فإن قيل: روي أن الأعرابي بال عند عتبة المسجد، فأمر النبي ﷺ أن يُصب عليه ذنوبٌ من ماء، فيحتمل أن يكون قد جرى الماء إلى خارج المسجد (١).
قيل له: لا يجري حتى يختلط بالبول، فإذا جرى إلى خارج المسجد، زاد موضع النجاسة، وكان الموضع بحاله، وكلُّ ما ورد الماء عليه، صار بملاقاة النجاسة نجسًا.
فإن قيل: روي في خبر: أن النبي ﷺ أمر بأن يُحفر مكانه (٢)، وعندكم: لا يتغير حفر المكان، ونحن نقول: إذا حفر، وغسل الموضع، فإنه يطهر، وقد روي في بعض الأخبار: أنه قال: "خذوا ما بال [عليه] من التراب، وألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء" (٣).
قيل: قد روى بكر بن محمد عن أبيه (٤)، عن أحمد ﵀:
стр. 562
أنه قيل له: يروى في حديث الأعرابي عن ابن عياش (١)، عن سمعان (٢)، عن أبي وائل (٣)، عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "فأمر به، فحفر"، وقال: ما أعرف سمعان، وهذا حديث منكر (٤)، وقال أبو داود: يرويه عبد الله بن معقل (٥) بن مقرن (٦)، وهو لم يلق النبي ﷺ (٧).
وعلى أنه لو صح هذا، لم يدل على ما يذهبون إليه، بل يُحمل على أنه قصد تخفيف النجاسة، فألقى بعض التراب الذي أصابه البول، ثم صب الماء عليه، كما أمر بالحتّ والقرص من دم الحيض.
فإن قيل: يحتمل أن تكون أرض المسجد رخوة تشرب الماء، فانحط البول إلى جوف الأرض، وطهر وجهها.
قيل: الموضع طهر بالماء الذي ورد عليه، ولا يجري حتى يختلط
стр. 563
بالبول، فيتعدى إلى الموضع، وقد نجس.
وتبنى المسألة على أن الماء المزال به النجاسة طاهر، إذا لم يكن متغيرًا، وقد حكم بطهارته.
والدليل عليه: أن الأجزاء التي تبقى في الثوب من جملة الماء المزال به النجاسة، ألا ترى أنه كلما زيد في عصر الثوب، خرج الماء منه أكثر، فلو كان المنفصل نجسًا، لكان الباقي في الثوب نجسًا، وكان يجب أن لا يطهر الثوب بحال، وقد أجمعنا على طهارة الثوب، فثبت أن الماء المنفصل أيضًا طاهر، وقد أومأ أحمد ﵀ إلى طهارة الماء المنفصل من الثوب في رواية علي بن سعيد (١): في الثوب يمسه البول: يغسل سبع مرات، فإن نقعه في إجّانة (٢) حتى يغمره الماء، فأرجو أن يجزئه، إن لم يمكنه أن يصب عليه الماء.
وظاهر هذا: أن المنفصل طاهر؛ لأنه لو كان نجسًا، لم يطهر الثوب بحصوله فيه.
стр. 564
فإن قيل: أكثر الذي يبقى في الثوب إنما كان طاهرًا؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه.
قيل له: لا يمكن الاحتراز من نجاسته أيضًا؛ لأن العادة أن النجاسة إنما تغسل بماء يسير، وليس العادة أنها تُحمل إلى المياه الكثيرة، والجارية، فلو قلنا: إنها تنجس بالملاقاة، كان فيه مشقة، فلا فرق بينهما.
فإن قيل: البلل إنما كان طاهرًا؛ لأنه لم يلاق النجاسة، وإنما لاقى ما جاور النجاسة، وهو الماء الذي أزيل به النجاسة، ومن أصلنا: أن ما نجس بالمجاورة، لم ينجس ما جاوره، والدليل على ذلك: الفأرة إذا وقعت في السمن المائع: أن ما لاقى الفأرة نجس، وما جاور ذلك الموضع طاهر؛ لأنه جاور ما نجس بمجاورة النجاسة.
قيل: هذا لا يصح؛ لأن البلل هو من جملة الماء الذي لاقى النجاسة، فكان يجب أن يكون نجسًا على قولك؛ لأنه لاقى النجاسة، ولم يلاق ما جاور النجاسة، وقد أجمعنا على طهارته، عُلِم أن المعنى ما ذكرنا، ولا يشبه هذا السمن إذا كان جامدًا، فوقعت فيه فأرة: أنه تنجس ما جاور الفأرة حسب؛ لأن ما جاور مكان النجاسة هو جامد، ولم تلاقه النجاسة، وإنما لاقت محلها حسب، والجامدات إنما تنجس بملاقاة النجاسة، فلهذا لم يكن نجسًا، وما اختلفنا فيه من الماء المزال به النجاسة مائع، والبلل بعضه، فلما كان البلل طاهرًا (١)، وجب أن يكون نفسه طاهرًا.
стр. 565
واحتج المخالف: بأن كل ما تنجس بملاقاته للنجاسة، فإنه لا يختلف بأن يَرِد على النجاسة، أو تَرِدَ النجاسةُ عليه؛ بدلالة المائعات كلها، واتفقنا على أن البول لو ورد على الماء، لنجَّسه، فإذا ورد الماء عليه، يجب أيضًا أن ينجِّسه؛ ولأنه ما تبقى فيه جزء من النجاسة، ولا يتوصل إلى جزء منه إلا بجزء من النجاسة، فيجب أن يحكم بنجاسته؛ كما لو وردت النجاسة عليه.
والجواب: أن ورود الماء على النجاسة يطهِّر المحل، وما طهر لا يجوز أن يكون نجسًا، وليس كذلك ورودها على الماء؛ لأنها تؤثر في طهارته، ولا يؤثر في طهارتها، فجاز أن يفرق بينهما؛ ولأنه لو نجس بوروده على النجاسة، لم يكن لنا سبيل إلى طهارة النجس، وليس كذلك إذا وردت على الماء؛ لأن لنا سبيلًا إلى صيانة الماء عنه؛ ولأنه ينتقض بالبلل الذي في الثوب، قد تيقنا حصول النجاسة فيه، وهو طاهر، والله أعلم.
