← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

لفروض الطواف، ونفله، فلما جاز متبوعه - مع كونه نفلًا - كذلك التبع (١). واحتج: بأنها صلاة لا سبب لها، فجاز فعلها في الأوقات المنهي [عنها] (٢)، دليله: القضاء، والنذر، وصلاة الجنازة، وركعتا الطواف، وإعادة الصلاة في جماعة، وتحية المسجد والإمام يخطب، وصوم عرفة إذا صادف جمعة. والجواب: أن الفوائت، والنذر واجبات (٣)، ولا يمنع أن يجوز الواجب، وإن لم يجز التطوع؛ بدليل: النوافل المبتدأة، وأما صلاة الجنازة، فلا تجوز في ثلاث ساعات: حين طلوع الشمس، وحين غروبها، وحين قيامها، وتجوز بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تأخذ في الغروب، وقد نص على هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم (٤) - وقد سئل عن الصلاة على الميت بعد العصر وبعد الصبح -، قال: نعم ما لم تطْفُل (٥) الشمس للغروب، فإذا بدأ حاجب الشمس يغيب، ليس لك أن تصلي حتى تصلي المغرب، ثم تصلي عليها، وكذلك نقل أبو

стр. 632

طالب (١) - وقد سأله عن الساعات التي تكره الصلاة فيها على الميت -، فقال: يصلَّى عليها، فإذا أرادت الغروب، لم يصلَّ (٢) حتى تغرب. وإنما أجاز الصلاة بعد العصر، وبعد الفجر عليها (٣)؛ لأنها صلاة واجبة، فهي كالنذر؛ ولأن هذين الوقتين يطول بقاؤهما، فيخشى على الميت، وليس كذلك حين طلوع الشمس وغروبها؛ لأنه لا يطول بقاؤهما، فلا يخشى على الميت، فلهذا لم يصلَّ عليها (٤). ولأن عقبة بن عامر ﵁ قال: ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نقبر فيهن موتانا، أو نصلي فيهن: حين تطلع الشمس، ونصف النهار، وحين تغرب الشمس (٥). وأما إعادة الصلاة في جماعة، فهو جائز بعد الفجر، وبعد العصر، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة (٦)، وذكرنا الفرق بين النافلة وبين غيرها، وهو أنه شرع لها الجماعة، ومن الناس من يقول: هي فرضه؛ ولأنه متى لم يصل معهم، لحقته تهمة في حقه، وتهمة في حق الإمام، وهذا معدوم في غيرها، .................................

стр. 633

وأما ركعتا (١) الطواف، فقد نص على جوازها في رواية عبد الله (٢)، فقال: إذا طاف بعد العصر وبعد الفجر، فلا بأس أن يصلي ركعتين. واحتج: بأن حسن وحسين ﵄ طافا بعد العصر، وصليا (٣)، و [رأى] ابن أبي مليكة ابن عباس (٤) ﵃ طاف بالبيت بعد العصر، وصلى (٥)، فقد نص على جواز ذلك، وقد ذكرنا المعنى في ذلك، وأنها مختلف في وجوبها، وأنها تختص ببقعة، وهذا المعنى معدوم في بقية النوافل، وقد روى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عباس ﵄: أنه طاف بعد العصر، وصلى ركعتين (٦)، .....................................

стр. 634

وبإسناده حنظلة [السدوسي] (١) قال: رأيت عبد الله بن الزبير ﵄ يطوف بعد العصر، ويصلي (٢)، وروى: أن خمسة من أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم، كانوا يطوفون بعد الصبح وبعد العصر، ويركعون بعدهما. وأما تحية المسجد في حال الخطبة، فإنما جازت؛ لأن المنع من الصلاة هناك لم يختص الصلاة، ألا ترى أنه يمنع من قراءة القرآن، ومن الكلام؟ وإذا كان كذلك، فهو أخف، والنهي ها هنا اختص الصلاة، فهو

стр. 635

آكد، ولأن القياس هناك يمنع أيضًا، ولكن تركناه لحديث سليك (١)، والكلامُ عليه يأتي. وأما صوم يوم عرفة إذا صادف يوم جمعة، وكان من عادته صيامه، فقد نص على جوازه، فقال في رواية الأثرم (٢): في رجل كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوقع فطره يوم الخميس، وصومه يوم الجمعة، وفطره يوم السبت، فصام يوم عرفة مفردًا، فهذا لم يتعمد صومه خاصة، إنما كره أن يتعمد الجمعة. وكذلك نقل أبو طالب (٣): إذا كان يوم عرفة يوم جمعة، ولم يكن صام قبله يومًا (٤)، يصوم يوم الجمعة. وكذلك قال في رواية أبي الحارث (٥): ما أحب لرجل أن يعمد الحلوى واللحم بمكان النيروز (٦)؛ لأنه من رأي الأعاجم، إلا من يوافق ذلك وقتًا كان يفعل ذلك. وإنما

