← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

نص عليه أحمد ﵀ في رواية ابن منصور (١)، وهو قول مالك (٢)، والشافعي (٣) - رحمهما الله -. وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز دخولُهم (٤). دليلنا: قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وهذا نهي، والنهي يقتضي التحريم. فإن قيل: الظاهر يقتضي نهيهم عن القرب منه، وهذا مُطَّرَح بالإجماع، وإنما الخلاف في الدخول. قيل له: قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ يقتضي: لا يدخلوا، ولا يتلبسوا به، وليس ذلك قولهم: قرب من الشيء: إذا دنا منه، وقربه قربانًا: إذا دخله، وتلبس به، وبهذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وأراد به: الدخول والتلبس، على أن القرب منه أيضًا حرام عندنا؛ لأنه يجوز له دخول الحرم. فإن قيل: معناه: لا تقربوه للحج؛ بدلالة أن النبي ﷺ بعث

стр. 597

عليًا ﵁ ليقرأ سورة براءة، فأمر عليٌّ أبا هريرة ﵁ بأن ينادي والمشركون حضور: ألا لا يحج بعد عامهم هذا مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين الله عهد، فعهدُه إلى مدته (١)، فنهاهم عن الحج بعد تلك السنة، فعلم أنهم عن قربه للحج (٢)، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، فحصر العام بالذكر؛ لأن الحج يُفعل في العام مرة، ولو كان المراد النهيَ عن دخوله على الإطلاق، لما خص العام بالذكر. قيل له: قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، وهذا يقتضي أن يكون المنع من دخول المسجد الذي أمر بتطهيره بقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، ولأنه لو أراد النهي عن الحج، لذكر الوقوف الذي هو معظم الحج، ويكون مدركًا للحج لإدراكه، ولهذا خصه النبي ﷺ بالذكر، فقال: "الحج عرفة، من أدرك عرفة، فقد أدرك الحج" (٣)، ولما خص المسجد الذي يفعل

стр. 598

فيه ركنٌ من أركان الحج ليس ذلك بشرط في إدراكه، والأمن من فواته (١)، علم أنه لم يقصد الحج، وإنما قصد المسجد. وأما قولهم: إنه خص العام بالذكر؛ لأن الحج يُفعل في ذلك، فغير صحيح؛ لأنه لم يخصه بالعام، وإنما نهى بعد ذلك العام، ولم يخص بعده وقتًا دون وقت، وزمانًا (٢) دون زمان، ويدل عليه: أنه قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾؛ أي: فقرًا بانقطاع الحمل للتجارات (٣)، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ عن حملهم وجلبهم، فدل على أن ذلك منع من دخولهم للحج وغيره؛ إذ لو كان منعًا من الدخول للحج وحدَه، لكان لا يخاف منه الفقر بانقطاع الجلب، وأما إنفاذ علي ﵁ ليُنادي (٤)، فإنه خاص في المنع من الحج، وليس بتفسير لهذه الآية، فلا

стр. 599

يكون فيه دلالة على ما ذكرنا من التأويل، وأيضًا: روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا لمشرك أن يدخل المسجد الحرام" (١)، وهذا يدل على أن المشرك ممنوع من دخول المسجد الحرام. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن دخل المسجد، فهو آمن، ومن تعلق بأستار الكعبة، فهو آمن" (٢)، فأباح لهم دخول المسجد الحرام، وأمَّنهم إذا دخلوه.

стр. 600

والجواب: أن هذا قاله عام الفتح، ومكةُ دار المشركين، وهو سنة ثمان، ثم نزل في سنة تسع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآية [التوبة: ٢٨]، فكان المتأخر ناسخًا للمتقدم. واحتج: بأن لهم أن يدخلوا سائر المساجد، فلهم أن يدخلوا المسجد الحرام، دليله: أهل الإسلام. والجواب: أنه لا نجوّز لهم أن يدخلوا سائر المساجد على الصحيح من الروايتين، فلا نسلم الوصف، ثم لا يجوز اعتبار [المسلم] (١) بالكافر في جواز الدخول، كما لم يجز اعتبار الطاهر بالجنب، والحائض في جواز الدخول، وهما سواء؛ لأن الحائض، والجنب منعا؛ تعظيمًا لحرمة المكان، وهما أقرب إلى الطهارة، والإباحة، فالكافر بالمنع أولى، والله أعلم. * * * ٧١ - مَسْألَة: اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في دخول أهل الذمة في سائر المساجد غير المسجد الحرام: فنقل أبو طالب عنه (٢): في اليهودي والنصراني والمجوسي

стр. 601

لا يدخلوا المسجد، لا ينبغي لهم أن يدخلوا. فظاهرُ هذا المنع. وهو قول مالك ﵀ (١). ونقل الأثرم عنه (٢) - وقد سئل: هل يتركون (٣) أهل الذمة يدخلون المسجد؟ -، فقال: ينبغي أن يتوقى ذلك، قيل له: فإن رأى رجل ذميًا، أيخرجه؟ قال: قد روي في هذا حديث وفد ثقيف أتوا النبي ﷺ ، فأنزلهم المسجد (٤)، وعمرُ ﵁ كرهه (٥). فظاهر هذا: جوازُ ذلك، وهو قول أبي حنيفة (٦)، والشافعي (٧) - رحمهما الله -.