* * *
٦٤ - مَسْألَة: إذا احترقت النجاسة، وصارت رمادًا، لم تطهُر:
وقد قال أحمد ﵀ في رواية حمدان بن علي (١) - وقد سئل عن حمّام يوقد بالعذرة، هل يغتسل منه؟ -، فقال: كيف يصنع ببخاره؟
стр. 566
فكأنه كرهه. وكذلك في رواية محمد بن (١): يكره الغسل من ماء الحمام الذي يوقد بالعذرة (٢). وإنما كره ذلك؛ خوفًا أن يحصل من رمادها في الماء، وقال أيضًا في رواية المروذي: في تنور شُوي فيه خنزير: لا يُخبز فيه حتى يُغسل ويُقلَع ما فيه (٣).
وهذا كله يدل على أن النجاسة لم تطهر بالنار، وبه قال مالك (٤)، والشافعي (٥) - رحمهما الله -.
وقال أبو حنيفة: يطهر (٦)، وكذلك الخلاف في الخنزير إذا وقع في ملّاحة (٧)، فصار (٨) ملحًا، عندنا: لا يطهر، وعنده: يطهر.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]،
стр. 567
وقال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، فمنه دليلان:
أحدهما: أنه وصف الماء بهذه الصفة، فدل على أن غيره حكمُه بخلافه.
والثاني: أنه امتنَّ علينا بأن جعل الماء مطهِّرًا لنا، فلو شاركه غيره، لبطل الامتنان في هذا المعنى؛ ولأن ما لم ينجس بالاستحالة، لا يطهر بالاستحالة.
دليله: الدم، وعكسه الخمر، لما نجس بالاستحالة، طهر بالاستحالة، ولا يلزم عليه الطعام، والشراب الذي يصل إلى الجوف؛ لأن نجاسة ذلك توصله إلى الجوف لا بالاستحالة، ألا ترى أنه لو تقيأه في الحال قبل الاستحالة كان نجسًا.
واحتج المخالف: بأن المعنى الموجب لنجاسة هذه الأشياء وجودها على ضرب من الاستحالة، فإذا احترقت، وصارت رمادًا، زالت تلك الاستحالة، فوجب أن تزول النجاسة، ألا ترى أن العصير إذا صار خمرًا، فإنه تنجس لوجوده على ضرب من الاستحالة، فإذا صار خلًا، زالت تلك الاستحالة، وكذلك البيض يستحيل دمًا، فتنجس، ثم يصير فرخًا، فيطهر؛ لزوال الاستحالة الموجبة للتنجيس، كذلك ها هنا.
والجواب: أن هذا يبطل بالدبس النجس إذا عُقد ناطفًا (١)، أو لحم
стр. 568
الميتة إذا طبخ، أو قُدِّدَ (١) بالملح، فإن الاستحالة موجودة، ولا يطهر، على أن المعنى في العصير إذا صار خمرًا، أو في البيض إذا صار دمًا لمّا نجس بالاستحالة، طهر بالاستحالة؛ لزوال المعنى الذي أوجب نجاسته، وليس كذلك ها هنا؛ لأن هذه النجاسة لم تنجس بالاستحالة، بل أعيانها نجسة، فلم تطهر بالاستحالة؛ كالدم، وأما العلقة، فليست بنجسة؛ لأنه ليس بدم مسفوح، فهو كالكبد.
والجواب: أن الماء لم يكن مطهرًا لكونه محيلًا، وإنما عندنا: للشرع، والتوقيف، وعندهم: لكونه طاهرًا، وهذا المعنى معدوم في النار.
* * *
٦٥ - مَسْألَة: إذا أصابت الأرضَ نجاسةٌ، فيبست، وذهب أثرها، لم تجز الصلاة فيها (٢):
نص عليه في رواية الأثرم، فقال: لا يطهر المكان النجس بالشمس إذا طلعت عليه (٣).
стр. 569
وبهذا قال مالك (١)، والشافعي (٢) - رحمهما الله -.
وقال أبو حنيفة ﵀: تجوز الصلاة فيها، ولا يتيمم منها (٣).
دليلنا: قوله ﷺ : "صبوا عليه ذَنوبًا من ماء" (٤)، فالظاهر: أن البول لا يطهر إلا بصبِّ الماء عليه، ولأنه محلٌّ نجس، فلم يطهر بالشمس إلى أن ذهب لونها وريحها.
وإن شئت قلت: محلٌّ نجس، فلم يزُل المنعُ بجفافه، دليله: ما ذكرنا؛ ولأن كل بقعة لم يجز التيمم بترابها لأجل النجاسة، لم تجز الصلاة عليها.
دليله: إذا كانت أعيان النجاسة باقية لم تجف، وفيه احتراز من الأرض الرملة، والنَّورة (٥).
فإن قيل: إنما لم يجز؛ لأنه إذا تيمم، ضرب على الأرض، فيثير التراب النجس.
قيل له: عندكم: لا يفتقر التيمم إلى هذا؛ لأنه لو وضع [يده] على
стр. 570
الأرض، ولم يعلق بها شيء، أجزأه.
فإن قيل: إنما لم يجز التيمم؛ لأنا نتيقن أن الأرض أحالت جميع أجزاء النجاسة إلى طبعها، ويجوز أن يكون قد ذهب أثرها، وهناك أجزاء نجسة باقية، وقد تيقنا أنها خففت حكمها حتى صيّرتها بمنزلة النجاسة اليسيرة، ويسيرُ النجاسة لا يمنع جواز الصلاة، ويمنع جوازَ الطهارة، فلذلك منعنا جواز التيمم، ولم نمنع جواز الصلاة.