стр. 636

جاز ذلك؛ لأنه إنما منع من فضل النفقة في يوم النيروز؛ لئلا يؤدي إلى تعظيم ذلك اليوم، فإذا وافق عادة، لم يوجد ذلك، فلهذا جاز، ومثله ها هنا منع من صوم يوم الجمعة منفردًا، تشبيهًا بيوم العيد، فإذا صادف عادة، لم يوجد ذلك المعنى، ولا يلزم على هذا يومي العيد، وأيام التشريق أنها لا تصام، وإن وافق عادة؛ لأنها لا تقبل الصوم، ألا ترى أنه لا يصح فيها فرض ولا نفل، فهو كزمان الليل، والحيض، وليس كذلك يوم الجمعة؛ لأنه يقبل الصوم، وهو الفرض، ولأن الشرع قد ورد بأن الصوم إذا وافق عادة، جاز فيه، وإن كان الوقت منهيًا عن الصوم فيه؛ بدليل: قول النبي ﷺ : "لا تقدِّموا هلال رمضان بيوم ولا بيومين، إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه" رواه أبو هريرة ﵁ (١). واحتج: بأنه وقت لا يكره فيه قضاء الفوائت، والصلاة على الجنازة، وركعتا الطواف، فلا يكره فيه النوافل التي لها سبب، دليله: سائر الأوقات. والجواب: أنا نقول: وجب أن يستوي حكم التي لها سبب، والتي لا سبب لها؛ قياسًا على سائر الأوقات، والله أعلم. * * *

стр. 637

٧٥ - مَسْألَة: لا فرق بين مسجد مكة وبين سائر المساجد في امتناع أداء النوافل فيه في الأوقات الخمس سوى ركعتي الطواف: نص عليه في رواية حنبل (١)، وصالح (٢)، فقال: لا صلاة بعد العصر إلا فائتة، أو بمكة، إذا طاف، صلى بعد العصر، وبعد الفجر الركعتين، أو على جنازة إلى أن تطفل الشمس للغروب، وإذا ذكر فائتة. وقد أطلق القول في رواية حرب (٣) - وقد سئل عن الصلاة بمكة -، فلم ير بها بأسًا، وكرهها بغير مكة جدًا، وإنما أراد بالصلاة بعد العصر بمكة: ركعتي الطواف. وقال أبو حنيفة (٤) ﵀: هما سواء في ركعتي الطواف وغيرهما.

стр. 638

وقال الشافعي ﵁: يجوز أداء النوافل كلها في جميع الأوقات في مسجد مكة (١). دليلنا: ما تقدم من الأخبار في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات من غير تخصيص مسجد (٢)، ولأن الفساد من جهة الوقت أحد نوعي الفساد، فاستوى فيه المسجد الحرام، وغيره من المساجد. دليله: الفساد بعدم الشرائط من الطهارة، والستارة، وغير ذلك. واحتج المخالف: بما روى الشافعي ﵁ (٣) عن أبي ذر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلُع الشمس، إلا بمكة ثلاثًا" (٤). وروى جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: "يا بني عبد مناف!

стр. 639

من وليَ منكم من أمر الناس شيئًا، فلا ينهي أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" (١). وروى عبد الله بن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا يطوف بالبيت ويصلي؛ فإنه لا صلاة بعد الصبح حتي تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتي تغرب الشمس، إلا عند هذا البيت يطوفون ويصلون" (٢). والجواب: أن هذا كله محمول علي ركعتي الطواف؛ بدليل: ما ذكرنا من الأخبار، وعلى أنه قد قيل في قوله: "لا صلاة بعد العصر وبعد الفجر إلا بمكة" معناه: ولا بمكة؛ كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] معناه: ولا خطأً. فإن قيل: لا يصح حمله: ولا بمكة؛ لأن الزجاج (٣) قال: العرب

стр. 640

العرب تضع (إلا) بمعني الواو، و (إلا) بمعني (ولا) وأنشده: وكلُّ أخٍ مفارقُهُ أخوهُ … لَعَمْرُو أَبيك إلَّا الفرقَدانِ (١) ومعناه: والفرقدان يفترقان أيضًا، فتكون (إلا) بمعني (الواو) فقط (٢)، قال: وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ معناه: والذين ظلموا منهم، فلا تخشوهم، واخشوني (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ معناه: إلا أن يقتل خطأ، فكفارته (٤)، ولا يجوز: ولا خطأ؛ لأنه لا يدخل في النهي. قيل له: فيكون معناه: إلا بمكة ومكة، كما قلت. واحتج: بأنها تتعلق بالبيت، فوجب أن يجوز فعلها فيه في جميع الأوقات؛ دليله: الطواف (٥). والجواب: أن الطواف يختص بالمسجد الحرام، ولا يصح منه إلا فيه، فلهذا جاز فعله في جميع الأوقات، وما تنازعنا فيه أحد نوعي الفساد، فاستوى فيه المسجد الحرام وغيره؛ دليله: ما ذكرنا.