стр. 602

فوجهُ المنع: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]، وجميع الكفار يريدون قتالنا، ويعتقدون منعنا عن ذكر الله تعالى في مساجدنا، فوجب أن يكونوا ممنوعين بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ إخبارٌ عن حالهم: أنهم متى دخلوها، خافوا أن يوقع بهم. فإن قيل: هذه الآية نزلت في قوم من اليهود، فيجعل حكمها مقصورًا عليهم (١). قيل له: اللفظ أعمُّ من السبب، فلا يجب قصره عليه، وروى ابن شاهين في كتاب المناهي لإسناده عن راشد - يعني: ابن سعيد ﵁، قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يدخل المجوس المساجد" (٢). ولأنه إجماع الصحابة ﵃: رُوي أن أبا موسى قدم على عمر بن الخطاب ﵄، ومعه كاتب له يرفع (٣) حسابه، فأعجب عمر، وجاء عمر كتاب، فقال لأبي موسى: أين كاتبك حتى يقرأ هذا الكتاب على الناس؟ فقال أبو موسى: لا يدخل (٤) المسجد، قال: لم؟ قال: لأنه نصراني (٥).

стр. 603

ورُوي: أن عليًا ﵁ كان على المنبر، فبصر بمجوسي، فنزل فضربه حتى أخرجه من أبواب كندة (١)؛ ولأنه لما منع الجنب والحائض تعظيمًا لحرمته، وهما أقربُ إلى الطهارة، والإباحة، وحسنِ الاعتقاد من الكافر، فكان الكافر بأن يُمنع منه أَولى، ولأنه بيت الله تعالى منع الكافر منه، دليله: المسجد الحرام؛ فإن الشافعي ﵁ قد وافق أنه لا يجوز دخوله (٢). فإن قيل: لا يجوز اعتبار المسجد الحرام بسائر المساجد، بأنه (٣) جُعل قبلة المصلين، ومطافًا للطائفين، ومحلًا للمحْرِمين، وخصه بأن منع من قتل الصيد حواليه، ومن دخله بغير إحرام.

стр. 604

قيل له: هذه المعاني لا يوجب الفرق بينهما في حق الكافر، كما لم يوجب الفرق بينهما في حق الحائض، والجنب، وإن كانا يختلفان من تلك الوجوه. وأيضًا: فإن المشركين الجنب من الرجال والنساء، والحائض والنفساء من النساء، والطهارة لا تصح منهم، ولا ترتفع أحداثهم عندنا، وعند الشافعي ﵀، فيجب أن يمنعوا من الدخول؛ كالمسلم الجنب إذا لم يغتسل، والمسلمة (١) الحائض، والنفساء إذا لم تغتسل. فإن قيل: المشركون لا يعتقدون تعظيم المساجد، ولم يعتبر في حقهم الدخول على صفة التعظيم، والمسلمون يعتقدون تعظيمها، فاعتبر دخولهم على وجه التعظيم. قيل: فكان يجب أن يجوز دخولهم المسجد الحرام للمعنى الذي ذكرت، وقد اتفقنا، والشافعي ﵀ على منع الدخول، ولأنهم لا يعتقدون التوحيد، وتصديق الرسول ﵊، وتعظيم القرآن، ثم لا نقرهم على إظهار كلمة الشرك، وسبِّ الرسول ﷺ ، والقرآن. وأيضًا: لو جاز لهم الدخول، لم يقف على أذن رجل من المسلمين، كأحد المسلمين، ولما لم يجز دخولهم بغير إذن، لم يجز مع الإذن؛ كالجنب، والحائض إذا لحق في الدخول غير متعين برجل

стр. 605

بعينه، فيعتبر بإذنه. فإن قيل: لا يمنع اعتبار الإذن في الدخول، كما قلنا في دخول الحربي إلى دار الإسلام. قيل: كان يجب أن يعتبر هذا المعنى في دخول الجنب، والحائض. قيل (١): وعلى أنه إنما اعتبر الإذن في دخولهم دار الإسلام خوف الخيانة منهم؛ لئلا يخفى على الإمام، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا. واحتج المخالف: بما رُوي: أن أبا سفيان ﵁ (٢) - جاء إلى النبي ﷺ ليجدد العهد بينه وبين قريش، فدخل عليه المسجد، ولم يمنعه عن ذلك (٣). وروي: أنه قدم عليه وفد ثقيف، فأنزلهم في المسجد، فقيل له: إنهم أنجاس؟ فقال: "ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء، إنما أنجاسهم على أنفسهم" (٤).

стр. 606

ورُوي، أن صفوان بن أمية بن خلف واطأ عُمير بن وَهْب الجمحيَّ على أن يقتل النبي ﷺ ؛ لأن أباه أميةَ بنَ خلف قُتل يوم بدر، فخرج عمير من مكة، وجاء إلى المدينة، ودخل على رسول الله ﷺ وهو في المسجد، وفي يده سيف، وقعد بين يديه، فقال له النبي ﷺ : "جئت لكذا وكذا، وقد واطأك عليه صفوان"، فأسلم عمير بن وهب ﵁، وقال: لم يجر هذا إلا بيني وبينه، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله (١). فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم ينكر عليه دخول المسجد، وكان كافرًا وقت دخوله، وإنما أسلم بعد ذلك. والجواب: أن هذا كان في ابتداء الإسلام، فأذن لهم في الدخول، وأنزلهم في المسجد ليستمعوا الذكر، فترق قلوبهم بسماع الذكر، ويرجو إسلامهم، وقد روى أحمد ﵀ في المسند (٢) قال: نا حماد بن سلمة عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص ﵁: أن وفد ثقيف قدموا على النبي ﷺ ، فأنزلهم المسجد ليكون أرقَّ لقلوبهم، فاشترطوا على النبي ﷺ (٣)، وذكر الخبر. واحتج: بأن كل بقعة جاز للمسلم دخولُها جاز للكافر، دليله: سائر البقاع.