قيل له: قولك: إنا قد تيقنا أنها خففت حكمها حتى صيّرتها بمنزلة النجاسة اليسيرة، لا نسلِّم لك هذا، بل هي على حالها، ولكنها خفت كما خفت على البساط، والثوب.
ولأن النجاسة إذا كانت منبسطة، فكل جزء أشرنا إليه من البقعة كان محكومًا بنجاسته، بدلالة امتناع جواز التيمم به، وإذا كان كذلك، حصلت النجاسة أكثر من قدر الدرهم، وذلك يمنع جواز الصلاة.
واحتج المخالف: بأن من شأن الأرض أن تقلب الأشياء إلى طبعها، فيصيرها أرضًا، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]، فأخبر أن ما على الأرض يجعله أرضًا، فإذا كان من شأن الأرض ما ذكرنا، دل ذهابُ أثرها، على أن الأرض أحالتها إلى طبعها، فيصيرها أرضًا، ويوجب ذلك تخفيف حكمها، وكونها بمنزلة النجاسة اليسيرة التي لا تمنع جواز الصلاة، وليس كذلك البساط إذا أصابته نجاسة، وجفت وذهب أثرها: أن الصلاة لا تجزئ عليها؛ لأنه ليس من شأن البساط أن يقلب الأشياء إلى طبعه، فذهاب أثره لا يوجب تخفيف حكمها.
стр. 571
والجواب: أنا لا نسلم أن الأرض تقلب الأشياء إلى طبعها، وإنما تشرب الرطوبة، وتنشفها الشمس، والهواء، وتجففه، كما يكون البساط، ولا فرق بينهما.
والذي يبين صحة هذا: أن الذهب، والفضة، والحديد، والخشب يبقى في الأرض، ولا يصير أرضًا، وكذلك أصول الشجر وعروقها، والزروع (١)، وغير ذلك يبقى في الأرض الزمان الطويل، ولا يصير أرضًا، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]، فإن الأرض الجزر: التي لا تُنبت، يقال: أرض جرز، وأرض أجراز (٢)، ومعنى الآية: أن ابن عباس ﵄ قال: جاعل الأرض: الخلفاء، والعلماء، والأمراء (٣). وقال مجاهد: الرجال (٤)، وقال بعضهم: أنواع الأشجار، والثمار، والأموال، ثم ذم لهم الدنيا، وأخبرهم بفنائها، وأنها تصير إلى التراب والبلى، وقيل: إنها تأكل بنيها أكلًا. والله أعلم.
* * *
стр. 572
٦٦ - مَسْألَة: إذا وقع شيء من بدن المصلِّي على شيء نجس، لم تصح صلاته (١):
نص عليه في رواية صالح (٢): في الرجل يكون موضعُ سجوده، أو موضعُ قدميه قذر [اً]؟ فأنكر قول من قال: لا يضره إلا أن يكون موضع سجوده، وقال: هذا كله مكروه.
وبهذا قال الشافعي ﵀ (٣).
وقال أبو حنيفة: إذا كانت النجاسة في موضع ركبتيه، أو كفيه، جازت صلاته، وإن كانت في موضع قدامه، وهو أكثر من قدر الدرهم، لم تجزئه، فإن كانت في موضع سجوده، فإن (٤) على مقدار الدرهم أو مادون، أجزأته صلاته، وإن سجد على أكثر من قدر الدرهم، ففيه روايتان (٥).
دليلنا: أنه لو كان موضع عليه نجاسة، لم تصح صلاته، فإذا وضعه
стр. 573
على نجاسة، يجب أن لا تصح صلاته؛ قياسًا على موضع (١) القدمين، ولأنه محل نجس يلاقي بدنَ المصلي، فوجب أن لا يسقط فرضُه، أصله: موضع القدمين.
واحتج المخالف: بأن موضع الركبتين والقدمين ليس بفرض، فإذا وضعهما على موضع نجس، لم يعد (٢) بوضعهما على (٣)، وصار كأنه لم يفعله، وليس كذلك إذا كانت النجاسة موضعَ قيامه؛ لأن القيام فرض، فإذا حصل في موضع نجس، لم يحصل وجوده، فتفسد صلاته.
والجواب: أنا لا نسلم أن موضع الركبتين واليدين ليس بفرض، وقد دللنا على وجوب ذلك فيما تقدم، على أنه لا فرق في اعتبار الطهارة بين ما يجب وضعُه، وبين ما لا يجب وضعه، ألا ترى أن النجاسة لو كانت على الكفين، أو الركبتين، لم تصح صلاته؛ كما لو كانت على القدمين؟ وكذلك النجاسة على سترة، وهي فرض في الصلاة يمنع من صحتها، كما لو كانت على سترة ليس بفرض (٤).
стр. 574
فإن قيل: هو - وإن كان كذلك -، فإنه يصير مستعملًا للنجاسة في صلاته.
قيل له: وإذا لاقى شيئًا (١) من النجاسة، فهو مجاور للنجاسة، متصلٌ بها، فلا فرق بينهما، والله أعلم.
* * *
٦٧ - مَسْألَة: أَنْفِحَةُ المَيْتَة (٢)، واللبنُ الذي في ضَرْعها بعدَ موتها نجسٌ في أصح الروايتين:
نص على ذلك في رواية الميموني (٣)، ومثنى (٤)، وابن منصور (٥)، وفرق بين اللبن وبين البيض، وقال: اللبن سائل مختلط (٦)، وبهذا قال الشافعي ﵀ (٧).
стр. 575
وروى حنبل عنه (١): أنفحة الميتة طاهرة؛ لأن اللبن لا يموت.
وهذا نص على طهارتها، وعلّل بأنه لا يحلُّه الموت، وهذا موجود في اللبن.
وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٢).
وجه الرواية الأولى، وهي أصح: قوله ﷺ : "لا تنتفعوا من الميتة بشيء" (٣)، والأنفحةُ شيء من الميتة؛ لأنها جلدة فيها مثلُ الشحم الرقيق؛
стр. 576
كالمخ الذي يكون في العظم، ويكون في جوف الجدي (١) الرضيع، ولا يمكن إخراجها في حياة الجدي، فلا يجوز الانتفاعُ بها بظاهر الخبر.