стр. 641

وإن قاسوا على ركعتي الطواف. والجواب عنه (١): أن ركعتي الطواف مختلَف في وجوبها، فلها مزية، والثاني: أن لها سببًا، وللسبب عند مخالفينا تأثير في الجواز، يجوز فيها الصلاة التي لها سبب، ولا يجوز فيها ما لا سبب له، ولأن تلك تابعة للطواف النفل والفرض، فلما جاز متبوعه في هذه الأوقات، جاز التبع، وليس كذلك النفل الذي له سبب؛ لأنها متبوعة في نفسها، فلم يجز في الوقت المنهي كالتي لا سبب لها. واحتج: بأن الطوا ف صل اة، وقد أبيح فعلُه في جميع الأوقات، كذلك الصلاة. والجواب: أن الصلاة التي تتبعه تجوز في سائر الأوقات، على أن الطواف ليس بصلاة في الحقيقة، ألا ترى أنه أبيح فيه الكلام، والأكل، وهو مبني على المبني، فهو كالسعي، وما اختلفنا فيه صلاة حقيقة، فلما لم يجز في هذه الأوقات في غيره من المساجد، كذلك في هذا المسجد. * فصل: والدلالة علي أبي حنيفة ﵀ في جواز ركعتي الطواف: ما تقدم من الأخبار (٢)، وكل وقت جاز فيه فعل ركعتي الطواف؛ دليله:

стр. 642

سائر الأوقات، تبين صحة هذا: أن الركعتين تابعة للطواف، فلما جاز المتبوع، جاز التبع، وبهذا المعنى يفارق سائر النوافل؛ لأنها غير تابعة للطواف، والله أعلم. * * * ٧٦ - مَسْألَة: لا يجوز أداء النوافل وقت الزوال في يوم الجمعة، ولا في سائر الأيام: نص عليه في رواية صالح (١)، وابن منصور (٢)، وأبي طالب (٣): وقد سأله: هل تكره الصلاة في نصف النهار في الشتاء، والصيف؟ قال: نعم، في الجمعة وغيرها. وبهذا قال أبو حنيفة ﵀ (٤).

стр. 643

وقال الشافعي ﵀: يجوز أداؤها في يوم الجمعة خاصة (١). دليلنا: ما روينا (٢) من الأخبار في النهي عن الصلاة في وقت الزوال من غير تخصيص؛ ولأنه وقتٌ نُهِي عن التطوع فيه في غير يوم الجمعة، فوجب أن يكون منهيًا في يوم الجمعة، أصله: حال الغروب، وحال الطلوع. فإن قيل: من أصحابنا من قال: لا يجوز أداؤها في يوم الجمعة في جميع الأوقات. قيل: هذا قول يخالف إجماعًا تقدم، فلا نلتفت إليه، على أن المذهب: أن وقت الزوال مخصوص بذلك، وأنه خاص لمن حضر الجامع دون من لم يحضر، فيصح ما ذكرنا؛ ولأنه فعل صلاة نافلة في وقت الزوال لغير طواف، فوجب أن يكره؛ دليله: سائر الأيام (٣). فإن قيل: الفرق بينه وبين سائر الأيام: أن الناس قد ندبوا إلى أن

стр. 644

يبكروا إلى الجمعة، ويتقربوا إلي الله تعالى بالصلاة، فلو أُمِروا (١) بأن يراعوا وقت الزوال، ويمتنعوا من الصلاة، لشقَّ عليهم، ولعل ذلك يخفى علي أكثرهم، ولاحتاجوا إلى أن يستظهروا، فيؤدي إلى أن يفوتهم بعض ما (٢) ندبوا إليه من الصلاة، وربما غلبهم النوم أيضًا، فأدى إلى انتقاض طهارتهم، وفي تجديد الطهارة في ذلك الوقت مشقة غليظة، فإذا كان كذلك، أبيح لهم أن يصلوا إلى أن يخرج الإمام، وهذا المعنى معدوم في سائر الأيام. قيل له: الوقت الذي تزول فيه الشمس، وإن كان يخفى على أكثر الناس، فإن الامتناع فيه من الصلاة لا يتعذر؛ لأن كل أحد يعلم أنه قد قرب الوقت الذي تزول فيه الشمس، فيستظهر بترك الصلاة ساعة بمقدار ما يعلم أنها قد زالت، وحلت الصلاة، كما نقول في سائر الأيام. وقولهم: إن ذلك يؤدي إلى انتقاض طهارتهم، غلطٌ؛ لأنه ليس الغالب من أمر الناس في الجامع في ذلك الوقت الاشتغال بالصلاة؛ ولأنهم ينامون فيه. واحتج المخالف: بما روى الشافعي بإسناده (٣) عن أبي سعيد

стр. 645

الخدري ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة (١). والجواب: أن أخبارنا مشهورة متفق على استعمالها، وهذا الخبر مختلَف في استعماله، والمتفَق على استعماله يقضي على المختلَف في استعماله، وعلى أنه يجوز أن يقال: إن قوله: "إلا يوم الجمعة" معناه: ويوم الجمعة؛ كما ذكرنا فيما تقدم (٢). واحتج من جهة النظر: بما ذكرنا من الفرق بين يوم الجمعة، وغيره، وقد أجبنا عنه. آخر الجزء الخامس عشر من أجزاء المصنف ﵀. * * *

стр. 646

٧٧ - مَسْألَة: إذا طلع الفجر الثاني، حرمت النوافل سوى ركعتي الفجر: نص عليه في رواية حرب (١)، فقال: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، وكذلك نقل أبو داود (٢). خلافًا لأكثرهم في قولهم: لا تحرم النوافل إلا بعد صلاة الفجر (٣). دليلنا: ما روى الدارقطني بإسناده (٤) عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ............................................

