طاهر؛ لأنه ليس بخارج من حيوان، وعلى أنا لا نعلم أن السرجين يخلق منه الدود، بل يجوز أن يخلق فيه مبتدأ لا منه، وقولنا: (طاهر) يحتزر به إذا خرج من حيوان نجس؛ كالكلب، والخنزير ونحوه، وقولنا: (يخلق منه مثلُ أصله) يحترز به من البول؛ لأنه خارج من حيوان طاهر، وهو نجس، وكذلك الحيض، والاستحاضة.
فإن قيل: المعنى في البيض: أنه يجوز الانتفاع به من جهة الأكل قبل موت الحيوان، وبعد موته، وهذا المعنى بخلافه.
قيل له: بيض الطيور التي لا يحل أكلها؛ كالباز، والصقر، والرخم، والنسر وغيره طاهرٌ عندك، وإن لم يحل الانتفاع بها بالأكل، فبطل هذا، وعلى أنه إنما لم يحل أكله؛ لأن ما يتولد منه من الحيوان لا يحل أكله، وهو الآدمي، والبيض يحل أكل ما يتولد منه من الحيوان، وهو الدجاج، فحل أكله، فعلى هذا لما كان ما يتولد منه من الحيوان طاهر يجب أن يكون هو أيضًا طاهر؛ اعتبارًا بالأكل.
فإن قيل: هذا منتقض بالعلقة؛ فإنها يخلق منها طاهر، وهي نجسة.
قيل له: ابتداء الخلق من المني، وإنما تتغير أحواله بالعلقة، والمضغة، كما أن البيض ابتداؤه طاهر، ثم يتغير في الثاني.
وقياس آخر: وهو أن ما لا يجب غسله إذا كان يابسًا، لا يجب
стр. 554
غسله إذا كان رطبًا، دليله: البصاق، والمخاط.
ولأنه مائع ينشر الحرمة، فكان طاهرًا؛ كاللبن من آدمية، ونشر الحرمة به ما ينعقد منه من البنوة، ولأنه مبتدأ خلق البشر، فكان طاهرًا، دليله: التراب مبتدأ خلق آدم ﵊ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، والصلصال: الطين اليابس الذي إذا نقرته (١)، صَلَّ، وهذا قبل أن تمسه النار، فإذا مسته، فهو فخار (٢)، والحمأ: جمع حَمْأَة، وقوله: ﴿مَسْنُونٍ﴾ قد قيل: مصبوب، من قولهم: سنيت الماء؛ أي: صبيته، وقيل: متغير، قال الله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]: لم يتغير (٣).
فإن قيل: آدم من البشر، ولم يخلق من المني، وولد آدم من البشر، ولم يخلق من التراب، وإنما خلقوا من المني.
قيل له: يصح أن يقال: ما خُلق منه آدم، فهو أصل لأولاده، والمني فهو أصل لهم، فيصح أن يقال: إنه مبتدأ خلقهم، على أنا لم ندع أن الصلصال [ابتداء] خلق كل بشر، ولا المني ابتداء خلق كل بشر، بل ادعينا أن كل واحد منهما ابتداءُ خلق بشر، وهذا مسلَّم، وقد قال بعضهم: مبتدأ خلق آدمي، فهو كالصلصال، وهذا غير صحيح؛ لأن التراب أصلُ آدم، والمني أصل ولده، وليس آدم بآدمي، وإنما ذلك اسمٌ لولده، والصحيح
стр. 555
هو الأول؛ لأن البشر اسمٌ له ولولده، قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣].
ولأن الخارج من مخرج الحدث على ضربين: مائع، وجامد، ثم الجامد منه ما هو طاهر، وهو الولد، والحصاة الخارجة من الدبر، ومنه النجس، وهو [الغائط] (١)، كذلك المائع وجب أن يكون منه طاهر، وليس إلا المنى.
واحتج: بما رُوي عن عائشة ﵂: أنها قالت: أمرني رسول الله ﷺ بغسل المني من الثوب إذا كان رطبًا، وبفركه إذا كان يابسًا (٢)، وأمرُه على الوجوب، وإذا وجب غسلُه، ثبتت نجاسته؛ لأن أحدًا لا يقول: إنه طاهر، ويجب غسله.