стр. 607

والجواب: أنه يبطل بدخول المسجد الحرام، ولأن المسلم يجلس في صدور المجالس، وسروات (١) الطرق، ويُمنع الكافر ذلك، ولأن المسلم يعتقد تعظيمها، والكافر بخلافه، والله أعلم. * * * ٧٢ - مَسْألَة: يجوز قضاء الفوائت في الأوقات المنهيِّ عن صلاة التطوع فيها: نص على هذا في رواية الحسن بن ثواب، فقال: أما الفريضة، فليصلِّها أيَّ وقت شاء (٢). وكذلك قال في رواية حنبل (٣)، وصالح (٤)، وقال: يصلي إذا ذكر فائتة في الساعات التي نهي عنهن فيها (٥)، وبهذا قال مالك (٦)، والشافعي (٧) ﵄.

стр. 608

وقال أبو حنيفة ﵁: لا يجوز قضاؤها في ثلاثة أوقات: عند طلوع [الشمس]، وعند الزوال، وعند الغروب، ويجوز قضاؤها عنده بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر (١). دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من نسي صلاة، فليصلِّها إذا ذكرها، لا كفارةَ لها إلا ذلك" (٢)، قال: ثم سمعته بعد ذلك يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (٣). وروى أيضًا بإسناده في لفظ آخر عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها" (٢)، فعمَّ ولم يخصَّ، فهو على عمومه في سائر الأوقات إلا ما خصه الدليل، ولأنه وقت لذكر الفائتة، فجاز أن يكون وقت لجواز فعلها، أصله: ما عدا الأوقات الثلاثة. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لا يكره فعلُ التطوع فيها، وهذه يُكره فعلُ التطوع فيها. قيل: هذا يبطل بما بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر؛ فإنه يكره فعلُ التطوع فيها، وهذه يكره فعل التطوع فيها، ولا يكره فعل الفائتة، وكذلك عصر يومه يجوز عند غروب الشمس، ولا يجوز التطوع في ذلك الوقت؛ ولأن وقت الغروب تجوز عصر يومه فيه، فجاز قضاء

стр. 609

فرضه فيه، أصله: وقت العصر، ولأنها صلاة مفروضة، فجاز أداؤها في حال غروب الشمس عصرَ يومه. فإن قيل: إنما جاز عصر يومه في ذلك الوقت؛ لأنه وقت لوجوبه، ألا ترى أن الكافر إذا أسلم في ذلك الوقت، لزمه الصلاة؟ وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنها صلاة فائتة. قيل له: لا فرق بينهما؛ لأن هذا الوقت أيضًا وقتٌ لوجوب الفائتة، لأنها في ذمته، وما كان في الذمة، فجميع الأوقات وقتٌ لوجوبه. واحتج المخالف: بما روي في حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "لا يتحرى أحدُكم فيصلِّي عند طلوع الشمس، وعند غروبها؛ فإنها تطلُع بين قرنَي الشيطان" (١). وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: "نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي في ثلاث ساعات، وأن نقبر فيهن موتانا: عند طلوع الشمس، وعند الزوال، وعند الغروب" (٢). وعن عمرو بن عَبَسَة ﵁ قال: يا رسول الله! هل في ساعات الليل والنهار ساعة منهي عن الصلاة فيها؟ فقال: "أما الليل، فالصلاة فيه مقبولة مشهودة حتى تصلي الفجر،

стр. 610

ثم اجتنب الصلاة حتى ترتفع الشمس وتبيضَّ؛ فإن الشمس تطلُع بين قرنَي شيطان، فإذا ابيضَّت، فالصلاة مقبولة مشهودة حتى ينتصف النهار، فإذا مالت، فالصلاة مقبولة محضورة حتى تصفرَّ الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان" (١). والجواب: أن هذه الأخبار كلها محمولة على صلاة التطوع؛ بدليل ما ذكرنا من حديث أنس ﵁، وحديث أنس خاص في الفائتة، وهذه الأخبار عامة في الفائتة، والنافلة، فيجب أن يقضى بالخاص على العام. فإن قيل: فأخبارنا خاصة في الأوقات الثلاثة، وخبركم عام في جمع الأوقات. قيل له: كل واحد من الخبرين خاص من وجه، وعام من وجه، فتساويا في الظاهر، ويجب طلبُ الترجيح لأحدهما على الآخر، والترجيح معنا من وجهين: أحدهما: أن خبرنا قد قضى على خبرهم في عصر يومه، فيجب أن يقضى عليه في موضع الخلاف. الثاني: أن تخصيص الصلاة أولى من تخصيص الوقت؛ لأن المقصود هو الصلاة. واحتج: بأن كل وقت نُهي عن أداء التنفل فيه لأجل الوقت، نُهي عن قضاء الفوائت فيه، أصله: يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق،