стр. 647

"لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين" (١). وروى الدارقطني بإسناده (٢) عن يسار مولى ابن عمر (٣) ﵄ قال: رآني ابن عمر أصلي، فحَصَبَني، وقال: يا يسار! كم صليتَ؟ قلت: لا أدري، قال: لا دَرَيْتَ، إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة، فتغيَّظَ علينا تغيُّظًا شديدًا، ثم قال: "يبلغ شاهدُكم غائبكم أنْ لا صلاةَ بعد الفجر إلا سجدتين" (٤).

стр. 648

وروى أبو حفص العكبري في كتابه بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا طلع الفجر، فلا صلاة إلا ركعتي الفجر" (١). وروى أبو حفص البرمكي فيما خرجه عن زاذان (٢) قال: قال عمر ﵁: "لا صلاة بعد طلوع الفجر، وهما أدبار النجوم" (٣). وعن ابن عمر ﵄: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين" (٤). وعن سعيد بن المسيب ﵁: أنه رأي رجلًا صلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، فنهاه، فقال: أترى الله يعذبني على الصلاة؟! قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة (٥).

стр. 649

ولأن صلاة الفجر لا تجمع بما قبلها، فيقْدُمها وقتٌ منهي عن الصلاة؛ كالظهر يتقدمها النهي حالَ قيام الشمس، ولأنه أحد طرفي النهار، فتعلق به النهي؛ دليله: آخر النهار، وحال الغروب؛ ولأن صلاة الفجر صلاة لا تُقصَر، فتقدمها وقت منهي عن الصلاة؛ كالمغرب؛ ولأن صلاة الفجر تفعل بين صلاتين، للفجر تأثير في إحداهما، وهي صلاة العشاء، يخرج وقتها بطلوعه، فيقدمها وقت منهي؛ دليله: صلاة الظهر تُفعل بين صلاتين للفجر تأثير في إحداهما، وهي صلاة الفجر، فخرج وقتها بطلوع الفجر (١)، ثم ثبت أنه يتقدمها وقت منهي عنه، وهو حال قيام الشمس، لذلك (٢) الفجرُ جاز أن يتقدمها وقت منهي بعد الطلوع. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ قال: "لا صلاة بعد صلاة الفجر" (٣)، فنهى عن الصلاة بعد صلاة الفجر. والجواب: أنه محمول على وقت صلاة الفجر؛ بدليل ما ذكرنا. واحتج: بأنها صلاة لا يجوز التطوعُ بعدها، فجاز التطوع قبلها؛ كالعصر.

стр. 650

والجواب: أن العصر تُجمع بما قبلها، فلهذا لم يتقدمها وقت منهي عن الصلاة فيه، وليس كذلك الفجر؛ فإنها لا تجمع بما قبلها، فتقدمها وقت منهي عنه. دليله: صلاة الظهر، والله أعلم. * * * ٧٨ - مَسْألَة: إذا دخل في صلاة الصبح، ثم طلعت الشمس، أتمَّ صلاته، ولم تبطل بطلوع الشمس: نص على هذا في رواية عبد الله (١): فيمن صلى ركعة من صلاة الفجر، ثم طلعت الشمس في الثانية: يتم صلاته. واحتج: بقول النبي ﷺ : "من أدرك من صلاة الغداة ركعة" (٢)، وكذلك نقل أبو طالب عنه (٣): أنه قيل له: إنهم يقولون: إذا صلى ركعة

стр. 651

قبل طلوع الشمس، فسدت صلاته؟ فقال: كيف يكون هذا؟ يجوز في أولها، ولا يجوز في آخرها. وبه قال الشافعي ﵁ (١). وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته (٢). دليلنا: ما روى أحمد ﵀ في المسند (٣) قال: نا عبد الصمد قال: نا همام (٤) قال: نا قتادة عن (٥) النضر بن أنس (٦) عن بشير بن نَهِيك (٧)، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "من صلى من الصبح ركعة، ثم طلعت الشمس، فليصل إليها أخرى" (٨).