والجواب: أنا نحمل ذلك على طريق الاستحباب؛ بدليل: ما روينا
стр. 556
عن عائشة، وابن عباس ﵃.
واحتج: بما رُوي عن عمار بن ياسر ﵁ قال: مَرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا أسقي راحلتي، وتنخَّمت، فأصابتني نُخامتي، فجعلت أغسل ثوبي، فقال رسول الله ﷺ : "ما نُخامَتُك ودموعُ عينيك إلا بمنزلة واحدة، إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول، والمني والدم والقيء" (١).
والجواب: أنا نحمل قوله على طريق الاستحباب.
واحتج: بأن خروجه يوجب الغسل، فأشبه دم الحيض.
والجواب: أن نجاسة الشيء غير متعلقة بكونه موجبًا للغسل، بدليل: الاستحاضة، والبول، والمذي، وعلى أنه ينتقض بخروج الولد، وليس معه نفاس، فإنه يوجب الغسل، وليس بنجس، وعلى أن المعنى في الحيض. أنه يجب غسله يابسًا، فكان نجسًا، والمني لا يجب غسله يابسًا، فلم يكن نجسًا؛ كالبزاق؛ ولأن الحيض خارج لا يُخلق منه طاهر، فكان نجسًا، وهذا يخلق منه طاهر، فهو بالبيض أشبه.
واحتج: بأنه مائع ينقض الوضوء، أشبهَ البولَ، والمذيَ.
والجواب: أن كونه مائعًا لا تأثير له في النجاسة؛ بدليل: الغائط، والبول هما سواء في التنجيس، وإن كان أحدهما جامدًا، وعلى أن المعنى في ذلك: ما تقدم، وهو أنه يجب غسله يابسًا، وهذا بخلافه، ولأن ذلك لا يخلق منه طاهر، وهذا بخلافه، فهو كالبيض.
стр. 557
واحتج: بأن المذي من أجزاء المني؛ بدلالة: أنه يخرج للشهوة كما يخرج المني، ثم المذي نجس، كذلك المني.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أن المذي يجب غسلُ نجاسته، ولا يخلق منه طاهر، وهذا بخلافه، وعلى أنه قد منع قوم كونَ المذي من أجزاء المني، وقد تقدم الكلام في ذلك في كتاب: الطهارة.
واحتج: بأن المني - وإن كان طاهرًا -، فهو يخرج من مخرج الحدث، فيتنجس حالَ خروجه.
والجواب: أنه قد قيل: إن مجراهما في الباطن مختلف، وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية بكر بن محمد (١) - وقد سأله عن المذي أشد أو المني؟ -، قال: هما سواء، ليسا من مخرج البول، إنما هو من الصلب والترائب.
وعلى أن نجاسة الباطن لا حكم لها؛ لأنه لا ينفك منها، ولأن الله تعالى قال: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ [النحل: ٦٦]، وذلك اللبن ليس بنجس، ويوضح هذا: أنه يجوز الاقتصار على فركه، والفرك لا يجوز في البول، فدل على أن نجاسة الباطن لا حكم لها.
* فصل:
والدلالة على أنه يجزيء فيه الفرك إذا كان يابسًا، إذا قلنا: إنه
стр. 558
نجس؛ خلافًا لمالك ﵀: ما روى أحمد ﵀ في المسند (١) قال: نا عفان (٢) قال: نا حماد بن سلمة، عن حماد (٣)، عن إبراهيم (٤)، عن الأسود (٥)، عن عائشة ﵂ قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ، ثم يذهب فيصلي فيه (٦)، وهذا دليل على جواز فركه يابسًا.
واحتج المخالف: بما تقدم (٧) من حديث عمار قوله: "إنما يُغسل الثوب من الدم والمني والبول".
والجواب: أنا نحمل ذلك على الرطب؛ بدلالة ما تقدم.
واحتج: بأنه نجس، فوجب أن لا يجوز الاقتصار فيه على فركه؛ كسائر النجاسات.
والجواب: أن القياس يقتضي هذا، وأنه لا يجوز الاقتصار على
стр. 559
الفرك، وإنما أجزناه؛ للأثر، وعلى أن نجاسته لا يمنع جواز الاقتصار على الفرك؛ كالنجو في موضع الاستنجاء: أنه نجس، ويجوز الاقتصار على مسحه بالأحجار، والله أعلم.