فإن قيل: ليس ذلك من الميتة؛ لأنه لا يَحُلُّها الموت.
قيل له: قد بينا أنها جلدة فيها مثلُ المخ، وما هذا صفته، فهو من الميتة؛ ولأن المخ في العظم نجس، فأولى أن تكون الأنفحة؛ لأن العظم مختلَف في نجاسته، وهذا ليس متفقًا على نجاسته، فهو بالتنجيس أشبه؛ ولأنه ليس محلوبًا فيما لا يحل أكله لا لحرمته، فوجب أن يكون نجسًا ما ذكرنا، ولا تأثير لذلك اللبن؛ لأن اللبن، والدهن، وسائر المائعات في النجاسة بحصوله في الوعاء النجس سواء، ولكن يقال: مائع من غير جنس الماء لاقى (٢) نجاسة، فوجب أن ينجس، أصله: إذا حلت في إناء نجس.
стр. 577
وقولنا: (مائع) احترازٌ من: جامد لاقى نجاسة يابسة.
وقولنا: (من غير جنس الماء) احتراز من: الماء الكثير؛ فإنه لا يتنجس بملاقاة النجاسة؛ لكونه ماء.
واحتج المخالف: بما روى ابن عباس ﵄ قال: "أُتي النبي ﷺ بغزوة الطائف (١) بجبنة، فقال: أين يصنع هذا؟ قالوا: بأرض فارس، قال: اذكروا اسم الله، وكلوا" (٢)، ومعلوم أن ذبائح المجوس ميتة، وقد أباح أكلها، مع العلم أنها من صنعتهم، والمجوس يصنعون الجبن من أنفحة الميتة، فلو كانت نجسة، لما أباح لهم الجبن الذي يصنع منها.
والجواب: أنه ليس بمعلوم أنه مصنوع من أنفحة الميتة، ويجوز أن يكون من أنفحة المذكاة؛ لأنه قد كان فيهم اليهود والنصارى، وكانت لهم ذبائح، وكان المجوس لا يرون الذبح، والأصل الطهارة، فلم يجب تحريمه إلا بيقين.
واحتج: بما روي: أن رجلًا أتى عليًا ﵁، [فقال] (٣): إنا بالجبل تموت لنا السخلة، فنأخذ من أنفحتها، ونجعل ذلك في اللبن، فينعقد،
стр. 578
أفيجوز أكلها؟ فقال علي ﵁: سَمِّ الله، وكُلْ (١).
ولأن أصحاب النبي ﷺ ، و- ﵃ فتحوا بلاد المجوس، ولم يكونوا يمتنعون من أكل الجبن الذي يصنعونه، مع علمهم بأنهم يصنعونه من أنفحة الميتة.
والجواب: أن المروي عن علي ﵁ لا يُعرف، وقد روى ابن المنذر (٢) ما يدلُّ على ضعفه: أنه سئل عن الدجاجة، وفي جوفها بيضة، أيحل أكلها؟ فقال: لا يحل أكلها، ومنع من أكل البيض، فلا يجوز أن يبيح الأنفحة من الميتة.
وأما الذي روي عن الصحابة - رضوان الله عليهم -: أنهم فتحوا بلاد المجوس، ولم يمتنعوا من أكل الجبن، فقد أجبنا عنه، وبيّنا أنه غير معلوم أنه كان من ذبح المجوس؛ ولأن المجوس ما كانوا يذبحون، وكانت اليهود والنصارى تذبح.
واحتج: بأنه يجوز أخذُها في حال حياة الحيوان، والانتفاع بها، فيجب أن تكون بعد موتها، كحالها في حال الحياة؛ كالبيض.
والجواب: أن هذا كلام من لا يعرف الأنفحة؛ لأنا قد بيّنا أنها
стр. 579
جلدة فيها مثل الشحم الرقيق؛ كالمخ يكون في جوف العظم، وتكون في جوف الجدي، وهذه لا يمكن إخراجها في حياة الجنين (١)، وأما البيض، فإن لم يكن صلبًا قشره عليه، فلا يجوز أكلُه من الميتة، وإن كان قد صلب قشره الأبيض، فإنه يحل؛ لأن ما فيه لا ينجس بمجاورة النجاسة؛ لأن قشره يمنع وصول النجاسة إليه.
واحتج: بأن ملاقاة اللبن لضرع ميت إنما هو ملاقاة لنجاسة الباطن، ونجاسة الباطن لا حكم لها، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا﴾ [النحل: ٦٦]، فأخبر أنه يخرج من هذين وهو طاهر، وكذلك المني لا ينجس بجريانه في مجرى البول؛ لأنه باطن، كذلك ها هنا.
والجواب: أن الآية لا تدل على أن اللبن ملاقٍ للفرث والدم، وإنما أخبر الله تعالى شربه، ويكون ملاقيًا لهما، وبينه وبينهما حُجب في الخِلقة، وقد قيل في السيرة: إن الطعام يحصل منه الفرث في الكرش، والدم في العروق، واللبن في الضرع، فتخلص منه ثلاثة ألوان مختلفة بقدرة الله تعالى، وأما المني، فقد قيل أيضًا: إن مجراه غير مجرى البول، وعلى أنه لو كان مجراهما واحد [اً]، فإنما لم ينجس؛ لأنه لا مجرى له غيره، فلا ينفك عنه، فجرى فيه العفو، وليس كذلك لبنُ الميتة؛ لأن موت الشاة وفي ضرعها لبن ليس مما يكثر ويدوم، ولبنها طولَ عمرها غيرُ ملاقٍ للنجاسة، وإنما ذلك يحصل وقت الموت، فلم تدعُ الضرورة
стр. 580
إلى إسقاط حكمه، على أنهم قالوا في لبن الميتة: هو طاهر، فلم يجعلوا للنجاسة الباطنة حكمًا، وقالوا في المني: إنه نجس، فجعلوا للنجاسة الباطنة حكمًا (١)، وهذا تناقض منهم، وعلى أن النجاسة الباطنة تؤثر؛ بدليل: أن من أكل طعامًا، ثم تقيأه في الحال، نجس؛ لأجل حصوله في الباطن.