стр. 652

وروى أحمد (١) - فيما ذكره أبو بكر في كتابه - قال: نا بهز (٢) قال: همام قال: نا قتادة عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة ﵁، قال همام: وجدته في كتابي (٣) عن بشير بن نهيك، ولا أظنه إلا عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك (٤): أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى ركعة من (٥) الصبح، ثم طلعت الشمس، فليتم صلاته" (٦)، وهذا نص. ولأنها صلاة صح الإحرامُ بها في وقتها، فلم تبطل بخروجه، كسائر الصلوات إذا خرج وقتها، ولا يلزم عليه الجمعة؛ لأنها لا تبطل بخروج وقتها، بل يُبنى عليها جمعة على قولنا؛ ولأن غروب الشمس يخرج به وقت العصر، كما أن طلوعها يخرج به وقت الصبح، ثم لو استفتح العصر، ثم غربت الشمس، لم تبطل صلاته، كذلك إذا استفتح الصبح، ثم طلعت الشمس، والعلة فيه: أن الصلاة إذا فات وقتها بمعنى

стр. 653

يحدث بالشمس، لم تبطل بحدوث ذلك المعنى؛ دليله: ما ذكرنا. واحتج المخالف: بما تقدم (١) من حديث عقبة، وأن النبي ﷺ : نهى عن الصلاة حين طلوع الشمس، والنهي يدل علي فساد المنهي عنه. والجواب: أن هذا عام في النوافل، وخبرنا خاص في الفرض، فهي أولى. واحتج: بأنه فَعَل ما يسمى صلاة حين طلوع الشمس، فلم يصح؛ كالنافلة. والجواب: أنها تبطل عندكم، سواء كان ما بقي قدرًا يسمى صلاة، أو لا يسمى، وهو دون الركعة، علي أنه ليس إذا لم يجز فعلُ النافلة في هذا الوقت، لم يجز إتمام الفريضة فيه، ألا ترى أنه يحرم النفل عند اصفرار الشمس، ولا يمنع ذلك إتمام الفرض؟ كذلك ها هنا. واحتج: بأنها عبادة يبطلها الحدث، فكان من جنسها ما يبطل بمضي الزمان؛ كالطهارة تبطل بانقضاء مدة المسح على الخفين. والجواب: أنا نشاركهم في الاحتجاج في الأصل، فنقول: لما كانت الصلاة عبادة تبطل بالحدث، فالشروع في الكامل من جنسها لا يبطل بمضي الوقت؛ قياسًا على الطهارة، وقد قيل: إن الصلاة لا تفسد بالحدث، وإنما تبطل الطهارة بالحدث، وبفساد الطهارة تبطل الصلاة. * * *

стр. 654

٧٩ - مَسْألَة: النوافل المرتبة مع الفرائض إذا فاتت، فإنها تُقضى: نص على هذا في رواية المروذي (١)، فقال: ويقضي الوتر بعد طلوع الفجر، وكذلك نقل حرب عنه (٢): فيمن نسي الركعتين قبل صلاة الفجر، فذكرهما بعد يوم أو يومين: يصليهما. وروى مهنا عنه (٣): في رجل عليه قضاء صلوات: يعيد ركعتي الفجر، ولا يعيد الوتر. فظاهر هذا: أنه فرَّق بين الوتر، وبين ركعتي الفجر، وأسقط القضاء في الوتر، وكذلك نقل عبد الله عنه (٤): أنه سئل

стр. 655

عمن (١) نسي الوتر حتى أصبح، هل عليه القضاء؟ قال: إن قضى، لم يضره، وما سمعنا أن النبي ﷺ قضى شيئًا من التطوع إلا ركعتي الفجر (٢)، ويقال: إنه شغل عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما (٣). والمذهب: أنه يقضي الوتر كما يقضي غيرها من النوافل المرتبة (٤)، نص عليه في رواية المروذي في قضاء الوتر (٥)، وكذلك نقل يوسف بن موسى، وأحمد بن الحسين (٦) في الرجل يفجؤه الصبح ولم يوتر؟ قال: يوتر بواحدة (٧)، وكذلك نقل أحمد بن أبي عبدة: في رجل فاتته صلوات: يعيد الوتر (٨). وقال أبو حنيفة ﵀: إذا فاتته دون الفرائض، فلا يقضيها،

стр. 656

وإن فاتته مع الفرائض، قضاها (١). وللشافعي ﵁ قولان (٢): أحدهما: مثلُ قولنا، وأنه يقضي. والثاني: لا يقضي، وهو قول مالك ﵀ (٣)، ولا فرق عندهما بين أن تفوت مع الفرائض، أو منفردة. دليلنا: ما روى قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "من لم يصلِّ ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس، فليصلِّهما". رواه ابن خزيمة في كتابه (٤)، وابن المنذر (٥)، وجابر بن المرجا

стр. 657

الحافظ (١)، وهذا نص. فإن قيل: يحتمل أن يريد: إذا لم تصل ركعتي الفجر مع صلاة الفجر. قيل: لو كان المراد به: إذا فاتت مع الفرائض، لم يخصها بالذكر؛ لأنها تابعة، ولكان يخص الفرض بالذكر؛ لأنه المتبوع. وأيضًا [روى] (٢) أبو بكر بإسناده عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نام عن الوتر، أو نسيه، فليصل إذا ذكره، أو استيقظ" (٣)، وهذا يخص مالكًا، والشافعي ﵄. فأما أبو حنيفة ﵀، فإنه يقول بظاهره؛ لأن عنده أن الوتر يُقضى؛ لأنها واجبة عنده؛ ولأنها نافلة مؤقتة، فاستُحِب قضاؤها بعد فوات وقتها؛ قياسًا عليها إذا فاتته مع الفرض، وفيه احتراز من الكسوف، والاستسقاء؛ لأنها غير مؤقتة.