* * *
٦٣ - مَسْألَة: إذا أصاب الأرضَ بولٌ، فصب عليه الماء حتى غمره، وزال طعمه، ولونه، وريحه، فقد طَهُر الموضع، والماءُ الذي خالطَ البولَ طاهر:
نص عليه في رواية أبي طالب (١): في البول في المسجد يُصب عليه الماء، فيقوم الماء في المسجد، وهو بقدر دلو، فهو طاهر، والماء أيضًا طاهر.
وبهذا قال مالك (٢)، والشافعي (٣) - رحمهما الله -.
стр. 560
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يطهر الموضع حتى ينتقل البول عنه إلى موضع آخر، فإذا انتقل البول عنه إلى موضع آخر، فقد طهر الموضع الذي كان أصابه، ونجس الموضع الذي انتقل إليه، والماء الذي دفعه عن موضعه ونقله نجسٌ أيضًا (١).
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده في كتابه عن أبي هريرة ﵁: أن أعرابيًا دخل المسجد، ورسولُ الله ﵁ جالس، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي ﷺ : "لقد تَحَجَّرْتَ واسعًا"، ثم [لم] (٢) يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناسُ إليه، فنهاهم النبي ﷺ ، وقال: "إنما بُعثتم ميسِّرين، ولم تبعثوا معسِّرين، صُبُّوا على بوله سَجْلًا من ماء"، أو قال: "ذَنوبًا من ماء" (٣).
فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر أن يُصب عليه الذَّنوب لإزالة النجاسة، فلو كانت النجاسة لا تزول به، ولا يطهُر الموضع، وينجُس الماء الذي يجتمع، لما أمر أن يُصب الذنوب عليه؛ لأن في ذلك تكثير [اً] للنجاسة، وليس فيه إزالتها.
стр. 561
فإن قيل: روي أن الأعرابي بال عند عتبة المسجد، فأمر النبي ﷺ أن يُصب عليه ذنوبٌ من ماء، فيحتمل أن يكون قد جرى الماء إلى خارج المسجد (١).
قيل له: لا يجري حتى يختلط بالبول، فإذا جرى إلى خارج المسجد، زاد موضع النجاسة، وكان الموضع بحاله، وكلُّ ما ورد الماء عليه، صار بملاقاة النجاسة نجسًا.
فإن قيل: روي في خبر: أن النبي ﷺ أمر بأن يُحفر مكانه (٢)، وعندكم: لا يتغير حفر المكان، ونحن نقول: إذا حفر، وغسل الموضع، فإنه يطهر، وقد روي في بعض الأخبار: أنه قال: "خذوا ما بال [عليه] من التراب، وألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء" (٣).
قيل: قد روى بكر بن محمد عن أبيه (٤)، عن أحمد ﵀:
стр. 562
أنه قيل له: يروى في حديث الأعرابي عن ابن عياش (١)، عن سمعان (٢)، عن أبي وائل (٣)، عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "فأمر به، فحفر"، وقال: ما أعرف سمعان، وهذا حديث منكر (٤)، وقال أبو داود: يرويه عبد الله بن معقل (٥) بن مقرن (٦)، وهو لم يلق النبي ﷺ (٧).
وعلى أنه لو صح هذا، لم يدل على ما يذهبون إليه، بل يُحمل على أنه قصد تخفيف النجاسة، فألقى بعض التراب الذي أصابه البول، ثم صب الماء عليه، كما أمر بالحتّ والقرص من دم الحيض.
فإن قيل: يحتمل أن تكون أرض المسجد رخوة تشرب الماء، فانحط البول إلى جوف الأرض، وطهر وجهها.
قيل: الموضع طهر بالماء الذي ورد عليه، ولا يجري حتى يختلط
стр. 563
بالبول، فيتعدى إلى الموضع، وقد نجس.
وتبنى المسألة على أن الماء المزال به النجاسة طاهر، إذا لم يكن متغيرًا، وقد حكم بطهارته.