стр. 611

ولا يلزم عليه عصرُ يومه؛ لأنه غير فائت، ولا يلزمه عليه بعد صلاة الفجر والعصر؛ لأنه لم ينه عن النفل فيهما لأجل الوقت، بل لأداء فرض الوقت، ألا ترى أن له يتنفل قبل أن يصلي الفرض؟ والجواب: أن المنع من التطوع في هذا الوقت لا يدل على المنع من الفرض، كما نقول: بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وكما قالوا: في عصر يومه عند غروب الشمس يجوز، وإن لم يجز التطوع به، كذلك في مسألتنا لا يمتنع أداء القضاء في هذه الأوقات، وإن لم يجز أداء النفل فيها، وبهذا المعنى يفارق الصوم؛ لأنه ليس من جنسه ما يجوز فعله في الوقت المنهي عنه، وهو يوم الفطر، وأيام التشريق، ومن جنس الفرض ما يجوز فعله في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وهو ما ذكرنا، فبان الفرق بينهما، وعلى أن مهنَّا قال (١): سألت أحمد ﵀: عن رجل كان عليه صومُ يومٍ من رمضان، فصام يومَ الفطر؟ فقال: نهى النبي ﷺ عن صيام يوم الفطر (٢)، فقلت: ترى عليه إعادة ذلك اليوم؟ قال: إن صام، لم يضره. ولم يقل: عليه إعادة، فظاهر هذا: أنه يعتد (٣)

стр. 612

بالقضاء في يوم العيد، وإن كان منهيًا عنه، والوجه فيها: أنها عبادة يصح قضاؤها في غير الوقت المنهي عنه، فصح في الوقت المنهي عنه. دليله: الصلاة، والله أعلم. * * * ٧٣ - مَسْألَة: فإن نذر صلاة مطلقة، أو في وقت، وفات الوقت: فقياسُ المذهب: أنه يجوز فعلُها في الأوقات المنهي عن الصلاة [فيها]؛ لأن أحمد ﵀ قد أجاز صيام النذر في أيام التشريق في إحدى الروايتين، مع تأكيد الصيام، فقال في رواية صالح (١): في رجل نذر أن يصوم سنة، فصام أيام التشريق: أرجو أن لا يكون به بأس، ولو أفطر، وكفّر، رجوت أن يكون ذلك مذهبًا؛ فقد أجاز صومها عن النذر، فكذلك في الصلاة. وبه قال الشافعي ﵁ (٢). وقال أبو حنيفة: لا يجوز فعلُها في الأوقات الثلاثة: حين طلوع الشمس، وحين قيامها، وحين غروبها، كما لا يجوز قضاء الفوائت

стр. 613

عنده، ولا يجوز فعلُها في الوقتين اللذين (١) يجوز فيهما قضاء الفوائت عنده، وهي: بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر (٢)، وفرق بينها وبين الفوائت، فقال: الفوائت وجبت عليه بالشرع، وليس كذلك المنذورة، ولأن سبب وجوبها من جهته، فهو يجري مجرى النوافل، سبب وجوبها من جهته؛ لأنها تجب بالدخول فيها عنده، كما أنه لا يجوز فعل النوافل في هذه الأوقات، كذلك المنذورة. دليلنا: أنه صلاة واجبة، فلا يصح من فعلها صلاة الصبح وصلاة العصر (٣)، دليله: صلاة الجنازة، وقضاء فريضة فائتة، ويبين صحة هذا: أن صلاة الجنازة يسقط وجوبها عنه بفعل غيره؛ لأنها فرض على الكفاية، إذا قام بها قوم، سقط عن الباقين، وصلاة النذر لا تسقط عنه بفعل غيره، فإذا جاز أداء صلاة الجنازة، فأولى أن تجوز المنذورة؛ لأنه وقت يجوز فيه قضاء فريضة فائتة، فجاز فعل صلاة منذورة فيه كغيره من الأوقات. فأما قوله: إن الفوائت تجب لا بفعله، وهذه تجب بفعله، فهو كالنوافل، فعلَّة الأصل والفرع منتقضة، أما علة الأصل، فتبطل بركعتي الطواف، فإنهما واجبتان عنده، ووجوبهما من جهة الله تعالى، إلا أن

стр. 614

إيجاب الحج من جهة الله تعالى، والطواف من فرضه، وركعتا الطواف إذا كانتا واجبتين، فيجب أن يكون وقتهما من عند الله، وأما علة الفرع: فإنها تنتقض بسجود التلاوة، فإن وجوبه متعلق بسبب هو تلاوة القرآن، ومع هذا، فإنه لا يكره بعد الصلاتين، ويجوز فعلها عنده. فإن قيل: سجود التلاوة لا يتعلق وجوبه بالتلاوة؛ لأن المستمع يجب عليه أن يسجد، كما يجب على القارئ. قيل: الاستماع إلى القارئ فعل من جهته، فلا بد من التلاوة، ومن الاستماع إليه، فإنه لا يمكن أن يقال: إنه لا يتعلق وجوبه بالتلاوة؛ لأن السجود مضاف إليها. فيقال: سجود التلاوة، وهذا يدل على أنها سبب له، وأما صلاة التطوع، فلا تجب عندنا بالدخول فيها، والله أعلم. * * * ٧٤ - مَسْألَة: لا يجوز فعل النوافل التي لا سبب لها في الأوقات المنهيِّ عن الصلاة فيها (١): واختلفت الرواية في التي لها سبب؛ مثل: تحية المسجد، وسجود التلاوة، وصلاة الكسوف، وقضاء الفوائت الراتبة؛ مثل: الوتر، وركعتي الفجر، ونحو ذلك.