стр. 658

فإن قيل: لا يجوز اعتبار فواتها بفواتها مع الفرض، ألا ترى أنه لو فاته الأذان والإقامة مع الفرض، أتي بهما بعد فوات الوقت، ولو فاتا دون الفرض، لم يقضهما؟ قيل: الأذان والإقامة غير مقصودين، ألا ترى [أنه] لا يتطوع بهما منفردين؟ والصلاة النافلة مقصودة في نفسها، ألا ترى أنه يتطوع بها منفردة، فجاز أن تقضى؛ ولأنها صلاة مؤقتة، فلم تسقط لفوات وقتها إلي غير قضاء؛ قياسًا على الوتر، وفيه احتراز من الجمعة، فإنها تسقط بفوات وقتها إلى قضاء، وهو الظهر، وفيه احتراز من صلاة الخسوف، والاستسقاء؛ لأنها غير مؤقتة، وإنما تُصلي لأجل عارض، وكل صلاة تقضى إذا فاتت مع غيرها، قضيت إذا فاتت وحدها؛ قياسًا على الوتر. فإن قيل: المعنى في الوتر: أنها واجبة. قيل: لا نسلم لك هذا، بل هي تطوع عندنا. واحتج المخالف: بما روي: أن النبي ﷺ صلى في بيت أم سلمة ﵂ ركعتين بعد العصر، فقالت: ما هاتان الركعتان يا رسول الله؟ قال: "ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر، شغلني عنهما مال أتاني، فقسمته". فقالت: أفنقضيهما إذا فاتتنا؟ قال: "لا" (١)، فنهى عن قضائهما، وعندكم: أنها تقضى. والجواب: أن هذا حجة لنا؛ لأن النبي ﷺ قضاهما، فلولا أن

стр. 659

القضاء جائز، لم يقضه، على أننا نحمل قوله: "لا تقضى" على الوجه الذي كان يقضيه هو في حقه، وهو أنه ﵇ كان يداوم على القضاء فيما يفوته، وفي غيره، وهو مخير بين المداومة وغيرها. واحتج: بأنها من سنن هذه الفرائض، فإذا فاتت على الانفراد، لم تُقض، أصله: الأذان، والإقامة. والجواب عنه: ما تقدم، وهو أن الأذان غير مقصود في نفسه، ولهذا لا يتطوع بمثله منفردًا، وهذه مقصودة في نفسها، ويتطوع بمثلها منفردًا، فبان الفرق. واحتج: بأنه إذا قام من اثنتين من الظهر، لم يعد؛ لأن القعود فيها مسنون، فإذا فاته عن موضعه دون الفرض، لم يقضه، كذلك هذا. والجواب: أن التشهد، والاستفتاح لا يسقط لفوات محله، وإنما يسقط بالانتقال إلى الفرض المقصود الذي بعده، ألا ترى أنه إذا لم يعتدل قائمًا، ولم يشرع في القراءة، رجع؛ لأنه لم يحصل في ركن مقصود؟ واحتج: بأن هذه صلاة تطوع، فيجب أن لا تقضى بعد فواتها عن موضعها؛ دليله: صلاة الكسوف، والخسوف. والجواب: إن تلك ليس لها وقت راتب، وهذه لها وقت راتب، فهي كالوتر، وكما لو فاتت مع الفرض. واحتج: بأنا لو أمرناه بقضائها، لأثبتناها في ذمته، وذلك يخرجها من حد النوافل، ويخلصها في حد الواجبات.

стр. 660

والجواب: أن هذا يبطل به إذا فاتته ركعتا الفجر مع صلاة الفجر، والله أعلم. * * * ٨٠ - مَسْألَة: إذا أدركَ الناسَ في صلاة الصبح، ولم يصلِّ ركعتي الفجر، فإنه يصلي معهم المكتوبة، ولا يتشاغل بها: نص عليه في رواية أبي طالب (١): إذا سمع الإقامة وهو في بيته، فلا يصلي ركعتي الفجر، بيته والمسجدُ سواء، وقال أيضًا في رواية الأثرم (٢): إذا دخل المسجد، والإمامُ في صلاة الصبح، ولم يركع الركعتين، يدخل معهم في الصلاة؛ قال النبي ﷺ : "إذا أُقيمت الصلاة، فلا صلاةَ إلا المكتوبة" (٣)، ويقضيها من الضحى. وبهذا قال الشافعي (٤) ﵀. وقال أبو حنيفة ﵀: إن رجا أن يدرك مع الإمام ركعة،

стр. 661

صلى ركعتي الفجر عند باب المسجد، وإن خشي فوات الركعتين جميعًا، ترك ركعتي الفجر، وصلى مع الإمام (١). دليلنا: ما روى أحمد ﵀ في المسند (٢) بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا الصلاة التي أُقيمت". وروى في لفظ آخر (٣)، رواه عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة" (٤). وروى سويد بن غَفَلة (٥) قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب على صلاة بعد الإقامة (٦).