والدليل عليه: أن الأجزاء التي تبقى في الثوب من جملة الماء المزال به النجاسة، ألا ترى أنه كلما زيد في عصر الثوب، خرج الماء منه أكثر، فلو كان المنفصل نجسًا، لكان الباقي في الثوب نجسًا، وكان يجب أن لا يطهر الثوب بحال، وقد أجمعنا على طهارة الثوب، فثبت أن الماء المنفصل أيضًا طاهر، وقد أومأ أحمد ﵀ إلى طهارة الماء المنفصل من الثوب في رواية علي بن سعيد (١): في الثوب يمسه البول: يغسل سبع مرات، فإن نقعه في إجّانة (٢) حتى يغمره الماء، فأرجو أن يجزئه، إن لم يمكنه أن يصب عليه الماء.
وظاهر هذا: أن المنفصل طاهر؛ لأنه لو كان نجسًا، لم يطهر الثوب بحصوله فيه.
стр. 564
فإن قيل: أكثر الذي يبقى في الثوب إنما كان طاهرًا؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه.
قيل له: لا يمكن الاحتراز من نجاسته أيضًا؛ لأن العادة أن النجاسة إنما تغسل بماء يسير، وليس العادة أنها تُحمل إلى المياه الكثيرة، والجارية، فلو قلنا: إنها تنجس بالملاقاة، كان فيه مشقة، فلا فرق بينهما.
فإن قيل: البلل إنما كان طاهرًا؛ لأنه لم يلاق النجاسة، وإنما لاقى ما جاور النجاسة، وهو الماء الذي أزيل به النجاسة، ومن أصلنا: أن ما نجس بالمجاورة، لم ينجس ما جاوره، والدليل على ذلك: الفأرة إذا وقعت في السمن المائع: أن ما لاقى الفأرة نجس، وما جاور ذلك الموضع طاهر؛ لأنه جاور ما نجس بمجاورة النجاسة.
قيل: هذا لا يصح؛ لأن البلل هو من جملة الماء الذي لاقى النجاسة، فكان يجب أن يكون نجسًا على قولك؛ لأنه لاقى النجاسة، ولم يلاق ما جاور النجاسة، وقد أجمعنا على طهارته، عُلِم أن المعنى ما ذكرنا، ولا يشبه هذا السمن إذا كان جامدًا، فوقعت فيه فأرة: أنه تنجس ما جاور الفأرة حسب؛ لأن ما جاور مكان النجاسة هو جامد، ولم تلاقه النجاسة، وإنما لاقت محلها حسب، والجامدات إنما تنجس بملاقاة النجاسة، فلهذا لم يكن نجسًا، وما اختلفنا فيه من الماء المزال به النجاسة مائع، والبلل بعضه، فلما كان البلل طاهرًا (١)، وجب أن يكون نفسه طاهرًا.
стр. 565
واحتج المخالف: بأن كل ما تنجس بملاقاته للنجاسة، فإنه لا يختلف بأن يَرِد على النجاسة، أو تَرِدَ النجاسةُ عليه؛ بدلالة المائعات كلها، واتفقنا على أن البول لو ورد على الماء، لنجَّسه، فإذا ورد الماء عليه، يجب أيضًا أن ينجِّسه؛ ولأنه ما تبقى فيه جزء من النجاسة، ولا يتوصل إلى جزء منه إلا بجزء من النجاسة، فيجب أن يحكم بنجاسته؛ كما لو وردت النجاسة عليه.
والجواب: أن ورود الماء على النجاسة يطهِّر المحل، وما طهر لا يجوز أن يكون نجسًا، وليس كذلك ورودها على الماء؛ لأنها تؤثر في طهارته، ولا يؤثر في طهارتها، فجاز أن يفرق بينهما؛ ولأنه لو نجس بوروده على النجاسة، لم يكن لنا سبيل إلى طهارة النجس، وليس كذلك إذا وردت على الماء؛ لأن لنا سبيلًا إلى صيانة الماء عنه؛ ولأنه ينتقض بالبلل الذي في الثوب، قد تيقنا حصول النجاسة فيه، وهو طاهر، والله أعلم.
* * *
٦٤ - مَسْألَة: إذا احترقت النجاسة، وصارت رمادًا، لم تطهُر:
وقد قال أحمد ﵀ في رواية حمدان بن علي (١) - وقد سئل عن حمّام يوقد بالعذرة، هل يغتسل منه؟ -، فقال: كيف يصنع ببخاره؟