стр. 615

فروى عنه مهنَّا (١): في سجود التلاوة بعد صلاة الفجر: يجوز. وكذلك نقل عنه إسماعيل بن سعيد (١): جواز صلاة الخسوف في هذه الأوقات. وكذلك نقل المروذي عنه (١): في الوتر يقضيها بعد طلوع الفجر، وكذلك نقل الأثرم (٢)، وأحمد بن الحسن (٣) الترمذي (٤): يصلي ركعتي الفجر إذا طلعت الشمس، وإن صلاها بعد ما يفرغ من صلاة الغداة، فقد جاء فيه، ويجزئه، وظاهر هذا كله يقتضي جواز فعلها في الأوقات المنهي عنها، وهو قول الشافعي ﵁ (٥). وروى عنه الأثرم (٦): سجود التلاوة لا يسجدها بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر، وكذا نقل بكر بن محمد عن أبيه عنه (٧): لا يصلي

стр. 616

الكسوف بعد العصر، وكذلك نقل الميموني عنه (١): أن ركعتي الفجر إذا فاتت لا تُقضى حتى تطلع الشمس، وكذلك نقل المروذي عنه (٢): في تحية المسجد: يصلي إلا أن يكون وقتًا لا تجوز فيه الصلاة، وظاهر هذا كله المنعُ، وهو قول أبي حنيفة (٣)، ومالك (٤) - رحمهما الله -. والدلالة عليه: ما تقدم (٥) من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "لا يتحرى أحدُكم فيصلَّي عند طلوع الشمس، وعند غروبها؛ فإنها تطلع بين قرنَي شيطان". وعن عقبةَ بن عامر ﵁ قال: "نهانا رسول الله ﷺ أن نصلِّي في ثلاث ساعات، وأن نقبر فيهن موتانا: عند طلوع الشمس، وعند الزوال، وعند الغروب" (٦). وعن عمرو بن عَبَسَة ﵁ قال: يا رسول الله! هل في [ساعات] الليل والنهار ساعة يُنهى عن الصلاة فيها؟ فقال: "أما الليل، فالصلاة فيه مقبولة مشهودة حتى تصلي الفجر، ...........................

стр. 617

ثم اجتنب الصلاة حتى (١) ترتفع الشمس؛ فإن الشمس تطلع بين قرنَي شيطان، فإذا ابيضت، فالصلاة مقبولة مشهودة حتى ينتصف النهار، فإذا مالت، فالصلاة مقبولة محضورة حتى تصفر الشمس؛ فإنها تغرُب بين قرنَي شيطان". وروى أبو سعيد، ومعاذ بن عفراء ﵄ (٢)، [وعن ابن عباس ﵄] (٣) قال: حدثني رجال مرضيّون، وأرضاهم عندي عمرُ ﵁: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب" (٤)، ................................................

стр. 618

فهذه الأخبار تدل على العموم (١) على المنع؛ ولأنها نوع نافلة، فلم يجز أداؤها في هذه الأوقات، دليله: المبتدأة، ولا يلزم عليه قضاء الفوائت؛ لقولنا: نافلة، وكذلك لا يلزم صلاة الجنازة بعد الفجر، وبعد العصر؛ لأنها واجبة في الجملة، ولا يلزم عليه ركعتا الطواف، وإعادة الصلاة في جماعة؛ لأن القياس لنوع النافلة لها سبب، فلا يلزم عليه أعيان المسائل. وإن شئت قلت: ما له سبب أحد نوعي صلاة النافلة، فجاز أن يؤثر في منعه النهي لأجل الوقت، دليله: النوع الثاني، وهو: ما لا سبب له، ولا يلزم عليه ركعتا الطواف، وإعادة الصلاة في جماعة؛ لأننا عللنا لجملة النوع، وعلقنا الحكم على الجواز، فلا يلزم عليه أعيان المسائل، ولأنه وقت يكره فيه فعلُ النافلة التي لا سبب لها، فجاز أن تكره النافلة التي لها سبب من جنسها، أصله: الصوم في يوم النحر، نمنع من صوم التطوع الذي لا سبب له، ونمنع من الصوم الذي له سبب؛ مثل: يوم الاثنين والخميس إذا صادف يوم العيد، فإنه لا يُصام، وإن كان مندوبًا إلى صيامه، ولا يلزم عليه ركعتا الطواف، وإعادة الصلاة في جماعة؛ لأن التعليل للجواز، وكذلك إذا دخل والإمام يخطب. فإن قيل: يوم النحر لا يجوز أن يُصام (٢) .....................