стр. 662

ولأنه أدرك الإمام في المكتوبة، فلا يستحب ترك اتباعه فيها لصلاة (١) التطوع؛ دليله: ما ذكرنا؛ ولأنه يكره أن يصلي في المسجد إذا خاف الفوات، فيجب أن يكره أن يصلي على باب المسجد. واحتج المخالف: بأنه إذا دخل مع الإمام في الحال، فاتته ركعتا الفجر، وإذا فاتتاه، لم يقضهما عندنا، فإن رجا أن يدرك مع الإمام ركعة، يجب أن يصلي ركعتي الفجر، ثم يدخل مع الإمام؛ لأنه يمكنه إدراك فضيلة الجماعة من غير فوات المسنون، فيجب أن يأتي بهما، ألا ترى أنه إذا أمكنه فعل الركعتين، وأدرك جميع الصلاة، لزمه فعلهما؟ والجواب: أنه يبطل به إذا أمكنه أن يدرك الإمام في المكتوبة بعد الركوع في الركعة الثانية، فإنه يدرك فضيلة الجماعة بإدراك جزء من صلاة الإمام، يدل عليه: ما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "ما أدركتم، فصلُّوا" (٢)، ولم يخصه، ومع هذا، فإنه يقول: يتبعه، ولا يتشاغل بالركعتين، وإن كان يدرك الجماعة. فإن قيل: إنما يكون مدركًا للفضيلة بإدراك ركعة، يدل عليه: قول

стр. 663

النبي ﷺ : "من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدركها" (١)، فعلق الإدراك بركعة. قيل: هذا محمول على صلاة الجمعة، وعلى أنا لا نسلِّم لك أن بمتابعة الإمام تفوته الركعتان؛ لأنه يصليهما بعد الفراغ من الفرض، فسقط هذا، والله أعلم. * * * ٨١ - مَسْألَة: الأفضل في النوافل أن يسلِّم من كل ركعتين، بالليل والنهار: نص عليه في رواية الفضل بن زياد، وأبي بكر بن حماد المقرئ (٢)، وأحمد بن أصرم المزني (٣).

стр. 664

وهو قول مالك (١)، والشافعي (٢) - رحمهما الله -. وقال أبو حنيفة ﵀: في صلاة الليل إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أربعًا، وإن شاء ستًا، وإن شاء ثمانيًا، ولا يزيد على ذلك بتسليمة واحدة، وفي صلاة النهار إن شاء أربعًا، وإن شاء ركعتين بسلام، ولا يزيد على الأربع بسلام واحد (٣). دليلنا: ما روى أحمد ﵀ (٤) - ذكره أبو بكر في كتابه - قال: نا غير واحد، وجَوَّده (٥) غُندر، قال: نا شعبة عن يعلى بن عطاء (٦): [أنه سمع] (٧) عليًا الأزدي (٨) .....................................

стр. 665

[يحدث: أنه] (١) سمع ابن عمر ﵄: سمع النبي ﷺ يقول: "صلاة الليل مثنى مثنى" (٢). وروى أحمد (٣) - وذكره أبو بكر - قال: نا أبو أحمد الزبيري (٤) قال: نا عبد العزيز بن أبي رَوَّاد (٥) عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ سأله عن صلاة الليل؟ فقال: "صلاة الليل مثنى مثنى، تسلم في كل ركعتين، فإذا خِفْتَ الصبحَ، فصلِّ ركعة توتر لك ما قبلَها" (٦). وروى أبو بكر من طريق آخر عن ابن عمر ﵄ قال: سُئل النبي ﷺ

стр. 666

عن صلاة الليل؟ فقال: "مثنى مثنى، فإذا خفتَ الصبحَ، فأوتر بركعة" (١). فإن قيل: المراد: الجلوس في كل ركعتين. قيل له: هذا لا يصح من وجوه: أحدها: أنه يسلم في كل ركعتين، وهذا يجب أن يُحمل على السلام المعهود الذي يخرج به من الصلوات. والثاني: لو أراد هذا، لبيَّن مقدار الركعات التي يسلم فيها؛ لأنه ﷺ سئل عن ذلك، فلما لم يبين، دل على أنه أراد: أن يسلم من كل مثنى. الثالث: أنه إنما يقال: صلى مثنى مثنى: إذا سلم من كل ركعتين، فأما إذا جمع بين ركعات بإحرام واحد، لا يجوز أن يقال: صلى مثنى مثنى، ولهذا لم يقل أحد: إن النبي ﷺ صلى الظهر مثنى مثنى، وصلى العصر مثنى مثنى، وصلى العشاء الآخرة مثنى. الرابع: أن هشام بن عروة يقول: حدثني أبي: أن عائشة ﵂ حدثته: أن النبي ﷺ كان يرقد، فإذا استيقظ، صلى ثماني ركعات، يجلس في كل ركعتين، ويسلم (٢).