* * *
٦٨ - مَسْألَة: يجوز للجُنُب أن يمرَّ في المسجد، ولا يقعد فيه:
نص على هذا في رواية صالح (٢)، وهو قول الشافعي ﵀ (٣).
وقال أبو حنيفة (٤)، ومالك (٥) - رحمهما الله -: لا يجوز للجنب أن يمر فيه.
وقال داود (٦): يجوز للجنب والحائض المكثُ في المسجد.
стр. 581
دليلنا: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، فاسم الصلاة يعبَّر به (١) عن موضع الصلاة، قال الله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وأراد به: موضع الصلاة؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ يعني: المجتاز؛ لأن العبور على فعل الصلاة لا يمكن، وإنما يحصل ذلك في موضع الصلاة، فيصير تقدير الآية: لا تقربوا موضع الصلاة وأنتم جنب إلا عابري سبيل، فاستثنى المجتاز من جملة النهي.
فإن قيل: الصلاة اسم لهذه الأفعال المخصوصة حقيقة، فيجب أن نحمله عليها.
قيل له: وقد يستعمل ذلك في بيوت الصلاة ومكانها، وهي المساجد، فحذف المضاف، وذلك لغة مستعملة، ومجاز متأوَّل مشهور في لغتهم يجرى مجرى الحقيقة؛ لكثرة استعماله، وفي القرآن الكريم نحو من ألف موضع، قال الله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]؛ يعني: أهل القرية، وقال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]؛ يعني: حب العجل، وقال تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]؛ أي: بيوت الصلوات، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ أي: بقراءة صلاتك، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤]؛ أي: صاحب قول الحق، وقال
стр. 582
تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ أي: وقت الحج.
فإن قيل: فالآية الكريمة نزلت على قوم سكروا، فصلَّوا وغيّروا، وهذا يدل على أن المراد بالآية: الفعلُ دون الموضع.
قيل: اللفظ أعمُّ من السبب، فلا يجب حملُه عليه.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فشرط في حال قربه الصلاة علم ما يقول، وقرب موضع الصلاة لا يحتاج إلى القول حتى يكون علمه به في جواز قربه، والصلاة تحتاج إلى القول، فيجوز أن يكون علمه به شرطًا في جواز قربها.
قيل له: لم يشترط القول، وإنما شرط العلم بما يقولونه؛ ليميز بين ما يصلح في المسجد، وما لا يصلح فيه؛ لأن القبيح والهُجْر من الكلام لا يجوز في المسجد.
وجواب آخر: وهو أن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] أراد به: فعل الصلاة، وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] أراد به: موضع الصلاة، فيكون تقديره: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، ولا تقربوا موضع الصلاة وأنتم جنب إلا عابري سبيل، وأراد بالصلاة في السكران: هو الفعل، وفي الجنب: هو المسجد، وإنما عطفه الجنب على السكران على اللفظ، وإن كان معناهما مختلفًا، وهذا جائز في اللغة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فعطف الملائكة على نفسه - جل وعلا - في لفظ الصلاة دون معناها؛ لأن الصلاة من الله الرحمة والمغفرة، ومن
стр. 583
الملائكة الدعاء والاستغفار.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي﴾ معناه: إلا أن يكونوا مسافرين؛ بدليل: أنه إذا (١) فلان عابر سبيل، لا يعقل من إطلاقه مسكنه في المسجد أو نحو ذلك، وإنما يعقل من كونه مسافرًا، فيصير تقدير الآية: لا تصلوا وأنتم سكارى، ولا تصلوا وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين، فيجوز أن تصلوا في حال عدم الماء بالتيمم وأنتم جنب؛ لأن التيمم لا يرفع الجنابة، ولأنه قرن العبور بالسبيل، والسبيل هو الطريق، والمسجد لا يستطرق، فعلم أنه أراد المسافر.
قيل له: لا يصح حمله على المسافر من وجوه: أحدها: أن أبا بكر بن المنذر روى بإسناده (٢) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس ﵄: أنه قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]: إلا وأنت مار (٣).
وروى بإسناده (٤) .....................................
стр. 584
عن أبي عبيدة بن عبد الله [عن] (١) ابن مسعود ﵁: أنه كان يرخص للجنب أن يمر في المسجد مجتازًا، ويقول: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] (٢).
وروي: أن عمر ﵁ كان يمنع الجنب من التيمم (٣)، وهذا يدل على أن معنى الآية عنده ما ذكرنا.
وقال جابر بن عبد الله ﵄: كان أحدنا يمر في المسجد مجتازًا (٤).
وجواب ثانٍ: أن المسافر لا يسمَّى عابرَ سبيل، وإنما ذلك اسم للمجتاز من موضع إلى موضع، فأما المسافر الذي يتصل سيره، ويطول
стр. 585
ضربه في الأرض، فلا يسمَّى عابرَ سبيل، ولهذا لا يسمَّى من سار في طول دجلة عابرَ سبيل، ومن سار في عرضها يسمى عابر [اً]؛ لأنه يخف، ولا يطول، وتقول العرب: يوم عابر، وليلة عابرة: إذا لم تكن مطيرة (١)، والعامة تسمي المطر الذي لا يلبث ولا يستقر: عابورة، وإذا كان كذلك، امتنع أن يسمى المسافر بذلك، وعلم أنه إنما يقال: عابر سبيل، في هذا المكان، أو في هذا البلد إذا كان لا يقيم، وإنما مجتازًا.
وجواب ثالث: وهو أنا إذا حملنا الآية على المكان، لم نحتج فيه إلى إضمار، وإذا حملوه على فعل الصلاة في السفر، احتاج إلى إضمارين: أحدهما: عدم الماء، والثاني: فعل التيمم، ومن استعمل ظاهر اللفظ كان أولى.