стр. 619

فيه صوم واجب (١) من نذر أو قضاء، كذلك لا يجوز أن ينفل (٢)، وليس كذلك هذا الوقت؛ لأنه يجوز أن يصلي فيه صلاة واجبة، فجاز أن يصلي غير الواجبة. قيل: ليس إذا جاز فعلُ الواجب جاز فعلُ النفل؛ بدليل: النوافل التي لا سبب لها، على أن مهنا (٣) قد نقل عن أحمد ﵀: فيمن عليه قضاء من رمضان، فصام يوم العيد، لم يضره، ولم يرد عليه إعادة، وهذا يدل على أنه يجوز أن يصام فيه صوم واجب (٤). واحتج المخالف: بما روى [جابر بن] (٥) يزيد (٦) بن الأسود عن أبيه ﵄: أن النبي ﷺ صلى صلاة الصبح في مسجد الخَيْف، فرأى رجلين لم يصليا معه، فقال: "عليّ بهما"، فأُتي بهما ترعد فَرائِصُهما، فقال: "ألستما (٧) مسلمين؟ "، قالا: نعم، قال: "فما منعكما أن تصليا معنا؟ "، قالا: يا رسول الله! كنا قد صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، إذا صليتما

стр. 620

في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم؛ فإنها لكم نافلة" (١). والجواب: أن هذا الخبر وارد في إعادة الصلاة في جماعة، ونحن نقول بموجبه في هذه الصلاة، ولا يلزم الاحتجاج به في غيره من النوافل. فإن قيل: إذا جاز فعل هذه النافلة، جاز فعل غيرها؛ لأن أحدًا لم يفرق. قيل له: ليس الأمر على هذا؛ لأننا نحن نفرق، ونجيز هذه النافلة، وإن لم يجز غيرها. فإن قيل: ففي الخبر تنبيه؛ لأنه إذا دل على جواز هذه النافلة، دل على جواز غيرها من النوافل. قيل له: ليس في هذا تنبيه على غيرها من النوافل؛ لأن هذه النافلة آكد، ألا ترى أنها استُحِب فيها الجماعة، ولأن من الناس من قال: إنها فرضه، ولأن في تركها إلحاقَ تهمة به، وأنه لا يرى الجماعة، وإلحاق التهمة بالإمام، وأنه ممن لا يرى الصلاة معه؟ وهذه المعاني كلها معدومة في غيرها، فلا يكون جواز فعلها دلالة على غيرها. وقد أجاب عن هذا الخبر قوم بجوابين: أحدهما: أن قوله: "فصليا معهم" معناه: في غير هذين الوقتين، وهذا لا يصح؛ لأن الخبر ورد على سبب، وهو صلاة الفجر، ولا بد أن يكون للسبب حظ في الخطاب.

стр. 621

والجواب الثاني: أن هذا منسوخ بخبر النهي، وهذا أيضًا (١)؛ لأنه متأخر؛ لأنه كان في حجة الوداع، ولأنه لا يجوز حمله على النسخ مع إمكان الجمع بينهما. واحتج: بما روي: أن النبي ﷺ انصرف من صلاة الفجر، فرأى قيسًا يصلي، فلما فرغ، قال له: "ما هذه الصلاة؟ "، قال: ركعتا الفجر فلم ينكر عليه (٢). والجواب: أن ليس معنى أن قيسًا كان صلى الفجر، فلا يلزمنا. فإن قيل: روي عن قيس بن قَهد (٣) ﵁: أنه قال: صليت مع

стр. 622

النبي ﷺ الصبح، فلما فرغت، قمت وصليت ركعتي الصبح، فقال النبي ﷺ : "ما هاتان الركعتان يا قيس؟ "، فقال: ركعتا الصبح، فلم ينكر عليه. قيل: لا نعرف هذا، ولو ثبت، احتمل أن يكون النبي ﷺ لم يعلم أنه صلى معه صلاة الصبح، وظن أنه لم يدرك معه الفرض، وجاء بعد الفراغ من الصلاة. وقد أجاب أبو عبد الله بن بطة (١) عن هذا بأجوبة في النهي عن صلاة النافلة بعد العصر والفجر، فذكر إسناده: حماد بن سلمة عن قيس بن سعد (٢)، عن عطاء ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "ما هاتان الركعتان؟ "، فقال له: لم أكن صليتهما، فسكت عنه، وعطاء عن النبي ﷺ مرسَل، والمرسل عندهم ليس بحجة. ورواه محمد بن إبراهيم بن الحارث (٣) التيمي عن قيس جد سعد، قال: انصرف النبي ﷺ وأنا أصلي ركعتين بعد الصبح، فقال: "ما هاتان

стр. 623

الركعتان يا قيس؟ "، فقلت: يا رسول الله! لم أكن صليت ركعتي الفجر، فهما هاتان، فسكت، ومحمد بن إبراهيم ضعيف (١)، وهو مرسل. سمعتُ أبا حفص عمر بنَ محمد بن رجاء (٢) يقول: سمعت أبا نصر بنَ أبي عصمةَ (٣) يقول: نا أبو إسماعيل محمدُ بن إسماعيل

стр. 624

الترمذي (١) يومًا بحديث قيس بن عمرو هذا في مسجدنا بعكبر، ثم قال لنا بعَقِبِه: إن قيس بن عمرو كان يقرُّ في حياة النبي ﷺ بالنفاق (٢)، ومحمد بن إبراهيم ليس بحجة، ولا ثقة في الحديث، وحديثه هذا مرسَل. وجواب آخر: وهو أن النبي ﷺ ترك الإنكار عليه غيظًا؛ ليكون السكوت عنه أكثر، أو أنه كان من المنافقين، يبين صحة هذا: ما حكيناه عن الترمذي، ويعضده: ما بلغني عن محمد بن عمر (٣) الواقدي (٤) في

стр. 625

تسمية من كان يحضر صلاة الفجر مع النبي ﷺ مخافَة أن يلحقه الوعيد بتحريق بيته، ومن يعرفهم النبي ﷺ بسيماهم، وفي لحن القول، فذكر جماعة، قال فيهم: وقيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث (١) الذي ركع بعد صلاة الفجر، فسأله النبي ﷺ عن ذلك، فقال: ركعتا الفجر لم أكن صليتهما، فسكت عنه. ويبين صحة هذا: ما حدثني به (٢) أبو القاسم حفص بن عمر (٣) بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: صليت الفجر مع النبي ﷺ ، فقمت أصلي الركعتين، فجذبني النبي ﷺ ، وقال: "أتصلي الفجر أربعًا؟! " (٤).