стр. 667

وهذا يدل على أن المراد بقوله: "مثنى مثنى": بتسليمه من كل ثنتين (١). وروى الزهري عن عروة عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى أن ينصدع الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ثنتين، ويوتر بواحدة (٢). ولا يجوز أن يكون فعله مخالفًا لقوله، فدل على أن المراد به: مثنى مثنى بالتسليم. والقياس: أنها صلاة تطوع مشفوعة، فالأفضل أن تكون ركعتين؛ قياسًا على ركعتي الفجر، وتحية المسجد، وصلاة التراويح. فإن قيل: ركعتا الفجر ثبت في الأصل كذلك، فلم تجز الزيادة عليها، وما اختلفنا فيه تطوع مبتدأ، فالأفضل المتابعة فيه. قيل له: فلهذا المعنى قسنا، وهو أنه ثبت في الأصل على هذا الوجه، وهي نافلة، فيجب أن تُحمل بقية النوافل على ذلك. فإن قيل: ليس من حيث كان بعض النوافل ركعتين يجب أن يكون جميعها كذلك؛ كالفروض.

стр. 668

قيل له: لا يمتنع أن تختلف الفروض، وتتفق النوافل؛ بدليل: أن المغرب ثلاث، والنفل لا يكون ثلاثًا. واحتج المخالف: بما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بعد العشاء أربع ركعات، لا تسلْ عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، لا تسلْ عن حسنهن وطولهن" (١)، وظاهره: أنه كان يصلي أربعًا بتسليمة واحدة؛ ولأنه لو كان يسلم في كل ركعتين، لقالت: كان يصلي ركعتين. والجواب: أنه يجوز أن يكون المراد به: أربع ركعات بتسليمتين، ثم ينام، ثم يقوم ويأتي بأربع ركعات بتسليمتين، ثم يوتر بثلاث، يدل عليه: ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: أنه قال: بتُّ في بيت خالتي ميمونةَ بنتِ الحارث، فصلى النبي ﷺ العشاء، ثم جاء فصلى أربعًا، ثم نام، ثم قام فصلى (٢)، ويحتمل أن يكون صلى أربعًا بتسليمتين، ثم إنه كان يسلم من كل ركعتين. واحتج: بما روي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثمان ركعات، لا يجلس إلا في آخرهن، ثم

стр. 669

يصلي ركعة أخرى (١)، ومعلوم أنها أرادت: الجلوسَ للسلام لا يفارق الجميع، على أن مِن السنة الجلوسَ في كل ركعتين. والجواب: أن المخالف لا يجوز أن يحتج به؛ لأنه لا يجوز الوتر عنده هكذا، ولا يجوز أن يزاد على ثلاث ركعات، وعنده: أن الأفضل أن يجلس في كل ركعتين، فإن يسلم، فلم يكن فيه حجة، ولأن ظاهر الخبر أنه كان يسرد الركعات الثمانية من غير جلوس في كل ركعتين، وهذا غير مستحب، فعلم أنه قصد بهذا بيان الجواز، وأن الأفضل غيره، وقد نص أحمد ﵀ على جواز هذا، فقال في رواية أبي طالب: من صلى خمسًا أو سبعًا، لم يجلس إلا في آخرهن (٢)، وكذلك نقل جعفر بن محمد عنه: أنه قال: إذا كان يوتر بتسع، لم يجلس إلا في الثامنة، ولا يسلم إلا في التاسعة (٢). واحتج في رواية أبي طالب: بحديث عائشة ﵂: أوتر خمسًا لم يجلس إلا في آخرهن (٣)، ......................

стр. 670

وبتسع جلس في الثامنة (١). فإن قيل: فإذا كان قد روي عن النبي ﷺ : أنه كان يصلي بالليل ثماني ركعات لا يجلس إلا في آخرهن، فلِمَ كَرِهَ أحمد أن يتنفل بالليل بأربع بسلام واحد، ولم يكره ذلك بالنهار، حتى قال: إذا نهض إلى ثالثة في صلاة الليل، رجع فجلس (٢)؟ قيل: أما صلاة النبي ﷺ ثماني ركعات بسلام واحد، فإنما أوترها، فجاز ذلك اتباعًا (٣) لفعله ﵇، فأما التطوع الذي لا يقصد به الوتر، فإنما كره الجمع بسلام واحد؛ بخلاف نوافل النهار؛ لأن الأخبار لم تختلف في نوافل الليل أنها مثنى، إلا ما جاء في الوتر، واختلف في نوافل النهار في الأربع قبل الظهر بسلام واحد، وبما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عمر ﵃: أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى، وبالنهار أربعًا أربعًا، ويسلِّم (٤).
следующие страницы →