وجواب رابع: وهو أنا إذا حملناه على العبور، لم يشاركه غيره في حكمه، وهو المقيم الجريح أو القريح؛ لأنه إذا أجنب، تيمم وصلى، كما يتيمم المسافر ويصلي، فيجب أن يكون ما ذكرناه أولى؛ ليكون لتخصيصه بالذكر فائدة.
وجواب خامس: وهو أن إباحة الصلاة للجنب بالتيمم مستفاد [ة] بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فيجب أن نحمل هذه الآية على فائدة أخرى، وهو: العبور في المسجد.
وجواب سادس: وهو أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي
стр. 586
سَبِيلٍ﴾: الجنب الذي لا يستبيح فعل الصلاة بالتيمم، فوجب أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾: الجنب الذي لا يستبيح فعل الصلاة بالتيمم؛ لأنه استثناء، والاستثناء يكون من جنس المستثنى منه.
والقياس: أنه مكلف أمن تلويث المسجد من غير تنجيس، فوجب أن لا يمنع من دخوله، والاجتياز فيه، أصله: الطاهر (١).
وقولنا: (مكلف) (٢) احتراز من: الصبي والمجنون، وقولنا: (أمن من تلويث المسجد) احتراز من: الحائض إذا لم تستوثق من نفسها بالشد، وقولنا: (من غير تنجيس) احتراز منه إذا كان عليه نجاسة.
فإن قيل: نقلبه (٣)، فنقول: وجب أن يستوي فيه العبور، والقعود فيه؛ كالطاهر (٤).
قيل: لا يحتاج إلى هذه الأوصاف التي ذكرناها؛ لأن الحكم استقلَّ عندك ببعضها، أو على أنه لا يجب أن يستوي حكم العبور والقعود؛ كما لم يجب استواؤهما (٥) في طريق المسلمين؛ ولأن الجنابة لا تمنع العبور في المسجد، دليله: ما ذكرنا.
стр. 587
فإن قيل: المانع من الكون في مسألتنا موجود في حال الدخول، فيمنع من دخوله العبور فيه، كما قلنا في الدار المغصوبة، وهو إذا حصل (١) في دار غيره بإذن صاحبها، ثم غصبها منه، منع من القعود فيها، ولم يمنع من الاجتياز للخروج منها؛ لأن المانع من الكون فيها حصل وهو في الدار، فلو كان المانع موجودًا في الابتداء، لم يمنع حكم الدخول للقعود فيها، والاجتياز.
قيل له: يجوز أن يُفرّق في الدار المغصوبة بين أن يوجد سبب المنع فيها، أو خارجًا منها في باب المنع، ويستوي بينهما في المسجد في باب الجواز؛ لأنه لو كان ممنوعًا من الاجتياز فيه لأجل الحدث، لكان ممنوعًا من اللبث فيه على صفة يؤدي إلى الحدث، وهو الإطالة فيه بالنوم، والقعود الكثير، فلما لم يمنع، دل على التسوية بينهما.
فإن قيل: فقد يمنعه من الاجتياز حتى يتيمم ثم يعبر.
قيل له: فإذا تيمم، جاز له المرور، ولا يجوز له اللبثُ والقعود بذلك التيمم، فالكلام لازم، وقد قال أحمد ﵀ في رواية حرب (٢): في الرجل ينام في المسجد، فتصيبه الجنابة: فإن قدر أن يغتسل، خرج، وإلا، بات في المسجد، قيل له: فإن تيمم؟ قال: لم يبلغني. فلم يوجب عليه التيمم لأجل البيتوتة.
стр. 588
وأيضًا: لو كان الجنب ممنوعًا من العبور في المسجد، لكان ممنوعًا من المبيت فيه؛ لجواز أن يحتلم فيه، فلما اتفقوا على جواز المبيت فيه، دل على أن الجنابة لا تمنع دخول المسجد، ألا ترى أن إنزال المني في الصوم لما كان محرمًا، كانت القُبلة للشباب محرمة؛ لأنها تؤدي إلى الإنزال في الغالب؟
فإن قيل: ليس الغالب من حال من يبيت في المسجد أن يحتلم.
قيل له: المدة المتطاولة من الشاب، الغالب فيها الاحتلام، فيجب أن يمنع منها، ولما لم يمنع، دل على ما ذكرنا.
واحتج المخالف: بما روت جسرة بنت دجاجة (١) عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ : أنه قال: "سُدُّوا هذه الأبواب؛ فإني لا أُحِلُّ (٢) المسجدَ لحائضٍ، ولا جُنُب" (٣)، وهذا عام في الاجتياز والقعود جميعًا.
والجواب: أن أبا بكر بن المنذر .............................
стр. 589
قال في كتابه (١): هذا الحديث غير ثابت.
ولو صح، فلفظه متروك؛ لأن المُحرَّم فعلُنا وتصرفُنا فيه، وليس له ذكرٌ، وإنما هو مضمَر، فليس حملُه على الدخول بأولى من حمله على اللبث، فوجب التوقيف؛ لأن المضمر لا يُدّعى فيه العموم، على أنا نحمله على اللبث؛ بما ذكرنا.
واحتج: بأنه منهي عن دخوله للقعود فيه، فوجب أن يكون منهيًا عن دخوله جنبًا لغير ضرورة؛ قياسًا على دخوله للقعود.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الاجتياز بالقعود؛ بدليل: الطريق، يجوز الاجتياز فيه، ولا يجوز القعود فيه، وكذلك إذا أجنب في المسجد يجوز له الاجتياز فيه، ولا يجوز له اللبثُ فيه، وأما دار الغير، فعلة المنع فيها: عدمُ الإذن من المالك، وهذا المعنى موجود في الاجتياز، والقعود، والمالك ها هنا قد أباح الاجتياز بنص الآية، ومنع اللبث، فلهذا فرقنا بينهما.
فإن قيل: فما تقولون في الحائض هل يجوز لها العبور فيه؟ وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم (٢) - وقد سأله عن الجنب، والحائض يمران في المسجد -، فقال: يمران ولا يقعدان.