стр. 626

وجواب ثالث: أنه لو حمله متأول على أنه كان ذلك من فعل قيس قبل النهي، لأشبه (١)؛ لأن النهي لا يكاد أن يكون إلا عن شيء قد كان يفعل ظاهرًا منتشرًا. واحتج: بما روي عن عائشة ﵂ قالت: "ما دخل رسول الله ﷺ بيتي بعد العصر إلا صلى ركعتين" (٢). والجواب: أنه حديث مضطرب؛ وذلك أن أحمد ﵀ قد روى في المسند (٣) عن محمد بن جعفر (٤) قال: نا شعبة عن يزيد بن أبي زياد (٥) قال: سألت عبد الله بن الحارث (٦) عن الركعتين بعد العصر؟ فقال: كنا عند معاوية، فحدَّث ابن الزبير عن عائشة ﵃: أن النبي ﷺ كان

стр. 627

يصليهما، فأرسل معاوية إلى عائشة ﵄ وأنا فيهم، فسألناها، فقالت: لم أسمعه من رسول الله ﷺ ، ولكن حدثتني أم سلمة ﵂، فسألناها (١)، فحدَّثت أم سلمة: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر، ثم أُتي بشيء، فجعل يقسمه حتى حضرت صلاة العصر، ثم قام فصلى العصر، ثم صلى بعدها ركعتين، فلما صلاهما (٢)، قال: "هاتان الركعتان كنتُ أُصلِّيهما بعد الظهر"، قالت أم سلمة: ولقد حدَّثتُها: أن رسول الله ﷺ نهى عنها (٣)، قال: فأتيتُ معاوية، فأخبرته بذلك، فقال ابن الزبير: أليس قد صلاهما؟ لا أزال أصليهما، فقال له معاوية: إنك لمخالف، لا تزال تحب الخلاف ما بقيتَ (٤). فهذا يدل على اضطراب الحديث؛ لأنه روي في بعض الأخبار: أنها قالت: ما دخل بيتي قط بعد العصر إلا صلى ركعتين (٥)، وفي بعضها: أنها أحالت على أم سلمة (٦)، وعلى أنه لو صح ذلك، احتمل أن يكون

стр. 628

النبي ﷺ كان مخصوصًا بوجوب الركعتين، وجائز عندنا فعل الواجب بعد العصر. وما روي عن أم سلمة ﵂ دلالة لنا؛ لأنها قالت: ولقد حدثتها: أن رسول الله ﷺ نهى عنها، وهذا يدل على النهي عن الصلاة بعد العصر. وروى أحمد ﵀ في المسند (١) عن يزيد (٢) قال: نا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس (٣)، عن ذكوان (٤)، عن أم سلمة ﵂ قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر، ثم دخل بيتي، فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله! لم تكن تصليها، فقال: "قدم عليَّ مال، فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر، فصليتهما الآن"، قلت: يا رسول الله! أفنقضيهما إذا فاتتنا؟ قال: "لا" (٥). وهذا يدل على النهي عن الصلاة بعد العصر، وأنه كان مخصوصًا

стр. 629

بذلك، على أنه في أخبارنا حظر، وفي خبرهم إباحة، والحاظر أولى. وقد أجاب ابن بطة عن هذا الحديث بنحو ما أجبنا به، وإن كان مخصوصًا من وجهين: أحدهما: ما تقدم من حديث أم سلمة ﵂، وقولها: أفنصليهما إذا فاتتنا؟ قال: "لا". والثاني: حيث (١) يتنفّل بها من غير أن يكون لها سبب؛ لأنها أخبرت عن دوام فعله، وما لا سبب له لا يجوز له لا يجوز لغيره. وفي لفظ آخر بإسناده عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال (٢)، وبين من خصائصه ﷺ بقوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾، فيكون ما يتنفل به غيره جبرانًا لفريضته، وتمامًا لنقصه، وما يتنفل به هو ﷺ فضل له على مفترضه، وعلو في درجته، وكما خُصَّ ﵇ بالموهوبة (٣)، وبعدد الزوجات، وغير ذلك. واحتج: بما روى جبير بن مطعِم ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: "يا بني

стр. 630

عبد مناف! من وليَ منكم من أمر الناس شيئًا، فلا يمنع أحدًا طاف بهذا البيت وصلى ساعة من ليل أو نهار" (١). والجواب: أن هذا محمول على ركعتي الطواف بما ذكرنا. فإن قيل: إذا دل على ركعتي الطواف، نبه بها على غيرها. قيل له: هذا لا يصح؛ لأن ركعتي الطواف تابعة للطواف، والطواف يجوز في جميع النهار، فجاز أيضًا ما هو تابعها، وهذا المعنى معدوم في بقية الصلوات، وهذا لا يلزم عليه السنن الراتبة؛ مثل: ركعتي الفجر تابعة للفجر، ولا يجوز فعلها في وقت الفجر، وهو حال طلوع الشمس، ولكن يقال: إن تلك آكدُ؛ بدليل: أن من الناس من قال: هي واجبة؛ ولأنها تختص ببقعة، ولذلك تأثير في الجواز، ولذلك قال أصحاب الشافعي ﵃: يجوز التنفل بمكة في الأوقات المنهي عنه؛ لأنها تبع