стр. 590
وإن قاسوا على عبور الكافر في المسجد، فالفرقُ بينهما من وجهين:
أحدهما: من جهة الظاهر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال (١) ها هنا: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣].
والثاني: أن الكافر يرى الاستخفاف بحرمته، فمنعناه جملة.
* فصل:
والدلالة على أنه لا يجوز المكث للجنب في المسجد: ما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، فمنع قربان المسجد حال الجنابة، واستثنى العبور فقط، ويدل عليه: ما تقدم من حديث عائشة ﵂ (٢).
واحتج المخالف: بأن المنع من دخولها في حق الجنب والحائض حكم شرعي، فلا يجوز إثباته إلا بالشرع.
والجواب: أنا قد بينا ذلك من طريق الشرع، فسقط هذا، والله أعلم.
* * *
٦٩ - مَسْألَة: إذا توضأ الجنب، جاز له اللبث في المسجد:
стр. 591
نص عليه في رواية صالح (١).
وقال أبو حنيفة (٢)، ومالك (٣)، والشافعي (٤) ﵃: لا يجوز له اللبث قبل رفع الجنابة.
دليلنا: ما روى حنبل (٥) قال: نا أبو نعيم (٦) قال: نا هشام بن سعد (٧) عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء، وكان الرجل [يكون] (٨) جنبًا، فيتوضأ، ثم يدخل المسجد، فيتحدث (٩).
стр. 592
وهذا إشارة إلى جماعتهم، فصارت المسألة إجماع الصحابة ﵃.
وأيضًا: قد وجد منه إحدى الطهارتين، فجاز له اللبثُ في المسجد، دليله: الطهارة الكبرى، ولا يلزم عليه إذا كان عليه نجاسة؛ لأنه يستوي فيه الأصل، والفرع.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه قد ارتفع حدث الجنابة، فلهذا جاز له اللبث.
قيل له: علة الأصل تبطل إذا كان عليه نجاسة قد ارتفعت (١)، ويمنع من اللبث، وعلة الفرع تبطل بالمسافر إذا عدم الماء وتيمم؛ فإن حدثه لم يرتفع، ويجوز له اللبث في المسجد.
فإن قيل: المتيمم في حكم المتطهر؛ بدليل جواز الصلاة في حقه، وهذا لا يجوز له الصلاة بهذه الطهارة.
قيل له: المحدث الأصغر لا يجوز له الصلاة، ومع هذا يجوز له اللبث في المسجد، وعلى أن المتيمم لا يكون في حكم المتطهر بالماء؛
стр. 593
لأن عند الشافعي ﵁ (١): يستبيح (٢) به صلاة واحدة مفروضة، ويستبيح (٢) اللبث في المسجد على الدوام.
وأيضًا: فإن الجنب ممنوع من الدخول إلى المسجد حتى يحدث طهارة، كالمُحِلَّ ممنوع من الدخول إلى الحرم حتى يُحدث إحرامًا، ثم لو أحرم بعمرة، جاز له الدخول، وإن كانت العمرة أصغر النسكين، كذلك إذا توضأ الجنب، جاز له الدخول، وإن كانت أصغر الطهارتين، تبين صحة هذا: أنه لا يستفيد بإحرام العمرة ما يستفيده بإحرام الحج من الوقوف، والرمي، والمبيت، وطواف القدوم، ومثله في الطهارة الصغرى لا يستفيد بها ما يستفيده بالكبرى من الصلاة، والقراءة، والوطء للحائض، بل يستفيد بعضها، وهو جواز النوم، والأكل؛ فإن المستحب أن ينام ويأكل على طهارة (٣)، وتقوم الطهارة الصغرى مقام الكبرى في الاستحباب.
فإن قيل: إحرام العمرة إحرام تام، ألا تراه يَحْرُم به جميع ما يَحْرُم بإحرام الحج؟ والطهارة الصغرى ليست بتامة، ألا تراه لا يستبيح بها
стр. 594
ما يستبيح بالغسل؟
قيل: قد بيّنا أنه لا يستبيح بإحرام العمرة ما يستبيح بإحرام الحج، وكذلك التيمم لا يستبيح به من الصلوات المفروضات، ما يستبيح المتطهر بالماء، ويستبيح به اللبث في المسجد، وكذلك يستبيح بهذه الطهارة أكل الطعام، والنوم، وإن لم يستبح غيره من الأشياء، كذلك ها هنا، ولأن إحرام الحج يحرم الأشياء، ثم التحلل الأول يبيح بعض المحظورات، وهو ما عدا الوطء مع بقاء الإحرام، كذلك حدث الجنابة يمنع أشياء، فجاز أن تُبيح الطهارة الصغرى بعض المحظورات، وهو اللبث.
واحتج المخالف: بأن كل معنى مُنِع الجنب منه قبل الوضوء، مُنع منه بعد الوضوء، دليله: الصلاة، والقراءة، ومس المصحف، والوطء.
والجواب: أنه يبطل بالأكل، والنوم يمنع منه على طريق الكراهة قبل الوضوء، ولا يمنع منه بعد الوضوء؛ ولأنه لا يمنع من الصلاة، ولا يمنع من اللبث؛ كالمحدِث الحدثَ الأصغر، وكذلك لا يمنع من حمل المصحف، ولا يمنع من اللبث، وأما قراءة القرآن، فإنما منع منها؛ لأن حرمتها أغلظ وآكدُ؛ بدليل: أن الحدث الأصغر يمنع من حمل المصحف؛ لحرمة القرآن، ولا يمنع من اللبث في المسجد، وأما تحريم الوطء، وهو آكد من غيره؛ بدليل: أن الحائض إذا أمنت تلويث المسجد، جاز لها الاجتياز فيه، ولم يجز وطؤها (١) في تلك الحال، ولأن التحلل
стр. 595
الأول يبيح محظورات الإحرام، ولا يبيح الوطء، كذلك لا يمنع أن يبيح الوضوء محظورَ اللبث، ولا يبيح غيره.
واحتج: بأنه غسل بعض بدنه، أشبهَ إذا غسلَ غير مواضع الوضوء.
والجواب: أن المحدِث الحدثَ الأصغر جميعُ بدنه محدث، فلو غسل غير مواضع الوضوء، لم تجز له الصلاة، ولو غسل مواضع الوضوء، جاز له أن يصلي، كذلك ها هنا، وإن قاسوا على الحائض إذا انقطع دمها فتوضأت (١)، لم يمنع أن نقول فيها ما نقول في الجنب سواء، كما سوينا بينهما في الاجتياز.
واحتج: بأن حدث الجنابة لم يزل، أشبه إذا لم يتوضأ.
والجواب: أنه إذا تحلل التحلل الأول، لم يزل إحرامه، ومع هذا، فقد أبيح له المحظورات سوى الوطء، ولأنه لا يجوز اعتبار الطهارة الصغرى بعدمها؛ كالمحدث الحدث الأصغر جميعُ بدنه محدِث، ولو توضأ، جاز له الصلاة، ولو لم يتوضأ، لم يجز له، كذلك ها هنا، ولأنه إذا توضأ، جاز له النوم، والأكل من غير كراهة، والله أعلم.
* * *
٧٠ - مَسْألَة: لا يجوز للمشرك دخولُ المسجد الحرام، ولا الحَرَم:
стр. 596
نص عليه أحمد ﵀ في رواية ابن منصور (١)، وهو قول مالك (٢)، والشافعي (٣) - رحمهما الله -.
وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز دخولُهم (٤).
دليلنا: قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وهذا نهي، والنهي يقتضي التحريم.
فإن قيل: الظاهر يقتضي نهيهم عن القرب منه، وهذا مُطَّرَح بالإجماع، وإنما الخلاف في الدخول.
قيل له: قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ يقتضي: لا يدخلوا، ولا يتلبسوا به، وليس ذلك قولهم: قرب من الشيء: إذا دنا منه، وقربه قربانًا: إذا دخله، وتلبس به، وبهذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وأراد به: الدخول والتلبس، على أن القرب منه أيضًا حرام عندنا؛ لأنه يجوز له دخول الحرم.
فإن قيل: معناه: لا تقربوه للحج؛ بدلالة أن النبي ﷺ بعث
стр. 597
عليًا ﵁ ليقرأ سورة براءة، فأمر عليٌّ أبا هريرة ﵁ بأن ينادي والمشركون حضور: ألا لا يحج بعد عامهم هذا مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين الله عهد، فعهدُه إلى مدته (١)، فنهاهم عن الحج بعد تلك السنة، فعلم أنهم عن قربه للحج (٢)، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، فحصر العام بالذكر؛ لأن الحج يُفعل في العام مرة، ولو كان المراد النهيَ عن دخوله على الإطلاق، لما خص العام بالذكر.
قيل له: قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، وهذا يقتضي أن يكون المنع من دخول المسجد الذي أمر بتطهيره بقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، ولأنه لو أراد النهي عن الحج، لذكر الوقوف الذي هو معظم الحج، ويكون مدركًا للحج لإدراكه، ولهذا خصه النبي ﷺ بالذكر، فقال: "الحج عرفة، من أدرك عرفة، فقد أدرك الحج" (٣)، ولما خص المسجد الذي يفعل
стр. 598
فيه ركنٌ من أركان الحج ليس ذلك بشرط في إدراكه، والأمن من فواته (١)، علم أنه لم يقصد الحج، وإنما قصد المسجد.
وأما قولهم: إنه خص العام بالذكر؛ لأن الحج يُفعل في ذلك، فغير صحيح؛ لأنه لم يخصه بالعام، وإنما نهى بعد ذلك العام، ولم يخص بعده وقتًا دون وقت، وزمانًا (٢) دون زمان، ويدل عليه: أنه قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾؛ أي: فقرًا بانقطاع الحمل للتجارات (٣)، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ عن حملهم وجلبهم، فدل على أن ذلك منع من دخولهم للحج وغيره؛ إذ لو كان منعًا من الدخول للحج وحدَه، لكان لا يخاف منه الفقر بانقطاع الجلب، وأما إنفاذ علي ﵁ ليُنادي (٤)، فإنه خاص في المنع من الحج، وليس بتفسير لهذه الآية، فلا
стр. 599
يكون فيه دلالة على ما ذكرنا من التأويل، وأيضًا: روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا لمشرك أن يدخل المسجد الحرام" (١)، وهذا يدل على أن المشرك ممنوع من دخول المسجد الحرام.
واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن دخل المسجد، فهو آمن، ومن تعلق بأستار الكعبة، فهو آمن" (٢)، فأباح لهم دخول المسجد الحرام، وأمَّنهم إذا دخلوه.
стр. 600
والجواب: أن هذا قاله عام الفتح، ومكةُ دار المشركين، وهو سنة ثمان، ثم نزل في سنة تسع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآية [التوبة: ٢٨]، فكان المتأخر ناسخًا للمتقدم.
واحتج: بأن لهم أن يدخلوا سائر المساجد، فلهم أن يدخلوا المسجد الحرام، دليله: أهل الإسلام.
والجواب: أنه لا نجوّز لهم أن يدخلوا سائر المساجد على الصحيح من الروايتين، فلا نسلم الوصف، ثم لا يجوز اعتبار [المسلم] (١) بالكافر في جواز الدخول، كما لم يجز اعتبار الطاهر بالجنب، والحائض في جواز الدخول، وهما سواء؛ لأن الحائض، والجنب منعا؛ تعظيمًا لحرمة المكان، وهما أقرب إلى الطهارة، والإباحة، فالكافر بالمنع أولى، والله أعلم.
* * *
٧١ - مَسْألَة: اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في دخول أهل الذمة في سائر المساجد غير المسجد الحرام:
فنقل أبو طالب عنه (٢): في اليهودي والنصراني والمجوسي