стр. 631

لفروض الطواف، ونفله، فلما جاز متبوعه - مع كونه نفلًا - كذلك التبع (١). واحتج: بأنها صلاة لا سبب لها، فجاز فعلها في الأوقات المنهي [عنها] (٢)، دليله: القضاء، والنذر، وصلاة الجنازة، وركعتا الطواف، وإعادة الصلاة في جماعة، وتحية المسجد والإمام يخطب، وصوم عرفة إذا صادف جمعة. والجواب: أن الفوائت، والنذر واجبات (٣)، ولا يمنع أن يجوز الواجب، وإن لم يجز التطوع؛ بدليل: النوافل المبتدأة، وأما صلاة الجنازة، فلا تجوز في ثلاث ساعات: حين طلوع الشمس، وحين غروبها، وحين قيامها، وتجوز بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تأخذ في الغروب، وقد نص على هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم (٤) - وقد سئل عن الصلاة على الميت بعد العصر وبعد الصبح -، قال: نعم ما لم تطْفُل (٥) الشمس للغروب، فإذا بدأ حاجب الشمس يغيب، ليس لك أن تصلي حتى تصلي المغرب، ثم تصلي عليها، وكذلك نقل أبو

стр. 632

طالب (١) - وقد سأله عن الساعات التي تكره الصلاة فيها على الميت -، فقال: يصلَّى عليها، فإذا أرادت الغروب، لم يصلَّ (٢) حتى تغرب. وإنما أجاز الصلاة بعد العصر، وبعد الفجر عليها (٣)؛ لأنها صلاة واجبة، فهي كالنذر؛ ولأن هذين الوقتين يطول بقاؤهما، فيخشى على الميت، وليس كذلك حين طلوع الشمس وغروبها؛ لأنه لا يطول بقاؤهما، فلا يخشى على الميت، فلهذا لم يصلَّ عليها (٤). ولأن عقبة بن عامر ﵁ قال: ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نقبر فيهن موتانا، أو نصلي فيهن: حين تطلع الشمس، ونصف النهار، وحين تغرب الشمس (٥). وأما إعادة الصلاة في جماعة، فهو جائز بعد الفجر، وبعد العصر، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة (٦)، وذكرنا الفرق بين النافلة وبين غيرها، وهو أنه شرع لها الجماعة، ومن الناس من يقول: هي فرضه؛ ولأنه متى لم يصل معهم، لحقته تهمة في حقه، وتهمة في حق الإمام، وهذا معدوم في غيرها، .................................

стр. 633

وأما ركعتا (١) الطواف، فقد نص على جوازها في رواية عبد الله (٢)، فقال: إذا طاف بعد العصر وبعد الفجر، فلا بأس أن يصلي ركعتين. واحتج: بأن حسن وحسين ﵄ طافا بعد العصر، وصليا (٣)، و [رأى] ابن أبي مليكة ابن عباس (٤) ﵃ طاف بالبيت بعد العصر، وصلى (٥)، فقد نص على جواز ذلك، وقد ذكرنا المعنى في ذلك، وأنها مختلف في وجوبها، وأنها تختص ببقعة، وهذا المعنى معدوم في بقية النوافل، وقد روى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عباس ﵄: أنه طاف بعد العصر، وصلى ركعتين (٦)، .....................................

стр. 634

وبإسناده حنظلة [السدوسي] (١) قال: رأيت عبد الله بن الزبير ﵄ يطوف بعد العصر، ويصلي (٢)، وروى: أن خمسة من أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم، كانوا يطوفون بعد الصبح وبعد العصر، ويركعون بعدهما. وأما تحية المسجد في حال الخطبة، فإنما جازت؛ لأن المنع من الصلاة هناك لم يختص الصلاة، ألا ترى أنه يمنع من قراءة القرآن، ومن الكلام؟ وإذا كان كذلك، فهو أخف، والنهي ها هنا اختص الصلاة، فهو

стр. 635

آكد، ولأن القياس هناك يمنع أيضًا، ولكن تركناه لحديث سليك (١)، والكلامُ عليه يأتي. وأما صوم يوم عرفة إذا صادف يوم جمعة، وكان من عادته صيامه، فقد نص على جوازه، فقال في رواية الأثرم (٢): في رجل كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوقع فطره يوم الخميس، وصومه يوم الجمعة، وفطره يوم السبت، فصام يوم عرفة مفردًا، فهذا لم يتعمد صومه خاصة، إنما كره أن يتعمد الجمعة. وكذلك نقل أبو طالب (٣): إذا كان يوم عرفة يوم جمعة، ولم يكن صام قبله يومًا (٤)، يصوم يوم الجمعة. وكذلك قال في رواية أبي الحارث (٥): ما أحب لرجل أن يعمد الحلوى واللحم بمكان النيروز (٦)؛ لأنه من رأي الأعاجم، إلا من يوافق ذلك وقتًا كان يفعل ذلك. وإنما
следующие страницы →